مقدم الحلقة: خالد الحروب
ضيوف الحلقة: - د.يوسف الشويري: أستاذ التاريخ العربي والإسلامي
- البروفيسور/ ياسر سليمان: رئيس معهد الدراسات العربية والإسلامية
تاريخ الحلقة: 15/07/2002


- أسباب تقسيم القومية العربية إلى أربع حقب

- فكرة القومية العربية وركائز نشوء الأمة

- العناصر الأساسية لتشكيل العروبة الثقافية والسياسية

- دور النخبة المسيحية العربية في تجذير القومية

- تجاوز الكتاب لتجربة الوحدة المصرية السورية

- تأثير الاشتراكية على العلاقة بين الإسلام والقومية

- الفروقات الأساسية بين الفكر القومي البعثي والناصري

- مكونات ومعالم الفكر القومي الجديد

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً ومرحباً بكم إلى هذه الحلقة من برنامج (الكتاب خير جليس)، جليسنا اليوم كتاب بعنوان "تأريخ القومية العربية" من تأليف الدكتور يوسف الشويري (أستاذ التاريخ العربي والإسلامي في جامعة أكسفورد في بريطانيا)، والذي أستضيفه معي في الأستوديو هنا، فأهلاً وسهلاً به، كما أستضيف لمناقشة الكتاب البروفيسور ياسر سليمان (رئيس معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أدنبرة في بريطانيا) فأهلاً وسهلاً به أيضاً.

الكتاب، أعزائي المشاهدين، رحلة تاريخية غنية تتابع بروز وتطور الفكر القومي العربي منذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى أواخر القرن العشرين يذهب بنا أولاً إلى حقبة ما قبل الإسلام ومعالم الاجتماع العربي في اليمن والجزيرة العربية، ثم يدلف إلى أثر الإسلام في تشكيل الأمة، ويشير إلى أن اللغة العربية والإسلام هما الوعاءان اللذان شكلا الأمة وصهراها، ويناقش أيضاً باستفاضة النظريات الغربية في فكرة القومية نفسها، وكذلك نشوء الدولة القومية في أوروبا وتطورها.

في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تنامى الوعي القومي العربي على التضاد مع الحكم التركي، مطالباً بالاستقلال وبالوحدة العربية، ثم لاحقاً وبعد الحرب العالمية الأولى قاد هذا الفكر حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والصهيوني والإيطالي، واقتراباً من النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده تطور الفكر القومي على شكل مشروعات سياسية حاكمة الناصرية في مصر، والبعثية في سوريا والعراق، وعملياً اكتسح الساحة السياسية والشعبية في الوطن العربي إلى منتصف السبعينات، وفي الوقت الحاضر –وكما يقول الدكتور يوسف الشويري في كتابه هذا –يدخل الفكر القومي مرحلة أخرى يسميها الغروبة الجديدة، والتي تتبنى الديمقراطية وحقوق الإنسان والدعوة إلى مجتمع عربي مدني، سنناقش هذه الأفكار -أعزائي المشاهدين- مع ضيفينا الكريمين، ولكن قبل أن نبدأ بالنقاش، دعونا نتابع معاً هذا التقرير.

تقرير: بالتوازي مع تفكك الإمبراطورية العثمانية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قويت فكرة القومية العربية الداعية إلى تخلص العرب من الحكم التركي، ومن كل حكم أجنبي أو استعماري، والسعي نحو بناء دولة عربية موحدة، وتحت لواء فكرة القومية العربية ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وديار تركيا خاض العرب حروب استقلال ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، غير أن فكرة وحركة القومية العربية كانت قد سبقت ذلك، كما يقول الدكتور يوسف الشويري في كتابه "تأريخ القومية العربية"، فقد مرت بثلاث مراحل وهي الآن في المرحلة الرابعة من تطورها، كانت المرحلة الأولى هي مرحلة القومية الثقافية واتسمت قومية هذه المرحلة بالليبرالية والانفتاح، أما المرحلة الثانية، وتمتد طيلة النصف الأول من القرن العشرين فهي مرحلة القومية السياسية، حيث برزت مطالب الاستقلال والتحرر واتسمت قومية هذه المرحلة ببداية النزوع نحو الراديكالية، أما المرحلة الثالثة فتمتد من حوالي منتصف القرن العشرين وحتى عام 1973، وخلالها أصبحت القومية العربية ذات شعبية بالغة ومسيطرة على الساحة السياسية والفكرية العربية، أما المرحلة الرابعة والحالية، فهي تتسم ببروز نوع من القومية الجديدة تعطي الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني اهتماماً أكبر من ذي قبل، كان الهدف الأكبر للقومية العربية ولا يزال تحقيق الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج وبناء دولة واحدة ربما يكون اسمها الولايات العربية المتحدة.

ومع قيام ثورة يوليو المصرية عام 1952 بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر سيطرت القومية العربية بصيغتها الناصرية على فضاءات واسعة من السياسة العربية، وبالتالي خضع المشروع القومي للاختبار، خاض الناصريون العرب معارك طاحنة سواء مع خصومهم الشيوعيين والإسلاميين والبعثيين في الداخل، أم مع إسرائيل في الخارج، مقابل نجاح الناصرية في السيطرة على الحكم في مصر فشلت في إدارة الصراع مع إسرائيل، وتعرضت الأمة العربية لأقسى هزيمة لها سنة 1967 في أوج العهد الناصري، لكن تقييم القومية العربية الناصرية مازال موضوع خلاف حتى الآن.

وبالتوازي مع القومية العربية الناصرية برزت القومية العربية البعثية التي سيطرت على الحكم في دمشق وبغداد منذ الخمسينات فصاعداً، تنافست القومية البعثية مع الناصرية، بل وانشق المشروع البعثي انشقاقاً مريراً بين سوريا والعراق ولم يفشل في تطبيق الشعار الكبير الذي حمله "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" فحسب، بل فشل في توحيد البلدين العربيين الوحيدين اللذين يسيطر عليهما.

وهكذا وبعد مضي أكثر من قرن على بروز وتطور القومية العربية مازالت الأسئلة التي تحيط بها أكثر من الإجابات المتوفرة حولها، فهل هي تعبير عن الهوية الثقافية، أم هي مجرد تداعيات لحلم الوحدة العربية، أم هي مشروع سياسي توظفه النخب والأنظمة الحاكمة لمصالحها الضيقة والحزبية؟

لكن الوحدة المنشودة لم تقم، بل قام السؤال الكبير أين الخلل؟ ولماذا لم يتوحد العرب؟ فهل كتاب الدكتور يوسف الشويري الذي بين أيدينا يشفي غليل الباحثين عن الإجابة؟

أسباب تقسيم القومية العربية إلى أربع حقب

خالد الحروب: دكتور يوسف، دعني أبدأ معك. طبعاً في الكتاب أنت تتحدث عن أربع مراحل مرت بها القومية العربية من بدايات القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحالي، تتحدث عن العروبة الثقافية أو القومية الثقافية، العروبة السياسية، العروبة الشعبية، ثم العروبة الجديدة التي نعيشها الآن ونراها الآن، أولاً: بشكل مجمل ما هي الفكرة من وراء هذا التحقيب، هذه الحقب الأربعة المتلاحقة؟ ولماذا اخترت هذا النهج في تناول موضوع القومية العربية؟

د. يوسف الشويري: والله أنا يعني عندما بدأت أكتب الكتاب تبادر إلى ذهني أنه لا توجد دراسة حتى الآن تعالج القومية العربية بشكل متناسق وعلمي وتحقيبي تاريخي، يعني حتى الآن لا يوجد اتفاق أي متى بدأت القومية العربية؟ هل بدأت في عصر العباسيين أو الأمويين، أو ضد العثمانيين، أو في القرن التاسع عشر، أو في أوائل القرن العشرين؟ وهذا الخلاف جعلني أحاول أن أفهم الخلفيات التي أدت إلى نشوء القومية العربية، وبالتالي كان لابد من تقسيم الدراسة إلى مراحل، وعندما تقسمها إلى مراحل تستطيع أن تعرف أي متى بدأت مرحلة؟ ومتى أخذت مرحلة أخرى تدخل طوراً جديداً؟ وبالتالي لمرحلة الثقافية التي بدأت في القرن التاسع عشر كانت هي بداية للقومية العربية، ولكن لم تكن القومية العربية بالتحديد، والفترة الأخيرة هي فترة من فترات القومية العربية، ولكنها ليست الفترة النهائية.

خالد الحروب: تقصد الأخيرة العروبة الجديد.

د.يوسف الشويري: الجديدة.. العروبة الجديدة.

خالد الحروب: العروبة الجديدة، وما بينهما العروبة السياسية.

د.يوسف الشويري: وبينهما هناك السياسية والاجتماعية.. أسميها الاجتماعية، وهذا التقسيم ليس تقسيماً جديداً، يعني هناك من درس حركات قومية أخرى في أوروبا وفي بلدان العالم الثالث وتوصلوا إلى استنتاجات مماثلة، فأنا لم أخترع شيئاً جديداً من هذه الناحية، ولكني طبقته على القومية العربية.

خالد الحروب: الذي يتبادر إلى الذهن دكتور يوسف وأسأل هنا البروفيسور ياسر سليمان إنه أحياناً مثلاً هناك خصوصية طبعاً في القوميات المختلفة، في القومية العربية على سبيل المثال، لماذا لم تتناول الحقب أو الأحداث السياسية البارزة التي شكلت محاور مفصلية في تاريخ هذه القومية من ناحية نظرية إيديولوجية ومن ناحية سياسية، مثلاً الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين مثلاً، الوحدة السورية المصرية، يعني أهداف معالم سياسية أساسية في تاريخ القومية العربية ثم انعكاساتها النظرية أو خلفياتها النظرية، ما رأيك دكتور سليمان؟

ياسر سليمان: والله هو الحقب التاريخية هي عبارة عن إطار لصياغة الأحداث صياغة الأيديولوجيات، الكتاب يخلط ما بين دراسة لأيديولوجية.. أيديولوجيات القومية العربية ولممارسات القومية العربية، والحقب الأربعة التي تحدثت عنها أنت هذه الحقب لا تتنافى مع بعضها البعض، إنما.. إنما تتداخل، ففي عصر القومية العربية الثقافي كان هناك أيضاً إرهاصات سياسية على مستوى العمل السياسي في القرن التاسع عشر وحتى في بداية القرن العشرين، والقومية العربية الجديدة هي قومية إلى حدٍ ما قومية ثقافية مبنية على أساس مفهوم ثقافي للقومية العربية مع محاولة تفعيل أيضاً للجانب السياسي في القومية العربية. ففي اعتقادي أنا أن الحقب التاريخية هذه هي حقب لا تنفصل الواحدة عن الأخرى، إنما تتداخل هذه الحقب مع بعضها البعض حتى تعطينا كلاً متكاملاً.

خالد الحروب: يعني ليس هناك فصل ميكانيكي فلنقل يعني بين هذه الحقبة، انتهت حقبة العروبة الثقافية ودخلنا في.. في العروبة السياسية وبعدها الاجتماعية مثلاً.

ياسر سليمان: أعتقد لو الدكتور يوسف الشويري قام بهذا التقسيم لتم انتقاده على أنه هو وضع فواصل

فكرة القومية العربية وركائز نشوء الأمة

خالد الحروب: ولما استضفناه في هذا.. في هذا البرنامج.. طيب دكتور يوسف، بالفصل الثاني تتحدث فيه عن فكرة الأمة ونشوء القومية الآن، وتعود بالتاريخ إلى ما قبل الإسلام ثم تلتقط المقولة القومية الأساسية التي تقريباً توافق عليها معظم المنظرون القوميون، وهي أن الأمة العربية تقوم على ركيزتين، فكرة القومية العربية أيضاً تقوم على ركيزتين، اللغة العربية والإسلام، الإسلام التاريخي أيضاً كما تذكر، أريدك أن توضح لنا هذا.. هذا المفهوم، أولاً: بالنسبة للقوميين العرب للمنظرين، لمنظري القوميين العرب على خلفية مقولة شهيرة للفيلسوف الفرنسي (أرني استرينان) الذي يقول أن الأمة هي توافق مجموعة من الناس على ماضٍ خادع أو ماضٍ كاذب وعلى العداء للجيران، يعني لو لم يكن جار أنت تعاديه ونوع من الأساطير الماضوية لما نشأت فكرة الأمة والتماسك هذا القومي، اتفضل.

د.يوسف الشويري: يعني أنا أقول إنه القوميين العرب يعني لو سألنا معظم المفكرين القوميين العرب على ماذا يتفقون حول الأمة العربية؟ لقالوا أنها اللغة والإسلام، ولكن إذا عالجنا هذين العنصرين من ناحية تاريخية نجد أن اللغة والإسلام هما مادة خام، أي أن وحدهما لا يصنعان الأمة، ما يضع الأمة هو التطور التاريخي العنصر الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، والتعامل مع العالم والتطورات العالمية، أما إذا عزلنا اللغة وعزلنا الإسلام وأخذناهما كعنصرين منفردين فلن نتوصل لا إلى أمة ولا للقومية، ولكن ما أريد أن أقوله أن التمسك القومي العربي كان باللغة وبالإسلام، بأنهما مقومان للأمة، ولكن النظرية الحديثة لنشوء الأمة لا تركز على هذين العنصرين، يعني أنت تستطيع أن تستخدم أي عنصر وتركز عليه، وتقول هذا ما يصنع القومية، ما يهم في الموضوع هو كيفية نظرتك أنت إلى المسألة، وثباتك على هذه النظرية.

خالد الحروب: أي نعم، لكن دكتور يوسف، المشكلة الذي أنا يعني لاحظتها إنه على الرغم من هذه.. هذه المقولة الواضحة في هذا الفصل أن القوميين العرب اعتبروا هاتين الركيزتين هما أساس وجود الأمة العربية وأساس وجود القومية العربية، لكن لاحقاً- وسوف نأتي على هذا- خاصةً مقولات ساطع الحصري تقول أن.. أن اللغة والتاريخ وليس الإسلام هما الركيزة الأهم.. الركيزتان الأهم، وهو أيضاً يقول أن الدين.. الدولة، والاقتصاد هي عوامل هامشية في تشكيل القومية، ما رأي الدكتور سليمان؟ يعني هل هناك تناقض بين ما يقول الدكتور يوسف في بداية الفصل وبين المقولات الشهيرة اللي هي ساطع الحصري؟

ياسر سليمان: في اعتقادي أولاً أن تعريف القومية يتم من ناحيتين، من الناحية الموضوعية أنه هناك مجموعة من الناس تتوافر بها عناصر معينة هذه العناصر تصنع من هذه الأمة من هذه المجموعة أمة، هذا نوع من التعريف، النوع الآخر من التعريف اللي هو التعريف الذي يدخل في موضوع التضاد، اللي هو أنت أمة، لأن هناك من يختلف عنك، وبالتالي لك خصوصيتك أنت، هذه الأولى.

الناحية الثانية عوداً.. عوداً إلى ما تحدثت في البداية، قضية الأساطير.. الأساطير مهمة جداً في..

خالد الحروب: في خلق الأمم

ياسر سليمان: في صياغة الأمة.. في صياغة الأمة وفي خلق الأمة، اللغة والإسلام إذا نظرنا إلى هذين العنصرين، سنجد بأن اللغة تتفاعل مع الإسلام وتتفاعل مع التاريخ، هي وعاء، هي عبارة عن عملية صياغة لثقافة الأمة ولذات الأمة، الإسلام كما مثلاً تحدث عنه ساطع الحصري هو إسلام ثقافي، إسلام تاريخي، إسلام يدخل في التاريخ المجموعة التي تعتقد بأنها تشكل الأمة العربية، إضافة مثلاً جئنا إلى عبد الله العلايلي في "الدستور العربي القومي" الذي تحدث عنه الدكتور يوسف الشويري في الكتاب سيجد أن عبد الله العلايلي يرفض قضية الإسلام، بينما يتحدث عن موضوع الدين الطبيعي، العناصر التي تجتمع عليها الديانات جميعاً، هذه تشكل في رأيه عنصر من عناصر قيام الأمة، فهو لم يربط الأمة بالإسلام إنما ربطها بالدين.

خالد الحروب: أي نعم، طب نستمع إلى الدكتور يوسف، يعني مرة أخرى يعني.. يعني كأني ألمس نوع من التناقض إنه في بداية الفصل هذا الإسلام واللغة مرة أخرى هما ركيزتا القومية، بينما ساطع الحصري المنظر الأكبر للقومية العربية يقول: لا، اللغة والتاريخ، الدين.. فكرة الدين هي أمر هامشي مهم، لكن هامشي وليس ركيزة.

د.يوسف الشويري: هذا.. هذا صحيح من وجهة نظر عامة، ولكن إذا أخذنا التاريخ ما هو هذا التاريخ؟ هو تاريخ الإسلام، يعني تاريخنا نحن هو تاريخ نشوء الإسلام وانتشار الإسلام وانتشار اللغة العربية مع الإسلام، وثقافتنا وحضارتنا هي الحضارة العربية الإسلامية، وبالتالي عندما يتحدث ساطع الحصري عن التاريخ، لا يقصد إلا التاريخ العربي الإسلامي، ولكن هو يريد أن يعزل فكرة الدين كما نفهمها من ناحية طقوس وعبادات، أي أن هذه المسائل لا دخل لها..

خالد الحروب [مقاطعاً]: تقصد يعزلها على.. في جو الممارسة الفردية يعني؟

د.يوسف الشويري: يعني.. يعني هناك التاريخ الإسلامي الذي صنع الإنسان العربي الذي يعيش على هذه الأرض العربية هو هذه الذكريات، وهذه الآمال، وهذا الاعتزاز بهذا التاريخ، وهو ما نحن عليه الآن، أي أن نحن هذا الشعب العربي الآن هو نتاج هذا التاريخ، اللي أنت وأنا نحن أصبحنا هنا لأننا نحمل هذا التاريخ، وبالتالي هذا التاريخ يستمر معنا، ونحن نتاجه، ولكن لا يمكن أنا أن أقول أن هذا التاريخ هو تاريخ ديني، لأنه في ذلك.. في تلك الفترة كان هناك التباس ما بين الدين كشعائر والدين كنظام سياسي، والدين كتاريخ وثقافة، وهو يريد أن يميز بين الثقافة وبين التاريخ وبين النظام السياسي، يعني لا يوجد الآن دولة دينية.

خالد الحروب [مقاطعاً]: أي نعم، واضحة.

د.يوسف الشويري [مستأنفاً]: ولا يوجد نظام سياسي ديني، وهو..، وبالتالي لا يوجد تناقض من هذه الناحية.

خالد الحروب: طيب أنتقل أيضاً في الجزء الثاني من الفصل الثاني تتحدث –وأسأل البروفيسور ياسر سليمان- عن نوعين من.. من التاريخ، وهناك استدلال له علاقة بالنظرية القومية وتطورها، النوع الأول من التاريخ تأريخ خطي، اللي هو تأريخ الطبري، ابن كثير، ابن خلدون، المقريزي، إنهم كانوا يؤرخون بحسب السنوات من سنة إلى سنة أو بحسب السلالات، السلالات الحاكمة، ثم ننتقل زمنياً إلى.. من عصر إلى آخر، ومع منتصف القرن التاسع عشر أصبح هناك نوع جديد من التأريخ، تأريخ يؤرخ للبلدان، تاريخ مصر، تاريخ العراق مثلاً، نشأت شريحة من المؤرخين يؤرخون للبلدان العربية والأقطار بحدود بينة وواضحة وليس بشكل خطي، ويستدل الدكتور يوسف أن هذا يشير إلى وعي بالدولة.. الدولة الأمة، الدولة الوطنية العربية قبل دولة الوحدة العربية التي حملها مناضلو القومية العربية في وقتٍ لاحق، ما تعليق الدكتور ياسر؟

ياسر سليمان: طبعاً هذه الطرق المختلفة لكتابة التاريخ تتعلق أيضاً بالتاريخ كمجال للدراسة والتخصص، لكن أنا أقول شيء بأنه المهم فيها النظرة الثانية للتاريخ هي قضية الوطن، الوطنية جاءت كمفهوم يسبق –إلى حدٍ ما- التعبير الوطنية الصريح للقومية، وبالتالي أصبح هناك أوطان مختلفة، هذه الأوطان المختلفة لها خصوصيات مختلفة، وهذه الخصوصيات المختلفة أصبحت عبارة عن بؤر لكتابة تواريخ مختلفة لهذه البلدان، تاريخ لمصر، لتونس، للجزائر، وتواريخ العراق ولسوريا ولغيرها، فأقول بأنه قضية الوطن أصبحت قضية أساسية نراها في.. في الشعر، نراها في الكتابات النثرية، نراها في خارج هذه المجالات جميعها، أصبحت هي المجال الذي نتحدث عنه في.. في.. في صياغة الواقع العربي والمستقبل العربي أو مستقبل الشعوب العربية، وهذه سبقت –في رأيي- قضية بلورة الفكرة.. فكرة الدولة القطرية في العالم العربي، فكرة الدولة القطرية- في.. في.. في قناعتي- مع أن الدولة كانت موجودة إلا أنها بدأت تتجذر مؤخراً، بحيث أصبح هناك هويات مختلفة في دول قطرية مختلفة، هذا الموضوع له علاقة جيدة ومهمة جداً مع قضية القومية العربية، كيف تعيش القومية العربية مع الدولة القطرية التي تحاول أن تصدر هوية لنفسها تختلف عن هوية..

العناصر الأساسية لتشكيل العروبة الثقافية والسياسية

خالد الحروب: أي نعم، طيب دكتور يوسف، يعني هناك محاور مثيرة جداً في كتابك، المشكلة يعني كيف نغطيها كلها، في الفصل الثالث العروبة الثقافية، والتي مدخل إلى العروبة السياسية، في العروبة الثقافة تقول أن هناك ثلاث عناصر أساسية شكلت هذه العروبة الثقافية، الإصلاحات العثمانية، العلاقة بالغرب والتأثر بالغرب، ثم الإرث الحضاري العربي، الحضارة العربية، ما الذي تريد أن تقول لنا إياه في هذا الفصل بتشكل هذه العروبة الثقافية؟ وهل هذه العناصر الوحيدة التي شكلتها؟

د.يوسف الشويري: أنا أريد أن أقول أنه هناك تطور تاريخي معين في القرن التاسع عشر لم يكن موجود من قبل، هذا التطور جاء على خلفية الثورة الصناعية والثورة الأميركية والثورة الفرنسية، ومحاولات الإصلاح الداخلية في الدولة العثمانية، أنه هناك كان هناك شعور من قبل الدولة العثمانية أن هناك شيئاً ما لم يعد يعمل كما كان يعمل في السابق، وبالتالي كيف نصلح هذه الدولة؟ ثم هذا الإصلاح أدى إلى نشوء نخب عربية جديدة بدأت تتعاطى مع الأمور بطريقة مختلفة، يعني هذه الدولة أتاحت لهذه النخب أن تلعب دوراً لم يكن متاحاً في السابق، بمعنى إنه لم يعد هناك من حرج أن تقول أنك عربي وتعبر عن ثقافتك العربية، يعني لم يكن هناك إحساس أنه.. العروبة في تلك الفترة هي مضادة للعثمانية، بل هي مكملة لها، والعربي كان يعمل ضمن إطار الدولة العثمانية، ولكن هذا العربي هو كمان نتاج جديد لم يكن موجود في السابق، بدأ يفكر بطريقة مختلفة كلياً، هناك مؤسسات البلديات، المجالس المحلية، الجرائد، المدارس.

خالد الحروب: دكتور يوسف، يعني هذا دعني انتقل يعني من.. من هذه العروبة الثقافية إلى العروبة الساخنة العروبة السياسية، وأنت تعتبر أنه تحدد مرحلتها تقريباً من بداية القرن العشرين إلى سنة 1945 تقريباً، إنه هذه العروبة السياسية التي نشأت ضد الاستعمار ومحاولة لنيل الاستقلالات العربية المختلفة، ثم بآمال الوحدة العربية الواسعة. أسأل الدكتور ياسر، أولاً: يصف الدكتور يوسف عبد الرحمن الكواكبي أنه نوع من حلقة الوصل بين العروبة الثقافية وبين العروبة السياسية، إنه حمل هذه الأفكار النظرية، ثم كتب كتابه الشهير "طبائع الاستبداد" اللي هو كتاب مسييس طبعاً، يعني ضد.. ضد العثمانيين وضد الحكم التركي وضد كل استبداد، أولاً: ما رأيك في هذا الانتقال وفي توصيفه لموقع عبد الرحمن الكواكبي في هذه النقلة من العروبة الثقافية للعروبة السياسية؟

ياسر سليمان: عبد الرحمن الكواكبي مهم لأنه الطريقة.. الطريقة التي تحدث بها عن القضية العربية في إطار الدولة العثمانية كان متبلور بشكل يختلف عن ما تبلور به بالسابق، طبعاً تحدث عن الاستبداد، تحدث عن الفرد وموقع الفرد في المجتمع، تحدث عن نوع من الديمقراطية، تحدث أيضاً عن السياسة كممارسة أو كفعل في المجتمع العربي، لكنه أيضاً ركَّز على شيء مهم جداً في الكتاب اللي هو لابد من نزع السيطرة السياسية أو.. أو مجال العمل السياسي من اليد التركية إلى اليد العربية بإقامة دولة عربية، خلافة عربية مركزها يكون في دولة عربية، ويحكمها أيضاً شخص عربي، فهذا الكتاب كان كتاب مهم جداً، وقد نذكر أيضاً –الدكتور يوسف وأنت وأنا نذكر- بأننا في المدارس كنا نتعلم بعض من.. مما كتب عبد الرحمن الكواكبي "ولو دري الصغير.. الصغير العاجز بوهمه عما في نفس الكبير من الخوف منه..." وهذا.. هذا الكلام جميعه فعبد.. الكواكبي كان مهم، لأنه حاول أن يدخل أيضاً في جرثومة كانت موجودة في المجتمع.

خالد الحروب: اللي هي الاستبداد.

ياسر سليمان: الاستبداد أي نعم.

خالد الحروب: أي نعم، طيب دكتور يوسف، في.. في هذه الحقبة حقبة العروبة السياسية تذكر إنه نشأت حركات وأحزاب قومية عديدة جداً، عصبة التحرر الوطني، حرب الحرية العربي، حزب التحرر العربي، وغيرها ثم حاولت خوض ثورات وحروب استقلال ضد الاستعمار، معظمها فشل، بعضها نجح نجاح جزئي، وأنت تقول أن هذا الفشل وهذا النجاح الجزئي عمل على زيادة الراديكالية في الفكر القومي العربي ومن.. ومن هناك أصبحت القومية العربية تنهج منهج استبدادي أكثر منه منهج تحرري تعددي كما كانت خلال فترة العروبة الثقافية.

د.يوسف الشويري: يعني بداية المرحلة السياسية مع بدايات القرن العشرين نلاحظ أنه كان هناك تبني للفكر الليبرالي تلقائي، كانوا الناس يعتبروا إنه هذا حل، ونلاحظ إنه كل دولة عربية استقلت تبنت النظام البرلماني الليبرالي، هذه الأنظمة فشلت أن تنجز استقلال كامل، لم تحقق تنمية اقتصادية معقولة، ولم تستطع أن تتصدى لا للحركة الصهيونية، ولا للغزوات الأخرى التي كانت تستهدف الوطن العربي، وبالتالي هذه العوامل أدت إلى نشوء جيل عربي جديد وهو.. قد يكون الجيل الثاني اللي في القومية العربية يعتقد بأنه لابد من تنظيم على مستوى القاعدة وعلى مستوى الشعب، ولابد من التخلي عن البرامج السابقة وبدأ يهتز الإيمان بالليبرالية منذ ذلك الحين أنها هي لا تحقق التنمية ولا تحقق القوة..

خالد الحروب: أي نعم.

د. يوسف الشويري: ولا تحقق القدرة على التصدي للاستعمار، ولكن هذا لا يعني أن كان هناك تخلياً كاملاً عن..

دور النخبة المسيحية العربية في تجذير القومية

خالد الحروب: عن الأفكار الأساسية، لكن في نفس هذا الفصل -دكتور يوسف- موضوع آخر، لكنه أيضاً كثير الطرق وكثيراً ما يتردد في الأدبيات سواء الناقدة أم المؤيدة للقومية العربية وهو دور النخب المسيحية في بلدان المشرق، في تجذير واستدعاء الفكرة القومية، الاتهام الأساسي أن الفكرة القومية مستنبتة في المنطقة وأصلها غربي، وجاءت على جسر المثقفين المسيحيين في المشرق، طبعاً شفيق غربال (المؤرخ المصري) يعني يشن حرب شعواء ضد هذا النقد يقول لست بحاجة إلى تقليد الآخرين حتى تستدعي تاريخك وتكرس هويتك لكن ما رأيك في هذه المقولة الشهيرة اللي هي حول دور النخبة المسيحية في المشرق؟

د. يوسف الشويري: والله أنا يعني من.. من خلال دراستي لنشوء القومية العربية لاحظت إنه دور المثقفين المسيحيين كان دور مهم، ولكنه لم يكن الدور الأساسي، اللي هم من دون الناس الذين أعادوا إحياء اللغة العربية، وأعادوا إحياء التراث العربي، ونشروا معرفة جديدة عن التاريخ العربي والتاريخ الإسلامي والتاريخ العالمي، ولكن بالتوازي مع كل هذا كان هناك مفكرون وقادة عرب مسلمون يقومون بالمهمة نفسها بدءاً من محمد علي وابنه إبراهيم، والطهطاوي ومحمد عبده، والأهم من كل ذلك عبد القادر الجزائري مثلاً الذي ربط المغرب بالمشرق في القرن التاسع عشر.

خالد الحروب: هذه تجربة مهمة ومثيرة تجربة.. الأمير عبد القادر الجزائري، يعني كيف ناضل ضد فرنسا في الجزائر؟ سجن في فرنسا، ثم جاء إلى.. إلى سوريا.

د. يوسف الشويري: يعني.. يعني الذي يعود إلى تلك الفترة ويتابع تطور نضال عبد القادر الجزائري لا يملك إلا أن يقارنه بعبد الناصر في القرن العشرين، يعني عبد القادر الجزائري كان أسطورة القرن العشرين في العالم العربي والإسلامي.

خالد الحروب: في التاسع عشر.

د. يوسف الشويري: التاسع عشر.

تجاوز الكتاب لتجربة الوحدة المصرية السورية

خالد الحروب: طيب، دكتور ياسر سليمان، في الكتاب أنا لاحظت شخصياً -ولا أدري إن كنت توافقني- إنه الأحداث الأساسية المركزية في الإنجاز السياسي (للقومية العربية) بين قوسين، مثل الوحدة المصرية السورية مثلاً، مر عليها الدكتور يوسف مرور الكرام تقريباً بصفحة أو صفحة ونصف، وهذا حدث يعني كتبت فيه كتب لوحده يعني، فلذلك ما.. ما رأيك في.. في معالجة الدكتور يوسف لهذا.. للوحدة المصرية السورية تحديداً؟ هذه المعالجة السريعة، وهل هي منصفة أو مجحفة بحق هذه التجربة المهمة؟

ياسر سليمان: في اعتقادي أنه.. أن هذه التجربة كانت تستحق قدر أكبر من البحث في الكتاب، لكن الكتاب هو عبارة عن مسح لقضايا القومية العربية عبر قرنين من الزمان، وبالتالي يجب أن يتوقف الكاتب ويقول لنفسه ماذا يفعل. في اعتقادي إذا ما قارنا الصفحات اللي دكتور يوسف أعطاها لبعض ما كُتب عن القومية العربية، وهذه الحقبة أو هذا الحدث في التاريخ العربي الحديث، في اعتقادي أن هذا الموضوع كان يستدعي مجالاً أوسع وأكبر من البحث والتمحيص، لكن القضية هي ما يلي: أن الكتاب يتأرجح بين دراسة لأيديولوجية القومية العربية ودراسة للتطبيق السياسي للقومية العربية، فمعظم الكتاب في الفصول الأولى يتحدث عن الفكر الأيديولوجي، عن الفكر القومي، وعندما ندخل في نهاية الكتاب نبدأ نتحدث عن التطبيق، وبالتالي مساحة ما تبقى من الكتاب أصبحت مختصرة. ولم تعط هذه.. هذا الحدث لم يعط ما كنا نرجو منه في..

خالد الحروب: ما رأي الدكتور يوسف، لماذا تجاوزت على الوحدة السورية المصرية، هل لأنها فشلت؟

د. يوسف الشويري: يعني أنا في ذهني الحقيقة هو جزء ثاني للكتاب يتحدث عن القومية العربية في التطبيق وسيأتي دور الوحدة السورية المصرية عندما أتحدث عن.. في الجزء الثاني عن القومية العربية كما طبقت في.. في الواقع العملي، وبالتالي ما أردت أن أفعله في هذا الجزء اللي.. الذي أسميه الجزء الأول هو التركيز على الفكر القومي مع عدم إهمال بعض الأحداث التاريخية والسياسية والاجتماعية، ولكن لأضع السياق لتطور الفكر، وليس لدراسة هذا السياق.

خالد الحروب: على كل حال يعني هذا دفاع مسبق عن نقطة كنت أريد أن.. أن أنتقدك أيضاً فيها، وهي أنه يعني مثلاً تجربة الاتحاد الاشتراكي في مصر، كل تجربة الوضع الداخلي للتطبيقات القومية في البلدان العربية مررت عليها مرور الكرام، وهي الآن يعني أحد أهم الموضوعات المطروحة في نقد الفكر القومي، أنه موضوعات حقوق الإنسان، الديمقراطية كل قصة المجتمع المدني هذه، يعني عملياً داسها الفكر القومي بشعارات مواجهة المشروع الصهيوني، مواجهة الخارج.. مواجهة العداء الخارجي، لكن يعني مادام فيه جزء ثاني للكتاب ننتظر الجزء الثاني للكتاب، وسوف نستدعيك وننتقدك أيضاً،

ولكن دعني أنتقل معك إلى دخول الاشتراكية على.. على فكرة القومية العربية، وميشيل عفلق يعني من أوائل الأربعينات رفع الشعار المشهور (وحدة - حرية – اشتراكية) ودخلت الاشتراكية كمكون أساسي للقومية العربية. دكتور ياسر سليمان، بيقول الدكتور يوسف الشويري بالكتاب أن دخول الاشتراكية إلى الفكر القومي عملياً أنهى نوع من.. من العلاقة الحميمية بين الإسلام وبين القومية، ودخلت الآن الفكر الاشتراكي، والماركسية حلت محل ذلك النوع من التقارب الإسلامي القومي، ما رأيك في هذا التحليل؟

تأثير الاشتراكية على العلاقة بين الإسلام والقومية

ياسر سليمان: هو الماركسية دخلت في فترة لاحقة، يعني في.. ما بعد الستينات أو السبعينات بدأت الماركسية تدخل في.. من.. من باب الاشتراكية، هذا كان أحد المواضيع التي تستحق الدراسة أكثر مما أتيح لها بهذا الكتاب، لأنه هناك فيه مواجهة ما بين التاريخ العربي الإسلامي الذي طُرح كمشكِّل أساسي للقومية العربية وبين ما يجري على أرض الواقع.

أعتقد بأن الاشتراكية مع أنها أعطيت مجالاً في.. في بث فكرة القومية العربية، إلا إنه هناك محاولات أيضاً أخرى تقول بأن الإسلام لا يختلف عن الاشتراكية في موضوع إعطاء الناس حقوقها وهذا.. هذا الكلام جميعه قناعتي أنا ما يلي: بأن الاشتراكية كانت عبارة عن تطور كان لابد منه في القومية العربية لمحاولة إشراك الجماهير العربية في مشروع القومية العربية في مصر وفي سوريا.

خالد الحروب: لكن ممكن يقول بعض الناس إنه دخول الاشتراكية على القومية العربية هو الذي همَّشها وغرَّبها عن النسيج الاجتماعي العربي الذي.. المتدين في عمومه، والذي يتجه نحو الإسلام يعني في غالبيته العظمى، ما رأي الدكتور يوسف؟

د. يوسف الشويري: يعني إذا عدنا لتلك الفترة الاشتراكية كانت هي عنوان المرحلة التي أسميها المرحلة الاجتماعية والمرحلة الثالثة، وكان كل شخص وكل تنظيم يحاول أن يدعي الاشتراكية، يعني الإسلاميون يدعون الاشتراكية والشيوعيون طبعاً اشتراكيين، والقوميون اشتراكيون..

خالد الحروب: أي نعم، كتاب مصطفى السباعي "الاشتراكية والإسلام".

د. يوسف الشويري: يعني وبالتالي الاشتراكية لم تكن لا غريبة ولا دخيلة، بل كانت تعتبر من ضمن النسيج الثقافي السياسي لتلك الفترة، ولكن عندما بدأت تفشل خاصة أن بعد 67 عندما ضرب بلدان اشتراكيان هما سوريا ومصر في حرب الـ 67 بدأت فكرة الاشتراكية تهتز، ثم أتى سقوط الاتحاد السوفيتي فاهتزت حتى السقوط و.. ولكن في تلك الفترة لا يمكن القول أن الاشتراكية كانت غريبة أو دخيلة.

الفروقات الأساسية بين الفكر القومي البعثي والناصري

خالد الحروب: أي نعم، طيب دكتور يوسف في الفصل السادس، مازلنا في الفصل السادس ونشوء البعثية.. الفكر القومي البعثي الآن بموازاة الفكر القومي الناصري، السؤال البسيط و.. والمباشر ما هي الفروقات الأساسية؟ ولماذا نشأ عندنا فكر قومي بعثي وفكر قومي ناصري ثم تطور خلاف شديد بين.. بين الفكرين القوميين الذين.. اللذان يعودان إلى نفس الجذور؟

د. يوسف الشويري: يعني أولاً الناصرية هي شخصية زعامة سحرية، قائم متعلقة بجمال عبد الناصر، ولا تستطيع أن تفصل الناصرية عن فترة جمال عبد الناصر وشخصيته كزعيم سياسي البعث هو حزب، ورغم ارتباطه ببعض الأفراد، ولكنه قائم على التنظيم و.. والحلقات والنضال على.. على مستوى الشارع وعلى مستوى الفلاحين والعمال والطلاب، وطريقة التنظيم مختلفة كلياً، يعني ممكن أن تقول أن الناصرية أتت إلى الجماهير من فوق، ومن.. وتحولت إلى.. فيما بعد إلى حركة شعبية تحتية، البعث خرج من الناس وتحول فيما بعد من حركة تحتية إلى حركة فوقية.

خالد الحروب: يعني تصنيف.. يعني توصيف جميل، دكتور ياسر في البعثية.. في الفكر القومي البعثي ما الذي رفع شعار (وحدة- حرية- اشتراكية) لم يستطع أن ينجز شعار الوحدة حتى على صعيد الحزب الواحد، ثم انشق البعث إلى بعثين، الآن الدكتور يوسف أيضاً كان يعني رحيماً شيئاً ما في توصيف هذا الانشقاق والذي حصل بين البعث الواحد إلى بعثين، ما رأيك في تحليل الدكتور يوسف في الكتاب في هذه المرحلة؟

ياسر سليمان: في قناعتي أنا أنه كان في.. لابد هنا من طرح قضية الدولة القطرية، الدولة القطرية بدأت تتشكل في العالم العربي ولها هوية ولها مصالح ولها جماعات ترعى هذه المصالح وتستفيد من هذه المصالح. باعتقادي بأن.. مع أن هناك حزبان للبعث في العراق وفي سوريا، والحزبان ينتميان إلى حزب واحد، إلا أن هناك نخب سياسية تربت وترعرعت، في بلدان أصبحت لها هوية ثقافية مختلفة، سياسية مختلفة، اجتماعية مختلفة، وهناك أيضاً السياق الذي يعني يتم في هذا التشكل يختلف من بلد إلى.. إلى آخر، وبالتالي في اعتقادي أن هذا الانشقاق كان انشقاق يعني مفهوم تاريخياً، لأن الدولة القطرية بدأت حتى من قبل تلك الفترة بدأت تأخذ مجالها ومسارها، وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى أصلاً الانفصال ما بين سوريا ومصر.

خالد الحروب: أي نعم، طيب دكتور يوسف ما رأيك يعني لم أرى مبضع الجراح الناقد في تشريح هذه التجربة.. تجربة الانشقاق البعثي يعني.

د. يوسف الشويري: اللي أنا أشرت إلى هذا الانشقاق من زاوية فكرية أيديولوجية، يعني إذا عدت إلى الستينات والسبعينات الموجة الماركسية كانت موجة طاغية.

خالد الحروب: أي نعم.

د. يوسف الشويري: الآن قد نعتبر هذا.. هذه المسألة مسألة غريبة، ولكن في تلك الفترة الصين وكوبا وفيتنام والعالم الثالث، والاتحاد السوفيتي، والنظريات الماركسية الخارجة من أوروبا خاصة من إيطاليا ومن فرنسا كانت تنعكس مباشرة على الأحزاب القومية في الوطن العربي، وحزب البعث دخلته موجة متمركزة منذ الستينات، وبدأها ياسين الحافظ وشركاؤه، وانتشرت من هناك إلى العراق، ثم إلى مجالات أخرى، وبالتالي كل من لا يتبنى هذه الأفكار الجديدة كان يعتبر متخلفاً، فكان ميشيل عفلق يصنف أنه قد تخطاه الزمن وهذا جيل قديم وهؤلاء هم الجيل الجديد الذي سينقذ الأمة العربية، وظلت.. ظلت هذه المسألة مطروحة حتى نهاية السبعينات.

خالد الحروب: أي نعم.

د. يوسف الشويري: يعني هذه المرحلة يجب أن نعود إليها من هذه الزاوية كما تطغى الآن الموجة الإسلامية في الستينات والسبعينات كان هناك موجة ماركسية طاغية على الفكر العربي، ويجب أن نتنبه إلى ذلك.

ياسر سليمان: لكن هذه الموجة لم تدخل الفكر العربي من مفهوم أيديولوجي إطلاقاً، إنما جاءت من واقع ما جرى على ساحة السياسة العربية.

خالد الحروب: سياسة مفهوم.. مدخل سياسي..

ياسر سليمان: نعم.. نعم كانت هي عبارة عن مدخل سياسي، يعني الاشتراكية في مصر كانت عبارة عن مؤشر لتوجه جديد، هذا المؤشر الجديد.. هذا التوجه الجديد يضع مصر في سياق دولي يعاكس من..

خالد الحروب: ضد الولايات المتحدة وبريطانيا.

ياسر سليمان: وبريطانيا والتجربة التي كانت في العدوان الثلاثي، وغير ذلك. باعتقادي بأنه الاشتراكية كانت وكأنها شيء أُلحق ملحقاً، يعني شيء لم يكن من واقع.

خالد الحروب: أي نعم، أصيلاً نعم.

ياسر سليمان: لم.. لم تكن أصيلة فيه.

خالد الحروب: الحقيقة يعني فيه بعض الطروحات اللي.. يعني القومية يعني.. يعني تم تأصيل المكون الاشتراكي تم تأصيله بشكل.. بشكل عميق جداً، يعني.. يعني ربما استحدث، ربما استُقدم لأغراض سياسية في البداية، لكن كان هناك هم عند المشروع القومي اللي هو البحث عن مكون اجتماعي، إنه النظرية القومية كانت نظرية هوية وثقافية و.. إلى آخره، وكان النقد الدائم إنه ليس هناك مكون اجتماعي، فعملياً أيضاً في مراحل لاحقة كان الخيار الاشتراكي خيار واعي وليس فقط خيار سياسي، خيار أيديولوجي، خيار فكري وسياسي.

د. يوسف الشويري: صحيح، والاشتراكية كانت تعني.. عفواً، إنه هناك.. يجب أن يكون هناك تنمية وإنتاجية وتوزيع عادل.

ياسر سليمان: لكن الاشتراكية لم تنبت من الأساس مع.. مع الفكر الناصري، الفكر الناصري في النهاية تبلور وأصبح فكر اشتراكي، بمعنى أن الاشتراكية أصبحت عبارة عن آلية في يد الحكم حتى تقضي على بؤر السيطرة في داخل المجتمع و.. وغير ذلك.

فالاشتراكية جاءت وكأنها شيء غير أصيل، والسبب في ذلك أنه كان لابد من تجديد الفكر القومي، لأنه الفكر القومي ارتبط إلى حد كبير جداً مع حركات التحرر في الوطن العربي وفي العالم، وحصل الاستقلال.

مكونات ومعالم الفكر القومي الجديد

خالد الحروب: وهذا.. وهذا التجديد هو الذي استدعى يعني استقدام.. استقدام الاشتراكية كنوع من التجديد لكن دكتور يوسف إذا انتقلنا للفصل الأخير اللي يتحدث عن العروبة الجديدة، وهذا فصل مهم ومثير جداً، لأنه بيتحدث عن.. عن الوضع الحالي الآن، في العروبة الجديدة تقول أن هناك مكونات جديدة تم تبنيها من قبل القومية العربية، مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، المجتمع المدني والطروحات الحديثة هذه، والتي غابت عن مسيرة الفكر القومي لعقود طويلة خلت أولاً أريدك أن تؤكد هل هذا.. فهمي لهذا.. لهذه العروبة الجديدة حتى ننتقل إلى السؤال الثاني.

د. يوسف الشويري: يعني طبعاً يعني هذا وصف جيد، وفعلاً أنا هذا ما أعنيه أن هناك الديمقراطية، هناك مفهوم المجتمع المدني، وهناك وعي جديد لحقوق الإنسان، وأصبحت هذه المفاهيم مكونات أساسية في الفكر القومي العربي، حتى الفكر القومي العربي الرسمي.

خالد الحروب: ما أبرز معالم هذه التعبيرات، يعني ما أبرز معالم تعبيرات الفكر القومي الجديد، العروبة الجديدة؟

د. يوسف الشويري: يعني منذ أواسط السبعينات تقريباً أو أوائل الثمانينات بدأت مراجعات فكرية وتنظيمية في صفوف الناصريين، وصفوف البعثيين، وصفوف القوميين العرب السابقين، وصفوف القوميين العرب المسقلين، حول القومية ولماذا تعثرت ولماذا الحركة القومية لم تتقدم، وخاصة بعد أن فقدت الثقل المصري وبعد أن انشق حزب البعث، وأصبح هناك تساؤل عملي يتعلق بكيفية تعامل هذه التنظيمات مع بعضها البعض.

خالد الحروب: ثم هذه الكيفية قادت إلى تبني الديمقراطية، دكتور ياسر يعني هل.. السؤال هل تبني القومية الجديدة للشعار الديمقراطي وحقوق الإنسان، هل هو تبني.. السؤال هو تبني جوهري أم هو تبني تحت الضغط؟ وهو تبني لأن القومية الآن أصبحت خارج أنظمة الحكم وفي صفوف المعارضة في غالب من البلدان؟

ياسر سليمان: لأ، هو تبني جوهري، بمعنى أن القومية العربية لابد أن تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المثل والأمور التي يجب أن يتجه إلى نحوها المجتمع العربي، المجتمع العربي أيضاً لا يعيش في معزل عن المجتمعات الأخرى خارج الوطن العربي، القضية ما لي؟ أن القومية العربية كحركة وحدة تشمل كافة من يتكلمون اللغة العربية ويشتركون بتاريخ واحد، فشلت كمشروع سياسي بإقامة دولة عربية واحدة من الخليج إلى المحيط ومن الشمال إلى الجنوب، وبالتالي الآن القوميين العربيين الجدد، يقولون بأن الشارع العربي مازال نبضه قومياً، وأنه إذا أتيحت الفرصة للشارع العربي أن ينطق فإنه سينطق بلغة القومية، فالبحث عن الديمقراطية والمجتمع المدني عبارة عن وسائل حتى يُعطى الشارع العربي صوت ويعطي قوة، وكما يقول الدكتور أيضاً في الكتاب، وهذه نقطة مهمة جداً، لأن هؤلاء يطالبون بأن تكون هذه ممارسات عبر الحدود العربية.

خالد الحروب: طيب..

ياسر سليمان: وليست في داخل الدولة العربية الواحدة.

خالد الحروب: أي نعم،

ياسر سليمان: فهي عبارة عن محاولة التفاف حول المشروع القومي العربي لإعادته إلى الساحة العربية.

خالد الحروب: أي نعم، طيب الدكتور يوسف، يعني في الختام لو أعيد عليك.. لو أتيح لك الفرصة أن تعيد كتابة هذا الكتاب في ضوء ما سمعت وفي خلال نصف دقيقة أو دقيقة، كيف ستكتبه من جديد؟

د. يوسف الشويري: أنا حقيقة أعرف تماماً أنك لا يمكن أن تكتب تاريخ القومية العربية في مجلد واحد، ولابد من مجلدات، ولكن.. ولكن لابد أن تختار أحداث معينة أو مفكرين معينين أو حركات معينة، ولو أتيحت لي فرصة إعادة الكتابة لركزت أكثر على المرحلة الأخيرة، أي مرحلة العروبة الجديدة، أعتقد أنها تستحق معالجة أوسع وأعمق، ولابد من التركيز عليها لأننا الآن ندخل في هذه المرحلة، ولا.. ولابد من معالجتها بطريقة أكثر ربما..

خالد الحروب: وخذ بعين الاعتبار يعني هذا الوصف.. التقارب القومي الإسلامي في المرحلة الأولى، مرحلة العروبة الثقافية، ثم الانفصال القومي الإسلامي في مراحل العروبة السياسية، والآن نلاحظ في العروبة الجديدة ربما أغفلت إن كنت أنا دقيق في الأداء في مرحلة العروبة الجديدة عاد التقارب الأول خلال مرحلة العروبة الثقافية بين الأوروبيين والإسلاميين كما هي المؤتمرات التي نراها والخطاب.. والخطاب المشترك.

د. يوسف الشويري: أيوه صحيح.

خالد الحروب: لعله هذا نراه في الجزء الثاني، بروفيسور ياسر سليمان، تقييم للكتاب في آخر دقيقة.

ياسر سليمان: باعتقادي أن الكتاب -كما يقول المؤلف الدكتور يوسف الشويري- هو عبارة عن مسح للقومية العربية، هو أخذ محطات كبرى في القومية العربية تحدث عنها، الفصل الأول يتحدث عن نظرية القومية كما بحثها المفكرون الغربيون، والحقيقة كان لابد في رأيي من محاولة ربط الكتاب في عود على بدء، إنه إذا ما طرحنا قضية القومية العربية ضمن الإطار النظري لدراسة القوميات في العالم، أين نضع هذه القومية؟ هذا من ناحية، في اعتقادي أن دراسة العروبة الجديدة سيكون في مجال التنظير وليس في مجال التأريخ، لأنه العروبة الجديدة هي عبارة عن حدث نعيشه كل يوم، وهنا الدكتور يوسف الشويري يجب أن لباس آخر و..

خالد الحروب: ينظِّر.

ياسر سليمان: بدل أن يؤرخ.

خالد الحروب: شكراً جزيلاً، وأعزائي المشاهدين بهذا التقييم الختامي لم يتبق لي إلا أن أشكر لكم مرافقتكم لنا جليس هذه الأمسية الذي كان كتاب "تأريخ القومية العربية" من تأليف الدكتور يوسف الشويري (أستاذ التاريخ العربي)، الذي نستضيفه معنا هنا في الأستوديو، فشكراً جزيلاً له، كما استضفنا البروفيسور ياسر سليمان (رئيس معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة أدنبره في بريطانيا)، فشكراً جزيلاً، وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل في حلقةٍ جديدة، هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.