مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

محسن العيني: رئيس وزراء اليمن سابقاً- مؤلف الكتاب
علي محسن حميد: دبلوماسي يمني- جامعة الدول العربية- لندن

تاريخ الحلقة:

06/01/2003

- ما أضافه الكتاب عن تاريخ اليمن السياسي الحديث
- المشهد السياسي اليمني في ظل بدايات الحركة الوطنية اليمنية

- التدخلات المصرية والسعودية في اليمن ومدى تأثيرها على الوضع السياسي

- محسن العيني ومحاربة القات في اليمن

- موقع جنوب اليمن من التاريخ السياسي اليمني

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم.

قليلة هي الكتابات الموثقة والرصينة عن التاريخ السياسي لليمن الحديث، وجليس هذا اليوم واحد من هذه الكتابات القليلة، عنوانه "خمسون عاماً في الرمال المتحركة.. قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن" من تأليف السياسي والدبلوماسي اليمني محسن العيني أحد الرموز السياسية اليمنية المهمة في العقود الأخيرة والذي شغل منصب رئيس وزراء ووزير خارجية وسفيراً لبلاده عدة مرات، قراءة الكتاب رحلة مضنية، وعلي أن أقول مريرة بعض الشيء، فبقدر ما فيه من تفصيلات صريحة من رجل عاش الأحداث وساهم في صناعتها فإن القارئ يكتشف لماذا لم يعد اليمن السعيد سعيداً في عقود القرن العشرين؟ ولماذا تباطأ مشروع بناء الدولة الحديثة هناك؟ ففي هذا القرن صار البلد العريق بتاريخه وحضارته مسرحاً للتدخلات من كل نوع، للتدخل الخارجي متمثلاً في الاستعمار البريطاني أولاً ثم للتدخل الإقليمي العربي متمثلاً بالتورطين المصري والسعودي في أدق شؤون اليمن، كما أيضاً مسرحاً للتدخلات المحلية البينية، حيث تحرشت القبيلة في شؤون الدولة وتورطت الدولة في منافسة القبيلة فتعثر الاثنان، من حكم الانغلاق والتخلف في سنوات الأئمة يحيى وأحمد ثم الإمام البدر إلى مرحلة الحكم الجمهوري وتسلسل الانقلابات والنزاعات و التوترات يتنقل بنا هذا الكتاب فصلاً فصلاً من دون أن يغفل نقاش القضايا الاجتماعية الملحة بدءً بالتعليم والإدارة والشباب وليس انتهاءً بمعضلة القات ومضغه.

أعزائي المشاهدين، لمناقشة هذا الكتاب أستضيف اليوم مؤلفه الأستاذ محسن العيني (الدبلوماسي اليمني الذي شغل منصب رئيس وزراء اليمن أربع مرات) فأهلاً وسهلاً به أهلاً وسهلاً.

محسن العيني: مرحباً مرحباً.

خالد الحروب: كما أستضيف الأستاذ علي محسن حميد (الدبلوماسي اليمني المقيم في بريطانيا) فأهلاً وسهلاً به أيضاً. أهلاً وسهلاً.

علي محسن الحميد: أهلاً بك.

ما أضافه الكتاب عن تاريخ اليمن السياسي الحديث

خالد الحروب: أستاذ محسن يعني بعد هذا الكتاب الطويل والرحلة يعني المتنوعة بحلوها ومرها، سؤالي الأول والابتدائي: ما الذي تريده من هذا الكتاب؟ ماذا يضيف هذا الكتاب إلى المكتبة اليمنية حول تاريخ اليمن السياسي الحديث؟

محسن العيني: الكتاب أولاً رغم ما ذكرته في أنه كبير أو كذا، لكني كتبته بلغة البرقيات، وأنا تأثرت بمثل معروف في اليمن أحد التجار الكبار في صنعاء غمضان أرسل شحنة من الزبيب إلى الحديدة لتنقل بالبواخر للخارج، وحملها على السيارات (بعثر) هذا قائد السيارات وصل إلى الحديدة وإذا الباخرة قد رحلت، فأرسل برقية لغمضان يقول له: غمضان صنعاء باخرة غادرت، زبيب حرم بعثر. برقية ليس فيها كلمة زائدة فكان.

خالد الحروب: إيجاز بليغ.. إيجاز عربي بليغ.

محسن العيني: فكان جوابه: بعثر حديدة بل، أعصر، بيع غمضان. يعني بل هذا الزبيب واعصره وبيعه وكذا. فأنا كتبت الكتاب بهذا الروح، أما لو توسعت فكان ممكن ألا ننتهي إلى شيء، ولهذا فكثير من القراء وكثير من الإخوان يلومونني إنني لم أفصح عن قضايا كثيرة.

خالد الحروب: يعني هذا دفاع وقائي يا أستاذ محسن، لأنه أنا الآن فهمت معناته الكتاب، فيه قصص كثيرة وفيه يعني.. يعني ابتسارات ما أسميه ربما عديدة، يعني القارئ بيقول يعني لو.. نريد تكملة القصة، ما هي الوجهة الثانية في الرواية، فهذا دفاع.. دفاع مسبق .. أخ علي ما هو الجديد في هذا الكتاب؟ أنت أيضاً باحث يعني في الشؤون اليمنية و.. و.. ويمني ومسيس، ما هو الجديد الذي رأيته في هذا الكتاب؟

علي محسن حميد: أولاً: نحن في اليمن نفتقر إلى كتابة المذكرات، وربما في الوطن العربي كله من أصحاب الشأن الذين عاشوا الأحداث وساهموا في صنعها، وكانت إلهم رؤية أو وجهة نظر تختلف مع قوى محلية أو غير محلية، فالكتاب لا شك إنه ليس إضافة لأنه لا يوجد في المكتبة الكثير، وإنما فيه ريادة في الكتابة وفيه حث للآخرين على أن يكتبوا وأن يحللوا هذا الكتاب أيضاً، وأنا أتفق مع الأستاذ محسن ومعك في أن الكتاب كان يمكن أن يكون أكبر وبحاجة إلى عمق وإلى إضافات، ولكن لا أعزو هذا إلى إحجام الأستاذ محسن عن أنه يقول ما هو خافي أو ما هو سر، وإنما كثير.. وإنما لأن كثير من أحداث اليمن معروفة، اليمن مجتمع مفتوح، اليمن مجتمع مفتوح وكثيراً مما ما هو موجود في الكتاب يعني متاح لكثير من اليمنيين..

خالد الحروب: أستاذ..

علي حسن حميد: فالكتاب على قدر كبير من الأهمية، أيضاً للقارئ العربي، يعني لا.. لا أبالغ إذا قلت أنا الآن: إن اليمن لا تزال مجهولة لم تكن مجهولة في العهد البائد وانتهى.. وانتهت هذه العزلة وإنما إلى حد الآن اليمن لا تزال مجهولة وغير معروفة للكثيرين.

المشهد السياسي اليمني في ظل بدايات الحركة الوطنية اليمنية

خالد الحروب: طيب بنعود إلى الأستاذ محسن يعني راح نبدأ بالفصل الأول اللي هي مرحلة الانتقال.. بدايات النضال الطلابي والشبابي وغيره والحزبي والسياسي أيضاً يعني ضد حكم الإمام يعني لن نعود إلى الإمام يحيى ربما نبدأ ثم أحمد ثم الإمام البدر، لكن على الأقل مفصل التاريخ اللي هو بداية الستينات كيف كان المشهد اليمني السياسي بين هذه الرغبة الجامحة عند الشرائح الشبابية الجديدة في التغيير والوصول إلى حكم جمهوري وتكرس وترسخ الملكية و.. وحكم الإمام خاصة بالدعم الإقليمي الذي كان يحظى به.

محسن العيني: كما تعرفون الحركة الوطنية في اليمن بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ الشعور لدى المواطنين اليمنيين بأن اليمن معزولة متخلفة، متأخرة، مستقلة نعم، لكنها معزولة عن الدنيا كلها، فبدأت.. بدأ الرواد الأوائل الأستاذ النعمان .. الزبيري، عبد الرحمن الإرياني، المجموعات هذه كلها بمحاولة إقناع الإمام أحمد بتطوير البلاد، في الأول تأملوا خيراً..

خالد الحروب: هذه في السنوات..

محسن العيني: هذه في.. في.. في 47، 48، اضطروا في الأخير إلى أن يهربوا عدد منهم إلى عدن وبدأ تأسيس الحركة الوطنية اليمنية بشكل صحيح، حزب الأحرار، الجمعية اليمنية الكبرى وحدث اغتيال الإمام يحيى في سنة 48 وأنشئت أول حكومة دستورية يمكن في العالم العربي وجمعية وطنية، لكنها لم تعش إلا شهراً واحداً وفشلت، لكنها هزت البلاد هزاً عنيفاً لأنه الإمام يحيى كان أسطورة في.. في اليمن، وحدثت طبعاً اعتقالات وإعدامات وكذا، لكن كانت النواة قد بدأت وخلال حكم الإمام أحمد 14 سنة استمرت الحركة الوطنية، إحنا من حظنا إن إحنا كنا في بداية مرحلة الدراسة، فتأثرنا بهذه المناظر الإعدامات.. الأشياء هذه كلها، ثم جاءت لنا فرصة الخروج في البعثة إلى لبنان للدراسة وتفتحت مداركنا، وفي الواقع العالم العربي كله بدأ يشهد عصر جديد من الأربعينات بحكم كارثة فلسطين من جانب، وبداية الانقلابات العسكرية في العالم العربي ونمت الحركة الوطنية في اليمن بهذا الشكل ثم جاءت ثورة مصر وهي كانت دفعة كبيرة للشعور العربي والقومي والثوري..

خالد الحروب: سنة 53 [1952م]..

محسن العيني: في المنطقة كلها، نعم 53 [1952م] وأخذت الحركة الوطنية اليمنية بُعداً آخر في هذه المرحلة، وحصلت محاولات في 55 كما تعرفون ثم استمرت إلى الستينات، مات الإمام أحمد وهو كان آخر الأئمة العمالقة أو الأسطورة..

خالد الحروب: أي نعم.

محسن العيني: وكانت المناسبة.. الفرصة للتغيير في اليمن، فحدثت الثورة في 26 سبتمبر، وللأسف الشديد إنه كان العالم العربي يشهد صراع كبير كما تعرفون، حدث الانفصال قبل عام واحد في 61.

خالد الحروب: انفصال بين مصر وسوريا..

محسن العيني: بين مصر وسوريا، وكانت العلاقة متأزمة بين القاهرة وبين الرياض، فبدلاً من أن تعالج قضية اليمن كقضية ثورة محلية داخلية لها كل مبرراتها أصبحت ساحة للصراع العربي، اليمنيين كانوا بحاجة لعون القاهرة وعون الأمة العربية كلها، لكن أصبحت المسألة لم تعد هي ثورة اليمن في نظر السعوديين أو غيرهم بدأت المشكلة..

خالد الحروب: أي نعم أصبح هناك أبعاد عربية يعني أنا قرأت هنا في توصيف.. فيه جانب حتى أدبي إنه عندما هبطت الطائرة المصرية في مطار الحديدة غاصت في.. في.. في..

محسن العيني: في الرمال..

خالد الحروب: غاصت في الرمال، فهي صورة أيضاً رمزية يعني لم تكن فقط يعني إنه الطائرة كل التدخل المصري، الآن أستاذ علي يعني أحياناً في هذه القراءة اللي تفضل فيها الأستاذ محسن إنه تجد إنه الأحداث تتابع أستاذ محسن تتابع الكاتب، تتابع مؤلف الذكريات، فحيث ما ذهب نعرف ما الذي كان يحدث، لكن بعيداً عنه عندما كان في بيروت كنا نعرف، حتى نعرف إنه كانوا ينتظروا الطربوش الأحمر من السفارة اليمنية باعتباره يعني رمز التعلم، رمز الطالب، وعندما ذهب إلى القاهرة نفس الشيء، لكن ما كنا نعرف ما الذي يحدث في صنعاء.

علي محسن حميد: هو صحيح ملاحظتك في محلها، لأنه مثلاً أنا ملاحظ أن الكتاب لم يتناول مثلاً مقاومة الطلبة للنظام الإمامي في صنعاء وتعز، يعني حدثت مظاهرات في صنعاء، ومظاهرات في تعز، وإضراب في تعز، واعتصام داخل المدرسة، اعتصمنا نحن في تعز، وقطع علينا الماء و.. و.. والطعام، ولولا دعم الأهالي لنا في المساء بالماء والطعام سراً، بالتعاون مع رجال الشرطة اللي كانوا يحاصروننا، يمكن لمتنا من الجوع، ظللنا هكذا أيام عديدة، وكان هذا أيضاً يعني في تواصل مع طلبة.. مع زملائنا طلاب صنعاء الذين أودعوا السجون، أما نحن فلم يودع أحد مننا السجن، وإنما أغلقت المدرسة فيما بعد، وشردنا، فكان فيه مقاومة، وكان فيه يقظة بأن.. بأنه آن الأوان للتغيير، يعني على سبيل المثال ذكر الأستاذ محسن الإعدامات وتأثيرها، يعني كثير من الطلبة في تعز مثلاً لم يفكروا بأن هذا النظام يجب أن يتغير بعد أن كنا موالين للإمام، أو في أحسن الأحوال ننتظر خيراً من ولي العهد البدر، لكن عندما أعدم (اللقية) الذي حاول اغتيال الإمام في.. في الحديدة أمام.. أمام أعيننا تغيرت نظرتنا إلى الأمور، وبدأنا نقول بأنه لابد من التغيير، وأن هذا النظام ليس هو النظام الذي يخدم البلد.

خالد الحروب: طيب..

علي محسن حميد: كان للتأثير المصري دور لا شك في هذا، كان للأحرار وللشباب دور في تعز مثلاً. أنا.. نعم.

التدخلات المصرية والسعودية في اليمن ومدى تأثيرها على الوضع السياسي

خالد الحروب: الآن رايحين نسأل الأستاذ محسن يعني مرة أخرى حول هذه النقطة، اللي هي يعني في كتابة المذكرات دائماً هذا.. هذا.. هذا المشكل، إنه الكاتب طبعاً يرصد ما يراه، يرصد ما شارك فيه، بينما طبعاً الأحداث عندها مسارات مختلفة، عندها مواقع مختلفة، فأحياناً يصبح توزيع الأهمية والثقل لهذا الحدث أو وذاك يتبع مساهمة الكاتب في أيٍ منهما، لكن قبل.. رايحين نتوقف معك في.. في أكثر من مكان حول هذه النقطة، لكن قبل ذلك حتى ننهي من الجزء الأول، أو الثلث الأول من الكتاب، التدخل المصري و.. والسعودي في هذه الفصول الفصل الثاني والثالث هناك توقف طبعاً وإسهاب وتفصيلات حول الموقفين، التدخل المصري يريد أن يكرِّس ثورة سبتمبر والحكم الجمهوري الجديد، التدخل السعودي في المقابل يريد عودة الملكية، ويريد مثلاً .. و.. وهناك طبعاً مفهوم يعني أهداف.. أهداف لكل بلد، وأهداف إقليمية مفهومة، سؤالي يعني من تجربتك وبناءً على التجربة اليمنية هذه أين هو الخط بين التدخل العربي الحميد -إن كان هناك أي تدخل عربي حميد في شؤون أي بلد عربي آخر- والتدخل الكارثي الذي يعني يتورط إلى.. إلى درجة تستدعي أكلاف باهظة على.. على.. على الطرفين المتدخل والمتدخل فيه؟

محسن العيني: أنا أولاً في.. في.. في فكرة الكتاب يمكن ذكرت أكثر من مرة في المقدمة أنني لا أقصد بهذا تاريخاً، لا للثورة اليمنية، ولا للحركة العربية، ولا لكذا، وحتى اسم الكتاب في الأصل كان "قصتي كما أراها"، لم يكن "خمسون عاماً في الرمال المتحركة"، لكن الإخوان بعدين الناشرين سواءً غسان تويني، والأستاذ هيكل، إبراهيم المعلم، أو كذا، قالوا لي يجب أن يتغير الاسم وأن يكون بهذا الشكل، فلهذا السبب كثير من الموضوعات فعلاً التي لم أكن مشاركاً فيها لم أدخل في ها المواضيع.

موضوع التدخل أنا أولاً أعتبر العالم العربي عالمٌ واحد ووطن واحد، وشعب واحد، وكل ما أمكن أن تُقدم المساعدات الأخوية والعون للتطوير في أي بلد لا أعتبر هذا تدخلاً، إذا كان يخدم هدفاً قومياً تقدمياً صحيحاً، وبالتالي أنا لم استعمل كلمة تدخل مصري، لكني اعتبرت أنه نوع من واجب الثورة المصرية التي رحَّبت بها الجماهير العربية واحتضنتها، واجبها كما ساعدت الجزائر، كما لعبت دور في تحرير جنوب اليمن، في.. في.. في أوضاع كثيرة، هذا كان واجبها، إنما تأتي المشكلة في أنه القيادة في مصر لم تكن قادرة على أن تستوعب حقيقة الأوضاع في الأقطار العربية المختلفة، فحدثت كثير من السلبيات، ثم الإشكالات التي كانت بينها وبين الرياض تركت رد الفعل العكسي، بعدين طبيعة النظام انعدام الديمقراطية في النظم العربية يجعل من الصعب على القيادة اللي فوق أن تتبين الأخطاء في وقتها المناسب، فتحاط بتقارير وأخبار، مثلاً إحنا كنا نبذل الجهد لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر فتفرض علينا القيود، يجب أن تقابلوا أنور السادات، يجب أن تقابلوا شمس بدران، يجب أن تقابلوا فلان، و.. ولا نعرف ما هي المعلومات التي تُعطى للرئيس فوق، وهكذا، فأعتقد المشكلة في شؤون العالم العربي بشكلٍ عام هي طبيعة الحكم.

خالد الحروب: ولكن أيضاً.. أيضاً -أخ محسن- إذا سمحت، أيضاً مما ورد في الكتاب يعني في هذا.. في هذا الفصل.. يعني في الفصل الثالث، وممكن الأخ علي أيضاً قرأه معنا إنه التدخل المصري، يعني كان إلى درجة تعيين مستشارين مثلاً في الوزارات، وإنه هذا المستشار موجود في غرفة الوزير، وهو عملياً هو.. هو صاحب القرار الحقيقي والفعلي، إنه في نهاية المطاف لما حصلت الثورة كان هناك مثلاً.. ثورة سبتمبر كان هناك اعتراض على التشكيل الحكومي، اعتراض.. اعتراض قوي وشرس يعني، يعني وارتُئي أن الثورة هذه هي السلال شيوعي، والبيضاني ناصري، والعيني بعثي، وما لم يخرج مثلاً البعثيون، أو من يظن أنهم بعثيون فلذلك سوف نحارب هذه الحكومة، وليس فقط لا نتعاون معها، فضلاً عن ذلك تم اعتقال المجموعة القيادية اليمنية المعروفة في نهاية الموضوع، فالأمر أكثر يعني يتجاوز قصة إنه التدخل والمساعدة والواجب، ما أعرف إنه ملاحظة الأستاذ علي على ذلك.

علي محسن حميد: أنا أولاً لم يكن هناك إجماع في اليمن على أن الدور المصري كان دور تدخلي، يعني حتى المعسكر الجمهوري وجزء منه كان له ملاحظات على الدور المصري في اليمن، لم يكن ينظر إلى.. إلى وجود مصر على أنه تدخل أو.. غير مرغوب فيه، حتى أولئك الذين اجتمعوا في.. سنة 65 أيضاً أشادوا بالدور المصري، وطالبوا باستمراره، كل ما في الأمر إنه كان هناك مطالبة بتنظيم العلاقات، وهي عبارة يعني.. يعني مهذبة لوضع الدور.. الدور المصري في حجم يتيح لصانع القرار اليمني ولليمنيين أن يمارسوا شؤونهم الداخلية بأنفسهم، أو على الأقل في ظل أقل قدر من التدخل المصري، أو الاستشارة المصرية.

للأسف الشديد الإخوان المصريين لم يكونوا يعوا هذا الأمر، وإنه طبعاً الثورة قامت من أجل تحقيق أهداف الشعب اليمني، أهداف الشعب اليمني لن تتحقق إلا بإرادة يمنية وبقرار يمني، و.. و.. إلى آخره. العامل العسكري تغلب على الرؤية المصرية، وأيضاً فيه إجماع أيضاً حتى من كتاب مصريين ومحللين إنه يعني..

خالد الحروب: هناك أيضاً يعني حتى أيضاً بأتخيل يعني كما أيضاً ورد في الكتاب لموضَعَة كل هذا التدخل في سياقه التاريخي، كان هناك أيضاً ضغط.. ضغط شديد وخوف على الجمهورية الوليدة يعني، كان هناك أيضاً التدخل السعودي في دعم الملكيين والقبائل على الحدود، استثار أيضاً هو.. يعني هذا الذي.. ما أدري شو رأي الأستاذ محسن أيضاً، في المقابل التدخل السعودي ما.. ما كان دوره؟ ما.. ما الذي قام فيه؟ كيف وتر الأوضاع، وكرَّس أيضاً من التدخل المصري المقابل؟

محسن العيني: يعني أنا أتذكر في أول حديثٍ مع الأمير فيصل.. الملك فيصل -الله يرحمه- كان رئيساً للوفد السعودي في الأمم المتحدة كوزير خارجية، والتقينا بعد الثورة بأسبوع واحد، وكان بحضور الرئيس بن بيلا، والدكتور محمود فوزي، وأنا يومها ركزت على هذه النقطة، إنه لو السعودية تغير موقفها ونظرتها للثورة اليمنية، لو بريطانيا تعترف بالنظام الجمهوري ولا تتدخل لكان الدور المصري في حجم معقول، لكن الآن إعلان المملكة السعودية.. هم في الأول أعلنوا سيف الإسلام الحسن إماماً على اليمن، عندما عرفوا أن البدر.. عُرف أن البدر كان قد قتل، ثم لما ظهر البدر قالوا لأ نحن نؤيد الحاكم الشرعي، فهذا العمل هو الذي دفع اليمنيين، شعرنا وقتها في صنعاء بأننا محاطين بأعداء من السعودية من جانب، -أعداء للثورة يعني- من.. السعودية من هنا، وبريطانيا من هنا أتصور إنه لو كان هذا الموقف تغيَّر كان الوجود المصري سيكون في حجمٍ أقل.

خالد الحروب: في الفصل الخامس هذا الموقف يعني بدأ بالتغير مع فصل المصالحة الوطنية اللي هي ذكرتها أنت أنه الملكيين الذين التقيت بهم في.. في السعودية، في جدة، وأيضاً برعاية سعودية، بدأت الأمور يعني ترتاح بعض الشيء، وإلى أن حصلت هذه المصالحة الوطنية، وأيضاً بعض العناصر يعني غضبوا عليك في.. في.. في اليمن نفسها باعتبار إنه هذا يعني تنازل للملكيين، لكن انتهى بشيء أساسي، اللي هو اعتراف السعودية بالجمهورية.

محسن العيني: بالجمهورية نعم.

خالد الحروب: ما هو المفصل التاريخي؟ يعني ما هي أهمية اعتراف السعودية بالجمهورية في ذلك الوقت؟

محسن العيني: هو لا شك إن المصالحة الوطنية كانت نهاية.

خالد الحروب: هذا كان سنة 1970 حتى يعني نضعه في سياقه الزمني.

محسن العيني: نهاية لحرب أهلية طويلة لم تكن حرب ملكيين وجمهوريين يمنيين فقط، بل كانت إنهاء لاشتباك ولخلاف عربي في نفس الوقت، وما فيه شك أنه لما زرنا السعودية في هذا.. في بداية السبعين.. في البداية كان الملك فيصل يقول: إنه هذه الجمهورية فُرضت بقوة الوجود المصري في اليمن، فكيف نعترف بها؟ وأتذكر أني قلت له وقتها، قلت نحن لا نطلب منكم الاعتراف، لكن كما أن الوجود المصري قد غادر اليمن، ينبغي أن يتوقف كذلك التدخل السعودي، وحينئذٍ اتركوا اليمنيين، إن أرادوا أن يحتفظوا بالبدر فهو موجود في السعودية يمكن أن يعيدوه، وإن احتفظوا بالجمهورية، فهذه رغبتهم. قال: والله هذا كلام معقول، فكان الاتفاق في البداية على وقف الحرب ووقف الحملات الإعلامية ووقف المساعدات الملكية، وبالتالي عندما تم هذا لم يمر شهر أو شهرين إلا وإذا قوافل القبائل اليمنية اللي كانت ملكية عادت إلى الداخل، فوجدت السعوديين ولم يعد أمامها إلا أن تعترف وبالتالي كانت نهاية المأساة كلها.

خالد الحروب: نعم، وأسأل الأستاذ علي يعني ما تعليقك على هذا.. على هذه السردية التاريخية اللي هي فصل المصالحة الوطنية والتي عملياً تم الجزء الأكبر منها في السعودية، ما الذي كان يحدث في صنعاء؟ كيف كان الوضع هناك؟ سنة 1970 مازلنا يعني..

علي محسن حميد: كما يعرف الأستاذ محسن إنه كان هناك خلاف في الداخل حول المصالحة وكان هناك رفض في الخارج أيضاً لهذه المصالحة، أولاً: في الداخل بعد انقلاب نوفمبر سنة 67 كان هناك إحساس بأن الأمور تمشي في طريق مختلف إلى حد ما عن أهداف الثورة وعن قيمها ومبادئها، وبدأت مطاردة ومضايقة كثير من العناصر العسكرية والمدنية التي دافعت عن الثورة وخاصة في حصار الـ70 والتي تجندت وطلعت من عدن وأتت من الخارج، فالمصالحة لم تكن بنت سنة 70، يعرف الأستاذ محسن إنه كان من أهدافه يبدو من بعد حركة نوفمبر إنه لابد.. لابد من حل للحرب وكان من الأهداف أيضاً مؤتمر خمر وحكومة خمر في 7.. في 65 إنه الحرب ليست هي الحل للمشكلة اليمنية وإنما لابد من السلام والمصالحة وإيقاف الدعم السعودي للملكيين وخروج القوات المصرية أيضاً اللي أتت لحماية الثورة، أتت لحمايتها إذا استطعنا أن نحمي الثورة بالسلم وبالتفاوض فليكن.

في الخارج الأستاذ محسن تطرق في الكتاب إلى مقاومة المصالحة ونحن كنا من الطلبة الذين اعتصموا في السفارة اليمنية في القاهرة وضد المصالحة وأن هذا بيع للثورة و.. إلى آخره، لكن كانت رؤية من في الداخل كانت هي الأبعد وكانت واقعية، لأنه كانت المصالحة هي في الأخير لابد أن تتم، السعودية أدركت بعد حصار السبعين وفشل إسقاط النظام الجمهوري وأن الملكيين بدءوا يضعفوا، كان العامل الآخر عامل الجنوب، نظام شاب نشط، قوي، متماسك، منضبط له أهداف لا تقتصر على الجنوب فقط وإنما تمتد إلى الشمال وله امتدادات تنظيمية و.. في الشمال، فيه قوى جديدة في الشمال نفسها وُجدت وبرزت في حصار السبعين بالدرجة الأولى عشرات الآلاف من اليمنيين دافعوا عن الثورة، وضمتهم.. ضمهم ما يسمى بالمقاومة الشعبية، وكنت أتمنى من الأستاذ محسن أيضاً أن يوصف المقاومة الشعبية في كتابه وأن يذكرها ويتوسع في ذكرها، لأنها أدت دور لا يُنكر، وكانت المقاومة الشعبية هذه مؤطرة في.. أو تقاد من قبل الأحزاب السياسية السرية، القوميين العرب، البعث، اليسار، المستقلين.. إلى آخره.

خالد الحروب: طيب، في هذا الفصل أيضاً أستاذ محسن تطرق إلى عدة يعني عناوين فرعية سريعة، منها علاقة الثورة مع الشباب، الجيل الجديد، منها الإدارة والمشاكل لتشكيل.. تسيير الإدارة.. تسيير الإدارة الحكومية وقضية القبائل والمشايخ وترسخ العادات القبلية التي كانت متنافرة مع نمط التسيير الحديث لأي دولة وهناك عنوان فرعي آخر مثير نتوقف عنده بعض الشيء، اللي هو منع القات أو حملتك المشهورة ضد زراعة ومضغ القات، التي رآها البعض أنها يعني ضد التقاليد اليمنية العريقة أيضاً، هذا الكلام في السبعينات وتذكر إنه في سنة 72 كنت رئيساً للحكومة، وأصدرت مجموعة من.. من القرارات التي آنذاك كانت محل خلاف، ما هي قصتك مع القات؟

محسن العيني ومحاربة القات في اليمن

محسن العيني: أولاً بالنسبة للشباب اللي تحدث عنهم الأخ علي، عندما حصلت المصالحة وحتى من فترة طويلة أنا كنت أعطف عليهم وأقدر وجهة نظرهم، حتى عندما قاموا بالمظاهرات وقت المصالحة، واحتلوا بعض السفارات، لم نأخذ إجراءً واحداً ضدهم، وكنت أقول للإخوان في صنعاء: أنا لو كنت معهم، كنت سأفعل هذا، هؤلاء مشفقون على الثورة وعلى الجمهورية لكننا سنبرهن لهم أننا بهذه المصالحة حافظنا على الثورة وعلى الجمهورية وأنهينا الحرب، وإنهاء الحرب هو الذي يمكننا من تطوير البلد ومن تحقيق أهداف الثورة.

فيما يتعلق بالقات، قات شجرة كما ذكرنا جميلة مغرية شيطانية ملعونة سيطرت على حياة اليمنيين ومازالت إلى اليوم وهي في استمرار.. في استيلاء على عقولهم وعلى أوقاتهم، إحنا في هذه المناسبة لم يكن قراراً فردياً، لم يكن مسألة فرض شيء على البلد أو كذا كانت الأوضاع الاقتصادية تعبانة والموظفين يطالبون بزيادة المرتبات وما عندناش إمكانيات كبيرة فأنا بعد مؤتمر كبير للموظفين اجتمعت معهم، ماذا تريدون؟ حددوا المبالغ التي يريدون زيادتها، قلت لهم: من أين نجيبها؟ ثم هذا المبالغ تطالبوها لماذا؟ قالوا: لنحسن أوضاع أسرنا، قلت لهم: إذن كم تصرفون على القات وكانوا في جلسة قات فوجدنا أن ما يصرفون عليه يزيد عما يطالبون بها الزيادة، فقلت لهم: ابدءوا بالامتناع عن القات فمنعنا موظفي الدولة، القوات المسلحة الكذا.. لم يكن.. ومنعنا زراعته في أراضي الأملاك وأراضي الدولة وقلنا إنه الآخرين يعني إذا تعاطوه مع الوقت سينتهي، أنا في الواقع أعتبر أنه لا يمكن أن تصبح اليمن جزءًا من عالم اليوم إذا استمر اليمنيين يمضغون القات، وأنا أقول لهم وقد قلتها أكثر من مرة، من أجل أطفالهم، من أجل أسرهم، من أجل مستوى المعيشة، من أجل الوقت من أجل سمعتهم، ينبغي أن يتوقفوا عن مضغ القات، الشيء الوحيد اللي أريد أن أقوله: إنه يُصور في الخارج وكأنه أفيون أو حشيش أو مخدرات أو كذا، لأ. هو ليس من هذا الفصيل يعني ليس محرماً لا ديانة ولا.. وإنما مُحرم اقتصادياً واجتماعياً.

خالد الحروب: طب أستاذ علي، يعني هذه مقولة صارمة، لا يمكن أن يدخل اليمن العالم الحديث ما لم يتوقف اليمنيون عن مضغ القات، هل من الممكن بقرارات يسميها البعض فوقية القضاء على عادة اجتماعية مترسخة كما القات في اليمن؟

علي محسن حميد: هو في وقتها في سنة 72 كان ممكن، لأن قرار منع تعاطي القات قوبل بارتياح، وباستجابة إيجابية من قِبَل الناس، أنا كنت موجود أيامها في صنعاء، وأذكر أن أحد الزملاء في الخارجية قال: أنا الآن إذا أردت أن أشتري قات فأخبيه كما لو أني.. كما لو أن عندي سلعة مهربة، توقف الناس طواعية، ويومها كانت أسواق القات محدودة والإنفاق على القات محدود، الأستاذ محسن بالفعل لمس نقطة هامة هي موضوع التحديث في اليمن وعلاقته بالقات وأشياء أخرى كثيرة لا تزال موجودة وتزداد يعني سوء في البلد، القات له أثار مدمرة لاشك، أنا أذكر أن البعض من اليمنيين يدافع أحياناً عن القات وكأنه قضية وطنية، أذكر أنا في بروكسل عندما كنت أعمل في السفارة هناك في الثمانينات أنه وفد من السوق الأوروبية ذهب إلى اليمن للبحث في المساعدات، زيادة الدقيق والزبدة وإلى آخره، والقمح. وعندما عاد قال لنا.. قال: في الواقع أنتم لا تستحقون هذا الدعم لأنكم تنفقون مئات الأضعاف على القات، كم ينفق اليمني على القات يومياً؟ وكم نصيبه من هذا الدعم؟ فأيضاً القات..

خالد الحروب: تغيير الخطة يخضع لتقارير.

علي محسن حميد: القات بحد ذاته.. بحد ذاته الآن عندنا أزمة، أزمة حادة في اليمن في الماء، "الإيكونومست" Economist من حوالي ستة أشهر..

خالد الحروب: مجلة "الإيكونومست"

علي محسن حميد: مجلة "الإيكونومست" ذكرت أن القات يستغرق 30% من الماء في اليمن، فمشاكله عديدة جداً يعني، لا نستطيع..

خالد الحروب: يعني هي ليست فقط عادة اجتماعية وهذا، هي أصبح عندها..

علي محسن حميد: كارثة اقتصادية..

موقع جنوب اليمن من التاريخ السياسي اليمني

خالد الحروب: عندها كارثة اقتصادية عندها انعكاسات دولية وإقليمية على علاقات اليمن يعني حتى مع الاتحاد الأوروبي. موضوع آخر أستاذ محسن اللي هو.. وأنت خصصت له فصل وأيضاً في أكثر من موقع تعرضت له، لكن أيضاً ليس التعرض الذي يشفي غليل القارئ، وهو جنوب اليمن، الوضع في عدن، كيف كانت التحولات تسير هناك بالتوازي مع.. مع التسلسل الزمني؟ كيف كان اليمن الجنوبي في الستينات في السبعينات؟ يعني قرأنا عن ثورة سبتمبر، ثم نوفمبر، ثم إلى آخره إلى.. كان هذا اليمن ما يحدث في الجنوب مهمش.

محسن العيني: يعني أنا أولاً حتى أنتهي من موضوع القات أنا أريد أن أقول بأن اليمن تعاني ما يعانيه كل أقطار العالم الثالث، لكن مضاف إليها 3 مشاكل أساسية هي عبء على اليمن وعلى حركتها للأمام. إلى جانب القات حمل السلاح والقبلية وما يتبعها من ثارات وإرهاب، وأنا أعتقد بأنه برغم أن هذه موضوع خلاف فيه ناس كثيرين جداً مازالوا يعتبروا أن حمل السلاح هو إكمال للرجولة، وهو شرط للشرف وكذا وكذا، أنا أعتقد بأنه لابد أن يكون هناك في برامج الأحزاب، في برامج الحركة الوطنية، النخب، المثقفين، دعوة لأن ينزع السلاح بقدر الإمكان من البلد حتى يمكن للتنمية، المشاريع، للسياحة، لهيبة الدولة، .... القبلية كذلك رغم أنها جزء من تراث اليمن، وأن لها عادات جميلة، وتقاليد حميدة وكذا، لكن مع عصر العولمة مع عصر الانفتاح، مع العصر الجديد الذي نحتاج فيه إلى الديمقراطية والمساواة، وكذا ينبغي أن يخف الاعتماد عليها، وأن ينمَّى الولاء للوطن قبل الولاء للقبيلة أو لغيرها، وكذلك يعني الثارات وغيرها، فيما يتعلق بالجنوب، الواقع أنا لم أعالج الموضوع كثيراً، ولكني تطرقت إليه، الجنوب هو جزء من الشمال، وأنا أتذكر وإحنا في الأمم المتحدة عندما كان يبحث موضوع انسحاب بريطانيا أنه كنا دائماً لا نقول الاستقلال في الجنوب، أو كنا نقول انسحاب بريطانيا من أجزاء من اليمن لتقوم الدولة الجديدة، وكانت القضية الوطنية دائماً والحركة الوطنية تعتبر أنه بانسحاب بريطانيا وبانتهاء الإمامة ستتم وحدة اليمن، لم يكن متصور مطلقاً أنه ستقوم دولة أخرى في جنوب اليمن، ولهذا في 67 في أول لقاء لي مع الوفد الذي كان متوجهاً إلى جنيف لتوقيع اتفاقية الاستقلال، كان حديثي معهم إنهم ستذهبون ويتم التوقيع، وتعودون نلتجئ جميعاً لننشئ حكومة واحدة لليمن كلها، مش ضروري تكون في صنعاء، مش ضروري تكون في عدن، ممكن أن تكون في تعز، ونبدأ نبني الدولة الحديثة الجديدة التي كنا جميعاً نحلم بها، بطبيعة الحال لا شك أن انتماء قيادة الحركة الوطنية في الجنوب إلى حركة القوميين العرب أنشأت لديهم شعوراً لحركة القوميين العرب في أنه ينبغي أن تكون لنا مرتكز، أن تكون لنا قاعدة، أن تكون لنا دولة، وبالتالي كانت الاعتبارات حزبية، اعتبارات قومية عربية أكثر مما كانت اعتبارات يمنية..

خالد الحروب: اعتبارات يمنية.. ولهذا قامت هذه الدولة في.. في الجنوب..

خالد الحروب: طيب تسأل...

محسن العيني: ثم بعد ذلك هم تصوروا بأنهم يستطيعون أن ينشئوا، وكان رأيي إنه هذا المجتمع الاشتراكي اللي بتحلموا به في نقطة صغيرة لا معنى له أكثر إيجابية منه، وأكثر تقدمية وخدمة لليمن وللحركة التقدمية، وحتى الاشتراكية هي اليمن الموحد الكبير.

خالد الحروب: يعني هذه النقطة اللي أنا هيك يعني وضعت تحتها خط أحمر، ومهمة بأتخيل إنه أنت ذكرت إنه اليمن الموحد وتحت أية راية أهم بكثير من يمن مجزأ حتى ولو كان تحت رايات تقدمية أو.. أو أياً.. أو أياً كانت أسأل الأستاذ علي عن بالفصل الثامن حركة 13 يونيو، وعندما كان طبعاً الأستاذ محسن رئيس الوزراء بيقيم في صفحة واحدة معلش بدي أسألك أنت، لأنه وبعدين سوف نعود له في التقرير.

علي محسن حميد: لأ، أقصد، هل يمكن أعقب على موضوع الجنوب وموضوع الوحدة، لأنه موضوع هام بالواقع..

خالد الحروب: لكن باختصار، لأنه بدي أن أسأل على تقييمك للرئيس الإرياني اتفضل..

علي محسن حميد: سأختصر.. سأختصر، أولاً: نحن في اليمن لا نعرف حتى الآن إلا وجهة نظر واحدة حول الوحدة، لماذا لم تقم الوحدة في نوفمبر سنة 77.. 67؟ لم نسأل من قاتلوا الاستعمار وأنشأوا هذه الدولة، لماذا لم تقيموا هذه الدولة، أو لماذا لم تأتوا إلى صنعاء، أو لماذا صنعاء لم تنزل إلى عدن للتفاوض حول الوحدة؟ طبعاً فيه أسباب كبيرة جداً، لكن اللوم في هذه الحالة منصب على الإخوة الجنوبيين في الجبهة القومية لتحرير الجنوب، وهم واجهوا نكران من الشمال، مؤتمر خمر وحكومة خمر ألغت حتى وزارة شؤون الجنوب في سنة 65، كان الشمال يتبع السياسة المصرية، اللي هي محاربة الجبهة القومية، وتأييد جبهة التحرير، وكان العمل العسكري في جزء.. الجزء الكبير منه عبء على الجبهة القومية، حركة نوفمبر نفسها في صنعاء في.. قبل الاستقلال بثلاث أسابيع لم يكن تشجع أحد في الجنوب على أن يأتي ويقول: تعالوا خذوا السلطة، يعني من قاتلوا لم يكن يتصور منهم أن يأتوا إلى أي شخص أو إلى أي حكومة في الشمال ليقولوا: والله إحنا وحدويين، ونثبت لكم، نحن مثاليين، لا نزال نحن لدينا تصور مثالي حول الوحدة وكيف، فأنا من رأيي إنه هو هذا يدرس بعمق، ويشارك فيها الإخوة الجنوبيين من الجبهة القومية، اللي يشاركوا في النضال، وفي الاستقلال، وفي بناء الدولة حتى يكون لدى اليمنيين رؤية واضحة كاملة حول هذا الموضوع، لأنه لا تزال النظرة هذه مبتسرة، وغير كاملة وناقصة.

خالد الحروب: طيب إذاً نحيل السؤال للأستاذ محسن إنه في هذا الفصل الثامن ذكرت إنه الرئيس الإرياني يتصف بسعة الصدر وأنه حليم وحكيم ويستوعب الجميع، لكن هذه كانت مقدمة حتى تقول يعني ما تريد أن تقوله من أنه في نفس الوقت كان مجامل وغير حاسم، وهذا يعني أدى إلى بروز نوع من اللا قرارات واللا حسم في أكثر من مجال.

محسن العيني: أنا أود في هذه المناسبة أن أقول بالنسبة لوجهة نظري نحوه ونحو الحمدي مثلاً ونحو الآخرين أني ذكرت ما أعتبره حقائق واجهناها، لكن لا يعني هذا أنني أُخَطِّئثه وأصوِّب رأيي، ربما إنه عملية التوازن التي كان يلجأ إليها هي الخط الحكيم في ظل الظروف القبلية والتخلف وضعف الدولة الاتحادية، إلى آخره، ربما إن إحنا كشباب كنا طامحين في أن نخلق أشياء كبيرة، لعله كان يدرك أن القبائل والمشائخ ومش عارف يحول دون هذا، فأنا ذكرت الوقائع كما هي مع كل الاحترام له ومع كل خلافي معه في بعض..

خالد الحروب: طيب بدي أسألك سؤال يعني حتى يعني اقترب البرنامج من نهايته في واحد من الفصول الأخيرة تقييم وضع اليمن في حرب الخليج الثانية، ذكرت إنه طبعاً تورط اليمن في حرب لا ناقة له ولا بعير فيها، ويعني أيضاً كلفته أثمان.. أثمان باهظة، وفي سياق النقاش قلت: أنه اليمن أصبح عضواً في مجلس التعاون العربي الذي يضم إلى جانب اليمن العراق ومصر والأردن، وأنه هذا أزعج السعودية بشكل ما، واليمن لم يكن مستفيداً من ذلك المجلس، ما هو بالضبط رأيك في هذا السياق؟

محسن العيني: يعني أنا كان شعوري بأن اليمن ارتباطها بالجزيرة العربية له الأولوية، عندنا حوالي مليون مغترب موجودين في السعودية وفي غيرها، وأنا أعرف أن هناك حساسية مطلقة في السعودية عن أي صلة بين صنعاء وبغداد، حتى أيام الإمامة كانت أي علاقة للإمام يحيى مع الحكم في بغداد الملك فيصل يثير إشكال في.. في الوسط، فلما.. ثم فيما بعد وجودي أنا في الحكومة..

خالد الحروب: الوسط..

محسن العيني: ومحاربتي كبعثي كانت سببها إنه هذا ربما يكون امتداد للبعثيين في ....الرياض، وكأنه حصار للسعودية في الوسط، من هنا كان شعوري بأن اليمن ما كان يجب أن تدخل في اتحاد مجلس التعاون العربي، لأنه العراق كان لها ضرورة في دخوله حتى يبقى لها عمق عربي أمام إيران، مصر كانت خارج الجامعة العربية فلها مصلحة في دخول أي تجمع عربي، الأردن بطبيعة الحال مهم لها جداً الارتباط بالعراق وبمصر لمجابهة إسرائيل، بالنسبة لليمن كان ممكن أن نبقى بعيدين خاصة إنه كانت الوحدة اليمنية لم تتم بعد، ونحتفظ بعلاقة طيبة مع الجميع.

خالد الحروب: طيب أخ محسن إذا واحد سألك أنت أيضاً يعني.. يعني قومي عربي وبعثي سابق وإلى آخره، وأسأل أيضاً الأخ علي إنه هذا كانت عملية -نوع ما- وحدوية يعني مجلس تعاون عربي خطوة ما نحو شكل من أشكال التعاون.

محسن العيني: وحدوية بلا شك الإيجابية واردة، إنما دُفع الثمن غالياً، في أنه آثار مُجدداً حساسيات وجراحات أكثر مما تصورنا..

خالد الحروب: شو رأي الأستاذ علي.

علي محسن حميد: إحنا الواقع وجدنا في النظام اليمني لمجلس التعاون العربي قفز على الطموح الوحدوي اليمني ومزيد من العزلة للجنوب والابتعاد عن الجنوب، ولكن العامل الأميركي لا ينبغي أن يغفل، ولقد سمعت في يونيو سنة 89 من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس أن الولايات المتحدة هي التي أيدت دخول اليمن مجلس التعاون الخليجي، وطبعاً لاشك إن الأميركان كانوا يعرفوا أن السعودية غير مرتاحة لهذه الخطوة، ولكن ربما كان الهدف هو بعد أن انتهت الحرب العراقية الإيرانية أن تنتهج العراق سياسة تعاونية سلمية مع الجيران، وتستطيع أن تضمد جراح الحرب وإلى آخره.

خالد الحروب: طب آخر سؤال للأستاذ محسن يعني ملاحظتي على.. كقارئ لاحظت إنه كلما كان يحصل انقلاب في اليمن كانوا يستدعوك من الخارج من انقلاب سبتمبر إلى حركة نوفمبر إلى يوليو، فكأنك يعني رئيس حكومات اللي هي الانقلاب.

محسن العيني: ولهذا بعضهم قال لي: كيف تشترك في انقلاب.. تشترك مع الإرياني في انقلاب نوفمبر، ثم تأتي بعد إبعاده في حركة يونيو، ثم.. ثم..؟ أنا بأعتقد إنه كلهم يعرفون أني غير منافس لأحد، غير حريص على الحكم، وبالتالي كنت أجد نفسي.. ولهذا بنقول في.. في الكتاب إني وجدت نفسي في مواقف لا أملك الابتعاد عنها، وهذا قدري يعني.

خالد الحروب: على كل حال يشفع لك إنك كنت كثير الاستقالات يعني، فيعني لم تكن أبداً..

محسن العيني: لا يخاف مني أحد.

خالد الحروب: يا سيدي شكراً جزيلاً، وأعزائي المشاهدين بهذا التعليق نشكركم على متابعتكم لنا كتاب هذا اليوم الذي كان بعنوان "خمسون عاماً في الرمال المتحركة.. قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن" من تأليف السياسي اليمني محسن العيني الذي استضفناه في حلقة هذا اليوم فشكراً له على مساهمته معنا، كما نشكر الأستاذ علي محسن حميد (الدبلوماسي والباحث اليمني المقيم في بريطانيا) وعلى أمل أن نجالسكم في الأسبوع القادم مع جليس جديد هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.