مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

د. إبراهيم نوار: خبير اقتصادي
د. مصطفى عبد العال: مدير مركز الدراسات التعددية في لندن

تاريخ الحلقة:

25/03/2002

- الانفتاح الاقتصادي في مصر بين الوهم والحقيقة
- الانفتاح الاقتصادي في فترة السبعينيات والثمانينات

- مظاهر التراجع السياسي والاقتصادي في التسعينيات كما يراها الكتاب

- أساليب الدولة في مهادنة المجتمع في فترة التسعينيات

- القضاء المصري بين الاستقلالية والتراجع

- عوامل فشل الخصخصة في مصر

إبراهيم نوار
مصطفى عبد العال
خالد الحروب
خالد الحروب: أعزائي المشاهدين أهلاً ومرحباً بكم إلى هذه الحلقة من برنامج (الكتاب خير جليس).

جليسنا هذا المساء كتاب بعنوان "الوهم الكبير.. الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي في مصر" والمؤلف هو ايبرهارد كيتله (المحاضر في جامعة اكس أم بوفان في جنوب فرنسا). الأطروحة الأساسية في الكتاب تقول: إن كل ما يُقال عن وجود انفتاح سياسي وإصلاح اقتصادي في مصر خلال حقبة التسعينات هو سراب ووهم كبير، وأن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، هذا برغم أن أوضاع مصر عند مقارنتها بالبلدان العربية الأخرى تعتبر متقدمة في مجالات عديدة.

ضيوفي اليوم في الأستوديو لمناقشة هذا الكتاب هم الدكتور إبراهيم نوار (الخبير الاقتصادي المقيم في بريطانيا) والدكتور مصطفى عبد العال (مدير مركز دراسات التعددية في لندن) فأهلاً وسهلاً.

د.مصطفى عبد العال: أهلاً بك.

خالد الحروب: وقد كنت أعزائي المشاهدين قد أجريت حواراً مع المؤلف ايبرهارد كيتله حول المحاور الأساسية في كتابه، ولنتابع معاً هذا الحوار قبل أن نبدأ مناقشة الكتاب مع ضيوفنا في الأستوديو.

الحديث عن الانفتاح السياسي والاقتصادي في مصر حديث خلافي ولا ينقطع، فهناك من يقول إن هذا الانفتاح الذي بدأ في عهد الرئيس السابق أنور السادات فقد زخمه في حقبة التسعينات، وكما يقول كتاب الأكاديمي ايبرهارد كتيله الصادر حديثاً تحت عنوان "الوهم الكبير.. الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي في مصر" فإن كل وعود الانفتاح قد تراجعت، وإن مصر تشهد عودة عن الليبرالية، حيث يتعثر الاقتصاد وتتردد الخصخصة وتنتشر رأسمالية المحسوبيات، أما الديمقراطية والانفتاح السياسي فليسا بأحسن حال، فقد ازدادت القيود على الحرية السياسية في حقبة التسعينات، كما تدهورت حقوق الإنسان وتضاءلت المشاركة السياسية، لكن هل تقييم الكتاب رقيم أم فيه إجحاف بحق الأوضاع في مصر؟ وما معنى العودة عن الانفتاح السياسي والاقتصادي هناك؟

ايبرهارد كيتله: في كتابي أنا أتكلم عن العودة عند الانفتاح السياسي مصر ما تقدمت في طريق الديمقراطية أو في طريق التحرر السياسي، بالعكس نشوف في هذا الفترة عن الحكومة المصرية، حكومة الرئيس مبارك حد الحريات السياسية والمدنية أكثر مما كانت محدودة من قبل.

خالد الحروب: لكن كيف كان الوضع في مصر في حقبة الثمانينات من ناحية الانفتاح السياسي والاقتصادي؟

ايبرهارد كيتله: معروف بدأت عملية الانفتاح الاقتصادي والسياسي في مصر في فترة التسعينات وبعدين في الثمانينيات أولاً تحت رياسة أنور السادات، وبعدين برضو تحت رياسة مبارك، بس وقف عملية الانفتاح السياسي في الثمانينات.. في آخر الثمانينات واستمر فقط عملية الانفتاح الاقتصادي.

الانفتاح الاقتصادي في مصر بين الوهم والحقيقة

خالد الحروب: يقول الكتاب: إن الانفتاح الاقتصادي في مصر وهم كبير- كما يشير عنوانه –فما هي مبررات هذا القول؟

ايبرهارد كتيله: التحول الاقتصادي والإصلاح الاقتصادي بشكل عام في مصر ليس وهم خالص، ولكن العملية محدودة.. محدودة كتير وكانت محدودة في التسعينات لما فرضت المنظمات المالية الدولية: البنك الدولي والصندوق النقدي، حتى الآن نتائج العملية أقل مما بيقولوا اتفاقات بين الحكومة المصرية وبين المنظمات الدولية.

خالد الحروب: لكن كيف يرى الكتاب الانفتاح السياسي والاقتصادي في مصر مقارنة ببقية البلدان العربية؟

ايبرهارد كتيله: طبعاً أنا أعرف مصر يعني إلى حدٍ ما في الوطن العربي بلد رائد، في.. في مصر فيه انتخابات برلمانية، فيه –إلى حدٍ ما- منظمات أهلية، فيه في مصر محاكم مستقلة إلى حدٍ ما، وشوفنا استقلال المحاكم في مصر يعني مثلاً: محكمة النقض في الأيام اللي فاتت في قضية سعد الدين إبراهيم، طبعاً مصر يعني بلد مختلف من العراق، مختلف.. مختلف من أكثرية بلدان الجزيرة العربية مثلاً، ولكن السؤال المهم والسؤال السديد: ما هي المقارنة الصحيحة المفيدة بين مصر وبلدان عربية أخرى، أو بين مصر وبلدان العالم كله؟

خالد الحروب: أما عن مستقبل مصر فإن الكتاب يتحدث بشكل مركز عن احتمالات الاستقرار.

ايبرهارد كيتله: مستقبل مصر في كلمة واحدة الاستقرار، أنا لا أشوف تغيير كبير في مصر ولا في الميدان السياسي، ولا في الميدان الاقتصادي في السنوات اللي جيَّه، الإصلاح الاقتصادي صعب في فترة أزمة اقتصادية عالمية، وطبعاً المشاكل الاقتصادية في مصر لا تصاحب الإصلاح السياسي إلى أكثر من ديمقراطية أو إلى احترام أكثر من حقوق الإنسان، فيه مشاكل هناك، فيه مشاكل ليست تحت السيطرة، مشاكل ليس تحت سيطرة الحكومة المصرية.

[فاصل إعلاني]

الانفتاح الاقتصادي في فترة السبعينيات والثمانينات

خالد الحروب: دكتور مصطفى أبداً معك، طبعاً الكتاب كما لاحظت قسمين، قسم يتحدث عن حقبة السبعينات والثمانينات بالانفتاح السياسي والاقتصادي النسبي، ثم يتحدث في القسم الآخر اللي هو طويل وموسع عن حقبة التسعينات ويقارن بين الحقبة.. حقبة التسعينات بحقبة التسعينات.. الثمانينيات والسبعينات، الآن سؤالي: في توصيفه لحقبة السبعينات والثمانينات بما فيها من انفتاح وليبرالية اقتصادية وسياسية هل هذا التوصيف دقيق؟ وهل يؤسس لتحليل مقارنة في القسم الثاني للكتاب الذي يتحدث عن حقبة التسعينات أولاً؟

د.مصطفى عبد العال: بأتصور لأ، بس لأ نسبية، يعني زي ما حتى ايبرهارد في الآخر قال إن مسألة الوهم ليست وهم خالص يعني هو يمكن بس علشان الكتاب يبيع فمسألة الوهم الخالص على الغلاف، لكن في الكلام الحقيقي الوهم ليس خالص كما لو إنه هو غير دقيق مش بشكل خالص، لأن فترة السبعينيات انتهت اللي كان فيها يعني درجة من التحول إلى المقرطة، وأنا بأفضل يعني تعبير التوجه الديمقراطي أو المقرطة زي ما بنترجم الكلمة الغربية عن مسألة الديمقراطية، لأن أنا لو سئلت: هل في مصر ديمقراطية؟ أقول لأ، ليس في مصر ديمقراطية.

خالد الحروب: فيه توجه نحو الديمقراطية.

د.مصطفى عبد العال: آه، فيه توجه نحو..، إنما لأن أن يكون هناك ديمقراطية هذا معناه إن الأستاذ إبراهيم شكري، والدكتور نعمان جمعة، وخالد محيي الدين يرشحوا نفسهم لرياسة الجمهورية، وهذا غير مطروح، إذن فمفيش ديمقراطية، فيه توجه إلى الديمقراطية. بخصوص حقبة السبعينات والثمانينات والتسعينات أنا بأتصور يعني اللي يجعل كلام ايبرهارد مش دقيق قوي أن حقبة الثمانينات هي خالصة فترة الرئيس مبارك، فبالتالي يعني إذا كان فيها نوع من التوجه الديمقراطي فهذه أيضاً

خالد الحروب: تنسب إلى نفس

د.مصطفى عبد العال: تنسب إليه ما هياش مرحلة منفصلة، السبعينات انتهت –مع الأسف الشديد- بالانفعال الشديد للرئيس الراحل أنور السادات تجاه المثقفين وتجاه المعارضين وحبس الناس كلها، وكان عنده تصور يعني خاص بيه إنه هو في النهاية يعني يكمم كل الأفواه وبعدين يحل المشاكل، فكان من المنطقي -من وجهة نظري -إنه تحدث –وده يعني جزء من.. من الحالة الفسيولوجية المصرية- أن تحصل فترة سماح.

خالد الحروب: طيب في.. يعني خلينا إنه هل هذا الفصل.. الفصل الأول.. القسم الأول يؤسس إلى.. إلى.. يؤسس حالة بحثية دقيقة دكتور إبراهيم ينبني عليها بقية التحليل في الكتاب؟ لأنه إحنا تقريباً ربع الكتاب قسم يتحدث عن فترة السبعينات والثمانينات وثلاث أرباع الكتاب تحلل بتفصيل وعمق.

مظاهر التراجع السياسي والاقتصادي في التسعينات كما يراها الكتاب

د. إبراهيم نوار: للتسعينات.

خالد الحروب: التسعينات ويقول إنه هناك انحدار وتراجع عن الانفتاح السياسي والاقتصادي في تلك الحقبة، الآن نبدأ بهذا القسم دكتور إبراهيم.

د. إبراهيم نوار: هو أنا.. هو أنا..

خالد الحروب: هو يقول –إذا سمحت- يقول إنه مثلاً من مظاهر التراجع السياسي والاقتصادي أولاً: إنه انتخابات مجلس الشعب على رغم أهميتها همشت وهُمش دور مجلس الشعب نفسه.

زادت الضغوط على الأحزاب السياسية.

زادت القيود على الإعلام.

صار فيه هناك انحصار وجمود في الحياة السياسية في.. في النصف الأول من التسعينات.

لا نريدك أن.. أن تقول لنا ما رأيك في هذا التوصيف حول هذا النصف الأول من حقبة التسعينات كما ورد في الكتاب.

د. إبراهيم نوار: هو أنا ليَّ ملاحظة أولى على الكتاب إنه بينحو في معظم الأحوال إلى الجانب الوصفي والسردي وما يُقال عن إنه فيه تحليل أنا أعتقد إنه الجانب التحليلي فيه ما هواش بالقدر المطلوب، أنا كنت أتصور إنه كتاب معمول في.. في موضوع خصب زي ده، موضوع الاقتصاد السياسي، موضوع العلاقة بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي واللي بيحصل في مصر الفترة دي، موضوع يتسع لتحليلات كتيرة جداً ولخصوبة، اللي حاصل هنا إن إحنا عندنا ودي العين الغربية دائماً، العين الغربية دائماً بتلجأ إلى توصيف ما هو حادث، لكن إنك تعمل.. تعيد تحليل هذا بيحتاج منك خبرة أكتر ويحتاج منك قدرة أكتر على رؤية علاقة اللي أنت شايفه النهارده باللي كان إمبارح وأول وأول، هو حتى لما رجع وبيتكلم حاول يربط ده بالتاريخ المصري ماكانش موفق إلى حد كبير، أنا دي ملاحظة أولى لابد أقولها على الكتاب. بالنسبة للجانب المتعلق بالمقدمة اللي هو عملها في الجزء الأول من الكتاب فترة التمانينات أنا تقديري برضوا إن فيه جوانب كتيرة أغفلها، يعني العلاقة بين التحول السياسي وبين التحدي السياسي الإقليمي مش موجودة، العلاقة بين تحرير الاقتصاد وبين الأزمة الاقتصادية اللي كان فيها المجتمع وبين الحالة اللي كان فيها المجتمع قبل كده اللي هي كان.. ما كان يُسمى باقتصاد الحرب، أنت خرجت من حالة حرب إلى حالة سلام، وبالتالي كان مطلوب إنك تستخدم منهج مغاير في التنمية الاقتصادية هو ماعملش ده، مالقطش العلاقة بين ضرورات التحول السياسي والاقتصادي وما كان في مصر قبل كده، هو خدها يعني كمعطى موجود وانطلق منه، وبالتالي وقع في محطات سرد طويلة.

خالد الحروب: هذه محطات السرد من ضمنها اللي سرد مراحل الانتخابية المختلفة سواءً لمجلس الشعب أو الانتخابات الرئاسية، وذكر إنه يعني بعد اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، تم يعني إلى حد ما قال إنه اختزلت الدولة في حقبة الثمانينات والتسعينات بشخص الرئيس حسني مبارك، بدليل النسب الاستفتائية العالية، بـ 98.5 بُعيد اغتيال السادات في الـ 97.. 97.1، في 93 عفواً قبل ذلك كانت 96.3 إلى 99 اللي هي أيضاً نفس النسبة تقريباً 93.8، فهو بيسرد هذا الوصف يعني سردي إنه.. إنه بيسرد إلنا بانوراما انتخابية، الآن دكتور مصطفى حول التحليل القصير اللي ذكره اللي قال إنه تكاد مصر تُختزل في شخص الرئيس حسني مبارك، ما رأيك؟

د. مصطفى عبد العال: بأعتقد إن.. إن المسألة مش مرتبطة بشخص الرئيس حسني مبارك، فيه في مصر نوع يعني يرجعه البعض إلى.. إلى المرحلة الفرعونية في أن الحاكم بيأخذ مساحات ضخمة، لكن بأتصور –وده يمكن يعني أشار إليه ايبرهارد في.. في الحديث اللي سجلته معاه- إن.. إن مصر بدون ما نقع في المشكلة اللي دايماً بنقع فيها أغلبنا كمصريين يعني ونرى مصر معلقة في فراغ وغير قابلة للمقارنة، لكن مصر لها حالة خاصة، يعني زي ما قال فيه حالة من التردي الديمقراطي في مصر، لكن مقارنة بالإقليم.. بالوطن العربي يظل فيه نقابات في مصر، يظل فيه ناس بتقول كلام من المستحيل تخيل أن يُقال في دول عربية.

خالد الحروب: في بلد عربي آخر، أي نعم.

د. مصطفى عبد العال: آه، يعني فهنا ده بيخلق وضع خاص وحرج في نفس الوقت، يعني الحاكم المصري، يعني تاني عودة إلى فترة السادات، بعد وفاة عبد الناصر كان هناك تصور أن هذا الرجل الكارزمي إذا ذهب فلن يأتي أحد يحل..

خالد الحروب: لن تستمر..

د. مصطفى عبد العال: جاء الرئيس السادات اللي كانوا معاونيه متصورين إنهم هيلعبوا به يعني في خلال أيام ويستبعدوه من السلطة.

خالد الحروب: طيب الدكتور مصطفى يعني هل هذا.. هذا التوصيف اللي بتحلله وبتذكر لنا إياه هل مثلاً وجدته في الكتاب أم إنه وجدت كيتله يعني يحوم بعيداً عنه؟

د. مصطفى عبد العال: ما هو بالتالي أنا.. أنا يمكن اتفق مع الدكتور إبراهيم في مسألة الباحث الغربي بدون تاني ما نقع في مشكلة إن الغربي ده خواجة ما بيفهمش، ايبرهارد بيفهم، لكن فيه مشكلة أنا بأتصور إن إحنا يجب أن ننظر إليها، أن الباحث الغربي لا ترتعش يده عند البحث، لأنه ما بيخافش.

خالد الحروب: يكتب بجرءة ومن دون تخوف ومن دون كذا..

د. مصطفى عبد العال: آه لا.. لا، عارف إن الأنظمة العربية القمعية لن تقطع راسه، لكن الباحث العربي هتقطع راسه.

خالد الحروب: طيب خليني، لأنه يعني هو كتب بجرءة وشجاعة يا دكتور إبراهيم عن حالة الطوارئ اللي في مصر، في الفصل الرابع بيتحدث عن.. يعني عن الحريات الإيجابية والحريات السلبية ويمكن نقول الحريات النشطة والحريات الخاملة مثلاً، الحريات النشطة اللي هي تدخل المواطنين في تسيير الدولة بالمشاركة السياسية والانتخابات، الحريات السلبية –كما يذكر في الكتاب- هي تدخل الدولة في شؤون المواطنين، بالتعقيد والحجز وفرض قيود عليهم، الآن هو بيذكر عن حالة الطوارئ إنها تمدد كل سنة، ثم في سنة الـ 93، 97، سنة الـ 2000 مدت كل ثلاث سنوات مرة يعني، الآن..

د. إبراهيم نوار: هذا طبعاً..

خالد الحروب: أسبابه هو يذكر أسبابه، أريدك يعني –إذا سمحت- تقول لي إنه هل هذا الأسباب حقيقية أم إنها دقيق هو في وصفة لها العنف، العلاقة مع الأقباط، الوضع المتوتر الاجتماعي الداخلي؟

د. إبراهيم نوار: هو.. هو بالتأكيد تبرير تمديد حالة الطوارئ، هناك أسباب كما ذكرها ايبرهارد في الكتاب هي الأسباب التي تقولها الحكومة، بمعنى أنه هو لم يدخل إلى تحليل المعطيات والمتغيرات والعوامل التي تفسر هذا، الحكومة في مصر –ولاعتبارات أمنية أساساً- قررت إنها تمدد حالة الطوارئ، هذه نقطة أساسية في الصراع ما بين المعارضة وما بين الحكومة، ما بين المجتمع السياسي بشكل عام في مصر وبين الحكومة، وأعتقد أنه حتى داخل الحكومة نفسها هناك من يرى أنه تغليب المنهج الأمني، تغليب المنطق الأمني على كل القرار.. التي تتخذها الدولة مسألة خطيرة ومسألة يجب الانتباه لها، أنا أعتقد إنه النقط اللي هو أشار لها ايبرهارد كيتله مسألة بالذات الجانب المتعلق بمكافحة الإرهاب في مصر، دي إحدى النقاط الأساسية اللي أنا بأعتقد إنه قرارات الدولة كلها مبنية حواليها، وبنجد من خلال..

خالد الحروب: إحنا دكتور إبراهيم راح نيجي.. هذه نقطة مهمة جداً هو اللي هي علاقة الدولة بالجماعات المعارضة ومن ضمنها وعلى رأسها كان يتكلم على الجماعات الإسلامية، لكن قبل ذلك الدكتور مصطفى بيتكلم في الفصل الخامس على أطروحة مثيرة إنه في بعض المجالات تبدو الدولة التي تنحسر.. ينحسر الانفتاح والليبرالية سواء سياسية أو اقتصادية عنها تبدو أكثر ليبرالية وانفتاحاً من المجتمع ذاته، إنه التراجع الليبرالي والانفتاحي عند الدولة هو انعكاس لعدم ليبرالية المجتمع، وبيذكر مثلاً إنه الدولة اضطرت أن تتبنى خطاب إسلامي تزايد فيه على خطابات الجماعات الإسلامية، إنه الدولة لم تقف موقف مثلاً حاسم في موضوع مثلاً ختان البنات موضوع.. عدة ظواهر اجتماعية بيسردها، إنه الدولة يعني ساومت المجتمع ولم تصادمه، ويستدل من ذلك على أنه الدولة عدم ليبراليتها ناتجة من عدم ليبرالية المجتمع، ما رأيك؟

أساليب الدولة في مهادنة المجتمع في فترة التسعينيات

د. مصطفى عبد العال: لأ، يعني دي.. دي مشكلة يعني شديدة التركيبية ولن يتسع المجال للإسهاب فيها، لكن الإجابة السريعة إن لأ، أنا بأتصور أن المجتمع المصري مجتمع يمتاز بدرجة من المرونة والليبرالية الإنسانية أعلى كتير من أي حاكم مصري حكم مصر، لكن الحسابات السياسية أحياناً ما تأخذ في الحسبان واقع سياسي ليس بالضرورة انعكاس لرؤية المجتمع، يعني قد تتبنى الدولة في مصر خطاب إسلامي وتقمع الإسلاميين المتشددين، هذا لا يعني أن الدولة راغبة في تطبيق الشريعة الإسلامية مثلاً كما يتصور بعض الإسلاميين، لكنها بالتعبير المصري بتمسك العصاية من النص علشان لا الإسلاميين يكفروها تماماً، ولا هي تبقى ذهبت في تضاد مع المجتمع اللي فيه درجة من الإيمان الديني اللي لازم أخذها في الحسبان.

خالد الحروب: يعني هذا التوصيف إنه الدولة خضعت لمعايير المجتمع، ويعني هادنته ولم تصادمه في كثير من المعاني مما يراه هو مسالك أو رؤى غير ليبرالية اجتماعية، ترى إنه يعني بالغ فيها لم يكن دقيقاً.

د. إبراهيم نوار: يعني أنا كنت أتمنى إنه يكون صحيح يعني مؤخراً مثلاً لما الحكومة المصرية لأول مرة في.. في تاريخ من بعد الثورة تُقبل أو تقبل استقالة وزير، لأن الناس انزعجت من حكاية حادثة القطار، ده خضوع لتيار موجود في المجتمع، لكن أنا بأتصور إن الحكومة في مصر بشكل عام وبدون ما نبقى بنختزل المسائل لا تهتم بالرأي العام.

القضاء المصري بين الاستقلالية والتراجع

خالد الحروب: وعندها حسابات سياسية، طب دكتور مصطفى إذا.. دكتور إبراهيم إذا تكرمت في نفس الفصل بيتحدث بتوسع على دور القضاء في مصر، والقضاء في مصر عنده اعتباره وعنده أهميته، وهو أحياناً يراوح بين الإشادة بهذا القضاء، إنه القضاء في مصر مستقل ومتقدم كثيراً عن البلدان العربية، لكن في نفس الوقت أحياناً يتراجع ويقول إنه محاكم أمن الدولة يعني تغولت على القضاء العادي، وتقريباً يعني بلعت هذا القضاء المدني، فما رأيك بهذا التوصيف؟ وأين نضع الميزان بين استقلال القضاء أم تهميشه؟

د. إبراهيم نوار: حتى.. حتى في محاكم أمن الدولة أنا أعتقد أن هناك قضاة استطاعوا أن يقفوا ضد رغبات الأمن تحديداً أو الأجهزة الأمنية تحديداً في حبس ناس أو تمديد حبس ناس، وهؤلاء لم يُكافؤوا، هؤلاء الذين خضعوا أو استجابوا لضغوط الأجهزة الأمنية، وده قضاء غير عادي، كلنا بنعترف أنه قضاء أمن الدولة أو محاكم أمن الدولة دي محاكم استثنائية، الذين يخضعوا بيأخدوا مكافآت، ولدينا نماذج كثيرة، لكن إجمالاً أهم ما يميز النظام القضائي في مصر هو القدر الكبير من الاستقلالية إذا ما قورن ببقية أجهزة النظام السياسي بشكل عام، يعني خصوصاً المحكمة الدستورية.

خالد الحروب: لكن دكتور إبراهيم مثلاً، يعني بعض الحالات.. بعض الحالات المشهودة الآن صارت، يعني مثلاً حالة حزب الوسط المصري، حالة مثلاً الدكتور سعد الدين إبراهيم، أكثر من حالة تُحال فوراً إلى المحاكم العسكرية، والقضاء المدني يشعر إنه مشلول، هو ذكر هذا لهذه الحالات وذكر حالات أخرى.

د. مصطفى عبد العال: آه، بس اسمح لي بتعليق سريع على المسألة دي، مع -يعني وجهة نظري الشخصية- مع إدانتي تماماً للمحاكم العسكرية وأمن الدولة، لأن كل ده قضاء غير طبيعي إلا إنه في النهاية فيه مؤشر يجب الالتفات إليه، أن الدولة عندما تلجأ للقضاء الاستثنائي هذا يعني أنها لا تستطيع الضغط على القضاء العادي، لأنها لو تستطيع الضغط على القضاء العادي كانت مررت كل القضايا التي تريد أحكام رادعة فيها للقضاء العادي وأجبرته على هذا.

خالد الحروب: هو ذكر.. هو يعني هنا بالضبط تراوحه عندما يعني تردد وقال: لأ، القضاء المصري مستقل، ذكر هذه النقطة تحديداً إنه لجوء الدولة إلى.. إلى.. إلى المحاكم أمن الدولة هو عملياً بسبب العجز عن الضغط على هذه المحاكم المدنية، لكن دكتور إبراهيم.

د. مصطفى عبد العال: نعم بالضبط.. نعم بالضبط..

د. إبراهيم نوار: أنت عندك 3 مجالس شعب، 3 برلمانات حلتهم المحكمة الدستورية دي مصالح مش سهلة يعني.

خالد الحروب: هو أيضاً ذكر هذا بوضوح يعني، وأشاد فيها حتى بالحوار، ولكن دكتور إبراهيم بالمجال الاقتصادي، الانفتاح الاقتصادي والعودة عن.. عن برامج الإصلاح الاقتصادي، هو يذكر إنه أولاً انخراط مصر في.. في مشروعات الإصلاح الاقتصادي جاءت بقدر ما ضغوطات دولية، صندوق النقد الدولي، متوائم أيضاً مع ضغوطات داخلية من الداخل، ويسرد أرقام على.. على سيرة التوصيف، أرقام مخيفة يعني بين حقبة الثمانينات والتسعينات، حجم المديونية الكبير، خدمة الدين العام، حجم.. حجم البطالة إلى آخره، ما رأي.. ما رأيك الآن كخبير اقتصادي أيضاً في هذا الفصل، الفصل السادس والسابع عندما تحدث عن تراجع الإصلاح الاقتصادي في مصر؟

د. إبراهيم نوار: أولاً: أنا تقديري إنه مسألة الإصلاح الاقتصادي والاتجاه الليبرالي اقتصادياً ماتمش تحت ضغوط صندوق النقد الدولي.. البنك الدولي، لأنه نظام الاقتصاد المصري وصل لمرحلة فيها.. طريق مسدود، ولم يكن هناك من سبيل للاستمرار بنفس الطرق القديمة، أنت كان عندك جهاز اقتصادي بيتعامل مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ابتدوا يتراجعوا اقتصادياً، الأجهزة اللي عندك مش قادرة تتعامل مع العمل.. في العالم، فكان لابد تفتح.. تفتح الاقتصاد من جوه، عندك استثمارات، عندك قطاع خاص، الدولة لم تعُد لها هذه القبضة التي كانت موجودة في الفترة بتاعة الحرب ضد إسرائيل، فده نمرة واحد، نمرة 2: الإصلاح الاقتصادي بيواجه أزمة آه، هذا صحيح، هذا ما ذكره ايبرهارد في الكتاب، هذا صحيح، ولكن المشكلة هنا إنه الكتاب لم يقدم لنا الأسباب الحقيقية للأزمة، الأسباب الحقيقية للأزمة بتتلخص باختصار في إنه عملية الإصلاح الاقتصادي دخلت في.. في الجوانب الحساسة جداً، أنت دخلت في إصلاح بقى النظام المصرفي، إنك أنت لابد تعمل تخصيص للبنوك، البنوك دي دخلت في العضم.. في.. في الهيكل العظمي بتاعه.

عوامل فشل الخصخصة في مصر

خالد الحروب: أي نعم

د. إبراهيم نوار: آه، البنوك دي شركات الدولة مدينة ليها

خالد الحروب: طيب، على ذكر الخصخصة دكتور إبراهيم في الفصل اللي تحدث فيه عن الخصخصة ذكر إنه الخصخصة اللي نجحت جزئياً وفشلت أيضاً جزئياً في مصر، بأذكر إنه بسبب يعني انحياز الدولة إلى.. إلى إعطاء القطاعات الكبرى هاي إلى شرائح ذات نفوذ أو قريبة من الدولة، هذا التوصيف في.. في تعثر الخصخصة في مصر هل هو دقيق أم لا؟

د. إبراهيم نوار: ده دقيق، أنت عشان تعمل خصخصة لابد أن يكون عندك أساساً نوع من الليبرالية السياسية عشان تعمل إعادة توزيع للثروة، لما تعمل إعادة توزيع للثروة في ظل نظام سياسي مقفول معناها عملياً إنك أنت بتعمل إقطاعيات من جوه.. من جوه الدولة، فما بتعملش خصخصة، أنت عندك الخصخصة اللي تمت في بلدان أوروبا الشرقية مثلاً باعتبار إنه الشعب هو اللي كان بيمول الأجهزة الاقتصادية والقطاع العام الموجود ده، فلما جاء يتخصص أتعمل مثلاً 20، 25% أسهم أو كوبونات مجانية للناس، لأن الناس دي هي اللي كانت بتدفع ضرايب.

خالد الحروب: طيب دكتور مصطفى، يعني نعود لقضية مهمة يمكن نختم فيها اللي هي هو يقول إنه هناك أنت ذكرتها في البداية- هناك توجه نحو الديمقراطية، لكن الدولة تبرر أن كل القيود، هذه القيود مؤقتة، لكن العملية الأساسية قائمة وتسير إلى الأمام، عملية التحول نحو الديمقراطية، القيود على الإسلاميين، على الإعلام، على الأحزاب، هذه كلها ظرفية ومؤقتة، ما رأيك في هذا التوصيف؟

د.مصطفى عبد العال: هو أنا بأتصور إن المسألة هي نوع من..من الجدلية بين السلطة -أي سلطة- وبين التيارات المعارضة أو التي هي خارج السلطة، المشكل ليس فقط في أن النظام ليس ديمقراطي بصراحة، لكن أيضاً في أن التيارات التي هي خارج السلطة لا تدير هذه الجدلية أو هذا الصراع بشكل يدفع إلى تطور ديمقراطي، بمعنى إنه النهارده لو حد يجي يطلب، يقول والله إحنا عايزين حد يرشح نفسه رئيس ضد الرئيس مبارك علشان يبقى رئيس غيره، كل أحزاب المعارضة رؤساء الأحزاب يركبونها منذ البدء، فأصبحت المسألة غير قابلة حتى للطرح، فبالتالي المشكلة يجب النظر إليها في إطار هذه الجدلية.

خالد الحروب: طيب بنصف دقيقة يا دكتور مصطفى، وبعدين نصف دقيقة الدكتور إبراهيم، ما رأيك في تقديراته لمستقبل مصر، خاصة مصر ما بعد الرئيس حسني مبارك؟

د.مصطفى عبد العال: أنا عندي دايماً يعني إعجاب بجملة بيقولها الشاعر الجميل أحمد فؤاد نجم، إن مصر ولادة، حتفضل ولَّادة

خالد الحروب: ولَّادة، دكتور إبراهيم.

د. إبراهيم نوار: الإصلاح الاقتصادي والسياسي في مصر وصل لعنق الزجاجة، ولن يتم التراجع عنه، صعب جداً التراجع عنه، ولابد أن يستمر، لكن علشان يستمر، لابد تعمل عملية تغييرات كثيرة جداً في النظام، هذه ستتم، وأنا بأختلف مع النتيجة اللي وصل لها ايبرهارد في الآخر إنه مفيش تحول ديمقراطي في مصر بالعكس فيه تحول ديمقراطي، لكن هناك صراع بين القديم والجديد بين عوامل متناقضة داخل هذا الشعب.

خالد الحروب: أي نعم، شكراً جزيلاً، وأعزائي المشاهدين بهذا التقييم الختامي لم يتبق لي إلا أن أشكر لكم مرافقتكم لنا جليس هذه الأمسية الذي كان كتاب "الوهم الكبير.. الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي في مصر" لمؤلفه ايبرهارد كيتله كما أشكر ضيوفنا الأعزاء في الأستوديو دكتور إبراهيم نوَّار (الخبير الاقتصادي) والدكتور مصطفى عبد العال (مدير مركز دراسات التعددية في لندن) على مشاركتهم لنا وإلى أن تجالسونا مع جليس جديد في الأسبوع القادم، هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.