مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

د. جورج قرم: مؤلف الكتاب
محمد فرحات: كاتب في صحيفة الحياة

تاريخ الحلقة:

09/09/2003

- الغرض من إصدار الكتاب
- البحر المتوسط كحد وهمي بين الشرق والغرب

- دور الإعلام والبحوث الأكاديمية في تنمية العداء بين الشرق والغرب

- إزالة القداسة عن الدين في الغرب

- الحركات الإسلامية وواقع عملية الإحياء الإسلامي

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم.

هل الشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولا يلتقيان؟ أم أن الشرق والغرب وسواهما من تقسيمات الجغرافيا والحضارات ليست سوى تصنيفات تعسفية؟

تصنيفات تحبس انسياب الأنساق الحضارية رغم الحدود الثقافية والهويَّاتية وتحشرها قسراً في قوالب مصطنعة، هدفها تكريس مصالح سياسية وليس تقديم مفاهيم علمية وأكاديمية تصف صيرورات التاريخ ومدنياته المتعاقبة والمتداخلة.

كتاب اليوم ينهمك في هذا السؤال الكبير وما يتفرع عنه من أسئلة، وعنوانه "شرق وغرب.. الشرخ الأسطوري" من تأليف (المفكر والكاتب والاقتصادي اللبناني) جورج قرم، وقد صدر بالفرنسية قبل أن تظهر نسخته العربية التي نناقشها اليوم.

يشكك الكتاب في عدد من المقولات الشائعة والمسيطرة على فهم طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، فالغرب الذي يُوصف بأنه علماني وعقلاني ولا ديني ليس هو كذلك كما يجادل المؤلف، فعلمانيته مخادعة وغير إنسانية ومنحرفة عن علمانية عصر الأنوار، وعقلانيته ملوَّثة بتوترات وانفعالات الهوية والنرجسية، واللادينية فيه ليست سوى مظهر خارجي يُخفي مركزية الدين وفكرة الخلاص المسيحية اليهودية المهجَّنة أصبح يُنادى بها كجذر لحضارة الغرب الراهنة تدفن الجذر الإغريقي الروماني لهذه الحضارة بأبعادها العقلانية واللادينية.

أما الشرق الذي يوصف بأنه روحاني وغير عقلاني وديني، فهو الآخر ليس كذلك كما يجادل الكتاب، فروحانيته السحرية وغير عقلانيته المزعومة وتديُّنه المشار إليه دوماً هي كلها من صنع المخيلات سواء كانت غربية أم شرقية أكثر منها وصفاً للواقع.

وهكذا فالشرخ الأسطوري أو.. أو الوهمي بين الشرق والغرب وكما يرد في الكتاب هو اصطناعي بامتياز وليس حقيقياً، هذه الأفكار وغيرها نناقشها اليوم مع ضيفينا وهم مؤلف الكتاب (المفكر والكاتب) جورج قرم الذي كتب عدداً من الكتب حوله مسألة العلاقة بين الشرق والغرب وعدداً آخر في الاقتصاد العالمي، وكذلك أرحِّب بضيفنا الثاني وهو الأستاذ محمد فرحات (الأديب والكاتب والمحرِّر في صحيفة "الحياة")، أهلاً وسهلاً بهم، أهلاً وسهلاً.

محمد فرحات: أهلين.

الغرض من إصدار الكتاب

خالد الحروب: أستاذ جورج، إذا بدنا معك أولاً في السؤال التمهيدي ما الذي تريد أن تقوله في هذا الكتاب؟ ما هو هذا الشرخ الأسطوري الذي تتحدث عنه؟

د. جورج قرم: في الكتاب في الحقيقة رسالة مزدوجة لكل من المثقفين العرب والمثقفين الغربيين، بأن المقولات التي نستعملها بشكل عفوي في الأدبيات السياسية اليومية ليست لها تماسك، ليست عقلانية، وأول خرق للعقلانية هو هذا المتخيل في كل واحد منا إنه الشرقي شرقي وبيظل شرقي، والغربي غربي وبيظل غربي، فالكتاب بيطرح أسئلة عديدة .. طب الغرب فين يعني والشرق فين؟ في الماضي إذا أخذنا من خمسين سنة لو كنا حكينا مثلاً أو بسبعين سنة الشرق كان الصين واليابان، كان الغربيين وأوروبا بتخاف من الصين ومن اليابان، وكانوا بيقولوا عندك الخطر الأصفر، اليوم فيه خطر إسلامي، بس بالماضي ما كان خطر إسلامي بالنسبة للغرب، كان الخطر الديموغرافية الصينية، القوة الصينية، المنافسة اليابانية الاقتصادية إلى آخره، من 30 سنة، 40 سنة كان الاتحاد السوفيتي في الشرق كان فيه كتلة غربية وكتلة شرقية، طب اليوم ليش صرنا نحنا بأنه فيه كتلة إسلامية بوجهة كتلة تسمى نفسه -وهذه بدعة حديثة- يهودية مسيحية، فالكتاب عم بيجرب بيشوف من وين إجت كل ها الصور اللي هي بالفعل صور تمنعنا نشوف الصراعات بحقيقتها، فنقدر ندافع عن أنفسنا، وأحياناً فيه اتهامات باطلة للغرب، أحياناً اتهامات ضد الشرق، وما عم بنشوف لا العيوب ولا المحاسن للغرب، ونحنا كشرقيين في معظم الأحيان بنوقع ضحية الكليشات اللي بيستعملها الغرب، إحنا مشكلتنا إنه مفرنجين يعني حتى بالأدبيات الإسلامية الأكثر عنفاً ضد الغرب بنشوف إنه فيه كثير من المفاهيم مأخوذة من الثقافة الغربية.

خالد الحروب: نعم، سوف نأتي إلى هذه المسألة الفرنجة وكيف تفرنجنا على مختلف الصعد، لكن أسأل الأستاذ محمد أيضاً يعني ما رأيك الإجمالي في هذا الكتاب كمدخل لمناقشة محاوره وفصوله خاصة وأن هذا السؤال سؤال علاقة الشرق بالغرب سؤال مركزي وضاغط وثقيل الوطأة في المنطقة على الأقل منذ قرنين، هذا السؤال الذي ألح على مفكري عصر النهضة ومن ذلك التاريخ وحتى الآن نحن نسأل ونكتب حول هذه المسألة، فما هو الجديد في كتاب يتحدث حول مسألة تبدو تقليدية وعادية؟

محمد فرحات: الكتاب فيه جديد إن.. أن الشرق هذه المرة المعني بالصراع هو الشرق الأوسط، يعني العالم العربي الإسلامي بالدرجة الأولى وما يليه من دول إسلامية في الدرجة الثانية، هذا العالم العربي الإسلامي هو الشرق اليوم الذي يواجهه الغرب، ولكنه شرق قريب جداً من الغرب، يعني العالم العربي الإسلامي أغلبه مشاطئ للمتوسط و.. وشريك حضاري بل.. بل شريك في.. في الذكريات اليومية وفي التفاعل اليومي مع الغرب، يبدو أن هذا الشرخ أو تبيان وهمية الشرخ بين شرق وغرب هذه المرة حقيقي أكثر من أي مرة أخرى، كتاب الدكتور جورج قرم ربما إذا صدر.. إذا كان صدر له مثيل في حالة الصراع بين الكتلة السوفيتية والكتلة الغربية سابقاً، فربما يستدل هذا الدليل على أن أصول الشيوعية أو الماركسية غربية، لو كان كتاب أسبق حول أن الشرق هو الشرق الأصفر يعني الشرق الأقصى لكان.. لكان الشرخ حقيقياً إلى حدٍ ما بالمعنى الحضاري، الآن العالم العربي الإسلامي أقرب من الاتحاد السوفيتي السابق، أقرب بالطبع من العالم الأصفر إلى الغرب، ليس هناك شرخ فعلي إنها نوع -بين مزدوجين- إنها نوع من حرب أهلية الآن، وهي علامة على أن الحضارة الغربية المؤثِّرة في نهضة العالم كله هي في أزمة تتخبَّط مع ذاتها، وهذا لا يعني أيضاً أننا خارج هذه الأزمة، فنحن الذين كُتب لنا أن نكون مصارعين في هذه الأزمة، الأزمة عندنا كما هي عند الآخر.

البحر المتوسط كحد وهمي بين الشرق والغرب

خالد الحروب: يعني دكتور جورج، بالفصل الأول تتحدث عن البحث في جذور هذا الشرخ الذي تسميه شرخاً وهمياً، وتتساءل فيما إن كان الحد الجغرافي لهذا الشرخ بين الغرب والشرق هو البحر الأبيض المتوسط، وهذا البحر الذي نُظر له وحتى كُتب فيه أحياناً شعر على أنه بحيرة جامعة بين ضفتي المتوسط ينظر له بعض الأحيان على أنه نار تفصل بين.. بين الحدين، ما هي أطروحتك؟ كيف ترى هذا البحر المتوسط؟ هل هو حد جغرافي فعلاً يفصل بين ما هو غربي وما هو شرقي؟

د. جورج قرم: تاريخياً مفهوم الشرخ بين الحضارات أتى من اليونان القدماء كانوا بحر متوسطيين، الحضارة اليونانية أسست للمقولة البربرية، المقولة البربرية ليست مقولة العنصر البدائي، اليوم عم نستمعل كلمة بربرية إنه البدائية، إنما عند اليونان البربري كل ما هو لا ينتمي إلى الحيز اللغوي والثقافة اليوناني، بربري بمعنى الأجنبي، بعدين إجت الديانات السماوية غيرت من ها المفهوم يعني صارت القضية المؤمن والكافر اللي تعمل شرخ، يعني فيه هوة فاصلة بين كتلة بشرية تؤمن بديانة معينة وبين بقية البشرية اللي ما بتؤمن، اليهودية انبنت على ها الشيء المسيحية بعد ذلك، مع إنه المسيحية كانت انفتاح كبير، بس اتغلَّب عليها ها.. ها الموضوع، وبعدين إجا الإسلام كديانة سماوية ثالثة كرَّس أيضاً ها الهوة، وطبعاً الثلاث ديانات السماوية اتفاعلت بالبحر الأبيض المتوسط، بس الشيء الغريب اللي ما حدا انتبه له مثلاً إن بينقال كنيسة شرقية وكنيسة غربية، مع أنه المسيحية كلها شرقية، يعني نبعت من الشرق، وصار فيه انفصال بين كنيستين واحدة يونانية الأصل البيزنطية اللي هم الروم الأرثوذكس اليوم وبين المسيحية الغربية بقيادة الحبر الأعظم والباباوية في روما، طيب فهل الشرخ بقلب الديانة الواحدة؟ يعني شيء غريب..

خالد الحروب [مقاطعاً]: يعني إذن غير المتوسط هو الشرخ.

د. جورج قرم: أيه.. أيه، وكمان ما بتركب، لأنه كيف جرى إنه بقلب الديانة الواحدة اللي هي المسيحية بيصير فيه شرخ، خصوصاً من بعد ما قلنا الديانة السماوية نفسها تجعل من الشرخ الفاصل بين المؤمن وغير المؤمن، طيب كيف داخل المجموعة الإيمانية الواحدة بيصير فيه شرخ فمن ها المنطلق أنا بآجي بأقول إنه المقولة سخيفة مقولة الشرخ بشكل عام، اللي بيفصل بين المجتمعات البشرية هي المصالح الدنيوية السياسية، القوة، العظمة، الإمبراطوريات، الكذا، مش قضية إيمانية ولا قضية عرقية أو قضية مذهبية يعني، فيه مصالح.. الدنيا مصالح، والمشكلة اللي أنا معايا سواء مع إخواني المثقفين العرب أو.. أو المثقفين الغربيين إنه (...) القصة، إنه: لأ، فيه هاي باسميها أنا بالكتاب الجوهرانية..، فيه شيء جوهري أبدي سر ما.. ما بيتغير بالإنسان، الإنسان بيكون شرقي ما بيتغير، الإنسان بيكون مسلم ما بيتغير، الإنسان بيكون مصري ما..، وهلمَّ جرًّا، يعني مع كل المجموعات البشرية.

خالد الحروب: بالنسبة للأستاذ محمد أيضاً حول مفهوم هذا الشرخ.. هذا الشرخ هذا التحليل طبعاً جميل من ناحية.. من الناحية النظرية ومن ناحية إنسانوية، لكن واقعياً وعملياً تصطدم بأنه هناك كتل متمايزة عن بعضها البعض، هناك كتل ثقافية وهناك حضارات مختلفة لغوياً وتاريخياً ودينياً، وهناك نوع من الهوس أحياناً بوسم حدود جغرافية يسميها (هنتنجتون) حدود دموية بين.. بين الحضارات، فمسألة الشرخ يعني مرة أخرى -محمد- وهذا متوسط، عبر التاريخ الحروب الصليبية شمال يعني شمالاً إلى الجنوب، والحروب الإسلامية من الجنوب إلى الشمال، كان هو بحر دامي.

محمد فرحات: يعني البحر المتوسط شهد طبعاً الحروب الصليبية، لكن الصليبيون الأوائل الذين أتوا إلى الشرق حاربوا في البداية القسطنطينية التي هي أهم حاضرة مسيحية في العالم القديم، بعد أن نهبوا القسطنطينية وصلوا لينهبوا المدن أو الحواضر الإسلامية، إذن من.. من العنوان من وقائع الحرب الصليبية تبيَّن أنها ليست صليبية وعلى كل حال التسمية الصليبية هي تسمية أوروبية، العرب سموهم الفرنجة ليفصلوا أو يميزوا بينهم وبين المسيحيين الشرقيين.

أقول: أعود إلى الآن نحن الآن على الرغم من.. من وهمية هذا الشرخ التي أثبتها الكتاب في غير موقع وفي غير حقل جغرافي وسياسي وفكري واقتصادي، على الرغم من ذلك نحن نعيش أدبيات يومية تؤكد هذا الشرخ، هذه الأدبيات هي تشعل النار في.. في.. في هذا الصراع، وهذه الأدبيات صادرة عن الغرب وصادرة عن ما يُسمى بالغرب وصادرة عما يُسمى بالشرق أيضاً، ففي حين أن الإسلام الذي يقول -وهو واقع قوله- جورج قرم في كتابه أن الإسلام في حضارته اعترف بالآخر على الأقل بالآخر الكتابي، فعاش المسيحيون واليهود في كنف الدولة العربية الإسلامية عيشة بمقياس تلك الأيام عيشة مُرضية فساهموا في.. بكل نشاطات الحياة وحتى في الإدارة وحتى في الوزارة، هذا الإسلام الذي كان قائم على تعدد الثقافات وتعدد الأديان يبدو اليوم في أدبيات الإسلاميين إسلاماً لا يقبل الآخر ويعادي الآخر.

أيضاً في الغرب على الأقل الولايات المتحدة شمال القارة الأميركية على الأقل هو شمال قائم على تعدُّد الثقافات والأعراق، فإذا نظرنا إلى المجتمع الأميركي بنظرة عرقية ونظرة ثقافية هو يشبه.. كأنه طبعة جديدة من الدولة العربية الإسلامية ولا يمكن لأصوات العصبية وأصوات الشرخ في الولايات المتحدة، وحتى في أوروبا التي هي أكثر نقاءً نسبياً من الولايات المتحدة، لا يمكن لهذه الأصوات إلا أن تؤدي بالتالي إلى تخريب مجتمعاتها نفسها، كما أن أصوات الانعزال الإسلامي ووضع جدار بين المسلمين والعالم في العالم الإسلامي إلا أن تؤدي أيضاً إلى انحدار العالم الإسلامي نفسه.

خالد الحروب: إذا سألنا السؤال بطريقة معكوسة يا دكتور جورج، إذا قلنا أن هذا الشرخ وهمي وليس هناك شرخ، نحن واحد ولسنا منقسمين، هل.. هل هذا.. هل نحن إذن عالم واحد متشابه؟

د. جورج قرم: أنا.. أنا لا أقول إن إحنا واحد، أنا مؤمن بأنه لذة الحياة لذة الدنيا هو التعددية الموجودة بالإنسانية، الحمد لله إنه فيه ها التعددية، بس ها التعددية ما بتعني حتماً إنه بده يكون فيه شرخ وبده يكون فيه عداء ناتج عن ها التعددية، يعني إذا أنا مولود مسلم وشرقي وعربي بدي أكون على حالة عداء وتمايز مطلق مع الإنسان الموجود بالغرب اللي هو مسيحي فرنسي أو إيطالي أو اللي بدك إياه، يعني هايدي الطروحات اللي أنا الكتاب عم بيناقضها بشكل مباشر، لأنه النزاعات تنظمها الأطماع البشرية مش الجينات الشعوب اللي عم بتنظم ها.. ها النزاعات، يعني سبب صرخة الكتاب إنه تعالوا نمارس المنهج النقدي في الفكر، ما بيقبل بكل ها المقولات اللي بالنهاية الثقافة الغربية اليوم ثقافة مهيمنة على العالم، يعني العلوم الإنسانية الغربية طغت على الفكر عالمياً، ونحن حتى طلابنا العرب بيروحوا بالغرب بيأخذوها حتى إذا قعدوا بالبلد بيأخذوها، وهاي بتكرس ليش عم بأقول هو متخيَّل أو وهمي أسطوري؟ بتكرِّس فكرة الانقسام العفوي الجيني.

خالد الحروب: لكن إذا سألتك في هذه النقطة هو بيركز الكتاب على الأدبيات حتى يذهب إلى عصور الاستشراق الكلاسيكي، كتابات (رينان) ثم (توينبي) وغيرها الذين قسَّموا الأجناس بحسب اللغة، وقالوا إنه هذه اللغة كائن.

د. جورج قرم: اللغة.

دور الإعلام والبحوث الأكاديمية في تنمية العداء بين الشرق والغرب

خالد الحروب: الناس يعيشون في داخله فهم بذلك يتمايزون، يعني هذا الآن -عفواً- ما تأثيرها على الرأي العام، التأثير الكبير للإعلام، يعني أرى إنه التركيز على.. على المدخل الأكاديمي والمساهمة الأكاديمية في تشكيل ما نراه الآن ربما تركيز في المكان الخطأ، التركيز الحقيقي الذي يحدث الذي يقلب الأدمغة الآن ويجعلها شرسة في اتجاهٍ أو آخر هو الإعلام وليس هذه البحوث الأكاديمية التي تعرَّضت لها في الكتاب.

د. جورج قرم: لأ، بس انتبه فيه بحوث طبعاً مثلاً إذا أخذنا شخص مثل (إرنست رينو) الذي كان إله عظمة كبيرة بعصره وما فيه شك عالم كبير، كتب نص هو مش نص أكاديمي على الشعوب السامية، يعني حمَّل الشعوب السامية بلادة النفس وعدم القدرة على التطور التمدني على التمدُّن يعني، كلها مسبات في نص هو مسبات أنا بأعتبره النص التأسيسي للعداء للعرب والمسلمين، مع أنه رينو كتبها من أكثر من 100 سنة، يعني بس هايدي النصوص تبقى فكر (هيجل)، طبعاً ما حدا بيدرس هيجل يعني إلا القليل.. بس فكرة هيجل متوغِّل بالمقولات اللي جابها هيجل أو(فيبر) لأن فيبر عنده أطروحة مشهورة حتى عند العرب إنه البروتستانتية هي أصل التقدم الاقتصادي النظام الرأسمالي، هاي الثقافة هاي الأسطورة جابها فيبر بلا.. دون ما ننقدها، دون ما نمارس، وفيه كثير من المسلمين مثلاً بأيام النهضة العربية قالوا: إنه نحنا لازم نعمل مثل البروتستانت، لأنه البروتستانت جابوا التقدم.

خالد الحروب: ما رأي الأستاذ محمد في هذه المسألة، مسألة إنه الذي يشكل الرأي العام والذي يشكل هذا العداء أحياناً المتبادل هو الإعلام وليس الأكاديمي، وأحياناً اهتمامنا بالمدخل الأكاديمي وبالوسائل الأكاديمية اهتمام في غير موضعه؟

محمد فرحات: يعني الواقع إنه.. إنه المجتمعات الغربية أوروبا، الولايات المتحدة أكثر من أوروبا، هناك علاقة بين القرار السياسي والاقتصادي والبحوث الجامعية الأكاديمية تحديداً، هذه العلاقة أكسبت أصحاب القرار مرونة ودراية وقدرة على التحوُّل والتحرُّك لتأمين مصالح دولهم كما يرونها، عندنا في العالم العربي لم تصل الجامعة إلى مستوى أو لم.. لم.. لم يَسْعَ أحد لأن تصل الجامعة ومركز الأبحاث في العالم العربي والإسلامي إلى مستوى القُرب من السلطة وليس التبعية للسلطة، أن تكون هناك عملية تكامل بين القرار السياسي والاقتصادي العربي الإسلامي والبحوث الأكاديمية تحديداً، لذلك فالإعلام في اعتقادي مؤثِّر في عالمنا العربي الإسلامي أكثر مما هو مؤثر في.. في الغرب، على الرغم من قوة الإعلام الغربي، وعلى الرغم مما يثار حول أن هذا الإعلام يرفع هذا ويخفض ذاك في الحملات الانتخابية، الواقع أن.. أن الإعلام في العالم العربي هو المؤثر أكثر من الأكاديمية، والأكاديمية في العالم العربي في وضع مزري وسيئ، ولذلك فإن أصحاب القرار العرب حائرون، ولذلك أيضاً يعلم الجميع كما تبث نشرات الأخبار في الفضائيات أن الكثير من مؤسسات العرب والمسلمين الرسمية الاقتصادية والسياسية تأخذ دراساتها من مراكز أبحاث غربية وليس من مراكز أبحاث في بلادها، وهذا مؤسف في طبيعة الحال.

خالد الحروب: ننتقل -لكن بعد هذا الفاصل- دكتور جورج إلى الفصل الثالث الذي تتحدث فيه عن كيف أزال الغرب قداسة الدين وكيف أضفى هذه القداسة على ذاته.

[فاصل إعلاني]

إزالة القداسة عن الدين في الغرب

خالد الحروب: دكتور جورج، أسألك عن الفصل الثالث الذي تتحدث فيه عن إزالة القداسة عن الدين التي قام بها الغرب والتدريج الذي صارت به نحو إضفاء القداسة على ذاته، أزيلت القداسة عن الدين وأصبح الغرب نفسه هو مقدس، ما الذي تقصده؟

د. جورج قرم: هو بالحقيقة الخطاب الغربي على نفسه وقت ما بيوصف نفسه خطاب معقَّد جداً، وبينقصنا أنا بنظري بالعالم العربي تحليل شوي معمَّق للخطاب الغربي، الخطاب العربي على الخطاب الغربي، وتراكم المعرفة العربي على الغرب هو تراكم عاطفي أو هو تراكم ردة فعل يعني مثلاً الأفغاني ناقش (رينو) لأطروحته ..، دايماً نحنا على انفعال مع الغرب، ما عم بنجرب نفهم كيف بيشتغل الغرب، ومن وين عم بيجيب ها القدرة الخارقة بالسيطرة على العالم يعني الإمبراطورية اليوم الغربية شغلة كثير كبيرة عم بنعاني منها بالعالم العربي، فالواحد بده ينتبه الغرب بيحكي شغلات عن نفسه إنه أزال القدسية عن.. عن الحياة الدينية والحياة السياسية على خلاف العرب والمسلمين مثلاً، وبده يعملها ميزة خاصة فيه، يعني عبقرية خاصة فيه، وبيقولوا بالغرب يعني الفلسفات الغربية بعض الفلسفات بتقول إنه هايدي سمحت بانفجار الثورة العلمية، هلا ما فيه شك إنه الجمود اللي كانت الكنيسة فرضته على الأفكار وعلى العلم كانت سبب في تأخر أوروبا -وبشكل خاص مثل ما قال الأخ محمد- بالنسبة لجيران أوروبا العرب والمسلمين اللي عملوا نهضة علمية وأدبية وثقافية نادرة بالتاريخ، بس بالنهاية هذا مش أكيد إنه الغرب اتخلص من قضية سحر الدين، هم بيستعملوا كلمة إزالة السحر، إنه الدين إله شيء سحري، الغرب عمل علمانية يعني بشكل إنه بعد حروب دينية فتاكة، الحروب بين البروتستانت والكاثوليك كانت شغلة دمرت أوروبا، إجوا عملوا نوع من الوفاق إن تعالوا نفصل الديني من الزمن، لأنه ما فينا نظل نتقاتل بها الشكل لأنه دايماً بالغرب كان الديني أقوى من الزمني، وبعدين إجت الثورة الفرنسية وصارت قبلها الثورة الإنجليزية، بس طريقة التفكير أو طريقة اشتغال العقل ظل مختوم ممزوج باشتغال العقل الديني خصوصاً العقل التوحيدي، التوراتي، شو هو العقل التوراتي؟ إنه الله بيلاقي شعب بيجعل منه شعبه المختار، وبيكون بيعطيه رسالة للبشرية جمعاء، شو عمل الغرب؟ صحيح قال أنا خلاص بطلت عندي نفس الإيمان المطلق بكل شيء بتقوله الكنيسة، وأنا بأترك الناس ينتقدوا الكنيسة وأقوال الكنيسة، بس أنا رسالتي جديدة، وهاي إجت مع فلسفة الأنوار اللي بدي أعمل فيها بدي أطلع للملأ للبشرية كلها، هي السعادة بطريقة جديدة، وهي السعادة اللي بتيجي عن طريق العلم والتقدم التقني والاقتصاد وكذا، وأنا صرت مقدَّس لأنه الشعوب الثانية مش قدرانة إن تعمل ها الشيء.

خالد الحروب: يعني كأنه هي الآلية.. آلية التفكير، آلية تطبيق المنهج آلية دينية، عندي رسالة وأريد أن أنفذها، ما رأي الأستاذ محمد في هذه المسألة، مسألة المقدس والمضمون الديني أو شبه الديني للخطاب الغربي وكيف تطور؟

محمد فرحات: بدي أقول مشهد شوفته باليونان نزلت بفندق قريب من الأكروبوليس، واستيقظت صباحاً ووجدت السياح اللي هم كلهم جايين من بلدان أوروبية أخرى غير اليونان صاعدين على جبل أكروبوليس، تخيلت إنه ها الجماعة هادول هم حجاج للحضارة اليونانية القديمة، ها.. ها الحشد للحضارة اليونانية القديمة -مثل ما بيقول الدكتور جورج قرم- ما.. ما عاد موجود، استبدلت فيه المسيحية اليهودية، والتراث المسيحي اليهودي.

د. جورج قرم: شيء مؤخراً هاي..

محمد فرحات: آه، مؤخراً في.. في.. في الفترة الأخيرة، أرى أنه الغرب هو.. هو نفسه الكنيسة، تخلى عن الكنيسة وأصبح كنيسة نفسه، ويطلب من العالم أن يتبعه، وفي الوقت نفسه يقلق من هذا العالم، يعني الغرب في عصر الأنوار كان يرغب في أن يكون فكره مشعاً على البشرية، الآن يقلق من أن يشع على البشرية لأسباب اقتصادية، شكوى من التحاق المهاجرين، من مسائل الاندماج، هناك قلق في الغرب، مقولة شعب الله المختار موجودة عند كل الديانات التوحيدية ما يعادلها عند المسيحيين وإن بطريقة أخف "النعمة"، ما يعادلها عند المسلمين (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، الثابت أن الحضارة تتقدم عندما تعترف بالآخر وتتنوع، الحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي -وقليلاً ما تلاه- قامت لأنها اعترفت بالآخر وأشركت الشعوب والقبائل الأخرى في بناء العملية الحضارية بكافة أوجهها، الغرب عندما آمن بالتعددية في داخله وبالحرية تقدَّم، الآن هناك خشية من انكفائية تصيب الحضارة الإنسانية برمتها، أريد أن أركز على.. على مسألة الإحياء الإسلامي الآن أو النهضة الإسلامية..

خالد الحروب: ممكن محمد نؤجلها، لأنه سوف يأتي الفصل السادس عن هذه المسألة الحركات الإسلامية والإحياء الإسلامي، لكن فيما تحدثت فيه يطرح سؤال، وأسأل الدكتور جورج حوله إنه هذا الحديث حول إن الغرب هو الكنيسة، وهو الغرب أصبح الآن مقدَّس بذاته، كأننا نكرِّس شرخ جديد شرخ أصولي يعني مقابل مثلاً الحركات الأصولية.. الأصولية التي تنشأ في العالم الإسلامي، هناك أيضاً أصولية الغرب الكامل كأننا نكرِّس ونسعِّر من الخطاب الأصولي على ضفتي الشرق.

د. جورج قرم: لا.. لا ما هو أنا.. أنا بالعكس بالكتاب.. وجه الكتاب اللي بيوجه رسالة للمثقفين الغربيين إنه انتبهوا بها القدسية اللي عم تضفوها على نفسكم، بها النرجسية اللي عم تعملوها عم تفقدوا الشيء اللي خدم الإنسانية كلها هي الروح النقدية، يعني اليوم المشكلة بالغرب إنه فيه فقدان للروح النقدية، فيه نوع من الامتثالية، من الرجعية، من الأفكار الجامدة بدأت طبعاً مع خطاب هنتجتون الكتاب الشهير، كانت كمان موجودة أيام الاتحاد السوفيتي كان فيه يعني جوانب جانب الدين للمعركة ضد الاتحاد السوفيتي، اليوم عم تتجدد، صحيح ما فيه اتحاد سوفيتي فيه مسلمين، وفيه لعبة الديانات السماوية الثلاثة (....) بعدين لو فينا نحكي عنه، فـ 11 أيلول إيجي تكرس إذا بدك كل الطروحات السخيفة اللي بتقوم فيها الشرخ بين الغرب والشرق، إجت الأحداث الأليمة تبعة 11 أيلول عند الناس البسطاء أو الناس اللي بيقروا هنتنجتون وهو أنا بأعتبره كتاب كثير سخيف، إن هو لا معه حق هنتنجتون، تعالوا شوفوا المسلمين شو عملوا فينا، وصلوا لعندنا وعم هلا عم بيدمروا ديارنا، وإذا بتلاحظ ردة الفعل بأرجع للقدسية بعد سنة وقت ما عملوا الاحتفال بمرور سنة على 11 أيلول عملوه كأنه شغلة دولية، أنا طلبوا مني أساهم ببعض الحلقات الإعلامية، قلت لهم. شو ها الشيء اللي عم تعملوه، ما فيه بلايين من الناس بيموتوا من المجاعة بإفريقيا من الحروب، من الكذا، OK راح 3 آلاف أميركي شغلة، بنزعل ما كان لازم يروحوا بس ما بينعمل ها الشيء كأنه احتفال ديني، إذا..

خالد الحروب: دكتور، إذا سمحت إذا أعدتك إلى.. إلى مسألة الشرخ ونقد من هم على طرفي الشرخ، النقد الشرس المتبادل أنه أنتم مثلاً أصوليون.. ثم يردون بل أنتم الأصوليون، هذا يكرِّس الشرخ، وأنت انتقدت في الكتاب أيضاً النقد الذي وُجِّه إلى الاستشراق الكلاسيكي باعتبار أنه قد يُسعِّر العداء على ضفتي هذا الشرخ، فما الذي تقصده حتى.. يعني حتى توضِّح فكرتك إزاء هذا الموضوع، هل نحن ضد الشرخ أم ضد.. أم على أطراف الشرخ؟

د. جورج قرم: صحيح، نحن لا شوف لا، أنا لأنه عم بأشوف وعم بأعاني كأي عربي إذا بدك من وضع الانحطاط اللي نحنا فيه، من إنه أراضينا مباحة من وقت (نابليون بونابرت) للجيش الأميركي، جيوش رايحة جاية، وأراضي عم تنسلخ من ها الأمة العربية، فأنا من خلال ها الكتاب الوجه اللي أنا عم بأخاطب الرأي العربي، بأخاطب المثقفين العرب، رجال السياسة العرب إنه انتبهوا يعني ادخلوا بالمعركة الصحيحة، أنا ما عندي معركة مسلم ومسيحي أو مسلمين مع يهود مسيحيين، أنا عندي معركة فيه شيء اسمه إسرائيل بواجهة، فيه أميركا لليوم عندها وجه استعماري جديد ما كان موجود بها الشكل السافر، فخلونا نحط المعركة بساحتها الحقيقية، أنا إذا بأحط قدراتي العقلية بموضوع أقوله لأ، والله أنا ديانتي الإسلامية أحسن من الديانة المسيحية أو من الديانة اليهودية، أو أنا أيه والله فيه من أقدم الأزمنة عداء بين المسلمين وبين المسحيين وحروب صليبية وما حروب صليبية، أنا راح أخسر المعركة.

الحركات الإسلامية وواقع عملية الإحياء الإسلامي

خالد الحروب: أستاذ محمد، نيجي.. نيجي إلى.. نأتي لموضوع الإحياء الإسلامي، الفصل.. الفصل الثالث طبعاً يتحدث عن الحركات الإسلامية، الآن الجهة الأخرى على الضفة الأخرى لهذا الشرخ المتوهَّم، ويتحدث كيف تطورت وكيف انقطعت عن جذورها الإسلامية والحضارية الأصلية والمنفتحة، ما تعليقك على هذا الفصل وهذه الفكرة؟

محمد فرحات: الواقع أن الأدبيات ما يسمى بالصحوة الإسلامية الآن في العالم العربي والإسلامي.. الإسلامي هي أدبيات يعني مثيرة للصدمة، فبعد تحوُّل الشعار القومي العربي إلى أنظمة عسكرية وإفلاسه نتيجة الهزائم أو سوء التعامل مع مسألة الصراع العربي الإسرائيلي أو سوء التقدير، كان هناك أمل بأن الإسلاميين أوسع أفقاً، وبأنهم يستوعبون المتغيرات ويقبلون الآخر، وأنهم أبناء حضارة أو نظرة متسامحة، فإذا بالصحوة الإسلامية على وجه الإجمال الآن يعني تلتزم حرفياً أدبيات القومية العربية في شكلها العسكريتاري وتضفي عليها قداسة...

خالد الحروب [مقاطعاً]: محمد، أنا.. يعني أرجو أن تربطه في.. في.. فيما يحل في تحليل الدكتور جورج قرم في الكتاب.

محمد فرحات: نعم، أقول.. أقول هذا.

خالد الحروب: حتى.. حتى نبقى في الموضوع.

محمد فرحات: أقول هذا إن هذه الأدبيات لأنها قللت من الانفتاح المتوقع من نظرة المسلم إلى الشأن السياسي والاجتماعي لأنها.. لأنها كانت تكملة حرفية مع تغيير لفظي للقومية العربية العسكريتارية، ها هي ذي الآن مقبلة على أو تؤسِّس لهزيمة ثانية لنا لا نستحقها وتؤسس للشرخ، يعني هناك تكامل بين بعض الدعوات في بعض الدوائر الغربية ضد الإسلام وبين هذا الكلام القومي المدَّعى أنه إسلامي والذي يكمِّل الآخر.

خالد الحروب: دكتور جورج، حول نفس هذه المسألة اللي هي مسألة أنت سميته الإسلام المنقطع عن جذوره، ما الذي تقصده في هذا المصطلح وماذا لو قيل لك أن هذا الإسلام المنقطع عن جذوره..

د. جورج قرم: هو الإسلام.

خالد الحروب: بتعبيراته أنه مثلاً الآن متطرفة الأصولية، وأيضاً حتى تعبيراته القومية المتطرفة، هذه ردود فعل لهزيمة تاريخية نعيشها، فردود الفعل أيضاً سوف تكون متطرفة من ضغط الغرب المتواصل عليها؟

د. جورج قرم: بس خلينا أقول لك ما هاي كمان النقطة أنا ما بدي حتى أول شيء نخفف الخسارات وبعدين نقدر نصيب من الجانب الانتصاري، ندخل بانتصارات، ما لازم أخطأ المعركة، راح أكمِّل شوي على الشيء اللي قاله على السؤال السابق، أنا اليوم إذا بأحارب إسرائيل على أساس إنه هادول يهود وفيه عداء تاريخي بين اليهود وبين العرب وبين المسلمين راح أخسر المعركة، هذا الغرب بده هيك، يعني الغرب يقول: ها شوفوا ها العرب معاديين للسامية، إحنا بدنا نيجي نقول طول الوقت إنه يا أخي لو بوذيين اللي قاعدين بفلسطين وإجوا غزوا البلد بدنا نحاربهم، قصة إنه منتمين للديانة اليهودية ما إله علاقة بموقفنا المعادي لاستعمار فلسطين، إحنا وقعنا بالفخ، والإسلام الأصولي بسالب يعني بيتناغم مع الغرب الأصولي اللي كنا عم نحكي عنه، لأنه الإسلام الأصولي اليوم أنا بأرجع بأقول هو الإسلام المتفرنج 100%، يعني هو بيتصرف من حيث لا يدري كما الغرب يريد إنه يتصرف، وده..

خالد الحروب [مقاطعاً]: هذه نتوقف عند ها النقطة أنت تقول في الكتاب أن هناك إسلام متفرنج أي إسلام تغربن بين -قوسين- تم تغريبه، وهذا الإسلام يختلف عن الإسلام التاريخي، الإسلام الحضاري الذي كان عنده سمة انفتاح أساسية.

د. جورج قرم: صحيح.. تمام.

خالد الحروب: فسر أكثر ما تقصده بتعبير الإسلام المفرنج؟

د. جورج قرم: اليوم يعني بأعطي مثل بسيط بالنص يعني اليوم في نوع من الهستره على قصة العلمانية، يعني ها الحركات الإسلامية الصحوة الإسلامية فيها رفض قاطع للعلمانية، وأي إنسان عربي سواء كان مسلم أو.. أو مسيحي.. اللي..اتهام خطير إنه هذا علماني يعني شيء.. شيء مش معقول اللي صاير، بينما الموضوع عند الإسلام ما فيه موضوع علمانية بالمعنى الغربي يعني لأنه الإسلام ما عرف سلطتين، الإسلام دائماً سلطة واحدة هي سلطة مدنية، يعني رجال الدين عمرهم ما حكموا المجتمعات الإسلامية، حاكم مدني، وما عنده.. ما إنه معصوم من الخطأ، وبيجوز لو صفيت ها الثورات بالعالم العربي طول الوقت لأنه ما فيها فكرة إنه الحاكم معصوم عن الخطأ أو فيه حق إلهي، ما فيها شيء، واحد كان بيتسمى أمير المؤمنين، بس بالنهاية الاغتيالات اللي كانت، فاستورد.. تم استيراد الإشكالية الغربية اللي كان فيه صراع بين الزمني السلطة الزمنية.. اللي هو غريب عنه، طب وشو عم يدعم المعركة؟ إذا ما.. أنا معركتي اليوم إذا بدك في تلك مجتمعات إسلامية هو مدى سلطة النص ومدى حرية الشخص بتأويل النص القرآني، وهاي قضية مزمنة بالعالم العربي..

خالد الحروب: بقي معنا أربع دقائق، نتكلم..

محمد فرحات: أريد.. أريد أن أشير ليس بين يدي نصوص، ولكن أقترح على أي إنسان أن يقرأ أي نص سياسي لأحد زعماء أو أحد البارزين بالصحوة الإسلامية اليوم، نص سياسي ويقارنه بأي نص سياسي لأحد الكتَّاب السياسيين البارزين بالتيار القومي العربي، النص السياسي الإسلامي يتم اختياره بسنة.. من 2000 إلى الـ 2003، والنص القومي ما قبل 1975، سنجد أن آلية التفكير هي نفسها.. ميكانيزم الآلية نفسها مع اختلاف المفردات يعني استشهاد بآيات.

خالد الحروب: قد يقول لك محمد بعضهم بأنه المأساة بقيت واحدة والضغط بقي واحد.

محمد فرحات: هذا حدث فعلاً وهذا مدهش.

خالد الحروب: هذا مدهش، لكن إذا.. إذا انتقلنا إلى مسألة نختم فيها بالدقائق المعدودة اللي هي قضية التغيير، يذكر الدكتور جورج أن الكثيرين من الناس طب وماذا بعد هذا الشرخ موجود على الأوضاع متدهورة على كل الجبهات، وموضوعة التغيير الناس يخافون من التغيير يشعرون بالدفء للوضع القائم، لأنه على الأقل يعرفون سيئاته وإيجابياته، دائماً التغيير فيه.. فيه مصائب فيه شراك عديدة، ما رأيك بهذه الفكرة وخاصة ملِّحة في العالم العربي إنه التغيير نخاف منه؟

محمد فرحات: المانع.. الحذر من التغيير يعني ملحوظ، والناس لديهم حق في هذا الحذر، الخوف من المجهول، لأن التغيير يؤدي إلى المجهول، وللتغلُّب على هذا.. هذا.. هذا الوضع المزري من هذا، يعني يمكن لنا التغلب عليه بنوع من الدعوة إلى انفتاح ثقافي، الدعوة إلى الاعتراف الداخلي داخل المجتمعات العربية والإسلامية بعدم نقل الصراع من الصراع مع الخارج إلى صراع داخل المجتمعات، بعدم تخوين هذه الفئة أو تلك بشكل عام، هذا.. هذا النضال على هذا الصعيد ربما يؤدي إلى نوع من الأمان الداخلي، دائماً الخوف هو من أن التغيير يؤدي إلى حروب أهلية.

خالد الحروب: دكتور جورج، حول مسألة التغيير هذه صرختك الأخيرة في آخر البرنامج.

د. جورج قرم: لأ طبعاً أنا يعني راح أكمِّل على الأخ محمد، ما فيه شك إنه اليوم إذا بدك ها الجماهير اللي غايبة عن الساحة، بينما بالخمسينات والستينات كانت مالية كل الساحة وتجيب التغيير، مرده إلى الفراغ الفكري اللي نحنا فيه، يعني لو نحنا قدرنا طورنا منظومة قومية جديدة مبنية على القيم اللي حكاها هلا الأخ محمد يعني القبول بالآخر، التعددية، الحرية، الكذا يعني والاستقلال الفكري عن الغرب، يعني إنه نحنا نطوِّر المنظومة العقلية المعرفية اللي بتناسب أوضاعنا مش إنه منظومتنا بتكون متفرعة إما بالإعجاب الكامل أو بالعداء الكامل للمنظومة الغربية، بدي الاستقلال الفكري اللي راح يسمح إنه يطمئنوا الناس إنه التغيير راح بيجي ضمن إطر معرفية، فما راح يصيرحروب أهلية، لأنه بيكون.. حد أدني من الوفاق بين العرب.

خالد الحروب: دكتور جورج، آخر دقيقة.. دكتور جورج، بآخر دقيقة، أنت هنا في صفحة 202 تقول: لن يتحقق التغيير الإيجابي وسط عالم متفرنج كعالمنا، إنه ما دامت وطأة الثقافة الغربية مسيطرة على هذا العالم، فليس.. لن يكون هناك تغيير إيجابي، تقريباً فيها قدر من.. من الشلل الذاتي أقول لا نستطيع أن نتغير مادام هذا الغرب مسيطر..

د. جورج قرم: لا، .. تاريخ طويل، أنا راح أقول لك، شغلة التاريخ كثير طويل.

خالد الحروب: في دقيقة واحدة بس.

د. جورج قرم: أيه OK نعم، بس ما فيه شك أنا ما عندي شك إن بكره سواء نحن العرب أو الصينيين أو الهنود يعني إحنا ورثاء كمان حضارات عظيمة راح نرجع نطلع، إمتى؟ ما بأقدر أقول لك، بس طالما فيه عندك الهيمنة مش قادرين نستقل فكرياً، نحنا العرب بشكل خاص أكثر من الصينيين والهنود واليابانيين ما عم نستقل فكرياً، يعني بنظل بردة الفعل أو بالإعجاب، شايف كيف؟ فأنا مُطالبتي بكل كتاباتي قبل هيك إن بدنا نؤسس لاستقلال فكري عربي، لمنظومة معرفية بتناسب أوضاعنا العربية هايدا، ولها السبب يعني بدنا نزيد من الكمية المعرفية اللي عندنا إياها لأنه ما عم نعمل تراكم معرفي بيجوز يعني الفاجعة.. الفاجعة إنه وقت ما انهارت النهضة العربية بطل فيه تراكم معرفي، النهضة أسست لتراكم معرفي، بعدين إجت القومية العربية الجذرية على إذا بدك، وبعدين الصحوة الإسلامية.

خالد الحروب: شكراً جزيلاً، وهذا ما يتيحه الوقت لنا مع الأسف الشديد.

وأعزائي المشاهدين، شكراً لكم على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم الذي كان كتاب "شرق وغرب.. الشرخ الأسطوري" من تأليف (المفكر والكاتب والاقتصادي اللبناني) جورج قرم، الذي أشكره على مساهمته معنا اليوم في الأستوديو، وأشكر كذلك الأستاذ محمد فرحات (الأديب والكاتب والمحرِّر في جريدة الحياة)، وإلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل مع جليس جديد هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.