مقدم الحلقة: خالد الحروب
ضيفا الحلقة: - عبد الوهاب بدرخان: نائب رئيس تحرير صحيفة الحياة
- د.سعيد الشهابي: كاتب وباحث
تاريخ الحلقة: 19/08/2002

- أنواع الرقابات المختلفة والتداخل فيما بينها
- موقف الحكومات والأنظمة العربية من الإعلام الحر

- ضرورة الرقابة الذاتية المسؤولة في الإعلام العربي

- انعكاس الصراع العربي الإسرائيلي على الرقابة العربية

- تجربة الصحافة العربية المهاجرة بين النجاح وتشويه الإعلام المحلي

- تكنولوجيا المعلومات وأثرها على إنهاء الرقابة في دول الخليج

- دور الفتوى في زيادة الرقابة في المجتمعات المسلمة

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم. نقرأ اليوم كتاباً بعنوان "الرقابة في المجتمعات الإسلامية" للكاتب البريطاني (تريفر موستين). يستعرض الكتاب الأوضاع البائسة لحرية التعبير والفكر في البلدان العربية والإسلامية، وينتقل بنا من مرارة إلى مرارة، ومن سقف منخفض إزاء الحرية إلى سقف آخر ينافسه انخفاضاً، فمن مصر والجزائر والسعودية إلى فلسطين ولبنان وسوريا، ثم إلى إيران وباكستان والخليج نتابع في هذا الكتاب حالات الإعلام الأسير والفكر المطارد والثقافة المقموعة، لكن هذا الوحش الرقابي المتربص بالطوق إلى الحرية ليس حكومي الوجه فحسب، بل إنه اجتماعي وثقافي ويتستر بالدين أحياناً. إنها صورة كابية بكل تأكيد تعاند عصراً يتسم بانفتاح مدهش في وسائل الإعلام وتبادل المعلومات.

على كل حال عناد الرقابة في بلاد العرب والمسلمين وكما يطرحه كتاب موستين هو ما سنناقشه اليوم مع ضيفينا العزيزين في الأستوديو الدكتور سعيد الشهابي (الكاتب والباحث المقيم في لندن)، والأستاذ عبد الوهاب بدرخان (نائب رئيس تحرير صحيفة "الحياة" في لندن أيضاً) فأهلاً وسهلاً بهما.

ولكن قبل أن نبدأ تصفح الكتاب ونقاشه لنتابع ما يقوله المؤلف نفسه حول الأفكار الرئيسية في كتابه.

القراءة التي يقدمها تريفر موستين في هذا الكتاب تأتي على أرضية متعاطفة مع المجتمعات الإسلامية وبعيدة عن مؤثرات الاستشراق التقليدي أو المقولات المسبقة والأفكار المقولبة عن هذه المجتمعات، لكن ذلك التعاطف لا يمنعه من تسجيل الانتقاد الحاد والواضح للأوضاع السوداوية التي تنتجها أنواع الرقابة المختلفة على الفكر والتعبير، لكن في البداية ما هي الأطروحة الأساسية في هذا الكتاب؟

تريفر موستين (مؤلف كتاب الرقابة في المجتمعات الإسلامية): الأطروحة الأساسية في كتابي هي أن تاريخ الإسلام اتسم بالتسامح الكبير مقارنةً بتاريخ المسيحية واليهودية، لكن الإسلام في الحقبة المتأخرة من أواخر القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين شهد مرحلة سلبية فيما يتعلق بالحجر على الفكر شبيهة بالمرحلة السلبية للمسيحية في القرون الوسطى.

خالد الحروب: يقتبس موستين مقولة عن (الكاردينال ولسي) في القرن السادس عشر، يقول فيها: "علينا أن ندمر الإعلام، وإلا فإن الإعلام سيدمرنا". فهل يشكل الإعلام الحر تهديداً للأنظمة والمجتمعات العربية؟

تريفر موستين: على العكس تماماً فقناعتي على الدوام هي أن الإعلام الحر يحقق أمناً أكثر لأي مجتمع، ليس هناك ما هو أكثر من خطراً من إخفاء الأمور تحت السجادة، فإخفاء أفكارك.. الأفكار الخلاقة والفكر والنقاشات سيؤدي إلى بروز التطرف، والتطرف يقود في غالب الأحيان إلى تطرف مسلح، بينما النقاشات الحرة والمجتمع الحر يظهر على الدوام مناخاً صحياً بشكل أكثر بكثير، وقد قابلت في العديد من البلدان العربية والمسلمة الكثيرين ممن هم تواقون للديمقراطية ويناضلون من أجل الديمقراطية، وأعتقد أن وجود مناخ ديمقراطي في الكثير من هذه البلدان سوف يكون صحياً.

خالد الحروب: يركز الكتاب خاصة في الفصول الأولى على عد من حالات الرقابة في مصر وإيران والجزائر وفلسطين والسعودية، لكن العالم الإسلامي أكبر من ذلك بكثير، فما المغزى من اختيار هذه البلدان؟

تريفر موستين: أعتقد أن دولاً مثل مصر والسعودية والجزائر وفلسطين ولبنان بالطبع هي البلدان أو المراكز التي تواصلت فيها التجربة الإعلامية الثقافية منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، وقد تواصلت تلك التجربة منذ غزو (نابليون) مصر، وهي تستمر الآن حتى تأسيس تليفزيون (الجزيرة) على سبيل المثال ومحطات التلفزة الأخرى، لهذا فهذه هي البلدان المركزية التي يتطور فيها الإعلام ويؤثر في التفكير الإسلامي.

خالد الحروب: لكن ما هي أنواع الرقابة الموجودة في العالم الإسلامي؟ وما هو أشدها سوءاً؟

تريفر موستين: هناك بوضوح أربعة أو خمسة أنواع من الرقابة حكومية، ثقافية، محلية، دينية، في كل البلدان التي غطيتها، ولكن أشعر أن أهم أنواع الرقابة وأكثرها تهديداً هو الرقابة المفروضة من أعلى أي الحكومية، وكلما أسافر إلى بلدان الخليج فإنني أُنصح دائماً بأن الالتزام بشرف المهنة الصحفية مهم جداً، وهذا يتضمن عدم التطرق لما يتعلق بالعائلات أو سوء استغلال الأطفال أو الدعارة أو المثلية الجنسية ومجموعة من القضايا الشخصية والاجتماعية التي يجد كثيرون صعوبة في مناقشتها بشكل علني، لكن ليس من المستحيل نقاشها، وبشكل مؤكد تقوم المنظمات غير الحكومية سواءً في دول الخليج أو في فلسطين أو في لبنان ومصر على سبيل المثال بالتعامل مع كل هذه القضايا المحرجة والصعبة اجتماعياً، وشعرت بأن الإعلام بدأ –ولو بحذر- بالتعامل مع هذه القضايا، لكن شعرت دائماً بأن الضغط الحكومي هو المشكلة الحقيقية وليس الضغوطات الاجتماعية أو الدينية.

خالد الحروب: يتعرض الكتاب لإنتاج الشعراء والأدباء مثل: نزار قباني، وسعد الله ونوس، ومحمود درويش وغيرهم وأثر هذا الإنتاج وعلاقته بالرقابة، وسألت موستين: ما هو الهدف من وراء ذلك؟ وما هو دور الشعراء والأدباء في كسر المناخ الرقابي في البلدان العربية؟

تريفر موستين: إن السر في الشعر هو أنك تستطيع قول الكثير من الأشياء التي يمكن أن تؤول بطريقتين أو ثلاث، ونزار قباني نُظِّمت له جنازة رسمية في دمشق رغم أنه كان ناقداً حاداً للنظام في سوريا، وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على أدونيس ومحمود درويش، فهؤلاء استطاعوا تمرير انتقادات خفية بواسطة الشعر، والتي رغم أن الحكومة كانت تفهمها إلا أنها كانت تتغاضى عنها لأنها تتخفى برمزية الشعر، ولكن من الجدير بالإضافة أيضاً أن الشعر له تقدير عظيم في المجتمعات العربية، وله أثر أكبر بكثير من أثره في المجتمعات الأوروبية والغربية، وله قوة غامضة في العالم العربي.

خالد الحروب: وعن الدور الذي تلعبه الفتوى في زيادة الرقابة والانطباع الذي أصبحت تتركه في الغرب يقول موستين.

تريفر موستين: أعتقد أن فكرة الفتوى أوجدت مناخاً من الخوف، وبالنسبة للغربيين فإن لفظة فتوى تُترجم عادةً على أنها حكم بالموت، وكما يعلم أي مسلم فإن كلمة فتوى تعني رأياً فقهياً أو قانونياً، وبرأيي فإن كلمة فتوى يجب ألا تتضمن معنىً مخيفاً، ولكن مع الأسف فإن هذا هو الذي يحدث، مثلاً في حالات نصر حامد أبو زيد، وتسليمه نسرين، وسلمان رشدي، وسعد الدين إبراهيم، إنه أمر مقلق بالطبع، فلو كنت صحفياً تريد أن تعيش حياةً عادية وتحافظ على عائلتك، ولكن تشعر بأن حياتك تتعرض لخطر بسبب كتابة شيء ما، فإن ذلك سوف يبعث على الخوف من الكتابة بحرية، وهذا بحد ذاته بالطبع أمر محزن للغاية.

أنواع الرقابات المختلفة والتداخل فيما بينها

خالد الحروب: أستاذ عبد الوهاب، في البداية طبعاً كما سمعنا موستين يذكر أنه هناك أنواع مختلفة من الرقابة ليس فقط رقابة حكومية، هناك أيضاً رقابة محلية واجتماعية ودينية وغيرها، وبرأيه أن الرقابة الحكومية الرقابة الفوقية من الأعلى إلى الأسفل هي أشد أنواع هذه الرقابات سوءاً، لكن قد يقول قائل أن هناك نوع من التحالف المتين بين أنواع الرقابات المختلفة، هو الذي ينتج الصورة السوداوية التي نراها الآن في العالم العربي والإسلامي.

عبد الوهاب بدرخان: يعني ما فيه شك إنه بدايةً الرقابة الحكومية يعني هي أول مؤسسة للرقابة عملياً تصبح داخل الحكم داخل الأجهزة ولكن أيضاً السلطة الدينية موجودة قبل الأنظمة، هناك السلطة الدينية التي كانت موجودة منذ وُجد الإسلام إذا كنا نتحدث عن الإسلام فقط، السلطة الدينية موجودة وهي تمارس رقابتها وتمارس رقابتها، وهنا يعني أريد أن أشير إلى نوع قد لا يكون موستين تطرق له وهو الرقابة التي يتعرض لها الناس في حياتهم الشخصية، يعني أنا بأعتبرها هذه أكثر يعني تأثير وأكثر قسوة من الرقابة مثلاً على المثقف أو على.. المثقف طبعاً لأن هو يمثل شيء في المجتمع رمز، وهو عنده وظيفة من أجل التوعية، من أجل يعني.. عنده.. عنده وظيفة ثقافية في المجتمع، بس المؤسسة الدينية هي التي أيضاً بدأت بممارسة رقابتها على المجتمع بشكل مباشر في حياتهم اليومية، في تصرفاتهم، في سلوكاتهم الشخصية، إذاً التنافس هون أكثر بين السلطة الدينية والسلطة الحكومية في رأيي.

خالد الحروب: شو رأي الدكتور سعيد يعني في أن كما يذكر الأستاذ عبد الوهاب أنه هناك أيضاً رقابة اجتماعية قد تتدخل في خصوصيات الأفراد، وهذا الذي فهمته وفي توجهاتهم وأفكارهم، فيما السلطة الرقابة الحكومية موجودة أيضاً هناك، لكن على المستوى البيني هناك سلطات أخرى رقابية.

د.سعيد الشهابي: طبعاً أنا أتفق مع الأستاذ عبد الوهاب فيما قاله في البداية بأن الرقابة السلطوية الحكومية هي أقوى الرقابات، وبالتالي فالرقابات الأخرى تأتي لاحقاً، وأيضاً أتفق معه أنه عندما قال بدأت السلطة الدينية، وكلمة بدأت بمعنى أن الرقابة الدينية لم تبدأ، يعني قبل 20 سنة، 30 سنة لم تكن هناك سلطة دينية قوية قادرة على أن تتحدث بلغة الإسلام أو يعني من منطلق الإسلام لمواجهة ما يُكتب عن الدين، إذا.. يمكن الأستاذ عبد الوهاب يتذكر البيت الشعري لنزار قباني:

في بلادي ممكن أن يكتب الإنسان ضد الله لا ضد الحكومة.

فإحنا إلى.. إلى وقت يعني قبل 20 سنة كان الكلام ضد الدين كثير قوي جداً قوي يعني، ومع ذلك كان ما يهم السلطات في الحفاظ على سمعتها ومنع أي انتقاد سياسي لما تمارسه، أما السلطة الاجتماعية فهي سلطة في كل المجتمعات، يعني في كل المجتمعات تقريباً هناك سلطة.

خالد الحروب: أي نعم، هنا اللجوء المقصود طبعاً حتى إنه وطبعاً هذا من دون الدفاع عن الحكومات ولا تبريراً للرقابة الحكومية بكل تأكيد، لكن إنه الشائع في.. في.. في الثقافة السياسية العربية هو شتيمة الرقابة الحكومية، وكأنها مصدر الوحيد لكل الشرور الرقابية في.. في مجتمعاتنا، لكن في نفس الوقت.

عبد الوهاب بدرخان: هو.. هي المسألة إنه الرقابة الحكومية فيما بعد تصادر كل الرقابات يعني وتستخدمها وتتبناها، يعني الرقابة التي توجد مثلاً على مستويات المدرسة في التعليم هي مزيج من.. من رقابة دينية، ورقابة اجتماعية، ورقابة حكومية، مزيج من.. من كل الأنواع، أيضاً الرقابة الدينية بمستويات التدريس الديني وماذا يريد رجال الدين أن يبثوا في المجتمع، الدولة تصادر ذلك إذا كان يخدمها، ونحن نشهد حالياً يعني أو دائماً أن هناك الدولة تصبح قوية عندما تتحد، أو يصبح النظام مستقراً عندما يتحد مع رجال الدين، وبتصير المشاكل لما يبلش في...

خالد الحروب: افتراق.

عبد الوهاب بدرخان: افتراق أو شيء آخر

خالد الحروب: كان فيه عملية توظيف، يعني إذا كان.. إذا استطاعت الحكومة مثلاً توظيف المؤسسة الدينية الرسمية لخدمة الأغراض السياسية يتضاعف.. تتضاعف المأساة الرقابية على.. على المجتمع، في حين…

عبد الوهاب بدرخان: يعني أنور السادات احتاج لفتوى من الأزهر لكي يمرر سلام كامب ديفيد.

خالد الحروب: أي نعم، وهذا صحيح.

د.سعيد الشهابي: هذا.. ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أن الحكومة بشكل عام تسعى لخدمة مصالحها عن طريق إيجاد تحالفات مع قوى، أحياناً مع قوى دينية، أحياناً مع قوى غير دينية، فأحياناً تستعمل الفتوى الدينية لتمرير مشروع سياسي، أحياناً يعني تُحرِّك بعض الكتاب غير الدينيين أيضاً لكتابة شيء يعني يثير الدينيين بشكل أو آخر ويضعف سلطتهم، فبالتالي أنا أعتقد إن الرقابة الحكومية هي الأساس، هي يعني الحكومات هي اللي تملك سلطة الرقابة، وإنما توظفها متى ما شاءت لخدمة سياساتها، فتارةً تدعم الدينيين وتستفيد من الموقف الديني، وتارةً تحرك الأطراف الأخرى لمواجهة المد الديني أيضاً، فبالتالي هي إحنا أمام.. أمام معضلة اسمها يعني حرية الرأي، وحرية الرأي أيضاً.. يجب أيضاً ألا نفصلها عن حرية التعبير، يجب أيضاً ألا نفصلها عن الديمقراطية وممارسة الديمقراطية، ولا يمكن أن تكون عندك حرية تعبير إذا لم تكن هناك درجة من الحرية السياسية.

موقف الحكومات والأنظمة العربية من الإعلام الحر

خالد الحروب: لكن دكتور.. دكتور سعيد، يعني موستين يقتبس اقتباس جميل عن (الكاردينال ولسي) في القرن السادس عشر وممكن ينطبق على أوضاعنا العربية الآن، لأنه انطبق على أوروبا الوسطى آنذاك، يقول الكاردينال: "علينا أن ندمر الإعلام –بهذا الوضوح- وإن لم ندمر الإعلام فسوف يدمرنا"، يعني نحن المؤسسة الحاكمة، المؤسسة الدينية، أو المؤسسة المتحالفة مع السلطة الحاكمة آنذاك، فالسؤال الآن يعني.. وإحنا سألنا عنه أيضاً موستين إنه هل هذا الخوف الكبير.. الرعب الذي تهجس به الحكومات والأنظمة العربية تجاه الإعلام الحر، هل هو فعلاً ممكن أن يهدد وجودها؟ يعني هل هذا الإعلام.. أنت تقول الديمقراطية والحرية، لكن هذا الإعلام سوف يدمر هذه الأنظمة إذا كان إعلاماً حراً مطلقاً.

د.سعيد الشهابي: هو موستين ذكر في مداخلته قبل قليل أن.. أن الأنظمة يجب أن لا تخاف من الإعلام، حرية التعبير المسؤولية يعني ليست خطراً حقيقياً على النظام السياسي، المشكلة إنما عندما يكون النظام السياسي ضعيف أو فاسد فيصبح غير قادر على تحمل الانتقادات، لا يقبل.. لا يسمح بحرية الرأي التي تنتقده بشكل أساسي، وبالتالي فهنا الإعلام ممكن أن يصبح يعني مثل ما هو موجود في دول في العالم يسمى الإعلام السلطة الرابعة، أو الخامسة، ما أعرف رقم كم، لكن في عالمنا عندما تكبح جماحها كما ذكر الكاردينال، ممكن أن تكون غير ذات معنى، واليوم في بلدانا الإعلام مؤمَّم بشكل مطلق، يعني ليس هناك في البلدان..

خالد الحروب [مقاطعاً]: لكن إذا أنا أردت أن يعني أطرح وجهة النظر الحكومية يعني، وأنا لست معها، الكلمة الخطيرة التي ذكرتها في.. في المداخلة، اللي هي الإعلام المسؤول، كلمة المسؤول، يعني تحتها خطين، لأنه هذه دايماً التعبير الحكومي، يقول لك نحن مع التعبير.. مع الإعلام الحر المسؤول، ومع الكلمة الحرة المسؤولة، المشكلة هذا المسؤول، تعريف كلمة المسؤول والمسؤولة يعني غامض جداً ومطاطي، وقد يُفسر على أكثر من وجه بحيث يقول لك أنه الإعلام المسؤول أن لا تنتقد مثلاً النظام الحاكم، ألا تنتقد العائلة الحاكمة، ألا تقترب من هذا الخط الأحمر أو ذاك، فما أعرف يعني رأي الأستاذ عبد الوهاب، لأنك أنت.. أنت في.. في معمعة هذا الإعلام المسؤول.

عبد الوهاب بدرخان: هو فيه اقتباس آخر في الكتاب أيضاً عن (أوسكار وايلد) الذي يقول: "الأخطر من.. من عدم المحكي عنه أنك.. الشيء الذي لا يُحكى عنه"، يعني.. يعني أفضل دائماً أن يكون فيه حوار، يكون فيه ملفات البلد مفتوحة قدام كل الناس، عشان يصير فيه تبادل أفكار ونقاش بالمجتمع كله، هذا الشيء طبعاً نحن نفتقده بالنسبة للإعلام المسؤول، أنا أعتقد إنه هذه تسمية يعني مطاطة، وخدعة.. خدعة، لكن يقال الإعلام المراقب ما فيه شيء اسمه إعلام مسؤول، لأن ما يكون المسؤول نفسه غير مؤهل للمسؤولية، وتبدأ بالتدرج بقى، يعني عندما يكون غير مؤهل، ويأتي بظروف، أو يأتي بوراثة، أو يأتي بأي شكل من الأشكال لابد أن يختار من هم مثله، الأخطر من ذلك يعني إذا لم نأخذها على مستوياتها الشخصية.. المؤهلات الشخصية، ولا أي دولة عربية –وهل نستطيع أن نعمم فنقول إسلامية- عملت من نفسها دولة قانون، بالمعني الذي نفهمه في الغرب، والذي أنا أؤيده، يعني عندما تقول دولة قانون لا تستطيع أن ترفض هذا المبدأ، لأنه القانون يفُترض يسري على الجميع بنسبة 90%، 80%، 100% جيد إنما..

خالد الحروب: إنما في فيه مرجعية يعني.

عبد الوهاب بدرخان: فيه.. فيه مرجعية.

خالد الحروب: فيه مرجعية قانونية يلتجيء الناس إليها عند الحاجة.

عبد الوهاب بدرخان: يعني المشكلة في.. في البلدان العربية أنه ما فيه شيء اسمه دولة القانون، وحتى عندما يكون هناك قانون لا يطبق، مثل الدساتير، الدساتير لا تطبق، كلها تقول فيه حرية تعبير، واحترام الحريات كلها، مش مخلين حرية ألا إما محترمينها بالدستور، إنما ولا أي حرية محترمة بتظل بالواقع، هذا.. هذا يعني إنه هذا النوع من الحرية بالأصل غير موجود بالثقافة، وهون.. هون يعني ربما يكون عنده حق موستين يسميها Censorship يعني الرقابة في المجتمعات الإسلامية، لأنه.. لأنه بالعموم إذا بدنا نعتبرها دراسة أكاديمية أو شبه أكاديمية، يعني فيه مجتمعات غير إسلامية، مسيحية أو.. أو غير مسيحية حصل فيها أنواع على الرقابة، ولا تزال يعني..

د.سعيد الشهابي: طبعاً أنا ممكن على المداخلة أستاذ.. الأستاذ عبد الوهاب حول.. يعني أنا طبعاً أتفق وياك بدون حدود مع ما تقوله عن عالمنا العربي، لكن ربما يعني شوية أبدي بعض الملاحظة على الكلام حول أن هنا في الغرب هناك حرية كاملة في مسألة التعبير، أنا أقول لا، أن الرقابة موجودة حتى في المجتمعات الغربية، الصحف الكبرى اليوم هنا تراعي كثير من المعايير عندما تغطي حتى لو.. يعني الصحيفة عندما تغطي حدثاً في بلدٍ ما تراعي التوزيع على الأقل، أقل تقدير هي مراعاة التوزيع، "الفايناشيال تايمز" قبل كام سنة صارت عندها مشكلة مع ماليزيا مثلاً، الآن في بريطانيا، أو في الغرب بشكل عام هل يستطيع أي كاتب أن ينكر وجود المحرقة.. محرقة النازية؟

خالد الحروب: الهولوكست.

د. سعيد الشهابي: الهولوكست؟ ما يستطيع.

خالد الحروب: لكن دكتور سعيد، طبعاً كلامك يعني ليس هناك حرية مطلقة، حتى في الغرب، وهذا جميعاً نتفق عليه، لكن المشكلة اللي هي في النسب.

د.سعيد الشهابي: نسب أيه؟

خالد الحروب: عندما نتكلم عن حرية نسبية، نحن نتكلم عن وضع صفري في المجتمعات العربية والإسلامية مقابل وضع يعني بالتأكيد متقدم إلى درجات عليا في.. في المجتمعات الغربية، لكن فيما يتعلق أيضاً بالحرية المسؤولة، نجد أنه هناك إذا.. إذا.. إذا تحول.. إذا صار في تحول ديمقراطي أو شبه ديمقراطي في دولة عربية أو مسلمة، وشبه فُجائي تنتج فجأة مجموعات هائلة من الصحف والإعلام.. وسائل الإعلام، إلى آخره، وتأتي هذه كلمة عدا الإعلام غير المسؤول، لأنك ترى أنه يخرج من تحت السطح كل العفن الذي كان موجوداً تحت البوستار، بين قوسين (الاستبدادي)، يعني..

عبد الوهاب بدرخان: علماً بإنه كان.. كان كمان فيه إعلام مسؤول في ذلك الوقت..

ضرورة الرقابة الذاتية المسؤولة في الإعلام العربي

خالد الحروب: أي بالضبط،كلامك صح، لكن الآن مثلاً المشاحنات الطائفية الخلافات الإثنية أحياناً، كل الولاءات القبلية هذه ترتد إلى الوراء، وتظهر.. وتظهر على السطح على شكل تعبيرات إعلامية، هذا أيضاً شيء مقلق، يعني كي.. يعني ما هو الخط الفاصل الذي يمكن أن ننتقل منه من وضع مستبد مطلق الاستبداد، وسيئ بالغ السوء كما نعيش الآن إلى وضع فيه حرية إعلامية، لكنها حرية إعلامية ومسؤولة ذاتياً، وليست حكومياً؟ وتراعي ما ذكرت أنت مثلاً، إنه الصحف تراعي اعتبارات أخرى، وهذه الحرفية مهنية يعني، ما.. يعني الأستاذ عبد الوهاب يمكن بحكم موقعك الصحفي أيضاً يعني.. يعني إلى أي مدى الرقابة الذاتية تكون مسؤولة ولا تثير مثل هذه.. ولا تساعد على إثارة مثل هذه النعرات مثلاً الطائفية والإثنية، ومن دون أن تستشير ولا أن تلقي بالاً، ولا أن تنتظر الرقابة الحكومية حتى تفرض عليها..

عبد الوهاب بدرخان: يعني الرقابة الذاتية أحياناً ضرورية، لازم الصحفي يكون مدرك إلى أي مدى الموضوع بين يديه خطير، يعني أو إنه الحدث خطير، ويجب أن يراعى فيه.. تراعى فيه المصطلحات، تراعى فيه مختلف الفئات، إنه تكون معبرة عنها، وهذا يعني ليس.. وليس متيسراً دائماً عندما تغطي حدثاً عربياً، هذا للأسف يعني، دائماً التغطية المسموح لك فيها هي فئوية، إلا إذا كنت تتكلم عن شأن مثلاً في.. في لبنان، في السودان، في بعض البلدان التي أصلاً هي أصبح فيها شيء من لا أقول حرية، وإنما تعدد الأصوات،

أما في العموم.. في العموم الرقابة الذاتية هي.. هي أساس المهنة عند الصحافي العربي، وهي التي تقتل المهنة.. المهنة حقيقة يعني، يعني الواحد يصير ما عنده رد فعل إذا سمع شيء، مفروض إنه فوراً يعرف إنه هذه فيها حدث، فيها حدث، يجب ملاحقته، ويجب فتح الخلفية التاريخية إذا.. إذا كان لها خلفية تاريخية، يجب سؤال هذا الطرف، وهذا الطرف، وهذا الطرف، كل ذلك نحن إلى حدٍ ما فقدنا هذا النوع من الـ refelects

خالد الحروب: يعني وأضيف على ذلك، يعني يشتهر في الإعلام العربي المسؤول ذاتياً لفظ المبني للمجهول، ويعني.. وهو أيضاً لفظ غريب جداً، يعني كأنه ليس هناك فاعل، تغييب الفاعل، إنه مثلاً قُمعت مظاهرة في العاصمة الفلانية..

عبد الوهاب بدرخان: مَنْ اللي قمعها؟

خالد الحروب: كأنه الذي قمعها يعني كائنات غريبة من كوكب آخر يعني!!

عبد الوهاب بدرخان: قمعت نفسها.

خالد الحروب: سُجن.. سجن الكاتب الفلاني، سُجن لنفسه.

عبد الوهاب بدرخان: أو.. أو قمعت نفسها بنفسها يا رجل.

خالد الحروب: أو قمعت نفسها بنفسها. لكن دكتور سعيد، في.. يذكر موستن في فصلٍ جميل، الفصل الثامن عن العصر الذهبي الإسلامي، العصور الذهبية، القرون الخالية من القرن الرابع الهجري إلى السادس الهجري ربما، ويذكر أنه كيف كانت حرية التعبير، وهذا بيقول "وما ذكرناه من تحالف رقابي، سواء حكومي أو اجتماعي، أو ديني في حدوده الدنيا"، ويُدهش القارئ يعني عندما تطالع أنه كانت يعني.. على مختلف المجالات سواء سياسياً أو اجتماعياً أو فنياً وأدبياً أو فكرياً، يتجادل المفكرون أمام.. أمام العلماء والخلفاء حول وجود الخالق حول كل القضايا المختلفة، أشياء أحياناً لا نتصورها الآن في مجتمعاتنا العربية، وكأنه يعني بعد مرور عشرة قرون أو كذا نعود إلى.. إلى الخلف.

د. سعيد الشهابي: يعني المشكلة يا أستاذ خالد هي مسألة القوة والضعف، القوة السياسية للسلطة، يعني عندما نتحدث الآن عن الغرب، ونقول أن هناك قدراً من الحرية لا بأس به، فإنه ذلك بسبب قوة النظام، قوة المؤسسة، في بلدانا المؤسسة تشعر إنها ضعيفة، سواء المؤسسة الدينية أو المؤسسة السياسية وبالتالي في.. في الوقت اللي مثلاً الزنادقة كانوا يذهبون إلى المساجد، ويتناقشون ويناقشون إمام ذلك العصر في وجود الخالق، هذا الآن لا يمكن أن يحدث ليس لأن الدين تغير أو لأن المفاهيم الدينية أصبحت أضعف، ولأن المؤسسة ككل مجتمعة بما فيها الجانب السياسي والديني بشكل عام في عالمنا أصبح ضعيفاً، فعندما سادت دولة الإسلام في العصر الذهبي، الدولة لا تخشى من شيء مهما قيل فهناك نظام، وهناك قوة، وهناك سلطة سياسية واقتصادية ودينية قوية وبالتالي ما يقوله الهراطق.. الهراطقة أو الزنادقة لا يؤثر على البنية القائمة اليوم وضع.. الوضع ضعيف وهش، فالآية التي تقول

خالد الحروب: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ...)

د. سعيد الشهابي: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) هاي المشكلة يعني..

انعكاس الصراع العربي الإسرائيلي على الرقابة العربية

خالد الحروب: يعني وكأنه فيه علاقة طردية.. علاقة وثيقة وطردية بين ثقة الحضارة المعينة أو حضارة.. ثقة الدولة المعينة بنفسها وبمتانتها، وبين حرية التعبير وانخفاض الرقابة و.. وسوى ذلك، يذكر موستين أيضاً فيما يتعلق بالرقابة الأثر الخارجي، وخصص فصل عن فلسطين، ويعكس.. يقرأ انعكاس المسألة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي على وجود الرقابة في المجتمعات العربية، على الأقل المجاورة، وهو يقرأ يعني قراءة.. يرى أثر واضح وكبير لوجود إسرائيل على تخلف الوضع الرقابي في المنطقة العربية، أستاذ عبد الوهاب، ما رأيك في.. في هذه القراءة إنه يعني.. لأنه أحياناً كأنه مبرر وعذر، يعني وقرأنا عن ذلك، وسمعنا عن ذلك، كيف إن وجود إسرائيل هو سبب كذا.. وكذا.. وكذا، والأنظمة الحاكمة مرتاحة إلى هذا العذر، يعني وتشكره ربما سراً، إنه هذا يوفر لها.. يوفر عليها وجع الدماغ، حرية الإعلام وسوى ذلك.

عبد الوهاب بدرخان: واضح إنه الموضوع الإسرائيلي كان دائماً يعني حافز للرقابة، ليش؟ لأنه أصلاً لم نشهد انتصارات عظيمة، دائماً كانت القضية مفتوحة على احتمالات الاتفاقات تحت الطاولة أو السرية، وبالتالي الحاكم كان دائماً يريد أن يترك لنفسه هامش المناورة، بالنسبة للحلول والتسويات، وهذا يجب أن يخفيه عن مجتمعه، وإذا كان هناك أشياء عسكرية أو أمنية، فكان أيضاً يريد أن يخيفها.

ثالثاً: كان هذا الموضوع الفلسطيني دائماً هو موضوع يوحد المجتمع عموماً، وتوحيد المجتمع.. توحيد كلمة المجتمع تخيف الحاكم، يعني اليوم إذا اتفقوا مش على فلسطين، اتفقوا على إنه هناك غلاء في الأسعار، الحاكم سيخاف، يريد أن يكسر هذا.. هذه الوحدة، يريد أن.. يريد فئة في المجتمع أن تقول لا ليس هناك غلاء، هناك.. يعني السعر منطقي، لأنه السوق يفترض ذلك، إذاً وجود إسرائيل، وبهذا الشكل، خصوصاً أن إسرائيل يعني لم تكن مثلاً دولة مريحة للسعودية، للمغرب، للجزائر، لم تكن دولة مريحة، كانت دولة تشعر الجميع بأنها موجودة هنا لتجسس عليهم وهي فعلت ذلك فعلاً، وبالتالي المأساة الفلسطينية القادة الفلسطينيين إلى كل المجتمعات العربية، انتشروا في كل المجتمعات العربية، وبالتالي أصبح هناك عيون إسرائيلية تتجسس عليهم في كل عاصمة، وفي كل بلد عربي، يعني العرب كلهم شعروا إنه الإسرائيليين موجودين عندهم، وبالتالي هذا الشيء كمان يشدد أكثر من قبضة الحاكم، وتحكماً اشتدت القبضة أمنياً، لابد أنها هناك رقابة سترافق ذلك تلقائياً.

خالد الحروب: إذا سحبنا هذا العنصر الخارجي، إسرائيل كعنصر خارجي مؤثر على الأوضاع الرقابية في المجتمعات العربية، إذا سحبناه أكثر يعني، ووسعناه أكثر إلى عناصر خارجية أخرى، مثل منظمات حقوق الإنسان طبعاً، والمنظمات التي تطالب بالحرية الإعلامية والصحفية في المجتمعات العربية المسلمة، ومعظمها مستقر في الغرب، الآن يُنظر إلى هذه الدعوات دائماً وإلى هذه المنظمات نظرة ريبة وشك، إن هذه يعني قادمة من الغرب، وهي تريد أن.. عندها أجندات خاصة، ربما تتآمر على هذا الجانب أو ذاك في هذا المجتمعات، وسوى ذلك، أستاذ.. دكتور سعيد، يعني ما هو أثر هذه المنظمات؟ هل.. هل بالإمكان أن يكون الأثر الخارجي عنده مفعول في كسر حدة الرقابة في هذه المجتمعات أم قد يكون عنده أثر معاكس؟ إنه حتى يجمِّع الناس المضطهدين ضد ما هو قادم من الخارج بتهمة التآمر، أو الشك بأنه غربي أو قادم لأهداف خاصة؟

د. سعيد الشهابي: هو لا شك أن يعني اهتمام المنظمات الدولية بالأوضاع العربية، من قمع للحريات العامة، من رقابة صارمة من منح الحريات، حرية التعبير وما شابه، لا شك أن لهذا الاهتمام أثره الإيجابي، وأعتقد أن الحكومات العربية اليوم تخاف يعني عندما يصدر قرار أو بيان أو تصريح من منظمة حول انتهاك حقوق الإنسان، حول مصادرة حرية تعبير، حول إغلاق صحيفة، هذا يقلقها كثير، خصوصاً أنها تريد أن توازن بين القمع الذي تمارسه، وحسن الصيت والسمعة في الخارج، وهي أيضاً يعني.. الغرب أيضاً لا يريد وباستمرار أن تكون هذه الحكومات الصديقة عبئاً عليه، وعبئاً أخلاقياً عليه، وبالتالي فتدخل المنظمات

إيجابي، بس هناك أيضاً مشكلة أخرى، أن هذا التدخل له محاذيره أيضاً، فهذه المنظمات أيضاً أحياناً لا تراعي الأوضاع المحلية والخاصة، وأيضاً يعني حتى الكتاب الذي أمام.. أمامنا الآن هو كتاب بمجمله كتاب إيجابي، لكن أيضاً هو يقع في فخ محظور التعميم الذي لا يراعي بعض الخصوصيات.

خالد الحروب: على.. على الأقل دكتور سعيد، على الأقل يعني فيما يتعلق بالمنظمات الخارجية والضغط الخارجي هذا، إنه علينا أن.. التفريق يعني، وليس إطلاق تعميمات إنه هذا.. كل.. كل هذه المنظمات عندها أجندات خاصة، كلها عندها.. تريد أن تتآمر على المجتمعات العربية والإسلامية، وتريد أن تدمرها يعني من الداخل وتفجرها وغير ذلك أحيانا من المقولات.. من مقولات صعبة، لكن إذا بقينا أيضاً في الخارج، وهنا أسأل الأستاذ عبد الوهاب بحكم تجربته، في الخارج عندنا محاولة عربية واسعة وكبيرة جداً للهروب من الرقابة العربية، اللي هي الصحافة العربية المهاجرة، وحاولت أن.. أن تخلق حالة بديلة نوعا من تستثمر الفضاء المفتوح في الغرب هذا، وتنتج مادة إعلامية ليست لها نظير أو غير متشابهة مع ما ينتج في البلدان العربية، الآن سؤالي عن تقييم هذه التجربة، لأن الكثيرين ينظرون إليها على أنها مجرد شقيقة مشوهة للإعلام المحلي، لم.. لم تضف شيئاً يعني.

تجربة الصحافة العربية المهاجرة بين النجاح وتشويه الإعلام المحلي

عبد الوهاب بدرخان: أيوه أحياناً هي يعني الإعلام المحلي أجرأ منها، أحياناً الإعلام المحلي أجرأ من الصحافة الموجودة في الخارج، لأنه الصحافة الموجودة في الخارج محكومة بقيود أكبر، يعني إذا لم تراعي متطلبات الرقابة فهي لن تستطيع أن تظهر في السوق، هذا بكل بساطة، يعني بقرار بسيط من موظف يفهم أو ما بيفهم ممكن إنه يخلي شغل 100، 200 شخص ساهموا في هذا العدد من الجريدة يمكن أن يجعلهم في الـ(.........) ويحرق، يعني المسألة المعادلة جداً غير متكافئة، وليس هناك أي مجال للمساومة في ذلك، إنما تحاول طبعاً يعني كما تحاول الصحف المحلية أن تتميز محليا بأمورها، نحاول نحن أن نتميز دبلوماسياً وخارجيا وبالأمور التي نراها من لندن، يعني كما نرى العالم العربي من لندن نحاول أن نعبر عن هذه النظرة قدر الإمكان دون أن نصطدم بالرقابة لأنه نعتقد أنه هناك كمية من المعلومات أو كمية من المعرفة ممكن أن تكون في هذا العدد من جريدة كذا أو كذا "الحياة" أم "الشرق الأوسط" أم أي جريدة، تستأهل أن نمارس الرقابة الذاتية من أجل إيصالها، لأنه يعني هذا يعني بس من قبل التفاؤل، على أساس.

خالد الحروب[مقاطعاً]: أي نعم، رأي الدكتور.. أي نعم.

عبد الوهاب بدرخان: على أساس أن تراقب شيء من المعلومات من دون أن نصطدم يوميا بالرقابة.

خالد الحروب: ما هذه المشكلة.. المشكلة إنه يعني عدم الرغبة في الصدام والدبلوماسية يعني الزائدة التي ينتهجها الإعلام العربي المهاجر يعني يؤول به إلى ما أنه فقدان الفاعلية والتأثير، وينتهي في نهاية المطاف إلى.. في حضن الرقيب العربي يعني مرعياً وآمناً ومستتباً، أيضاً الدكتور سعيد يعني عنده تجربة في الإعلام الغربي.. العربي المهاجر، فما أعرف إذا كان عنده انطباعات في.. أو من تجربته الخاصة، هل أثر هذا الإعلام في رفع سقف الحريات في العالم العربي؟ هل كان له تأثير معين خاصة في ضوء النقد المتواصل ضد هذا الإعلام والذي يقول إنه الأصوات الجريئة الآن والأصوات مثلاً التي كسرت الأسقف الإعلامية المنخفضة، تأتي من المنطقة ولا تأتي من الخارج، هي.. هي أصوات محلية لأي سبب كان، لسبب أو لآخر، لكن المحصلة إنها تأتي من داخل المنطقة العربية وليس من الخارج.

د. سعيد الشهابي: يعني تجربة الصحافة العربية المهاجرة فيها شيء من الإيجابيات وفيها كثير من السلبيات وكما تفضل الأستاذ عبد الوهاب فهناك هذه الصحافة تراعي كثير من المعايير التي أحياناً الصحافة المحلية لا تراعيها، فالصحيفة اللي تصدر في الخارج تكاليفها كثير.. كثيرة يعني، و بالتالي لا تريد أن تخسر في كل يوم أو في كل أسبوع تمنع 3 أو 4 مرات، مصاريف جداً هائلة، الإعلان ضعيف.. الإعلان يتوجه في كثير من الأحيان.. في أغلب الأحيان إلى الصحافة المحلية ولا يتوجه إلى الصحافة العربية المهاجرة، هذه كلها اعتبارات تأخذها الصحيفة بعين الاعتبار، لكن أظن أنه الآن يعني في.. بعد أن وصلت الصحافة المهاجرة إلى تقريباً السقف ما أظن بعد تستطيع أن تتمدد أكثر، هناك إمكان لاستردادها بالتطور التكنولوجي الحاصل، الآن يعني في الماضي الصحيفة...

خالد الحروب[مقاطعاً]: يعني هل أثرت على السقف الإعلامي هذا هو السؤال المركزي؟ إنه مثلاً إحنا فيه عندنا رقابة وهذا الذي نناقشه بالكتاب، سقف رقابي منخفض متدهور، الهاجس الكبير إنه هذا الصحافة التي أرادت أن تبحث عن الحرية، هل بحثت عنها ثم صدرتها إلى المنطقة؟ هل أثرت في السقف الإعلامي بشيء ما، ربما كانت هي مثلاً عامل من العوامل المحفزة لبروز حتى الأصوات الجريئة الآن مثلاً في المنطقة ربما..

د. سعيد الشهابي: أنا أعتقد إنه يعني تماماً.. يعني ما أعتقد إنها تماماً فشلت يعني، من المؤكد أنا أعتقد أن الأقلام التي كتبت في هذه الصحافة، والجرأة التي كان لدى بعضها أكيد انعكس كل ذلك على الوضع الداخلي، على الكتاب في المنطقة، وبالتالي وأحد العوامل لرفع سقف في المنطقة يعود إلى الصحافة المهاجرة لكن يعني لا يشكل الجانب الأكبر منها.. منها.

خالد الحروب: وأنا أسأل...

عبد الوهاب بدرخان: أيوه بس أنا يعني الموضوع.

خالد الحروب: تفضل.

عبد الوهاب بدرخان: الصحافة المهاجرة حافظت على شيء من الـ panarabesm يعني هي اللي بقيت ذات انتشار عربي.

خالد الحروب: يعني القضايا العربية الممتدة.

عبد الوهاب بدرخان: يعني هي التي بقيت تعطي للقارئ في العالم العربي النظرة الشاملة للعالم العربي، وهذا كان افتقد، لأنه كان بالأول يعتمد شوية على الصحافة اللبنانية في ذلك، وبعدين لما انهارت الصحافة اللبنانية وصار فيه صحافة في لندن وفي باريس، هي صارت هي المجبورة أصلاً تكون صحافة عربية، لأنه هي لا تنتمي جغرافيا..

خالد الحروب[مقاطعاً]: هي ليست محلية الطابع، إذا فتحت صفحة الغلاف لن.. لن تستطيع.. أن (...) منسوب إلى هذا البلد أو ذاك

عبد الوهاب بدرخان: بهذا المعنى.. بهذا المعنى إذا أردت ظل هناك هذا السقف العروبي العربي اللي كان هناك هرب من الحكومات المحلية منه إلى.. إلى الأمور المحلية، يعني كان هناك هرب من السقف العربي في.. في فترات معينة، ولكن أنا أعتقد إعلامياً الذي رفع السقف، بدون أي شك هي الفضائيات.

خالد الحروب: الفضائيات العربية، نعم.

عبد الوهاب بدرخان: لأن عندما بدأت الفضائيات بدأت السقف يرتفع، في هذا.. في هذا الوقت يعني واكبت الصحافة المهاجرة شيئاً ما.

خالد الحروب: استفادت من هذا السقف بعض الشيء.

عبد الوهاب بدرخان: لم تستطيع أن تكمل.. لم تستطع أن تكمل.

تكنولوجيا المعلومات وأثرها على إنهاء الرقابة في دول الخليج

خالد الحروب: طيب فيما يتعلق بمنطقة الخليج بيذكر موستين يقتبس عن أحد وزراء الإعلام الخليجيين قوله سنة 2000 بأنه الإعلام.. بأن الرقابة في دول الخليج ربما الأكثر رقابة في المنطقة العربية سوف تنتهي بعد 5 سنوات، يعني تصريح ربما كان متفائلا آنذاك، لكن لأنه الآن مرت على الأقل نصف الفترة، فما تعليق الدكتور سعيد يعني السبب.. سبب ذلك سبب التوقيع هو الإنترنت والذي ذكرته تكنولوجيا المعلومات وسهولة تبادل المعلومات.

د. سعيد الشهابي: هو رفع الرقابة يعني لن يتحقق، لا بعد 5 سنوات ولا بعد 10 سنوات، لأن الإعلام الحر لا يمكن أن يسمح به في إذا.. إذا كان وضعه السياسي غير مستعد للتعايش مع هذا الإعلام، وبالتالي الرقابة بالمعنى الذي.. الذي نفهمه بمعنى مصادرة ما لا يعجبنا هذا لن ينتهي، إنما سيتم تجاوز ذلك من خلال الوسائل التكنولوجية الحديثة الإنترنت و كذا، وهذا سيمثل تحدي كبير للأنظمة في الخليج، أما أن يعني يأتي اليوم في المستقبل المنظور في خلال 5 أو 10 سنوات الذي نرى أن الصحيفة والمجلة التي تصدر في الخارج والتي تتحدث بطلاقة وبموضوعية أيضاً يسمح لها بدون حدود، أنا لا أظن أن ذلك سيحدث قريباً.

خالد الحروب: في نفس الوضع الخليجي، والأستاذ عبد الوهاب يذكر يعني اقتباس.. اقتباس الحقيقة يعني يشعر المرء بالأسى إنه عن أحد رؤساء تحرير الصحف الخليجية الناطقة باللغة الإنجليزية التي موجهة إلى جمهور آخر، وهذا رئيس التحرير غير عربي من القارة الهندية، فيقول إنه يعني أنا هو الذي يحدد ما هو مهم وما هو غير مهم في السياسة، فأنا أكتب الافتتاحية كما أشاء، أنا أرى إنه الموضوع الفلاني هو المهم، فأنا أرى إنه الموضوع الفلاني هو المهم، فأنا أكتب عنه الخبر الأساسي، المانشيت العريض إلى آخره، فتجد أيضاً إنه المشكلة ليست فقط رقابية وحسب، بل أيضاً مهنية وعندها علاقة بالكفاءات يعني، عندما يحدد شخص آخر، يعني حتى غير عربي مثلاً أجندة ما هو مهم أو ما هو غير مهم في السياسة وعلى الصفحات الأساسية للصحيفة الإنجليزي رقم واحد في ذلك البلد، تجد إنه يعني فيه شيء ما خطأ.

عبد الوهاب بدرخان: على أي حال يعني هي الجرائد الإنجليزية في منطقة الخليج تتوجه خصوصا للجاليات يعني، وبالتالي إنه صاحب الجريدة بيترك لمدير التحرير أو رئيس التحرير التنفيذي أمر التعاطي مع قرائه، إنما طبعاً هناك حقيقة معروفة، إنه معظم ما يسمى رؤساء التحرير لا يكتبون بالعربية، ولكنهم يكتبون أيضاً بالإنجليزية، ولديهم من الكتاب أكثر مما لديهم من القراء.

د. سعيد الشهابي: بس فيه نقطة هنا على هذا الموضوع، كما ذكر الأستاذ عبد الوهاب إن القراء هم نوع.. نوع آخر يعني، موجهة.. الإعلام الخليجي باللغة الإنجليزية موجه للجاليات، وربما يكون أيضاً يعني قد يقرؤه بعض المثقفين الخليجيين، وهؤلاء المثقفون الخليجيون هم يحصلون على هذه المعلومات من BBC ومن غيرها، وبالتالي فمسموح، يعني الآن لو.. لو تفتح تقارن بين صحيفتين تصدران في دولة خليجية وإحداهما بالعربية والأخرى بالإنجليزية ستشاهد أن هناك فارقاً.

خالد الحروب: فرق كبير.

سعيد الشهابي: صارخ.

دور الفتوى في زيادة الرقابة في المجتمعات المسلمة

خالد الحروب: طب لكن دكتور سعيد، بدنا يعني آخر سؤال نختم فيه على الموضوع اللي يعني وبإيجاز موضوع الفتوى لأنه موضوع مهم، فإذا يعني هو يقول إنه هذا الفتوى أصبحت كأنها سيف مسلط على.. على رؤوس الأدباء والمبدعين في المنطقة العربية والإسلامية وعدد حالات من بنجلاديش تسليمه نسرين إلى مصر نصر حامد أبو زيد، إلى أحياناً في لبنان مارسيل خليفة المشكلة حول الأغنية إلى آخره، ما هو دور الفتوى في زيادة الرقابة في المجتمعات المسلمة دكتور سعيد بإيجاز.

د. سعيد الشهابي: يعني أولاً أنا لا أعتقدان من الضروري أن تكون هناك فتوى حول كل من قال كلمة، فالدين أقوى.. دين الإسلام أقوى من أن يهدم بكتاب أو بكلمة، طبعاً لابد أن يكونه هناك احترام للمقدسات الإسلامية والشخصيات والنبي –عليه أفضل افضل.. افضل الصلاة والسلام- والصحابة، وبالتالي لا يجب أن تكون كما ذكرت سابقا أنت الصحافة المسؤولة حالة المسؤولين يجب أن تكون ثابتة ومتكرسة في أذهاننا، لكي لا نتحدى المجتمع، بس أيضاً حالات.. الحالات اللي استخدمت فيها الفتوى هي قليلة، إحنا نتكلم عن 3 أو 4 حالات، وإنما يجري تضخيمها كثيراً يعني.

خالد الحروب: هذا صحيح، يا سيدي شكراً جزيلا، وعليَّ أن أتوقف الآن، وأعزائي المشاهدين بهذا التعليق الأخير نقلب الصفحة النهائية من جليس هذا اليوم الذي كان "الرقابة في المجتمعات الإسلامية" للكاتب البريطاني (تريفر موستين) شاكرين لكم مرافقتكم لنا هذا الجليس وممتنين لضيفينا العزيزين في الأستوديو الدكتور سعيد الشهابي (الكاتب والباحث المقيم في لندن) وكذلك الأستاذ عبد الوهاب بدرخان (نائب رئيس تحرير صحيفة الحياة في لندن)، وعلى أمل أن نجالسكم في الأسبوع المقبل مع جليس جديد، هذه تحية من فريق البرنامج ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.