مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

راشد الغنوشي: مفكر إسلامي، رئيس حزب النهضة - تونس
البروفيسور/ محمد أركون: مفكر عربي إسلامي والأستاذ في جامعة السوربون

تاريخ الحلقة:

17/06/2002

- الكتاب وأهم القضايا المجهولة في الفكر الإسلامي
- الأنظمة السياسية والاجتماعية وتكريس اللامفكر فيه

- تفكيك النصوص التقليدية في ظل واقع الأمة المعاصر

- تفكيك النصوص وطرح قضية الظاهرة الدينية

- طبيعة الحكم وعلاقته بالفكر الإسلامي

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً ومرحباً بكم إلى هذه الحلقة من برنامج (الكتاب) نناقش هذا اليوم كتاباً مثيراً لكاتب ومفكر مثير، الكتاب بعنوان "اللا مفكر فيه في الفكر الإسلامي"، ويتحدث عن عدد من الموضوعات والقضايا الفكرية والفلسطينية التي يقول المؤلف إن الفكر الإسلامي المعاصر والتقليدي لا يناقشها ويتجنب الخوض فيها، ذلك باعتبارها مسلمات لا تحتمل النقاش، مؤلف الكتاب هو البروفيسور محمد أركون (المفكر العربي والإسلامي، والأستاذ في جامعة "السوربون" في فرنسا) والذي نستضيفه معنا هنا في الاستديو، فأهلاً ومرحباً به.

محمد أركون: شكراً، شكراً على الدعوة.

خالد الحروب: أهلاً دكتور، كذلك استضيف في الاستديو الأستاذ راشد الغنوشي (المفكر الإسلامي التونسي المعروف، وأحد أهم أعلام ومنظري الحركة الإسلامية العربية في الوقت الراهن) فأهلاً وسهلاً به أيضاً، كتاب البروفيسور محمد اركون كتاب جريء وخلافي بكل تأكيد، فهو لا يحوم حول بعض القضايا المقدسة، بل ينخرط فيها ويخضعها لأساليب التحليل العلمي والموضوعي، بطريقة قد يختلف معه كثيرون عليها، فإخضاع النص القرآني لأساليب تحليل الخطاب المتبعة مع النصوص الأخرى ومناقشة الوحي، وانتقاد ما يسميه المناهج التقليدية في الدراسات القرآنية، وغير ذلك هي أمور لا يجرؤ على التعرض إليها إلا قليلون من وزن الأستاذ محمد أركون نفسه، لكن نقد هذه الأفكار وتمحيصها يحتاج كذلك إلى علماء ومفكرين من وزن ثقيل أيضاً، من أمثال الشيخ راشد الغنوشي، وهكذا فأننا نستضيف اليوم علمين من أعلام الفكر الإسلامي، أركون ممثلاً للفكر الإسلامي لليبرالي، والغنوشي ممثلاً للفكر الإسلامي الوسطي، وبفتح الحوار حول هذه الموضوعات فإننا في هذا البرنامج نحاول إحياء وتكرس تقاليد الحوار الرصين والموضوعي الذي اشتهرت به الحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها، وحين كان العلماء والمفكرون يناقشون كل الأمور بلا استثناء بكل ثقة وشجاعة، نبدأ الآن بمناقشة الكتاب، وأتوجه أولاً مع البروفيسور محمد أركون، أهلاً بك هنا، "اللا مفكر فيه بالفكر الإسلامي"، عنوان مثير يطرح مباشرة سؤال أولاً ما هو المفكر فيه، هم ما هو الذي غير المفكر فيه؟ وما هي قصة هذا الكتاب؟ وقصة هذا العنوان؟

الكتاب وأهم القضايا المجهولة في الفكر الإسلامي

محمد أركون: نعم، أولاً أود أن أشكرك وأشكر قناة (الجزيرة) لمنح هذه الفرصة حتى نتناقش عن قضايا فكرية، ويجب علينا أن نوازن بالتفكير الحديث جميع ما يجري في مجتمعاتنا وفيما يتعلق بحياتنا من حيث الأمور السياسية، وأنا مسرور جداً أن تعطى لي هذه الفرصة حتى أقدم للمستمعين الكرام، وأعرف أنهم كثيرون في قناة الجزيرة، ما أقصده بما لم نفكر فيه بعد في الفكر الإسلامي المعاصر، أقصد بذلك جميع القضايا التي تتعلق بتاريخ الإسلام كدين، الإسلام كفكر، الإسلام كثقافة، والإسلام كما يستعمل اليوم، ويستوظف للنزاعات السياسية العديدة التي قمنا بها إما ضد الاستعمار، لنتحرر من الاستعمار منذ الخمسينات، وإما بعد استقلالنا في الصراعات السياسية الخاصة بكل مجتمع من المجتمعات الإسلامية، والخطاب السياسي الإيديولوجي، كل خطاب سياسي يحمل إيديولوجية طغى على جميع مجال الفكر والتفكير في مجتمعاتنا، وهناك قضايا عديدة أثيرت في الفكر، وأثيرت أيضاً في جميع العلوم الاجتماعية، لأن هذا الفكر لا يعتني ولا يعني فقط التفكير الفلسفي، بل يعني التفكير...

خالد الحروب [مقاطعاً]: أي نعم، التطبيقات السياسية والاجتماعية.

محمد أركون: نعم، التفكير الذي تأتي به جميع العلوم الاجتماعية وعلوم الإنسان، وهذه العلوم وما أتت به لم يطبق بعد على دراسة الإسلام وعلى تدريس الإسلام أيضاً، في مدارسنا الثانوية، وحتى في الابتدائية وطبعاً على المستوى الجامعي حتى نغذي البرامج للبحث العلمي، فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية عامة، وحتى أيضاً نغذي أيضاً برامج التعليم في الثانوية...

خالد الحروب: أي نعم يعني.

محمد أركون: وما دفعني إلى هذا.

خالد الحروب: ممكن أن نفهم -بروفيسور أركون- إنه ما وصلت إليه العلوم الاجتماعية والسياسية ومن مناهج التحليل والبحث، وتطبيقات مختلفة الآن لم تطبق على الفكر الإسلامي التقليدين والآن أنت تحاول كما ذكرت في مقدمة الكتاب أن تطبق هذه المناهج مناهج التحليل السياسي والاجتماعي على المناطق التي لم يتم التعرض إليها والتفكير فيها في الفكر الإسلامي.

أسأل الأستاذ راشد الغنوشي، يعني إلى أي مدى في الفكر الإسلامي المعاصر، هناك مناطق مازالت مجهولة وغير مفكر فيها، تحتاج إلى.. إلى استكشاف وتحتاج إلى تفكير، مقارنة بما هو مفكر فيه، هل نحن فعلاً نعيش في.. في غابة من اللا مفكر فيه، ونتبع طريق وحيد مفكر فيه.

راشد الغنوشي: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، يعني كتاب "اللا مفكر فيه في الفكر الإسلامي" يعني كتاب لا شك ثري بمراجعه سواء في على صعيد آليات البحث في الفكر الغربي، أو على صعيد التراث الإسلامي، والفكر لا يستنفد، يعني القول بأن هناك مجالات لا مفكر فيها، يعني هذا.. هذا أمر مؤكد، مؤكد أن.. أن قضايا المسلمين، أن العالم الإسلامي اليوم يحتاج إلى ثورة فكرية، يحتاج إلى تجديد بالمصطلح الإسلامي.. إلى تجديد فكري يستند بالتأكيد يعني حتى يكون منتجاً مستمراً يحتاج إلى أن يكون مستنداً إلى آليات.. إلى أصول...

محمد أركون: وأن يكون مساهماً.

راشد الغنوشي: إلى أصول الإسلام، وأن يساهم في.. حتى نكون قادرين على الإسهام في الحضارة المعاصرة، ونحن لسنا مسهمين اليوم في الحضارة المعاصرة، إذاً يعني القول بأن يعني الحاجة للتجديد وللتطوير ولارتياد مناطق إما ما تزال يعني في الظل.

خالد الحروب: وغير معروفة.

راشد الغنوشي: أو أنها لم تفضي إلى نتائج حاسمة في الفكر الإسلامي، هذا أمر لا ينكره أحد، ولا أحد في الفكر الإسلامي الجاد يعني يقول والله بأنه.. بأن الفكر قد استنفذ أغراضه، وبأنه ليس أما منا الآن..

خالد الحروب: وأن كل شيء تم.. تم

راشد الغنوشي: وأن كل شيء يعني ناجز، وانه يكفي أن نكون مسلمين، يكفي أن حتى نكون لنا جواباً عن كل سؤال، ليس هناك.

خالد الحروب: طيب أستاذ راشد يعني ما دام هيك إذن هناك اتفاقاً على أنه هناك مساحات واسعة من اللا مفكر فيه.

محمد أركون: لو سمحت أولاً..

خالد الحروب: إذا سمحت أنا سوف آتيك يعني.. يعني محوراً محوراً، ونستكشف معك كل المفكر فيه وغير المفكر فيه.

محمد أركون: إذا اتسع الوقت لذلك.

الأنظمة السياسية والاجتماعية وتكريس اللامفكر فيه

خالد الحروب: إذا اتسع الوقت، لذلك نبدأ مباشرة بالمقدمة، نقول أن فكرة اللا مفكر فيه في الفكر الإسلامي وفي الممارسة الإسلامية بعضها عائد إلى.. إلى.. إلى التقاليد الدينية إلى فهم النصوص وتطبيقاتها والبعض الآخر عائد إلى استغلال الأنظمة الحاكمة والحكام للنصوص الدينية وتحريمهم النقاش والخوض في منطقة من اللا مفكر فيه خاصة ما يتعلق بالحقوق، هذا الأنظمة السياسية ملاحظتي أو سؤالي هو هناك أيضا أنظمة اجتماعية وثقافية في المجتمعات أيضاً تحرم الخوض في مناطق أخرى وتصبح أيضاً مناطق لا مفكر فيها، بينما أنت رأيت أن تركيزك في الكتاب على الجزء الأول اللي هو استغلال الحكام والأنظمة السياسية في تكريس اللا مفكر فيه.

محمد أركون: نعم، هذا صحيح أو أن أوضح نقطتين مهمتين وكلاهما تتعلقان بقضية التربية ذكرت أن الجماهير أيضاً ترفض نوع من التفكير التحليلي والنقدي، وترفضه من أجل البرامج التربوية التي تطبق في البلدان الإسلامية والتي تعتمد على ما أتى به العلماء الباحثون في التاريخ مثلاً تاريخ الفكر، وتاريخ المجتمعات، وتاريخ الفكر السياسي وجميع التاريخ لم تبني.. تُبنى هذه البرامج في التعليم على ما أتى به.. أتت به العلوم خاصة في السنين العشر الأخيرة مثلاً.

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: هناك دروس فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية صدرت في العشر سنوات الأخيرة ثمينة جداً، وتأتي بجديد، وهذا لم نقرؤه، لم.. نهضمه.. ولا نطبقه في.. في...

خالد الحروب [مقاطعاً]: لكن.. أركان المشكلة.. بروفيسور أركون يعني أنت لعلك تتفق معي إنه كثير من هذه الدروس التي ذكرتها والدراسات متعلقة بالشريعة، متعلقة بالدراسات الدينية، بالتجديد، بغير ذلك، تصدر بالغرب إما بلغات باللغات غير العربية أو تصدر بلغات عربية في.. في.. في عواصم عربية فتبقى تواصلها مع.. مع الجماهير العرب هو تواصل مفقود.

محمد أركون: نعم.. نعم، وهنا.. وهنا يطرح تطرح مشكلة الدول التي تُسيِّر جميع ما يتعلق بالنظام التربوي، يجب علينا أن نهتم أكثر بعملية الترجمة العلمية لجميع ما يصدر إلى اللغة العربية وإلى اللغات الإسلامية الأخرى، فالفارسية والإندونيسية، وجميع الأمم الإسلامية حتى نساهم في الإنتاج العلمي على المستوى الذي نشاهده في الجامعات التي يذهب إلى.. يذهب إليها كثير من شبابنا من المجتمعات الإسلامية بإنجلترا، بأميركا، بفرنسا حتى يتخرجوا من هناك بتلك اللغات، وعجما يرجعون يجدون صعوبات في التعبير عما تعلموه بالاصطلاحات لأن، كل علم اجتماعي.. كل. كل علم من العلوم الاجتماعية لها معجمها.. معجم يتطور يوماً بعد يوم، ويجب أن نتابع هذا التطور للبحث العلمي، هذا ما أقصده.. هذا ما أقصده.

خالد الحروب: أي نعم، طب عودة إلى النقطة الأولى.

محمد أركون: وهناك شيء آخر.

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: نقطة أخرى أود أن أوضحها.

خالد الحروب: تفضل.

محمد أركون: للمستمعين الكرام هو أن ما أقصده باللا مفكر فيه يتعلق أيضاً بتراثنا.. بتراثنا الإسلامي، لأن هناك في تاريخ الفكر.. الفكر الإسلامي في.. في العصر الذهبي ما نسميه في تراثنا القديم، هناك تفكير فلسفي ثري جداً، هناك معجم فلسفي عربي ثري جداً، ولكن هذا المعجم جهلناه وتركناه وأهملناه لأسباب تاريخية جعلتنا في حالة ما لم.. ما لا يمكن التفكير فيه حتى.. هذا.

خالد الحروب: حدث هذا الانقطاع اللي سوف نأتيه يعني في الفصل الثالث أعتقد إذا ذكرت، وسوف نناقش هذا الانقطاع التاريخي في.. في الفلسفة الإسلامية وتطبيقها، لكن اسأل الأستاذ راشد الغنوشي مرة أخرى حول إنه اللا مفكر فيه هل أسبابه.. هل أسباب عدم التفكير فيه أسباب سياسية تعود إلى استغلال النظم الحاكمة للنصوص الدينية وتوظيفها توظيف سياسي، أم أن هناك أيضاً أسباب اجتماعية إنه المجتمع وثقافة المجتمع أحيانا أيضاً لأسباب متعددة تكاد تحرم الخوض في عدد من الموضوعات فتصبح هذه المناطق مناطق غير مفكر فيها؟ فهناك ثقافة اجتماعية، هناك أيضاً قيود اجتماعية فضلاً عن القيود السياسية تحظر ارتياد مناطق من اللا مفكر فيه بخلاف العصر الذهبي كما ذكر البووفيسور أركون للحضارة العربية الإسلامية.

راشد الغنوشي: الحقيقة يصعب عليَّ القول يعني بأن الجماهير الحس العام الشعبي يمثل عقبة وكابح للتفكير فيما يجب التفكير فيه، فإذا حصل ذاك، إذا حصل حصل أن الجماهير رفضت قضية من القضايا، فمعنى ذلك أن.. أن أسلوب التلقي أو أسلوب الإرسال بتلك الجماهير لم يكن.. لم يكن بالطريق الذي تعودته، تعودت جماهيرنا أن تتلقى من خلال لغة من خلال منطق، من خلال مرجعية اللي هي يعني قال الله وقال الرسول، يعني المرجعية الإسلامية، فكل خطاب لا يدخل من هذا الباب، بل ربما يوحي بأنه أصلاً يعني لا يبالي به، يعني هذا مدعاة لأن يعني يلاقى.. يلاقي نوعاً من الرفض أو نوعاً من.

خالد الحروب: من النفور.

راشد الغنوشي: نوعاً من النفور.. فضلاً على أن هناك أسباب سياسية، لا شك أن الفكر السياسي الإسلامي، كل الدارسين اليوم يلاحظون بأن تراثنا تمركز أكثر حول فقه العقائد والعبادات، ولكن يعني الفكر السياسي والاجتماعي لم يكن. يعني لم يكن هناك تواصل كان..

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: كان ضعيفاً، والسبب هو أن.. هو خشية الحكام الذين يمارسون رقابة شديدة على الفكر والذين يخشون من أن يطور نظام الشورى ليصبح.. لتصبح الجماهير.. لتصبح الأمة كما يريدها الله أن تصبح، المرجع الثاني المخاطب بالنص.

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: والحكام لا يريدون هذا، ولذلك يقمعون كل محاولة لتطوير هذا الجانب، ويشجعون لا يبالون.. بل ربما يشجعون تطوير جوانب أخرى من الفكر.

خالد الحروب: من الفكر.. من المفكر فيه.

راشد الغنوشي: من..

تفكيك النصوص التقليدية في ظل واقع الأمة المعاصر

خالد الحروب: طيب بروفيسور محمد أركون، مازلنا في المقدمة والفصل الأول، تقول أن مشروعك في.. في الكتاب، وأيضاً كما في الدراسات الأخرى التي ذكرتها ومعروفة يقوم على تفكيك النصوص التقليدية، تفكيكها وإعادة تركيبها والبحث حول المعرفة الحقيقية التي تتواءم مع واقعنا المعاصر في ضوء تطور المعروفة الإنسانية إلى الوقت الحاضر، أريدك أن تلقي الضوء أكثر على ماذا تقصد بالتفكيك، تفكيك.. تفكيك النصوص التقليدية هذه والبحث.. البحث عن ماذا؟

محمد أركون: نعم، مفهوم التفكيك يتعلق بالعلوم الاجتماعية كما.. كما ذكرت، وعملية التفكيك تعتمد أولاً على علم اللسانيات، لأن قراءة.. قراءة أي نص.. نص في جريدة اليوم أو نص رسالة الشافعي يدعو إلى الاعتماد على وسائل وعلى معجم خاص باللسانيات ولا يزال يتطور كما ذكرت يوماً بعد يوم ليكون أدق في هذه التحليلات.

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: وقراءة النص القرآني مثلاً بالنسبة للفكر الإسلامي هو أول شيء اعتمد عليه ولا يزال المسلمون يعتمدون عليه، وكان المسلمون في العصر الذهبي الفقهاء وأهل الكلام يقدمون لكتبهم مثلاً في أصول الفقه بفصل كامل ثري مخصص لقضايا اللغوية فقط.. اللغة العربية.. البلاغة، علم النحو...

خالد الحروب [مقاطعاً]: أي نعم، وإلى أين يقودنا؟ يعني الآن بعد التفكيك اللغوي.

محمد أركون: لأن.. لأن قراءة النص القرآني يجب أن ينبني على هذه المعلومات، واليوم عندنا اللسانيات التي قدمت نظريات جديدة فيما يخص العلاقات بين الفكر واللغة مثلاً هذا مجال مهم جداً، وفي كيفية التفسير لكل كلمة من الكلمات المستعملة في أي نص، وهذا النوع من البحث لم نقم به بعد كما ينبغي.

خالد الحروب: وهو هذا السؤال -أستاذ محمد أركون- إلى ماذا سوف يقود الآن؟ فككنا النص والخطوة التالية؟

محمد أركون: اسمع، سيقود مثلاً إلى أن نفهم النصوص نظرية.. على نظرية جديدة للاستعارة، لأن..

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: لأن النصوص الدينية كلها تستعمل الاستعارة، الاستعارة أساس في بنية الخطاب الديني وليس لدينا.. ليست لدينا اليوم نظرية حديثة للاستعارة، عندنا نظرية حديثه للاستعارة، عندنا نظرية.. للذين اعتنوا بعلم البلاغة في القديم، ولكن نحتاج إلى..

خالد الحروب: إلى نظرية معاصرة.

محمد أركون: إلى نظرية أخرى اليوم نعتمدها، وهذا.. ولهذا أقرأ النصوص على أساس اللسانيات ولا أمس العقائد.

خالد الحروب: سوف نأخذ، نعم.

محمد أركون: لا أطرح.. لا أطرح قضية العقائد، هذا مهم جداً بالنسبة..

خالد الحروب: سوف نأخذ أحد.. في..، سوف نأخذ يعني تحليل نص، يعني ذكرته أنت في الفصل الثاني.

محمد أركون: نعم.. نعم.. نعم.

خالد الحروب: سوف نأخذه كمثال ونسمع أكثر حول هذا الموضوع.

[فاصل إعلاني]

خالد الحروب: أستاذ راشد الغنوشي، يعني هذه مقولة التفكيك الآن مقولة مشتهرة منذ عدة سنوات، يعني.. وأصلها فرنسي وكذا، لكن الخشية الدائمة إنه قد ننجح في التفكيك ونقف عاجزين عن إعادة البناء، إنه دائماً سهل دائماً توجيه مثلاً النقد وتفكيك هذه.. ليس فقط النصوص، ربما ينطبق هذا على.. على سائر النظريات والأمور المختلفة أنك قد تدمر هذا الشيء الذي تريد أن تناقشه، لكنك تعجز عن بناؤه مرة أخرى أو بناء بديل له، ما رأيك في نظرية التفكيك التي يتبناها محمد أركون في هذا الكتاب؟

راشد الغنوشي: يعني أنا أظن بأنه هذه أهم مسألة، يعني يدور حولها اليوم نقاش في الساحة الإسلامية أو ساحة المهتمين بالفكر الإسلامي ما يسمى بتناول.. منهاج تناول النصوص.. قراءة النص، والأستاذ أركون يعني هذه فكرة مركزية فيما أفهم أنا في كتبه، وليس في هذا الكتاب فقط، هذه فكرة مركزية، بل خصص لها كتباً يعني، يعني وليس.. وليس جزءاً من كتاب فقط وإنما خصص..

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: فهي مسألة يعني أصولية وقاعدة، يعني محور أساسي لتفكيك النص الأركوني نفسه يعني، لفهمه، فلابد من تخصيصها يعني بحديث مطول، لأنه تطبيق مبدأ.. يعني لاشك أن الاستفادة من العلوم الحديثة يعني مثل الإنثربولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم اللسانيات، للاستفادة منها في الاستنارة، في ارتياد أو محاولة اكتشاف في النص القرآني ما لم يكتشف، لاشك إنه هذا يعني قد يمثل إضافة لعلوم التفسير، ولكن يعني هناك خشية حقيقية من أن.. من أن تطبيق هذه الآليات على النص الإسلامي، على الوحي بمثل ما طبق به، بمثل ما طبقت هذه الآليات على نصوص دينية أخرى، يعني على التوراة، على الإنجيل.

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: يعني مع الاختلاف، ربما هذا سيأتي مع الاختلاف بين طبيعة النص الديني الإسلامي الوحيي وبين النصوص الأخرى، يعني عدم مراعاة هذا قد يقود إلى إشكاليات، حتى إلى زعزعة اليقينيات..

خالد الحروب: اليقين، نعم.

راشد الغنوشي: اليقين، زعزعة اليقينيات الإسلامية.

تفكيك النصوص وطرح قضية الظاهرة الدينية

خالد الحروب: طيب عند هذه النقطة.. عند هذه النقطة يعني ندخل للبروفيسور محمد أركون إنه التخوف اللي ذكره الأستاذ راشد ويذكره كثيرون إنه عملية التفكيك هذه تقطع منتصف الطريق ولا تتابع المشوار في إعادة البناء أو استكشاف المعرفة التي أعلنت أنها تريد استكشافها منذ البداية، أريدك إذا تكرمت أن.. أن توضح لنا هذا.. هل.. هل هناك.. ما هو النصف الآخر من الطريق بعد التفكيك في ضوء مناقشتك للدراسات القرآنية ولمناهجها المدرسية، وأنها أيضاً نحتاج إلى إعادة نظرة نقدية وتحليلية لها، وفي ضوء المثال الذي ذكرته حول.. وحللت فيه سورة العلق، في ضوء المنهج الجديد؟ تفضل.

محمد أركون: المقصد الأسمى -كما كان يقول الغزالي- من هذا البحث، ومن هذه.. هذه الاجتهادات هو أن نطرح قضية الظاهرة الدينية من خلال دراسة الأديان الخاصة، أنا أعتمد على الدين الإسلامي كمثل لندرس ونطرح القضية.. ظاهرة.. الظاهرة الدينية.

خالد الحروب: بشكل عام.

محمد أركون: بشكل عام، ونحن نحتاج إلى هذا الطرح، بما أننا اليوم في نزاعات سياسية طبعاً، ولكن هذه النزاعات السياسية مبنية على نظريات دينية لم نعتن بها بعد، وخاصة فيما يخص ما أسميه مجتمعات الكتاب، أي المجتمعات التي بنت نظمها السياسية وبنت فكرها كله على ظاهرة الوحي، أقصد بذلك دين اليهود، ودين..

خالد الحروب: المسيحية والإسلام.

محمد أركون: المسيحية والإسلام، نحتاج إلى حوار في هذا الموضوع، وهذا الحوار يجب أن نمهد له لنكتسب قاعدة علمية فكرية نجمع عليها مهما كانت عقائدنا ومهما كان تفسيرنا وفهمنا في اللاهوت.. في علم اللاهوت، لأن كل.. كل أمة من هذه الأمم لها لاهوتها، واللاهوت أيضاً موضوع لهذا البحث، موضوع لهذا التفكيك، لأن اليهود يعلِّمون دينهم على أساس..

خالد الحروب [مقاطعاً]: إذا سمحت بروفيسور أركون يعني بالمثل اللي أنت تناولته، تحليل سورة العلق وإعادة قراءتها في ضوء هذا التحليل الجديد.

محمد أركون: نعم.. نعم.

خالد الحروب: ماذا قرأت؟ ما هو اللا مفكر فيه الذي فكرت فيه عندما قرأت سورة العلق قراءة جديدة؟

محمد أركون: اللا مفكر فيه هو التعرف على بنية.. البنية اللسانية لما أسميه الخطاب الديني، مش الخطاب القرآني فقط.. عندما أقوم بهذا العمل..

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: لا أقصد فقط المسلمين والقرآن، أقصد كذلك التوراة، أقصد التلمود، أقصد كتب الإنجيل.. الإنجيل، أقصد به جميع.. جميع الخطابات الدينية.

خالد الحروب: يعني هو سؤال.. ما الخلاصة.. ما الخلاصة.. ما الخلاصة التي وصلت إليها؟

محمد أركون: الخلاصة هو فهم آخر للظاهرة الدينية الذي لا يعتمد على مفهوم الأرثوذكسية فقط، ولا يعتمد كذلك على لاهوتٍ خاص بكل جماعة من الجماعات الدينية، لأ.. مثلاً حتى عندنا في الإسلام هناك لاهوت للشيعة إثنى عشرية، ولاهوت لأهل السنة والجماعة..

خالد الحروب: أي نعم، طب أسأل.. أسأل..

محمد أركون: وهذه بحوث لم نقم بها بعد.

خالد الحروب: أي نعم، إذن يعني محاولة لتفسير.. ليس فقط النص الإسلامي، النص الديني الإسلامي، بل النصوص الدينية بشكل عام.

محمد أركون: نعم.. نعم.

خالد الحروب: نظرية في فهم الظاهرة والنصوص الدينية بشكل عام.

أسأل الأستاذ راشد الغنوشي، يقول محمد أركون أنه الدراسات القرآنية المتوافرة بين لدينا دراسات تقليدية وقاصرة عن إعطاءنا المعاني الجديدة التي تتوائم مع الواقع المعاصر، وفي ضوء المعارف المتراكمة الإنسانية، ما رأيك بهذا؟

راشد الغنوشي: الحقيقة أن.. يعني ما يعتبره الأستاذ أركون من أن مناهج التفسير ومناهج الفقه انتهت إلى نوع من النظام المغلق، يعني بمثل ما حصل في الديانات..

محمد أركون: الأخرى..

راشد الغنوشي: الأخرى، وتكفير البعض للبعض نتيجة هذه الأنظمة المغلقة، أظن إنه هذا فيه مبالغة إن لم يكن فيه تجني أصلاً على.. على تجربتنا الإسلامية بمضاهاتها بتجارب دينية أخرى تختلف عنها تماماً، يعني كيف يمكن لو كان أن هذا النظام التفسيري نظاماً مغلقاً ويحتاج اليوم إلى آليات جديدة لفتحه حتى يكون هناك تسامح بين المسلمين في.. بين كل فرقهم، وحتى يكون تعايش بين المختلفين لأنه هذا هو المتنهى الذي نريد، يعني كيف نفسر هذا الثراء في المجتمعات الإسلامية التقليدية في أنها استطاعت أن تحتوي ما أهل الكتاب، بل يعني فيه نصوص فقهية مثل لابن عبد البر المالكي يقول: "تقبل الذمة، أي المواطنة أو الجنسية في الدولة الإسلامية حتى.. حتى لعبدة الأوثان"، تاريخنا لم يعرف الاضطهاد الديني، لم تجتث فرقة من الفرق لأسباب دينية، كانت صراعات سياسية، عندنا مشكل في التاريخ الإسلامي هو مشكل السلطة.

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: ما حليناش مشكل السلطة، لكن ما عندناش مشكل ديني بمعنى أن يعني الاعتقاد بأنه أنا وحدي أملك الحقيقة وينبغي أن أفرضها بالقوة على الآخرين، ومن لا يستجيب.. يعني يباد، هذا حصل في المسيحية وحصل في اليهودية، لكن في الإسلام ماكانش عندنا مشكل ديني، ماكانش عندنا أنظمة دينية مغلقة، كان عندنا أنظمة سياسية فيها كثير من.. من الديكتاتورية..

خالد الحروب: لكن أستاذ راشد يعني..

راشد الغنوشي: إذن أردت أن أقول بأنه.. يعني بأن حجم التسامح في المجتمع الإسلامي سواء في قبول الفئات الدينية الأخرى واحتواها وإعطاها فرص لتزدهر بما في ذلك اليهود أو داخل الإسلام نفسه الفرق الدينية تعايشت وتقاتلت سياسياً مش دينياً غالباً.

خالد الحروب: لكن أستاذ راشد إذا سمحت لي.. إذا سمحت، يعني هذا صحيح.. يعني هذا التوصيف، يعني.. يعني التوصيف الاجتماعي الإسلامي عبر قرون خلت وماضية، يعني.. يعني صحيح، لكن المشكلة التي نواجهها حالياً أنه لا نستطيع أن ننكر وجود تكلس وجمود عام في العالم الإسلامي، في جزء كبير من جزء متعلق بالفكر الإسلامي، بعدم استطاعته حل مشكلات عديدة جداً على.. على صعيد الاجتماع، على صعيد الاقتصاد، على صعيد السياسة، على صعيد الثقافة، على صعيد الإعلام، يعني هناك.. لربما أنا فهمت جزئياً على الأقل أنه ما قصده الأستاذ محمد أركون في بعض.. ليس هناك تجدد في الدراسات القرآنية لاستنباط مشكلات وتوجهات وحلول إلى.. إلى.. إلى هذه المآزق التي توصلنا إليها في أكثر من مرحلة، لا أعرف إذا كان هذا الفهم صحيح.

محمد أركون: نعم، طبعاً شكراً على هذا التوضيح. أنا لا أقصد التدخل في النقاش على موضوع التفسير كما نفهمه داخل الأمة الإسلامية، لا أتدخل في هذا، لا أقول يجب أن نفهم هذه الآية على هذا.. على هذا المستوى أو في هذه النظرية ولا على ذاك، لا.. ليس لي مذهب في التفسير.

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: ولا أريد أن يكون لي مذهب في التفسير، إنما أقصد أن أفكر في الشروط العلمية التي يجب أن نتقيد بها كلنا المسلمون وسائر المؤمنين في الأديان الأخرى كقاعدة علمية تجبر العقل، يتقيد بها العقل العلمي، إنما أكتفي بذكر هذه الشروط، كما كان (كانت) مثلاً.

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: كان يعتني بالشروط الفلسفية والعلمية يجب أن يتقيد بها الفكر الفلسفي حتى يحترم حقوق العقل العلماني الفكري، اكتفي بهذا..

خالد الحروب: أنا أريد أن..

محمد أركون: لا أتدخل في النقاشات الفقهية أو في النقاشات اللاهوتية، وإنما أكتفي كمؤرخ وكمحلل يومي لهذه تلك النصوص، أكتفي بذكر هذه الشروط حتى نجمع.. يجمع المؤمنون والذين لا يؤمنون على..

خالد الحروب: طيب، نأخذ تعليق قصير موجز على هذه النقطة حتى ننتقل إلى محور آخر..

راشد الغنوشي: يعني أظن بأن الأستاذ أركون يعني ذهب بعيداً، يعني ليس فقط في وضع منهج للتفسير عند المسلمين بل مناهج للتفسير.. لتفسير النص كله.

محمد أركون: نعم.. نعم.

راشد الغنوشي: كيف نتعامل مع النص بقطع النظر عن كون هذا النص وحي أم غير حي، فهو يضع منهجاً يطبق فيه ما يعتبره علوماً إنسانية، وبين قوسين يعني اعتبارها علوم يعني فيه قدر كبير من.. من التجوز، لأن هي محل اختلاف، فهناك مدارس لسانية مختلفة في.. والأستاذ يعرفها بلا شك يعني ومختص في هذا، إذن الموضوع أولاً اعتبار أن هذه مناهج علمية يحتاج لإعادة نظر، ثانياً تطبيق هذا على كل الديانات، على كل النصوص، هذا أمر أيضاً يحتاج إلى.. إلى نظر.

ثالثاً اعتبار بأن النص الديني أي الوحي اعتباره بأن تطبيق ما.. الآليات.. آليات التفسير التاريخي، اعتبار أن هذه.. وهذه نقطة أساسية يعني في الكتاب، وفي سائر كتب الأستاذ، يعني.

محمد أركون: تاريخي الخطاب الديني.. نعم.

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: تاريخيه الخطاب الديني.. تاريخية الخطاب الديني مسألة محورية في يعني في تفكيك النص الأركوني.

محمد أركون: نعم.. نعم..نعم.

راشد الغنوشي: مسألة محورية لا يمكن أن نتجاوزها هكذا ولكن..

خالد الحروب: طيب، خلينا يعني حتى ننتقل لمحور آخر، يعني.

راشد الغنوشي: أي نعم.. هذا ليس محوراً آخر يعني ليس للتفصيل ممكن، ولكن.

طبيعة الحكم وعلاقته بالفكر الإسلامي

خالد الحروب: هو.. هو مثير طبعاً ومهم، لكي الكتاب ثري يعني كما توافقوني بالطبع، ومازال أمامنا يعني محاور أخرى، دعني أسألك بروفيسور أركون حول، بالفصل الخامس تتحدث عن السلطة والحكم في الفكر الإسلامي، وتريد أن تقدم نظرة جديدة أيضاً، نظرة لا مفكر فيها فيما يتعلق بطبيعة الحكم وعلاقته بالفكر الإسلامي، وعلاقته مع الناس، علاقة الناس معه، والإكراهات التي يفرضها على الناس بشكل مباشر أو غير مباشر، ما الجديد الذي تريد أن تقدمه إزاء نظرة الحكم والسلطة في الفكر الإسلامي.

محمد أركون: الجديد هو أن نفهم الخلاف بين ما يسمى اللاهوت السياسيين وبين ما يسمى اليوم الفلسفة السياسية، كلاهما تعتنيان...

خالد الحروب: ما الفرق؟

محمد أركون: لا.. لا، الفرق.. الفرق بينهما أن اللاهوت السياسي مبني على المعطى المنزل، الوحي، نصوص نزلت على.. على البشر، ويجب على الفقيه أن يتقيد بها حتى يضع نظام سياسيين يكون يحترم جميع ما جاء في النصوص.

خالد الحروب: المنزلة.

محمد أركون: المنزلة، أما الفلسفة السياسية التي ظهرت بأوروبا مسيحية، لأن هناك دين مسيحي كديننا نحن وكان الدين المسيحي وضع نظاماً سياسياً على ما ذكرته، أي مبني على النصوص أيضاً المنزلة، والموقف الفلسفي السياسي يقول هذا يعتني فقط الذين يؤمنون العقائد الدينية، فالفلسفة تعتني بالتفكير على بنية أنظمة سياسية لا تعتمد.. لا تعتمد على تلك.. تلك النصوص، وهذا يشير

خالد الحروب: وغير خاصة بـ.. بجماعة المؤمنين بذلك..

محمد أركون: وهذا يثير عدداً من القضايا ومن المشاكل لم نفكر فهيا بعد.

خالد الحروب: أي نعم، أستاذ راشد الغنوشي.

محمد أركون: ولا.. ويجب علنيا أن نأخذها بعين الاعتبار حتى نقارن لا أقول أننا سنرفض جميع ما جاء في اللاهوت السياسي، لا أقول هذا، مثلاً قضية الإمامة، وقضية الخليفة، وقضية السلطنة مطروحة لديَّ كمؤرخ، أقبل هذه المادة كلها حتى نفكر فيها، ولكن أقول يجب أيضاً أن ندخل في نطاق التفكير و البحث جميع ما جاء منذ القرن الثامن عشر في.. والذي نعيشه اليوم.

خالد الحروب: طيب، نسأل الأستاذ.. نسأل الأستاذ راشد إذا سمحت.

محمد أركون: عندما نريد أن.. أن نتقيد بالنظام الديمقراطي.

خالد الحروب: نسأل الأستاذ راشد هل.. هل أولاً هناك يعني هل ينطبق هذا التحليل على الفكر الإسلامي؟ هل عندنا لاهوت سياسي إسلامي، عندنا فلسفة سياسية إسلامية غير متصالحان ويمكن الآن

راشد الغنوشي: لا، لا نقول.

خالد الحروب: يتصالح.. يتصالحان فيما بينهما، أم ما هي العناصر من هذا التي نضعها في ذلك حتى نخلص إلى.. إلى.. إلى الفلسفة السياسية الإسلامية التي تنطبق على كل الجماعات المؤمنين وغير المؤمنين، التي.. الذين يعيشون في مجتمع ما، اللاهوت السياسي ينطبق على جماعة المؤمنين، الفلسفة السياسية على كل المواطنين في أي مجتمع من دون المؤمنين وغيرهم؟

راشد الغنوشي: على كل حال يعني هذا اصطلاح اللاهوت السياسي يعي كأنه جمع بين. بين نقيضين، يعني بين ما هو ثابت لاهوتي وبين ما هو طبيعته أنه يعني يعود إلى المصالح طبيعته متغير، ولا شك أن التمييز بين الأمرين يعني بين ما هو ثابت.. بين الحقائق الثابتة في الدين.

خالد الحروب: أي نعم.

راشد الغنوشي: وبين مواطن الاجتهاد لا شك أن التمييز ضروري، لأن الخلط بينهما يعني إما أنه يجمد الدين فيجعله كله ثابت ما فيهش مواطن اجتهاد، وأن.. وهذا يقود إلى.. إلى العنف إلى أن..إلى التكفير، أو.. أو أننا ممكن أن نسقط في الجهة الأخرى أننا بمنهجية في تحليل النص أو في ادعاء تاريخية ننتهي إلى النسبية المطلقة، ننتهي إلى أنه ما فيش حقائق ثابتة في الدين، وهذا أمر يعني خطير، وربما الترجمات لكتابات الأستاذ أركون قد توحي بهذا، يعني قد توحي بأنه يدعو إلى تاريخية الوحي، وبالتالي فليست هنالك حقيقة، النص في ذاته لا يحمل.. لا يحمل حقيقة مطلقة، وإنما النص هو ما تقرؤه أنت..

محمد أركون: (...) هذا.

راشد الغنوشي: بروح، قلت.. قلت أنه لذلك أنا احتطت.. أنا احتطت قلت يعني.

خالد الحروب: هو.. هو بَّرأك يعني.

راشد الغنوشي: أنا.. أنا احتطت قلت يعني الترجمات على الأقل الترجمات يعني توحي بهذا المعنى، وأنا ممكن اقرأ هنا فقط مقطع صغير.

خالد الحروب: بس بإيجاز والله.

راشد الغنوشي: لناقد، بإيجاز اللي هو علي حرب.

خالد الحروب: نعم.

راشد الغنوشي: يعني يقول: "كيف نقرأ النصوص قراءة نقدية وتاريخية ونزعم أننا لا ننزع عنها صفة التعالي والقداسة، لا مجال إذن للمداورة، يقول والالتفاف، والحل يكون في البرهنة على قراءة.. قراءة للقرآن لم.. لن تكون ولم.. ولا يمكن أن تكون إلا.. إلا تاريخية". أنا أظن بأن موضوع السلطة يعني ذو مساس بهذا الأمر، يعني لأن المشاكل ليس في.. مثلاً في موضوعة الديمقراطية أو الاستفادة من الفكر السياسي الغربي الحديث، وكل الإسلاميين الممثلين للتيار الوسطي من طارق البشري إلى الأستاذ القرضاوي إلى.. إلى كل التيار الوسطي، كلهم منذ.. منذ القرن التاسع عشر في الحقيقة المدرسة الإصلاحية نادت بما سماه خير الدين التونسي الاقتباس.. مبدأ الاقتباس مما هو نافع في الفكر الغربي، فلا أحد إذن ينكر، وإنما المشكل هو موضوع العلمنة أي نزع القداسة عن.. نزع القداسة عن الحياة الاجتماعية و.. و التربوية والاقتصادية، يعني هذا هو الموضوع.

خالد الحروب: طيب.. طيب أستاذ.. أستاذ.. أستاذ راشد، يعني.. يعني شكراً، نسمع من..مداخلة من البروفيسور محمد أركون حول نزع القداسة والعلمنة التي أيضاً يعني مطروحة في الكتاب وأهمية.. إما مصالحتها أو اقتباسها أو مواءمتها مع الفكر الإسلامي المعاصر، وبإيجاز إذا تكرمت.

محمد أركون: نعم. هذا مثل من أمثال ذاك التخوف من البحث العلمي في الفكر الإسلامي المعاصر، وهذا ما أقصده يجب علينا ألا نتخوف خاصة عندما نقوم بهذه البحوث بنية حسنة، وبإدارة تقوية التفكير، وفتح الأبواب التي غلقت علينا منذ القرن الثالث عشر، مثلاً إذا قارنا.. قارنا بين السياسية الشرعية لابن تيمية وما كتبه ابن رشد الموضوع، هذا.. هذا نقاش بين.. بين مسلمَين.

خالد الحروب: صح، أي نعم.

محمد أركون: قبل أن تأتيه هذه القضايا كلها، ولا.. سنستفيد ما أشرت إليها من ضرورة التمييز بين ما اسميه اللاهوت السياسي والفلسفة..

خالد الحروب: والفلسفة السياسية.

محمد أركون: والفلسفة السياسية، إذن يجب أن نفكر أيضاً أن موضوع العلمنة.. نرى اليوم الكنيسة الكاثوليكية التي قامت بالاعتراضات والردود و.. الرفض الجذري لجميع ما قامت به الثورة الفرنسية والثورة الإنجليزية و.. وخاصة الفرنسية.. بعد هذا النضال كله الآن ماذا نشاهده في الكنيسة؟ ما نزعوا القداسة من إيمانهم، هناك مسيحيون يقدسون.. و البابا يقدس كثير من المسيحيين الذين يعتبرهم يعني ممثلين لروح و.. وقداسة المسيح.

خالد الحروب: أي نعم.

محمد أركون: ومع ذلك هؤلاء المسيحيون المؤمنون يتبنون العلمنة بكل مقتضياتها اليوم، وبل.. بل هم.. بل هم مسرورون بأن الدولة لا تتدخل أبداً في أمور الدين.

خالد الحروب: هو على كل حال يعني هذا الموضوع إحنا خصصنا له كتاب خاص هو العلمانية والإسلامية، وأيضاً على.. على جدولنا كتاب آخر حول نفس الموضوع، لأنه موضوع ثري وغني ومهم جداً، لكن بهذه المداخلة أشكركم.

راشد الغنوشي: ولكني.

خالد الحروب: وأعزائي المشاهدين بهذه المداخلة الأخيرة للبروفيسور محمد أركون، لم يتبق لي إلا أن أشكر لكم مرافقتكم لنا جليس هذه الأمسية الذي كان كتاب "اللا مفكر فيه في الفكر الإسلامي"، لمؤلفه الدكتور أركون.. الذي استضفناه وشرفنا هنا في الاستديو، وكذلك الأستاذ راشد الغنوشي (المفكر الإسلامي) فشكراً لهما على تكرمهما بالزيارة، وإلى أن نلقاكم في حلقة قادمة في الأسبوع القادم، هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.