مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

عفيف صافية: رئيس المفوضية الفلسطينية في لندن
د. حسني عبيدي: مدير مركز الدراسات العربية
- جنيف

تاريخ الحلقة:

16/09/2003

- الجدل الدائر حول العلاقة بين ضفتي الأطلسي
- الفروقات بين السياسة الأميركية والأوروبية

- تداعيات تفاقم الأحادية الأميركية

- الهدف من زيادة القدرة التسليحية الأميركية

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم.

جليس اليوم كتاب يقول إن الغرب لم يعد غرباً وإن التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا آيل إلى نهاية محتومة وسريعة.

عنوان الكتاب: "الفردوس والقوة.. أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد"، من تأليف (روبرت كيجان) وهو باحث وأكاديمي أميركي يميني يعتبره البعض من منظري المحافظين الجدد.

يطرح الكتاب فكرة أساسية هي أن أوروبا ما كان لها أن تزدهر وتصنع فردوسها المشهود بعد الحرب العالمية الثانية لولا الحماية التي وفرتها لها القوة الأميركية، لكن الفردوس الأوروبي اندرج في مسار تدريجي مغاير عن مسار القوة الأميركية، وازداد المساران ابتعاداً عن بعضهما البعض مع انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه الحرب الباردة.

فأوروبا -وكما يقول المؤلف- تريد سياسة دولية تعاونية قائمة على التعددية، لكن أميركا تريد سياسة دولية قائمة على منطق الأحادية ومعتمدة على قوتها.

أوروبا تريد دعم القانون الدولي وتطوير الأمم المتحدة والعمل من خلالهما، أما أميركا فتزدري الاثنين .. وتحتكم إلى منطق المصلحة القومية حتى لو أدى ذلك إلى الدوس على المؤسسات الدولية وقوانينها.

وهكذا وفي غياب تهديد شامل يوحِّد الغرب بشقيه الأوروبي والأميركي، فإن الشيء الأكيد بحسب المؤلف هو حصول شرخ بينهما يفكك الغرب الذي عرفناه.

إلى أي مدى تمتاز هذه الطروحات بالدقة والعمق أو بالسطحية والمباشرة؟ ولماذا تطرح الآن؟ وغير ذلك من أسئلة هي ما نناقشه اليوم مع ضيفينا الكريمين الأستاذ عفيف صافية (المثقف والسياسي الفلسطيني المقيم في.. في بريطانيا، ورئيس المفوضية الفلسطينية في لندن)، والدكتور حسني عبيدي (مدير مركز الدراسات العربية والمتوسطية في جنيف والمحاضر في المعهد الأوروبي في جامعتها) فأهلاً وسهلاً بهما.. أهلاً وسهلاً.

الجدل الدائر حول العلاقة بين ضفتي الأطلسي

إذا بدأنا معك أستاذ عفيف كيف ترى الكتاب، هناك طبعاً هذا الجدل الدائر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى قبلها حول العلاقة بين ضفتي الأطلسي، هذه العلاقة الوثيقة التي وثَّقتها طبعاً الحرب.. الحرب الباردة، والآن يقترح الكتاب إن هذه العلاقة انتهت، وأن الشرخ بدأ يتسع إلى درجة تقريباً كما نفهم من الكتاب لا عودة عنها.

عفيف صافية: أنا أظن بأنه الكتاب بنفس الوقت مهم متواضع ومرعب، مهم بسبب صفة الكاتب، الكاتب عمل سنوات عديدة في إدارة (ريجان) في وزارة الخارجية، ويبدو حسب مقال قرأته مؤخراً بأنه انضم الآن في هذه الأيام إلى مكتب (ديك تشيني) وهو نائب رئيس الجمهورية الأميركي ومن أقوى نواب رؤساء الجمهورية في أميركا، إذن بسبب نوعية الكاتب الكتاب بحد ذاته مهم، أراه متواضعاً لأنه تبع مقال حول نفس الموضوع وبنفس العنوان نشره (كيف كيجان) في مجلة " policy Review " من 30 صفحة ووسعه لاحقاً إلى 103 صفحات.. هواه شوية، إذن لم يتوسع كثيراً إذا في معظم الأحيان بأسلوب تلغرافي، وإذا أردت أن أقارنه مع كتابين قرأتهم في نهاية الستينات عن نفس.. حول نفس الموضوع أحدهم لـ(ريمون أرون) من فرنسا "Lagrand debate" حول العلاقة الأطلسية الأوروبية الأميركية وسياسات الردع تجاه الاتحاد السوفيتي أو كتاب (كيسنجر) كان اسمه "The Trouble partenership" أيضاً حول العلاقة..، هذا الكتاب متواضع جداً في مضمونه وصياغته بالمقارنة مع ما سبقه.

مرعب لأنه يذكرنا بأنه الطبقة الحاكمة في أميركا عندها انطباع، وهاي إيديولوجيا نابعة من الآباء المؤسسين (بنيامين فرانكلين)، إنه مصلحة أميركا هي مصلحة الإنسانية، كنت أتمنى أن تكون المقولة معكوسة، إنه مصلحة الإنسانية هي مصلحة أميركية، ولكن لأ، فإذن الكتاب بأعتبره مهم متواضع ومرعب في آن واحد.

خالد الحروب: ماذا يقول الدكتور حسني؟

د. حسني عبيدي: والله بالنسبة بالإضافة لما قاله أخي عفيف الكتاب مهم باعتبار إنه الكاتب عكس الكثير من الأميركيين عاش في أوروبا، يعرف كثير فرنسا، وصال وجال بين بلجيكا خاصة وفرنسا التي يعرفها جيداً، فلديه معرفة أكبر من المتوسط مقارنة مع معرفة الأميركيين بالقارة الأوروبية.

النقطة الثانية: أعتقد بالنسبة لطلبة.. الطلبة وباحثين العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الكتاب مهم باعتبار أنه محاولة ما يسمى بأمبريقية لفهم العلاقات الدولية، لفهم علاقات بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، ودائماً بالإشارة إلى.. إلى منظري العلاقات الدولية، فيه إشارتين أو ثلاثة (لهانز مورجان تو) اللي هو عريق في مدرسة الواقعية، كذلك.. كذلك (..) إلى غير ذلك، فأعتقد إنه بالنسبة للبحث في العلاقات الدولية الآن الكتاب رغم ضآلة حجمه يعتبر مساهمة جادة ومساهمة مهمة.

النقطة الأخيرة هو أنه هذا الكتاب جاء في فترة زمنية هامة جداً تعطيها أهميته وهي سواء أحداث 11 سبتمبر، ثم بعد ذلك.. قبل ذلك أحداث أفغانستان، وخاصة الحرب مع العراق بحيث إن الكتاب فيه إشارات كبيرة على الحرب على العراق دون نسيان أكيد الحروب التي مسَّت أوروبا بالدرجة الأولى، وهي حروب البلقان، هذه الحوادث الأمبريقية تعطي أهمية إضافية لهذا الكتاب.

الفروقات بين السياسة الأميركية والأوروبية

خالد الحروب: عفيف، إذا بدأنا بالمقدمة، طبعاً هو الكتاب لا يتمثَّل في فصول، هو عبارة عن نص وحيد يبدأ من الصفحة الأولى وينتهي إلى الأخير تقريباً مع عناوين فرعية، لكن في الجزء الأول منه يتحدث عن.. يبدأ بالتأسيس لنظرية الشرخ المتزايد بين أوروبا والولايات المتحدة، ويقول أن أميركا على سبيل المثال، وأعتقد إن هنا تكمن أهمية الكتاب رغم تواضع حجمه ورغم صغره، أن أميركا على سبيل المثال تعتمد سياسة العصا فيما أوروبا تعتمد سياسة الجزرة في محاولة تخفيف بؤر الأزمات والتوترات، يضرب على سبيل المثال إيران مثلاً، أن الولايات المتحدة كانت ترى إزاء إيران والعراق الضربة المباشرة والحرب إلى أخره، أوروبا تقول يمكن الاحتواء والعلاقة الناقدة والانخراط الناقد، فهذا حقيقة يعني هذا أيضاً الوقائع تقول إنه هذه الأطروحة ليست خيالية ولا بعيدة عن الواقع، هناك فروقات في السياسة الأميركية والأوروبية.

عفيف صافية: هو يعزو ذلك إلى الاختلاف والتفاوت في المقدرات العسكرية للطرفين، هو يقول إنه خلال القرنين الماضيين تم استبدال مكانة أميركا بمكانة أوروبا ومكانة أوروبا بمكانة أميركا، واستبدلوا أيضاً تناوبوا على الفلسفة السياسية والرؤية الدولية، هو يقول عندما نشأت الولايات المتحدة كانت دولة صغيرة ضعيفة انتزعت استقلالها من الإمبراطورية البريطانية، ولكن كانت ولايات صغيرة على المحيط الأطلسي، ثم هذه الدولة بلَّشت خائفة من الدول الأوروبية والتنافسات الأوروبية وانعكاساتها على القارة الأميركية، وإذن كانت تطالب بقانون دولي، وتحرُّك جماعي، وأمن جماعي، وإلى آخره، ولكن مع مر الزمان ظهرت الولايات المتحدة الأميركية كالدولة العظمى، وتقلصت أهمية أوروبا نتيجة الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، فيقول هو إنه الاختلاف في الرؤية السياسية ونظرتهم للدبلوماسية الدولية، والنظرة الجيواستراتيجية مرهونة بالمقدرة العسكرية، وهنا يقول هو بأن توقعاته للمستقبل، وأظن بأن هنالك بعض النقاط المهمة اللي بيلفت الانتباه إليها.

يتوقع هو بأنه الديموغرافيا الأوروبية تستمر في الشيخوخة، ويصبح عبء كبار السن على الطبقات العاملة في المجتمع كبير جداً، وأميركا ستبقى دولة فتية بما أنها دولة هجرة، المصروف العسكري.. المصروف العسكري في أميركا هو كثير يفوق مجموع مصروفات الدول الأوروبية مجتمعة، إذن هو يرى هذا التفاوت في المقدرات العسكرية بأنه سيتسع وليس سيتقلص، وهو يتساءل في نهاية الكتاب مثل ما تفضلت، هل هناك مازال غرب، وتقريباً يقول وكأنه هنالك طلاق.. وهو يعتبر بأنه اهتمامات اقتصادية لأميركا قد تكون في آسيا، في السوق الصيني والياباني إلى آخره، بالرغم من إنه ينظر إلى الصين كالمنافس الاستراتيجي الكوكبي المستقبلي للولايات المتحدة، وهو يعتبر بأنه أوروبا تقلَّصت أهميتها الاستراتيجية والدولية، وأميركا أخذت هذا في عين الاعتبار.

خالد الحروب: حسني، هذا التفريق دائماً بين الدول الضعيفة تنزع نزعة.. نزعة قانونية، نزعة تبحث عن التعاون مع الآخرين، ولو أردنا الاستشهاد فيها حتى الآن دولنا العربية، كلما حدث شيء، تذهب إلى الأمم المتحدة تطالب بتطبيق القانون الدولي، والشرعية الدولية وغير ذلك، هذا جانب في السياسة الدولية، الجانب الآخر اللي هو سياسة القوة، إذا كنت أنت صاحب قوة كبيرة، فسوف تستغني عن كل هذه الأمور، ولا تريد لا التعاون الدولي، ولا قانون ولا غير ذلك، وهناك مثال بس في الكتاب طريف، لكنه ذو دلالة يقول: إذا كنت تملك المطرقة فإن كل المشكلات التي تراها تكون كالمسامير، بحيث الحل واضح، لكن إذا لا تملك مطرقة فأنت لا تريد أن ترى أي مشكلة على شكل المسامير، فهل هذا التفريق؟ هل هي لازمة نظرية؟ وحتى وفلسفية، أن الضعيف ينزع نزعة قانونية ويبحث عن القانون الدولي؟ في شأن السياسة الدولية؟ وأن القوي يريد الانخلاع من كل هذه الالتزامات التي تفرضها.. يفرضها التعامل مع المجموعة الدولية؟

د. حسني عبيدي: هو روبرت كيجان يبدأ بنداء فلسفي يقول إنه أوروبا لديها نزعة.. نزعة كانطية، نزعة ما يسميه هو post modern ما بعد عصر الحداثة.

خالد الحروب: نسبة إلى (كانط) الفيلسوف..

د. حسني عبيدي: نسبة إلى الفيلسوف (كانط) بعصر الحداثة، وأعتقد إنه هنا لم يحالفه الحظ، باعتبار أن كلمة post modern لا تتبع، بالعكس القول بـ post modern ما بعد الحداثة، هو عالم (...)، هو عالم تسوده القوة، ثم لا أعتقد أنه كانط كان ساذجاً، بالعكس كانط هو منطقي وأكثر واقعية من.. من (هوبز)، هذا فقط ملاحظة، النقطة الثانية هناك أعتقد إجحاف الحقيقة عندما يقول بأن نزوع أوروبا للقانون الدولي، أو للدبلوماسية، وباختصار هذه الكلمة ستصاحبنا في كل الكتاب أنه الدبلوماسية أو النزول على القانون الدولي هو تنظير للضعف، وبالتالي هناك نزعة نحو كل ما هو قانون دولي، وهناك استشهادات مهمة جداً، خاصة فيما تشهده الآن المنطقة العربية حول مثلاً قضية استعمال الأمم المتحدة، عندما الدولة تكون ضعيفة.. كانت ضعيفة مثل فرنسا، فهي تلجأ إلى استعمال حق الفيتو، باعتباره إن هو.. هو القوة الوحيدة، والسلطة الوحيدة التي بقيت لديها، أعتقد أن الشيء الذي لا يتفق النقطة الذي لا أتفق فيها مع كيجان، عندما يقول بأنه الضعف يولد هذه النزعة نحو الدبلوماسية، وأنه ليس فقط الضعف، هناك رغبة حقيقية لدى الأوروبيين، وتلاحظون في قراءة الكتاب إنه هناك تركيز فظيع على فرنسا، و.. فرنسا وأحيانا ألمانيا، لا.. وكأن أوروبا هي فقط فرنسا، هذا يدل فعلاً إنه الكاتب أثرت عليه كثير من الميول أو السلوك السياسي الفرنسي إبان قبل وإبان التحريضات على الحرب على العراق، أعتقد إنه.. إنه النزوع.. النزوع نحو الأمم المتحدة أو النزوع نحو القانون الدولي لا.. ليس نتيجة فقط ضعف وإنما هناك اقتناع أساسي داخلي، بدون أي مصلحة مادية بأهمية أن يكون العالم تسوده قوانين، وإلا ستكون سلطة الغاب، وهو ما يرجع له عندما يسوق أمثلة حول (كوبرن) المستشار السابق (لتوني بلير).

خالد الحروب: نعم، عفيف، هناك نوع من.. نوع من الاحتقار لأوروبا -بين قوسين الحقيقة- أحيانا يصل إلى.. إلى طريقة واضحة، وأحياناً متضمن، إنه هذه أوروبا كانت.. كانت ومازالت إلى حد قريب عبء على الولايات المتحدة، وخلال الحرب الباردة والصراع مع الاتحاد السوفيتي أميركا هي التي وفرت المظلة النووية، والحماية التي عاشت في ظلها أوروبا، وازدهرت، ونشأ وتطور الفردوس الأوروبي الذي يسميه، في ظل القوة الأوروبية، والآن يقول انتهى، يجب أن ينتهي هذا الموضوع، لأنه ليس هناك تهديد الاتحاد السوفيتي، وتوقف.

عفيف صافية: وهاي نظرة ونظرية مغلوطة كلية، لأني لا أتصور بأنه السياسة الخارجية الأميركية تجاه القارة الأوروبية كانت معمولة من منطلق السخاء، والنظرة إلى الآخر لمساعدته، أعتبر تدخلهم في الحرب العالمية الأولى، وتدخلهم في الحرب العالمية الثانية كان نابع من أيضاً الحفاظ على المصلحة العليا للدولة الأميركية التي ليس لها مصلحة بأن تكون هنالك دولة واحدة مهيمنة على كافة القارة الأوروبية، لأن مقدرات القارة الأوروبية ككل تفوق مقدرات الولايات المتحدة، إذن مصلحة أميركا أن يكون الوضع مناسب لها في أوروبا، وهيمنة دولة واحدة على أوروبا ليست من مصلحة أميركا، وفي أيضاً خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، أنا هنا قريب من النظرة الديجولية للموضوع، لم تكن أوروبا تحصل على أمنها ببلاش نتيجة المظلة الأميركية، أميركا كانت من مصلحتها عدم سقوط أوروبا الغربية ضمن الهيمنة السوفيتية إذن كان فيه هنالك مصلحة في.. أميركية لوجودها على القارة الأوروبية، وسياستها الرادعة لأي توسع محتمل للسوفيت، و(ديجول) كان دايماً يقول ليس من الضروري أن ندفع ثمن سياسي للاستراتيجية الأميركية تجاه المنافس الكوكبي لأميركا الاتحاد السوفيتي، وأظن بأنه نظرته برهنت جدواها ومعقوليتها، وأظن أكثر فأكثر من النخب في أوروبا الآن مقتنعة بهذه.. بهذا الموقف، مما يؤدي في بعض الأحيان بريطانيا القريبة جداً أطلسياً إلى أميركا، تكون معزولة أوروبياً، خصوصاً لدى الرأي العام الأوروبي، والموقف الفرنسي أكثر شعبية لدى الرأي العام، وأنا أتمنى إنه النخبة الأميركية تتخلص من هذه النظرة المغلوطة، بأنهم أعطوا أوروبا أمن مجاني، استفادت منه بسبب المظلة النووية الأميركية.

خالد الحروب: يقول استتباع لهذا الفكر أيضاً، إنه لم يكن هناك أي حافز لدى الأوروبيين لتشكيل قوة عسكرية، وقوة ذاتية -حسني- فيقول أن حتى.. السؤال هنا إذن ماذا عن القوة النووية الفرنسية، والبريطانية؟ هذه قوى عظمى، فإذا كانت هذه لم تقنع كيجان ومن يفكر بهذا التفكير، بأنه هذه قوى عسكرية حقيقية، فالسؤال الحقيقي فعلاً، إلى أي مدى هذا التحليل، هذا التحليل دقيق؟ قال لم يكن هناك أي حافز لدي الأوربيين لإنشاء قوتهم الذاتية، ما أعرف تعليقك على هذا، هل هناك قوة أوروبية منفصلة؟ وماذا لو.. لو دخلت بريطانيا وفرنسا حرباً ضد أي دولة أخرى ما عدا الولايات المتحدة؟

د. حسني عبيدي: هو روبرت كيجان في الكتاب يجيب نوعاً ما على السؤال، عندما يقول أنه (رومانو برودي) المسؤول الآن على.. على الاتحاد الأوروبي في الوحدة الأوروبية، يقول إنه أوروبا إذا نجحت، إذا وصلت إلى مستواها الحاضر اليومي، فلأنها بدأت بما يسمى بسياسة القطاعات، يعني أوروبا تتذكرون (جون موني) بدأ بما يسمى بجمعية الحديد والصلب، أو الفحم والصلب، إلى أن وصلت الآن إلى عملة.. إلى عملة مشتركة، يعني هناك قطاع.. قطاعات، أكيد إنه في أوروبا، كانت النظرة الأولى إنه البدء بالسلاح، البدء بالقوة النووية، وبالقوة العسكرية، قبل البدء بمسائل أخرى اقتصادية، قانونية، سياسية، ربما كانت السياسة خرق للمراحل، لكن الآن المشكلة هي مشكلة التصور، ما يعتبره روبرت.. روبرت كيجان ضعف بالنسبة لأوروبا هو قوة، لأنه هو يستعمل كلمة القوة، لكن بالنسبة للأوروبيين هي المشكلة هي استعمال القوة، أو السلوك.. سلوك إنه العلم في القوة، سلوك الهجوم، روبرت كيجان لا يكتفي بامتلاك القوة، وإنما يريد استعمال القوة، لكن بالنسبة للدول الأوروبية وخاصة فرنسا كقوة نووية، هي تريد أن تكون القوة كرادع، وليس دائماً أن تستعمل القوة عندما تأتي الحاجة إليها، بالعكس التهديد بالقوة دون استخدامها، أعتقد هذا.. هذا طرح أساسي في تصور روبرت كيجان، وتصور الأوروبيين لمعنى القوة.

خالد الحروب: إذا انتقلنا إلى نقطة أخرى، وفيها من الدقة ما فيها عفيف، يقول إن التقاسم الوظيفي بين الولايات المتحدة وأوروبا في.. في الشؤون الدولية، وخاصة في مناطق الأزمات، التي تفترض تدخلاً عسكرياً، يقول: التقاسم الوظيفي يمكن أن يجسد، أو يمثل بمثال أميركا تقوم بإعداد الطعام، وأوروبا تقوم بغسل الصحون بعد أن ينتهي الموضوع، التدخل العسكري تقوم به أميركا، ثم التدخل الإنساني ورعاية اللاجئين والضحايا وغير ذلك، مما هو بعيد عن.. عن قلب المهمة الأساسية، تقوم به أوروبا، وهذا توصيف لا يبتعد عن الواقع، في البلقان، في.. في.. في إفريقيا، والآن في العراق مثلاً، أميركا هي التي تقوم بالعبء العسكري، وتترك البقايا، المهمات الإنسانية لأوروبا، فهو دقيق في هذا، ألا ترى ذلك؟

عفيف صافية: خليني أقول لك أول شيء، فعلاً فيه، المثال اللي بيعطيه (...) يبرهن أيضاً عن نوع من الغطرسة الأميركية لآخره، ولكن مثل ما أنت تفضلت، أنا بأشعر إنه بهذا الشق من تحليله معه حق، مثلاً بيتكلم هو عن الحرب في البوسنة أو صربيا إلى آخره، يبدو أنه الإسهام البريطاني في المجهود الحربي على صربيا كان 4% من ناحية الطائرات والقنابل، إذن فوق 90% من هذا المجهود كان أميركياً، بالرغم من إنه القضية كانت أوروبية، وفي داخل الساحة الأوروبية والقارة الأوروبية، إذن أنا.. بأوافق معه إنه المقدرات العسكرية الأوروبية بالمقارنة مع الأميركية ضئيلة، وأعتبر بأنه أوروبا كانت -مثل ما تفضل أخي- ناجحة جداً في المجال الاقتصادي، ولكن ما يترجم القوة الاقتصادية إلى وزن استراتيجي وعسكري، (دالتون) مثلاً كتب كتاب من شي 25 سنة عن أوروبا بتوسعها المحتمل، قبل 25 سنة تكلم عن توسعها اللي عمالنا بنعيشه الآن، وقال أوروبا ستصبح (A Civilian power) قوة مدنية اقتصادية، مش قوة عسكرية، وكان يحكي عن أوروبا 30 دولة، الآن نحكي نحن عن 25 دولة، وهو بيعتبر إنه مطاطية التوسع الأوروبي ستصبح تضم 30 دولة مستقبلاً، ولكن فيما تفضلت.. تفضلت القوة والمقدرة الاقتصادية لم تترجم نفسها، وأظن بأنه السياسة الخارجية والعسكرية لأوروبا هي أحد فشل أوروبا، وليس أحد نجاحاتها، الشرق الأوسط كان دائماً يشكل تحدي لأوروبا لتبلور هكذا سياسة، بسبب قربنا الفيزيقي الجغرافي، بسبب أهمية نفطنا لاقتصادهم، بسبب تداخل ديموغرافياتنا وهجرتنا البشرية إلى القارة الأوروبية، إلى آخره، بماضيهم الاستعماري في بلادنا، ولكن حتى مع التحدي المتكرر لأزمات الشرق الأوسط، أوروبا لم تنجح حتى الآن لتفرض نفسها كلاعب أساسي ما بدي أستعمل كلمة متساوي مع الولايات المتحدة، وكما نعرف..

خالد الحروب: نعم.

عفيف صافية: مثلاً أنا من الناس اللي رحبوا بولادة الرباعية بالنسبة لمسيرة السلام في الشرق الأوسط اللي تُفقد مرارً وتكراراً.

خالد الحروب: باعتبار أدخلت أطراف أخرى غير.. كسرت الاحتكار الأميركي.

عفيف صافية: لسببين يا سيدي، لأنها أعادت وأرجعت ثلاثة لعيبة مهمين في الملعب الدولي: الأمم المتحدة، أوروبا، روسيا، كانوا قد هُمِّشوا في العشر سنوات الماضية، ووجود هؤلاء الثلاث لعيبة: الإضافيين يُقوِّي التيار الأكثر عقلانية داخل الإدارة الأميركية، ولكن كما شعرنا لمدة شهر لعبوا دور ثم غيبوا مرة اخرى، وما كان عندهم الإمكانية بأن يفرضوا نفسهم مش أمامنا نحنا العرب، نحنا من طلاب دور أوروبي، أمام الإسرائيليين والأميركان، إذن أوروبا المجال الدبلوماسي السياسة الخارجية والعسكرية هذا أحد مجالات فشلها وليس أحد مجالات نجاحها للأسف.

خالد الحروب: نعم، العنوان الذي يلي -حسني- يتحدث عن ما يمكن تسميته بتفاقم الأحادية الأميركية وكيف وصلت إلى درجة الغطرسة خاصة في عهد الرئيس الأخير (جورج بوش) من إلغاء المعاهدات المختلفة، الصواريخ (البالستية)، الانسحاب من معاهدة (كيوتو)، الوقوف ضد المحكمة الجنائية الدولية، أريدك أن تعلق على هذا.. هذا التفاقم في هذه الأحادية.

[فاصل إعلاني]

تداعيات تفاقم الأحادية الأميركية

خالد الحروب: دكتور حسني، كنت قد سألتك عن تفاقم الأحادية الأميركية قبل الفاصل، فتفضل.

حسني عبيدي: شكراً، بس خليني نرجع للنقطة وهي قضية الاستعمال العسكري فيه نقطة مهمة ربما لصالح أوروبا هي قضية الحلف الأطلسي وأوروبا.. نتكلم عن الحلف الأطلسي، يعني الولايات المتحدة.. أوروبا عفواً ورثت الحلف الأطلسي وبالتالي قضية وجود حلف عسكري بعد اندثار حلف (وارسو) شكَّل عائق نحو ربما تسليح أوروبا بطريقة يمكن أن تواجه بها أو تنافس بها حتى الولايات المتحدة الأميركية، أضف إلى ذلك إنه لما.. لما نتحدث عن أوروبا نحن لا نتحدث عن دولة واحدة مثل الولايات المتحدة الأميركية، نتحدث على إسبانيا والبرتغال دخلت الاتحاد الأوروبي منذ 86، وضعها الاقتصادي كان.. كان أسوأ من وضع تركيا، دول أخرى كذلك لا يمكن أن ترقى إلى دولة على أن.. وربما تخصص 4% من الناتج القومي للدفاع، فأعتقد إنه سقف.. روبرت كيجان يرفع كثير سقف التسلح.. يرفع كثير سقف الدفاع حتى وبالتالي يمكن سهل جداً أن نناقش أو ننتقد أوروبا في مجال التسلح، بالإضافة إلى قضية إنه قضية ألمانيا خرجت من حرب وكل الدول كانت لا تريد ألمانيا قوية، كانت المقولة هناك نريد أن تكون ألمانيا أوروبية ولا نريد أن تكون أوروبا ألمانية، بالتالي هذا همَّش كثيراً من دور ألمانيا العسكري باعتبارها إن هي القوة الوحيدة بالإضافة إلى بريطانيا وفرنسا التي يمكن لها أن تلعب الدور في تسليح وفي قوة عسكرية.

خالد الحروب: الحقيقة إذا سمحت لي أعمل مداخلة قصيرة، أحياناً الدعوة.. دعوته الزائدة إلى.. إلى أوروبا للتسلح الكثيف والإنفاق الهائل في السلاح، يستدعي سؤالين: تسلح ضد من؟ من هو العدو؟ من هو.. من أين يأتي هذا التهديد؟ إذا زال الاتحاد السوفيتي، وليس هناك في الأفق أي تهديد فلماذا؟

السؤال الآخر: إنه هذا الاستنزاف المالي سوف ينهك القارة كما أنهك.. أنهك الاتحاد السوفيتي، الاتحاد السوفيتي تم تدميره داخلياً بسبب سباق التسلح فتم إنهاكه، فأحياناً التدخل الأميركي في القارة نفسه كان أحد الأسباب الرئيسية اقتصادي كما نعلم عن طريق خطة (مارشال) ليس لسواد عيون أوروبا بقدر ما هي خلق أسواق واسعة وفعالة وتستطيع أن.. أن.. أن يشتغل فيها أيضاً رأس المال الأميركي، فأحياناً تشعر أنه هناك فيه قدر من التناقض، أنت تريد تقوية أوروبا بأسباب ووسائل سوف تزيد من إضعافها وإنهاكها.

حسني عبيدي: بالضبط، ثم أن أوروبا عانت أكثر من الولايات المتحدة الأميركية، ويقول كيجان نفسه يقول أن الولايات المتحدة الأميركية محمية.. محمية بمحيطين في حين أن أوروبا تريد السلم لأنها تعرف خطر الحرب، لأنها عانت من حربين عالميتين دمرتا أوروبا ليس فقط على المستوى البشري وإنما المستوى الاقتصادي، ثم النقطة الأخيرة التي لم يذكرها روبرت كيجان إنه في أوروبا هناك ثقافة ليست موجودة في الولايات المتحدة الأميركية ثقافة تنزع إلى السلام، تيارات.. يعني هناك تيارات تدعو إلى أن تتجرد دول أوروبية من قوات عسكرية أصلاً، بالإضافة إلى ما تفضلت أنه ليس.. الاتحاد السوفيتي لم يعد خطراً، هناك ثقافة سلمية تنزع إلى.. إلى السلم في أوروبا عكس الولايات المتحدة الأميركية، وأعتقد إنه هذا الأمر ساعد كثير في هذه.. في اختلال.. اختلال الموازين بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.

الهدف من زيادة القدرة التسليحية الأميركية

خالد الحروب: أسأل عفيف حول أيضاً موضوع آخر، مازلنا في موضوع التسلح، هو يتحدث بأرقام، أن مثلاً الميزانية... ميزانية الإنفاق العسكري الأميركي تتجاوز أحياناً 3% من مجمل الدخل القومي، وتصل.. قد تصل قريباً إلى أربعمائة مليون وأحياناً.. بليون عفواً وقد تصل إلى خمسمائة مليار دولار، فيما مجموع الإنفاق العسكري الأوروبي يتراوح حول مائة وخمسين مليار دولار، السؤال فعلاً الذي يطرح نفسه: هذا الإنفاق الهائل الذي يكون على حساب برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم وغيره، وبكونك عفيف أيضاً على وثيق صلة بالمكانين، عشت في الولايات المتحدة وعشت في أوروبا، ما هو مستقبل هذا الإنفاق وإلى أين يتوجه؟ ما هو الهدف منه؟

عفيف صافية: الهدف هو الهيمنة الدولية وأنا أتصور إنه أميركا مبسوطة وسعيدة بأنه خلافا لفترات الهيمنة الأوروبية، حيث كان مازال هناك تنافس بين أطراف أوروبية مختلفة ذات قوة متشابهة، الآن هنالك عالم ذات قطب واحد، وحسب كل التنبؤات الهيمنة الأميركية ستسود لعقود من الزمن، لأنه بروز منافس دولي ما عنده أي مقومات له، ولكن أنا تصوري يا سيدي إنه هنالك أميركيتين، هنالك ذاكرتين، هنالك ثقافتين سياسيتين داخل المجتمع الأميركي، وبأظن إنه كيجان.. روبرت كيجان وبكفاءة عالية يمثل مدرسة ضمن هذه المدارس، ولكن هنالك أميركا أخرى تتمنى تخفيض الإنفاق الدولي، لا تشعر بالمخاطر وغياب الأمن مثل ما إدارة بوش تتكلم عنها يومياً وكأنها دولة مهددة يومياً بمجموعها وسيادتها وأفرادها ومواطنيها، وهنالك شريحة من المجتمع تتمنى أن يتم الإنفاق والاستثمار لتحسين المستوى المعيشي والطبي للمواطن، والتقرب من (الموديل) الأوروبي الـ (Welfare State) الذي برز ما بعد.. ما بعد الحرب العالمية.

خالد الحروب: دولة الرعاية الاجتماعية..

عفيف صافية: دولة الرعاية الاجتماعية التي يشارك فيها كل مواطن ولكن أيضاً يحظى بمكافآت من هذه الدولة رعاية طباً وصحة و.. تدريساً وتعليماً، إذن أنا بأتصور يا سيدي هنالك أميركيتيين ومش بالضرورة إنه هذه أميركا روبرت كيجان والمحافظين الجدد و(جورج بوش) هي أميركا الدائمة، كما تعرف (..) في تقلبات، وأظن بأنه هنالك الآن يقظة داخل أميركا بناس ما إنهم مرتاحين لوضع أميركا وعزلتها، صح الانتصار العسكري في العراق وأفغانستان كان نوعاً ما سهلاً، ولكن ما بعد الانتصار العسكري السهل، هنالك تكلفة باهظة بلَّش فيه تململ أميركي منها، وأظن بأنه الجميع الآن يقول بأنه الانتخابات المقبلة سيكون الشق الاقتصادي أحد العناوين الأساسية والناخب قد يعطيها الأولوية، إذن أوروبا قد تشعر نفسها مضطرة في المستقبل القريب بارتفاع مستوى نفقاتها العسكرية، ولكن أظن بأن الطبقة الحاكمة في أميركا ستكون عليها ضغط شعبي من الناخبين في الانتخابات المقبلة، لتوسيع دائرة الخدمات الدولة للمواطن.

خالد الحروب: حسني، هو يقول أن أوروبا خلقت نموذجها، أوروبا الموحدة الآن والتي تسير نحو التوحد خلقت نموذجها بناء على التعاون، بناء على مبادئ القانون، المفاوضات، التنازلات البينية والنزوع نحو السلم، وإطفاء كل توترات الحروب، فهذا هو النمط الذي يسمونه النمط كانط أو نمط التعاون الفيلسوف كانط، ويقول أنه هذا النموذج الخطر الأساسي عليه -كما يرى- هو شعور أوروبا بأن النموذج الأميركي القائم على القوة والسيطرة والفرض والعصا يهدد هذا النموذج القائم على التعاون، فهو يقول إن الفردوس الأوروبي يأتيه تهديد من نموذج آخر، وهنا مكمن خوف أوروبا مما يحدث في أميركا وتطور النزعة نزعة الغطرسة والقوة فيها، ويقول إن هذا النموذج نموذج (هوبز) القائم على طبعاً حرب الكل ضد الكل وأننا نعيش في شريعة غاب وذئاب يجب أن نتسلح ونقاوم أية مخاطر، ما تقديرك لهذا التحليل؟ إلى أي مدى هذا يصف الواقع، هل فعلاً أوروبا تعيش هذه الطوباوية الحالمة في عالم كانطي؟ أم أين.. أين هي الحقيقة.

حسني عبيد: وهو يذهب أبعد من ذلك يحار حتى أن يعطي أمثلة يقول ما.. عندما يسوق مثال إنه يقول إنه الولايات المتحدة هي مثل عندما يشبهها الأوروبيون بأفلام (الكاوبوي) برعاة البقر، لأن أحياناً.. أحياناً الخارجون عن القانون يعتبرون ربما أحسن أو أقل خطراً من.. من.. من (الشريف).. من الشرطي باعتبار أنهم ربما أتوا فقط لشرب كأس ما، في حين أنه الشرطي كل ما يعرفه هو فقط أن يضرب.. أو يقتل هؤلاء الخارجون عن القانون، ويشبه أوروبا بأن دورها هو دور فقط المحاسب التي تحاول أن تشتري.. وهي نقطة مهمة وخطيرة وخاصة الآن والولايات المتحدة الأميركية تقول إنه دور أوروبا يجب أن يقتصر على دفع الأموال، الآن الأميركيون يقولون إن أوروبا في.. مثل قضية الشرق الأوسط وقضية العراق لابد على أوروبا أن تدفع، يعني هناك فعلاً فكرة إنه أوروبا الغنية أوروبا الاقتصادية بما أنها لا تشارك عسكرياً فيمكن كذلك أن تلعب دور.. دور المحاسب، عندما أرجع إلى كانط وهوبز الأخطر من ذلك عندما يقول بأنه هل الفيلسوفين نظرتهما مختلفة لكن في النهاية يتلاقيان باعتبار أن لولا.. لولا هوبز كانط لا يمكن أن يعيش لا يمكن أن.. لا يمكن أن نستفيد من الرفاه الاقتصادي ونحن.. دون أن تستعمل القوة خارج إطار الرفاه الاقتصادي، أي لكي تكون مرفهاً داخلياً يجب أن لا تكون كذلك خارجياً، يجب أن تستعمل القوة، يعني مجتمع.. مجتمع كانط لابد له من هوبز، لكي يؤمن له الحدود الخارجية، لكي يؤمنه من الأعداء الخارجيين، وبالتالي هناك.. هناك علاقة ربما غير مباشرة بين مجتمع كانط، المجتمع الذي يؤمن بالقانون الدولي بالإنسانية، ومجتمع هوبز الذي يقول إن الإنسان.. الإنسان هو ذو نزعة شريرة أصلاً، وبالتالي لابد أن يكون دائماً فطناً وأنه فقط القوة والسلاح يمكن أن تضمن هذا..

خالد الحروب: لكن المشكلة في هذا الكلام -حسني- الذي أيضاً يقوله، لا أقول أن.. أنك تقول نفس كلام روبرت كيجان، المشكلة هو عندما فصل بين العالمين وقال أن الولايات المتحدة تطبق القانون وتسعى إلى القانون داخل العالم المتحضر بين قوسين، أما في خارج العالم المتحضر فهي تنزع إلى العصا والقوة، وفيه نزعة عنصرية واضحة أساساً يعني في موقعين يتحدث بنزعة عنصرية تستطيع أن تقولها وأنت مطمئن إنه يفصل إلى عالمين: عالم بدائي لا ينفع معه سوى القوة وعالم آخر متحضر ممكن أن نتفاهم في فضائه بقوانين وتعاملات من نوع مختلف.

عفيف صافية: خالد، اللذيذ في الطبقة الحاكمة في أميركا بأنهم لا يعترفوا بأنه عندهم مصالح، يعتبروا إنه عندهم مسؤوليات تجاه العالم وإدارة العالم، ولكن مثلما قلت لك أنا بأتصور هو بيمثل مدرسة ضمن مدرستين، ولكن السؤال هو التالي: أين العرب مثلاً في المعادلة الدولية؟ نحنا أصبحنا مفعول به، والمعادلة الآن هي التالية: ما فيه مصلحة لأي طرف ليصادقنا وما فيه مخاطرة لمن يعادينا، هاي هي النظرة لإلنا، وأنا أتصور إنه أيضاً نعيش إحنا في مرحلة دول عدم الانحياز أصبحت مش بالمكانة اللي كانت فيها في الستينات والخمسينات والسبعينات وإلى آخره، وكل هؤلاء اللعيبة العالم العربي، عدم الانحياز إلى آخره هو الحلفاء موضوعيين بالنظرة الأوروبية للعلاقات الدولية، ونحنا تناسبنا كعالم ثالث النظرة الأوروبية للتعامل مع المعطيات، والسؤال هو: أين نحن كعرب؟

نقطة أخرى أنا بأتصور آن الأوان في العالم العربي أن يكون لنا توجُّه للتعرف على المجتمع الأميركي، للأسف الدراسات الأميركية في العالم العربي، في الجامعات العربية كتير ضعيف إذا مش مفقود كلية، في وزارات الخارجية قلما ما موجود (ديسك) إدارة للشؤون الأميركية لمتابعة الأمور، التطورات الداخلية في أميركا، وأنا من أنصار..

خالد الحروب [مقاطعاً]: فيه هناك كاتب لترجمة الأبحاث الأميركية.

عفيف صافية: يا سيدي، ترجمة.. هذه ترجمة ركيكة لأبحاث تصدر وبيفتشوا عمَّن يقرأ، أنا تصوري يا سيدي للمستقبل متابعة ما يجري في (أريزونا) و(أيوا) و(داكودا) و(فلوريدا) في نفس مستوى أهمية إذا مش أكثر من متابعة زامبيا وجامبيا وهنغاريا وبلغاريا وإسبانيا، إيطاليا وحتى بريطانيا، بسبب نعيش في عالم ذات قطب واحد، وما يجري في الساحة الأميركية يهمنا جميعاً، وأنا أتصور يا سيدي إنه المجتمع الأميركي مهم جداً، وهو أمة مُشكَّلة من أمم، وعلينا أن نقول لهم ونُفهمهم بأنه عندما تنحاز أميركا في صراع إقليمي ما إلى طرف على حساب الآخرين، إنها أيضاً تستعدي جزء من المجتمع والنسيج المجتمعي الأميركاني نفسه، وأظن بأنه بإمكاننا إقناع الأميركان، بأنه في بعض الصراعات الإقليمية، سياسة عدم الانحياز يجب تكون السمة الواصفة للسياسة الأميركية، بسبب هذه التشكيلة، هي أميركا notion of nations دولة أمة مُشكَّلة من أمم..

خالد الحروب: إذن.. إذن عفيف..

عفيف صافية: وبإمكاننا نلعب (وضع) الجاليات وتحالف الجاليات.

خالد الحروب: على أهمية.. أهمية هذا الكلام فعلاً هو أو مركزيته يمكن قد يخرجنا عن سياق مناقشة الكتاب هو ذي صلة وثيقة طبعاً فيه.

أسأل حسني ينتقد هنا الفرنسيين وينتقد الحملة الرئاسية الفرنسية الأخيرة، التي فاز فيها (جاك شيراك) من أنه لم يكن في هذه الحملة في الحملات الانتخابية وفي الشعارات لم يكن أي إشارة لأحداث الحادي عشر من أيلول، وهذه ينتقدها ويقول أن يعني تصوروا في هذه الحملة الرئاسية الأوروبية لم يهتموا بضحايا مثلاً ولا منعكسات الحادي عشر من أيلول، فهذه السمة هذه المركزية الأميركية العالم والكون كله يجب أن يحوم حول الحدث الأميركي والواقعة الأميركية مهما كانت، ما تعليقك عليها وخاصة أنت أيضاً مُطَّلِع على.. على مجريات الحدث الفرنسي؟

حسني عبيدي: هو روبرت كيجان لديه انتقائية شديدة، هو ينتقي حتى الأمثلة، فمثلاً لما يتكلم على جاك شيراك يختار مقال صحفي نشر في جريدة "الفاينانشيال تايمز" نشره أحد معروف بقربه لجهات اليمين الأميركي اللي هو (دومينيك مونزي) فهذا المقال الصحفي يقول إنه الاهتمام كان فقط بالأمن في الأماكن التي فيها لا يوجد فيها أمن لأنه فيها المغتربين إلى غير ذلك، في حين لم تكن هناك إشارة للحادي عشر من سبتمبر، صحيح هناك مُشكل بقضية تصور بالنسبة لفرنسا كان هناك أول مقال، وعمل ضجة في فرنسا بعد في يوم 12 سبتمبر فيه مقال في جريدة "لوموند" اسمه "كلنا أميركيون" وعمل ضجة لأنه كثير من الاشتراكيين الفرنسيين قالوا نحنا لا نجد أنفسنا مع الولايات المتحدة الأميركية، فهناك تعاطف مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن عندما الخطاب تغير أصبح خطاب كيف يمكن أن نواجه العالم، وإنه أميركا في خطر، وبالتالي ليست فقط أميركا في خطر، وإنما الغرب ما يسمي.. سماه هو الـwest) ..) العالم الآن أصبح غرب فيجب أن نتكاتف جميعاً لمواجهة الإرهاب، بدأت تحفظات من الجانب الفرنسي كذلك من كل الجانب الأوروبي، فبالنسبة روبرت كيجان يقول: لماذا لم يتم الاعتماد على الحادي عشر من سبتمبر من أجل خلق جبهة موحدة، جبهة غربية لمعاداة كل ما هو ضد الولايات المتحدة الأميركية، وهذا يدفعني إلى سؤالك السابق حول قضية.. قضية العنصرية عنصرية روبرت كيجان أن روبرت كيجان يذهب بعيد، يقول حتى الأمم المتحدة أصبحت ليست غربية، يعني كلام خطير، يعني يقول الولايات المتحدة الأميركية ليست من الغرب، ومتى كانت الأمم المتحدة غربية، الأمم المتحدة هي مجمع دولي يضم كل الدول، فهو يقول إنه الأمم المتحدة لا يمكن حتى نعتمد عليها، لأنها تنكَّرت لنا وبالتالي حتى أوروبا يجب ألا تتنكر لنا ثم يبعد يذهب إلى قضية الحلف الأطلسي، ويقول: إنه لابد من تكون قضية الغربية هو الدفاع عن الغرب وأفكار الغرب تكون هي في محور العلاقة الولايات المتحدة الأميركية بأوروبا، فأعتقد إنه فيه.. فيه هناك أنانية زائد اللزوم لدى الولايات المتحدة الأميركية باعتبار أنه كل ما الخطر.. كل الأخطار المحدقة عليهم لابد أن تكون كذلك أن تكون أخطار محدقة على أوروبا، يعني قضية.. هناك تصور ما هو الخطر ما هو التهديد، هنا المشكلة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا في رأيي.

خالد الحروب: عفيف، بناء على هذه الملاحظة الأخيرة هو يتحدث وكأن هناك مخاطر ودول تقف على الحدود الأميركية، وتتهدد هذا الأمن القومي الأميركي، يشير إشارات عابرة إلى الصين إنه خلال عقود قادمة ربما تحدث، ما تقديرك يعني.. ما تقديرك إلى هذا الإجراءات الوقائية التسلح الوقائي لمخاطر قد تأتي وقد لا تأتي في المستقبل.

عفيف صافية: خالد، كيجان بيقول في الكتاب إنه للمخطط الأميركي إنه يكون عندهم المقدرة العسكرية لخوض أربع حروب في آن واحد في أماكن مختلفة من العالم، أوروبا لا تشعر هذه الضرورة، إذن هنالك تسلح ما يفوق الحاجة للدفاع عن المصالح الوطنية، وأنا أظن بأنه الصين في أحسن الأحوال ستصبح قوة إقليمية وليس قوة كوكبية، وخوفي على الصين من التحرش الأميركي بدلاً من خوفي على أميركا من التحرش الصيني، أنا بأتصور إنه هنالك استيراد للأيديولوجيا والكلامولوجيا الإسرائيلية حول الأمن وعدم الأمن في الساحة الأميركية، بزيارة أخيرة قبل سنة على أميركا فوجئت عند افتتاحي للإذاعات والتليفزيونات إلى آخره مدى تطابق الخطاب السياسي الأميركي الآن والإعلامي مع الكلامولوجيا الإسرائيلية، ولذا أعتبر هذه الكلامولوجيا مستوردة من إسرائيل لأميركا، لكي تبرر السياسة الأميركية، يعني ما.. ما عندك حتماً عندك تصور أنت إنه جزء كبير من الاستهلاك الأميركي استهلاكهم لخيرات العالم يفوق إنتاجهم لخيرات العالم..

خالد الحروب: صح.

عفيف صافية: إذن الفارق هذا يمولوه هيمنة وأداة الهيمنة هي الأداة العسكرية..

خالد الحروب: الأداة العسكرية.

عفيف صافية: اللي بيستعملوها في بعض الأحيان أو يلوحوا بها دون أن يستعملوها ببعض الأحيان الأخرى، وأنا أتمنى أنه أعيش في عالم استهلاك المجتمع.. أي مجتمع للخيرات هو يساوي إنتاجهم لهذه الخيرات..

خالد الحروب: إنتاجهم للخيرات.. نعم.. صح.

عفيف صافية: وليس أن تفوق بنسبة مئوية عالية جداً.

خالد الحروب: إذا عدنا إلى نقطة الأمم المتحدة لأنه ونتوسع فيها بعض الشيء، الكتاب كأنه يقول: على الولايات المتحدة أن تترك الأمم المتحدة تتركها لحالها سواء تحطمت أو تفككت إلى غير ذلك لأنه مصلحة الولايات المتحدة لا تكمن هناك، هي تكمن في الانفكاك من أية قيود دولية وغير دولية، لكن ما يتبادر للذهن هذا ينقلنا إلى مرحلة فوضى عالمية، يعني هل الفوضى العالمية ومن وجهة نظر مصلحة أميركية بحتة الآن، كأننا نفكر بنفس عقلية وآلية صانع القرار والمخطط الاستراتيجي الأميركي، هل الفوضى الأميركية بتحطيم هذه المؤسسات الدولية التي العالم قضى نصف قرن على بنائها، هل هو فعلاً من مصلحة الولايات المتحدة بحسب هذه الرؤية هذه الرؤية رؤية مدرسة على الأقل من مدارس الفكر الأميركي؟ حسني.

د. حسني عبيدي: والله أعتقد أنه التطورات الآن ولهذا الكتاب مهم، تطورات الأزمة العراقية الآن ربما ستخلق نوع من التغيير في ذهنية صانع القرار الأميركي، حتى وإن البارحة فيه مقالة صحفية لـ (ريتشارد بيرل) يمشي في نفس المسار، يقول: يا للخسارة الولايات المتحدة الأميركية تقوم بكل هذا الجهد الحربي ثم بعد ذلك تأتي الأمم المتحدة لتثني هذا لتثني يعني لتجني ثمار ما قمنا وكل الخسائر، فإذا كان استمرت الخسائر الآن الأميركية في العراق، فأعتقد ربما هناك تغيُّر استراتيجي، لكن الفكر الأساسي هو إنه أوروبا لم تقتصر على.. على مواجهة أو رفض كل سياسة أميركية، بل ذهبت حتى لوضع (فرامل) لها في مجلس الأمن باعتماد مجلس الأمن، وبالتالي فالفكرة، فلنترك مجلس الأمن باعتباره مجلس الأمن أصبح.. أصبح يحد من سياستنا التوسعية، أصبح يحد من سياستنا الخارجية، أنا أعتقد أنه الولايات المتحدة الأميركية، يعني هذا ليس من صانع القرار الأميركي، ربما صانع القرار الأميركي لا يفكر مثلي وربما لأنني ضعيف، وبالتالي عندما لا تكون لديك القوة وتصبح تفكيرك كما يقول تفكير ضعيف أو تفكير.. يعني القوة كما يقول طلبة القانون الدولي يقال لهم أن القانون هو سلاح الضعيف، فأعتقد إنه الولايات المتحدة الأميركية في كثير من الحالات طلبت.. طلبت معونة الأمم المتحدة، عندما تحتاج إلى ذلك، فالقضية الآن في.. قضية الولايات المتحدة الأميركية إذا استجابت الأمم المتحدة إلى مطالبها فأهلاً بها، لكن إذا لعبت دور.. الدور العاق فإنها ستكون عائق للولايات المتحدة الأميركية وبالتالي لابد أن نتخلص منها لصالح منظمة أخرى، الولايات المتحدة مستعدة أن تتخلى الإدارة الحالية إدارة (بوش) مشكلة إنه إدارة فعلاً أيديولوجية وهي مستعدة أن تتخلَّى عن الأمم المتحدة، وفعلاً في أفغانستان، في البوسنة،.. البوسنة يعني في البلقان اعتمدت على الحلف الأطلسي.

خالد الحروب: نعم، بقي معنا دقيقتين أو ثلاث لنختم فيها بتعليق سريع على خلاصة الكتاب، خلاصة الكتاب يعني بعد كل هذه الحملة الشرسة يعود يقول: دعونا نتصالح مع الأوروبيين، الشرخ قائم قائم، هناك حقيقة موضوعية يجب أن نعترف فيها وهي الهيمنة الأميركية، أيها الأوروبيون، اقتنعوا بهذا الواقع واعملوا تحته واقبلوه أي مخطط استراتيجي أي مخطط مستقبلي أي نظرة للمستقبل يجب أن تكون محكومة بهذه البوصلة، ما تعليقك على هذه الخلاصة وما تقديرك الشخصي أيضاً -عفيف- لمستقبل هذه العلاقة الأوروبية الأميركية؟

عفيف صافية: العلاقة ستستمر بتفاوت وبفترات زجزاج أوقات معقدة وأوقات أكثر سلاسة، وأظن بأنه بريطانيا لها خصوصية من ناحية أوروبا في اتجاه الأميركان، بما إنه بريطانيا بتعتبر نفسها الأم التي شاخت تجاه الابنة التي نجحت، إذن هناك ببريطانيا فيه اعتزاز إن هو نوعاً ما نابعين منا وكانوا مستعمرة لدينا وعندنا علاقة خاصة معهم، هذه نظرية أيضاً هنالك نقاش حولها، أوروبا الأخرى ما عندهاش نفس العلاقة العاطفية مع الولايات المتحدة، إذن أظن بأنه العلاقة ستبقى معقدة، وكما تفضلت أظن أنه البديل الوحيد للإنفراد والتفرد الأميركي في الساحة الدولية هو الأمم المتحدة، ومن مصلحة جميع اللاعبين الآخرين الالتفاف حول الأمم المتحدة كمؤسسة وكفكرة وكأيديولوجيا، السعي الواقعي لتحسينها وتطويرها بإدخال عناصر جديدة عليها، لأن هذا هو البديل العقلاني الوحيد للتفرد الأميركي.

خالد الحروب: بقي.. بقي معنا دقيقة للأخ حسني يعني في التعليق على هذه الخلاصة.

د. حسني عبيدي: بقي.. أنا أعتقد أنه الفكرة الجهنمية للكتاب هو لو فعلاً أوروبا استمعت إلى نصائح روبرت كيجان ففعلاً هي نهايتها الاقتصادية والسياسية والثقافية باعتبار إنه ولا دولة يمكن أن.. يمكن أن تنافس قوة الولايات المتحدة الأميركية وإذا كان أوروبا نجحت فهي لأنها تخلت مؤقتاً على الإنفاق العسكري بصيغته الأميركية.

خالد الحروب: شكراً جزيلاً، وأعزائي المشاهدين شكراً جزيلاً لكم أيضاً على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم الذي كان كتاب "الفردوس والقوة.. أميركا وأوروبا في النظام العالمي الجديد" من تأليف روبرت كيجان (الباحث والأكاديمي الأميركي اليميني)

وأشكر ضيفينا الأستاذ عفيف صافية (المثقف والسياسي الفلسطيني المقيم في بريطانيا ورئيس المفوضية الفلسطينية في لندن) والدكتور حسني عبيدي (مدير مركز الدراسات العربية والمتوسطية في جنيف) وإلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل مع جليس جديد هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.