- غياب علم الأخلاق العربي
- الموروثات الخمس وأساس العقل الأخلاقي

[تعليق صوتي]

شغلته إشكاليات العقل العربي منذ أكثر من عشرين عاما فكتب فيها وعنها، وأثارته مسألة الهوية والقومية والثقافة وأزمة الدين والدولة في ماضي العرب وواقعهم المعاصر إنه المفكر المغربي المعروف محمد عابد الجابري، استضافنا في بيته في الدار البيضاء في المغرب لنحاوره في واحد من أهم كتبه الأخيرة كتاب (العقل الأخلاقي العربي) تُرجمت كتبه إلى اللغات الأجنبية وأثارت أفكارها جدلا لا يكاد ينقطع بين مؤيد أو معارض لها، يحتل موقع القلب في مشروعه الفكري رباعية (نقد العقل العربي) والتي تضمنت (تكوين العقل العربي) ثم (بنية العقل العربي) ثم (العقل السياسي العربي) وأخيرا (العقل الأخلاقي العربي)، لقاؤنا معه كان حول هذا الأخير وفيه يناقش نظم القيم في الثقافة العربية، لكن ماذا أراد الجابري أن يؤسس ويقول في سلسلة نقد العقل العربي بمجملها.

غياب علم الأخلاق العربي

محمد عابد الجابري: في الواقع أنني ما أردت قوله هو ما قلته بالفعل، أقصد بهذا أنه لم تكن لدي في البداية عندما ما أخذته في العمل من أجل كتابة تكوين العقل العربي لم تكن لدي فكرة عامة عن المشروع كيف سيتطور ولا إلى أين سينتهي، كل ما كان عندي في ذلك الوقت هو هاجس ابستومولوجيا كنت قد درست الابستمولوجيا الحديثة في الجامعة ومن بين المناهج بطبيعة الحال التي أثارت اهتمامي منهج المماثلة الأنالوجي وبحكم ثقافتي العربية ففي الوقت نفسه لاحظت أن هذا المنهج الضعيف ابستمولوجيا هو نفسه السائد في الثقافة العربية يعني في العلوم العربية في النحو في الفقه إلى أخره، فكان يعني هذا العقل القياسي اللي هو يعني أو العقل عربي العقل القياسي بامتياز فهكذا والموجه أما أين سأصل بهذا لم أكن أتصور حتى قلت مرارا أنني كنت أعتقد سأكتب كتابا فإذا بي أجد نفسي ضرورة كتابين واحد للتكوين التكويني أي للتاريخ التكويني للثقافة العربية بصورة بانورامية بصورة إجمالية ثم البنية، لمتى هذه البنية وجدت نفسي أن هناك خطابا أخر لم أتناوله وهو خطاب سياسي بعد أن تناولت الخطاب النحوي، الفقهي، البلاغي إلى أخره.

خالد الحروب: وانتهى بك المطاف.

محمد عابد الجابري: وانتهى بنا المطاف أنه السياسة لا تنفصل عن الأخلاق في الدراسات القديمة وفي الفلسفة وغيره إذاً يبقى خطاب أخر اللي هو الخطاب الأخلاقي.

خالد الحروب: ونحن الآن في خطاب الأخلاق، العقل الأخلاقي العربي تبدأ في المدخل والتأسيس للأطروحة الأساسية بالقول أن هناك ادعاءات أو قراءات تقول أنه ليس هناك علم أخلاق عند العرب، أن هناك علم كلام هناك علم كذا لكن فيه غياب فيه ضعف في هذه المسألة ما رؤيتك لهذا الموضوع؟

"
عندما ينظر الباحث إلى موضوع الأخلاق من ناحية فلسفة العلوم أي نقد للفكر العلمي أو نقد العلوم يلاحظ فعلا غياب مؤلفات في الأخلاق في الثقافة العربية
"
محمد عابد الجابري: هو بطبيعة الحال عندما ينظر الباحث إلى موضوع الأخلاق من الناحية الابستمولوجيا يعني من ناحية فلسفة العلوم أي نقد للفكر العلمي أو نقد العلوم يلاحظ فعلا غياب مؤلفات في الأخلاق في الثقافة العربية، هناك مؤلفات في النحو في الفقه لا تحصى في التاريخ في كل ميادين المعرفة لكن في الأخلاق التأليف في الأخلاق كان قليلا وعندما بدأ، بدأ بتأثير أجنبي شرحته في الكتاب وطبعا غياب كتاب غياب تأليف في الأخلاق في الثقافة العربية لا يعني غياب التفكير في الأخلاق ولا غياب محاولات.. فهذا ما أردت أن أبينه أنه فعلا بدأ الموضوع يشغل اهتمام الباحثين القدامى إلى أن صار في النهاية يعني وصل إلى نتيجة أنه لابد من علم أخلاق عربي إسلامي خارج ما هو موروث من الثقافات القديمة.

خالد الحروب: نعم الآن الشيء الأساسي أو الهيكل للكتاب هو تأسس على أطروحة مركزية تقول أن العقل الأخلاقي العربي تكون من موروثات خمس أو قادمة من خمس ثقافات اليونانية الفارسية ثم الموروث الصوفي الموروث العربي والموروث الإسلامي نريدك أن تقول لنا كيف جمعت هذه الموروثات ولماذا حصرتها مثلا بهذه الموروثات الخمسة أولا؟

محمد عابد الجبري: هو مسألة منهجية لأنه في الكتاب السابق اللي هو أساسا بنية العقل العربي قسمت نظم المعرفة في الثقافة العربية إلى ثلاث نظام بياني نظام عرفاني نظام برهاني وجاء العقل السياسي هو خارج النظم المعرفية لأنه سياسة.. فوجدت أن الدوافع الأساسية للفعل السياسي العربي في العصور القديمة يعني كان القبيلة والغنيمة والعقيدة، إلى ما انتقلنا إلى الأخلاق فلا يمكن أن تطبق عليها لا القبيلة ولا العقيدة ولا البرهان والبيان لأنني سأكرر نفسي لأنه هذه الأمور وردت بكيفية أو بأخرى في الكتب السابقة.

خالد الحروب: لا سوف نأتي إلى كل موروث من هذه الموروثات ونرى ما هي القيم التي تم تصديرها بين قوسين إن شئت للثقافة العربية، لكن قبل ذلك أسأل لماذا مثلا لم يتم وأنا أقرأ الكتاب لماذا مثلا لم يتم معالجة موروث فنقول الموروث الفرعوني مثلا وأنت كل موروث أخذت منه قيمة مركزية الآن نناقشها، لكن مثلا الموروث الفرعوني وقيمة الصبر على سبيل المثال كيف جاء مثلا إلى العقل الأخلاقي العربي؟

محمد عابد الجبري: هذه المسألة أنا تكلمت عنها في تكوين العقل العربي يعني فصلت في الأمر أنه قلت أنا أتكلم عن الثقافة العربية كما تشكلت في عصر التدوين اللي هو العصر العباسي الأول وذكرت التيارات إلى أخره وقلت أما الثقافات القديمة بما فيها الفينيقية وبما فيها المصرية وبما فيها ماسيغية وغيره يعني هذه ثقافات دابت وأعطت وما أعطته دخل وداب ولم يعد يشكل كيان مستقل، فلذلك حضورها حضور الجزء في المجموع ولا يشكل يعني صنفا من أصناف المجموع ولذلك لا معنى بالنسبة إلي وفي.. على مجال الأبستمولوجي لا معنى لذكر ثقافة فرعونية في هذا المجال ولا الصبر وغير الصبر يعني منذ خلق الله أدم والصبر موجود يعني مش فقط الذي يبحث في النظام الفرعوني مثلا كان ممكن يبحث في دور فكرة التوحيد عند المصريين وموسى إلى أخره، لكن أنا لست مؤرخ ديانات مش هذا الموضوع أنا التوحيد موجود عندي ضمن منظومة معرفية وأخلاقية وتعالجها كما هي وإلا سأخرج عن مجال الثقافة العربية الإسلامية عندما نقول ثقافة عربية إسلامية معناه شيء وما قبلها شيء أخر حاضر ولكن بشكل ليس يعني لا يشكل صنفا من أصنافها.

[تعليق صوتي]

يتوقف العقل الأخلاقي العربي مليا عند ما يسميه أزمة القيمي وصراع القيمي في الثقافة العربية الإسلامية وتاريخها، يقول "إن القيم اختلفت وتصارعت بحسب الظرف التاريخي والزمني وبحسب المؤثر الخارجي ولم تهدأ دينامية صعود وهبوط هذه القيم أو تلك في فضاء الثقافة العربية منذ أن برزت أزمة القيم نفسها".

محمد عابد الجبري: عندما تكلمت عن أزمة القيم عرفتها بالفتنة الكبرى التي حدثت يعني مباشرة بعد الخلفاء الراشدين أو مع أخرهم اللي هو عثمان ثم الحرب بين علي ومعاوية وحرب.. التي كانت كارثة يعني لم تكن منتظرة ولا شيء الإسلام على عهده والإسلام الجمع والإسلام الأمة والإسلام المستقبل بل فإذا به يتقاتلون والصحابة أنفسهم اللي هما صحابة النبي يتقاتلون ومش فقط بالكلام بل بالسيف إلى أخره فهذه فتنة يعني تفتن العقل وتفتن الأخلاق بطبيعة الحال وتفتن القيم، فكانت أزمة من مظاهرها أن بعض الصحابة اعتزلوا ما كانوا موجودين في لم يكونوا موجودين كانوا في الفتح فما سمعوا بهذا الأمر وجاؤوا إلى المدينة اعتزلوا قالوا تركناكم على أمر ووجدناكم على أمر أخر فنحن لا نخالف، هذه يعني انعزال وهذا نوع من الحياد السلبي هو نتيجة أزمة ضمير في آخرون لما جاء بعد ما انتهت حرب (كلمة غير مفهومة) ظهرت أزمة على شكل جماعة البكاءين يعني أصبح ناس مجموعة من الناس شغلهم هو يبكي ويبكي والناس معاهم لأنه فيه..

خالد الحروب: تحسر على ما حصل وكذا.

محمد عابد الجبري: وفيه يعني أيضا الغلات الذين ظهروا في على حواشي الأئمة الشيعية هؤلاء الغلات يعني كان منهم من ذهب به الأمر إلى إدعاء النبوة أو إدعاء الألوهية ويعني والأخذ من الموروث القديم الفارسي والاسرائيليات وغيرها..

خالد الحروب: دكتور جابري قبل أن نبدأ بالمواريث الخمسة الحضارات الخمسة وأنت مازالت الآن في مرحلة التأسيس والمنهجه للكتاب كله تناقش هنا أيهما يؤسس الأخلاق هذا في الفصل الرابع العقل أم النقل وهذه طبعا أطروحة أساسية في الفكر الإسلامي الفلسفي وعلم الكلام وغير ذلك وتناقش أن الضمير مثلا في الفكر الغربي المناظر كان يعتبر مركز الأخلاق ما هي رؤيتك إزاء هذه المسألة مسألة أين تتأسس الأخلاق في العقل أم النقل؟

محمد عابد الجابري: هو يعني الدين يغطي مجال الأخلاق لأنه في الثقافة العربية القرآن أحكام وأخلاق الأحكام هي الحدود والفرائض والأخلاق يعني كل ما هو عمل صالح كله أخلاق لكن بالنسبة للتأليف في الأخلاق ما ألف الناس في هذا الموضوع لا في فقه ولا خارج الفقه تا الفقه نفسه لم يؤلف في ما يسمي أو ما سمي بأخلاق الشرعية إلا في مرحلة متأخرة عندما دخلت الأخلاق اليونانية وغيرها فهذا الميدان يعني على كل حال لا أكرر تفاصيل لكن الموضوع هو هذا هو أنه الناس يعتقدون أو عامة الناس أو عامة المثقفين لا أقول خاصتهم الذين يعرفون الفكر الإسلامي ودرسوه دراسة أزهرية أو دراسة معاصرة لا فرق لكن درسوه في مراجعه يعتقدون أن الدين هو مصدر الأخلاق أو النقل هو مصدر الأخلاق في الإسلام وليس العقل العكس هو الصحيح لأنه العقل هو بالنسبة للإسلام هو المؤيد للدعوة اللي هي النبوة المؤيد لكل ما جاء به القرآن يعني أو مطلوب منه أن يؤيد ويبرهن على الصحة بتاع هذه المبادئ كلها فكان يعني العقل حتى في اللغة العربية يعني اليومية قبل الإسلام عقل يعقل من عقل الناقة يعني وحتى العقل تعريفه يعقل لأنه يعقل صاحبه عن القبيح يعني كأن تربطه فالعقل هو المصدر ولذلك فهذا الموضوع يعني حاولت أن أصحح النظرة أما قضية الضمير هذه آثارها المستشرقون في القرن أو القرن ما قبل الماضي حينما كتب بعضهم جولد سير وغيره أنه في الثقافة العربية الإسلامية ليس هناك ما يسمي بالضمير (كلمة فرنسية) اللي هو أساس الأخلاق في الغرب ضمير الفرد اللي هو أساس الأخلاق إحنا طبعا هذا الضمير هذا اللفظ مش موجود لكن أحيانا يستعمل العقل في موضعه ولذلك تقرأ في كتب الأدب سلطانية وكتب الأخلاق العاقل هو من يفعل كذا العاقل هو من لا يفعل كذا يعني..

خالد الحروب: يعني مترادفة كأنها بديل نظير.

محمد عابد الجابري: العقل، والعاقل هو المرجع حتى في التكليف الإسلامي تكليف الفرائض لا يكلف إلا العاقل.



[فاصل إعلاني]

الموروثات الخمس وأساس العقل الأخلاقي

خالد الحروب: دكتور وصلنا إلى بدايات الآن هذه المواريث أو العناصر الخمسة الأساسية التي شكلت العقل الأخلاقي العربي ونبدأ بالموروث الفارسي وكل موروث أنت ترصد تلتقط قيمة أساسية تطلق عليها القيمة المركزية التي انتقلت إلى الثقافة العربية الإسلامية نبدأ بالموروث الفارسي.

محمد عابد الجابري: نعم بخصوص القيمة المركزية يعني بمعنى المنهج منهاج يعني يستلهم نسبيا البنيوية وإحنا تكلمنا عن البنية بنظام قيم نظام (System) فالنظام أو الـ (System) أو البنية عادة تتمركز حول محور معين أو قيمة أو مبدأ والباقي تدور يعني وهذا ما يعبر عنه بثابت ومتغير الثابت ويحيط به متغيرات فنحن نبحث في الموروث الفارسي عن الثابت فيه رغم جميع التغيرات التي يمكن أن تحدث في مجال القيم، فطبعا وجدت الطاعة لكن طريقي إليها لم يكن طريق نظريا أنا تتبعت الثقافة العربية الإسلامية منذ النبوة إلى أن بدأ الناس يتحدثون في الأخلاق سواء شعروا أم لم يشعروا فوجدت أن الكلام في الأخلاق خارج القرآن وخارج الدعوة يعني اللي نحن نتكلم الآن عن البحث عن العلم عن شيء من إنشاء الناس وجدته في رسائل عبد الحميد وابن المقفع اللي هي ما سمي أو يسمى في الدراسات الأدبية بالخطابة أو الترسل ففي هذا الميدان لم تكن القضية قضية بلاغة فقط ولا قضية خطبة ولا.. لا كانت قيم تكرس لأنها خطبة من الأمير أو رسالة توزع أو خطبة تجمع أحيانا فكان ما هو الذي يبقى ثابتا في إطار جميع الرسائل وتحولات وخطب جمعة وخطب الأمراء .. الطاعة.

خالد الحروب: أن المحكوم يجب أن يطيع الحاكم.

محمد عابد الجابري: أي الطاعة هو هنا فلما بحثت عن أصل الطاعة من أين أتى مباشرة ومن خلال النصوص يعني تدين إلى النصوص الفارسية التي نقلها عبد الحميد وابن المقفع، فإذاً الأصل هو الفارسي فكان لازم نخش ندخل في الموروث الفارسي كله ونبحث الطاعة بإنجاز من أين جاءت، جاءت من أردشير يعني لما صرنا عن الأصل وأردشير أقام حكمه على أساس الدين أساس الملك والملك حارس للدين يعني تشوف هذه العبارة كيف.

خالد الحروب: في الأول توظيف للدين في السياسة.

محمد عابد الجابري: في الأول توظيف للدين والناس يفهموا حتى قدما فهموا أن الملك حارس للدين يعني حتى لا يضيع الدين عند الملحدين وغيرهم لا القضية مش هيك حارس للدين حتى لا يثور على الملك توظيفه من أجل..

خالد الحروب: حارس معاكس وليس.

محمد عابد الجابري: يعني حارس يحرسه بالسيف يعني أو واقف عليه كمسجون، كمسجون.

خالد الحروب: نعم دكتور الآن إذا أخذنا الطاعة أو مفهوم هذه الطاعة من الموروث الفارسي، من الموروث اليوناني أنت تكتب هنا أخلاق السادة القمة المركزية ماذا تقصد بذلك؟

محمد عابد الجابري: هو الفلسفة اليونانية كلها في النهاية يعني من ناحية القيمة القيم بتاعها طبعا في القيم العدل في قيم كثيرة لكن ماذا يطمح الإنسان في الفلسفة اليونانية إيه السعادة يعني تقرأ أرسطو كله تقرأ أفلاطون تقرأ سقراط والسعادة يعني السعادة في البداية تكون سعادة مربوطة بالمعرفة معرفة الحقيقة من أجل المعرفة ومن أجل شيء آخر وثم ترتفع في النهاية راح تصير سعادة عند أفلاطون أو عند حتى أرسطو أو عند بعض الفلاسفة فيما بعد بالخصوص فيما بعد أنه السعادة هي هاداك نوع من الاتصال أو تشب قول انجذاب نحو الخالق.

[تعليق صوتي]

وهناك أيضا الموروث الصوفي الذي أثر في العقل الأخلاقي العربي عن طريق إدخال القيمة المركزية فيه وهي أخلاق الفناء التي قادت كما يقول الجابري إلى فناء الأخلاق وترك التدبير بل وأيضا إلى فناء الأمم لكن هذا الموروث يجد أصوله في التصوف الفارسي والتصوف الهرمسي ومن ثم انتقل إلى التصوف الإسلامي.

محمد عابد الجابري: الموروث الصوفي ظهر في الثقافة العربية كنتيجة لأزمة القيم اللي تحدثنا عنها واللي كانت فتنة كبرى يعني الإنسان الدنيا يعني أصبحت الناس يتقاتلون على الدنيا وكذا يعني مش معقول أنا يعني فأصبح انعزال عن الدنيا والعزلة وطلب العزلة ويعني هذه المسائل اللي هي وطلب الروحانيات وطلب.. فكان الأساس قبل الترجمة طبعا لما جاءت الترجمة أصبح المترجم في هذا الميدان أو الكتب المترجمة أو كثيرة ليس هو أرسطو وأفلاطون بل الثقافة اليونانية ما بعد أرسطو وأفلاطون التي كانت كلها غنوصية وصوفية وفي هذا المجال فكانت يعني من الوفرة بحيث يعني هيمنت على كل شيء.

خالد الحروب: نعم الآن وصلنا إلى الموروث العربي والخالص والذي أنت التقطت منه القيمة المركزية التي هي أخلاق المروءة وشيء جميل ومثير وأيضا ربما مستفز لأسئلة أخرى لماذا لم تكن مثلا قيمة الفروسية قيمة الكرم ما هو مفهوم المروءة؟

محمد عابد الجابري: هو من الناحية التاريخية الأمور صارت أنا تتبعت التسلسل التاريخي يعني ظهرت الأخلاق أول شيء كأخلاق فارسية الطاعة ثم انتقلنا إلى التصوف ثم انتقلنا.. العرب لم أو الكتاب العرب لم يتكلموا على القيم العربية ولا شيء نهائيا إلى هذا الوقت خصوصا مع المواردي حينما أصبحوا يشعرون بالحاجة إلى كتابة شيء عن الأخلاق من زاوية عربية محضة بدون فارسية ولا رومانية ولا يونانية، فركزوا على فكرة المروءة وفعلا في الأدبيات العربية المروءة تجمع الخصال كلها خصال حسنة فيها الهيبة أنت شيخ قبيلة وفيه الكرم بتاعه وفيها الشجاعة بتاعه والفروسية وكله فالمروءة هو جماع هذه القيم وأكثر من هذا كما قال المواردي والإشكال كما تنص المروءة معاناة ليس فقط كريم أو جواد لا، تعاني أنه في حاجة لازم تعطيها فهي قيمة مركزية تجمع وأنا ناقشت كما تذكر الاحتمالات في مجالنا لا نقول بالكرم ولا نقول بهذا ولكن في النهاية الكتاب الذين كتبوا في هذا الميدان وإسم المواردي واحتلوا الأدبيات كلها وحتى في الحس العربي العام المروءة شيء لا يُعرَّف صعب..

خالد الحروب: ربما يمارس أو يشعر بها.

محمد عابد الجابري: يمارس لأنه مش عطاء فقط عطاء وكرم وأكثر.

خالد الحروب: هو فضاء ربما أكثر من ممارسة.

محمد عابد الجابري: هو القيمة اللي قريبة له الثانية إذا شئت هو السؤدد لكن كان عنده طابع مادي.

خالد الحروب: أخر موروث إذا سمحت دكتور اللي هو الموروث الإسلامي ولا تتحدث عن الذين أمنوا ثم عملوا الصالحات وتركز على الذين عملوا الصالحات ومن هنا تلتقط مسألة المصلحة باعتبارها القيمة المركزية التي جاءت من التقليد الإسلامي في تشكيل العقل الثقافي.

محمد عابد الجابري: هو عندما يفكر الإسلام في الموروث الإسلامي الخالص في القيم التي بثها كما رأينا عند اليونان وعند الفرس لازم فيه قيم القيم التي بثها القرآن من أول الأمر يعني مضبوطة في كلمتين عندما وجدت {إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الإيمان شيء هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره وعملوا الصالحات أي المجتمع أو الأخلاق المعاملة ولذلك تجد حديث آخر [الدين معاملة] إذا ففكرة عمل صالح هي قيمة مركزية أعظم وأقوى وأشمل من التقوى ومن جميع ومن الصبر ومن جميع القيم الأخرى التي لا حصر لها في القرآن فهذا العمل الصالح مصلحة عندما قام المفكرون أو بعض المفكرين في الإسلام يريدون أخلاق إسلامية خارج اليونانية أو قاموا في البداية بأسلمة الأخلاق اليونانية كما شرحت مع الذين ذكرناهم المواردي ورحت المواردي وأقسام بهالميدان ومع الأصفهاني مع غيره لكن بناء أخلاق من إسلام نفسه مش خارج لأنه ليه لأنه كان مسيطر في ذاك الوقت هو القسمة بتاعت أفلاطون الثلاثية للنفس البشرية إلى نفس عاقلة ونفس يعني غضبية ونفس شهوانية والأخلاق تتلخص في تخليد النفس العاقلة يعني إنسان بيولوجي في نهاية الأمر كلهم كانوا يؤسسون تفكيرهم على هذه ما خرجووش عن التقسيم اليوناني شخص واحد خرج اللي هو العز بن عبد السلام أراد أن يؤسس الأخلاق والعمل الصالح وكله على أساس الثوابت الدينية في علم الكلام الله صفاته ذاته أفعاله يعني هذا هو المرجع تقسيم ثلاثي آخر جديد مرجعية إسلامية محضة ولذلك تستحقه.. هذا الكتاب أو هذا المؤلف يستحق أكثر من غيره أن يوضع كواحد من ممثلي الأخلاق الإسلامية وهو أخرهم لأنه هو في النهاية أخرهم.

خالد الحروب: وبهذه الكلمات عن العز بن عبد السلام نشكركم مشاهدي الكرام على متابعتكم لنا كتاب اليوم الذي كان (العقل الأخلاقي العربي) من تأليف الدكتور المفكر المغربي محمد عابد الجابري وهذه تحية من منتج البرنامج الزميل عبد المعطي الجعبة ومني خالد الحروب ودمتم بألف خير.