مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

د. غادة كرمي: مؤلفة الكتاب
دلال طاهري: باحثة في جامعة كامبردج البريطانية

تاريخ الحلقة:

25/11/2002

- فاطمة في طرح مؤلفة الكتاب للقضية الفلسطينية
- أحداث احتلال فلسطين في عيون طفلة فلسطينية

- نظرة الفلسطينيين لليهود قبيل الاحتلال

- انتقال أسرة غادة كرمي إلى إنجلترا وكيفية التعامل مع المجتمع الجديد

- تأثير حربي السويس و67 على نظرة غادة كرمي للمجتمع الغربي

- البحث عن فاطمة.. والعودة إلى القدس

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم.

الكتابة عن فلسطين لا تنتهي، سياسة كان أم أدباً، بالعربية كانت أم بغيرها، وأن يجمع كتاب ما السياسة والتاريخ والأدب والترحال على شكل سيرة ذاتية لطفلة أجبرت وأهلها على مغادرة القدس، يخاطب ما هو إنساني عند الآخر، فإن ذلك يحتاج إلى وقفة.

كتابة السيرة الذاتية من جهتها فن يحتاج إلى براعة متميزة، وإذ تختلط السيرة برصد تحولات تاريخية ومصيرية شكلت الإطار العام لصيرورة الأحداث التي عاشها الفرد المعني صاحب السيرة تصبح البراعة مضاعفة.

جليسنا هذا اليوم كتاب يجمع ذلك من أطرافه كلها، عنوانه "البحث عن فاطمة" قصة فلسطينية، محطاته: القدس، ودمشق، ولندن، ثم الانسياح في عوالم المجهول، مؤلفته وصاحبة السيرة فيه هي الدكتورة غادة الكرمي (الأكاديمية والناشطة الفلسطينية المقيمة في بريطانيا) والتي أستضيفها هنا في الأستوديو، فأهلاً وسهلاً بها.

د. غادة كرمي: أهلاً.

خالد الحروب: أهلين غادة، ضيفتنا الأخرى الباحثة عن فاطمة أيضاً والتي ستناقش معنا الكتاب هي الأكاديمية الجزائرية دلال طاهري (الباحثة في جامعة كامبردج) فأهلاً وسهلاً بها أيضاً، أهلين دلال. غادة، من هي فاطمة؟

فاطمة في طرح مؤلفة الكتاب للقضية الفلسطينية

د. غادة كرمي: يعني اللي بده يعرف الجواب لهذا السؤال يجب أن يقرأ الكتاب، ولكن طبعاً في الواقع فاطمة كانت شخص حقيقي وأيضاً هي رمز، الشخص الحقيقي كانت فاطمة فلاحة من قرية فلسطينية خارج القدس، كانت في بيتنا في.. في القدس، تساعد أمي في الطبخ والتنظيف و.. وأيضاً ربت.. يعني شبه ربتني أنا، ليس لأنها مربية ولكن كانت موجودة عندنا، كنت أحبها كتير والحقيقة ربتني وأنا صغيرة، واضطريت أفارقها لما تركنا القدس.

خالد الحروب: أسأل دلال، دلال يعني كقارئة للكتاب وقارئة.. لأكثر من.. من سيرة ذاتية وعندك ها المسافة من.. عن الحدث وقرأت على غلاف الكتاب البحث عن فاطمة ثم قرأتِ الكتاب ما هو الانطباع الأول للغلاف وهل وجدت فاطمة في الداخل؟

دلال طاهري: يعني عندما رأيت غلاف الكتاب ورأيت العنوان "البحث عن فاطمة" اعتقدت أنه البحث عن غادة المرأة، لأنه فاطمة هو الاسم النمطي أو (Stereotype) للمرأة العربية في الغرب، ولكن عندما قرأت الكتاب وعرفت أنه فاطمة هي شخص حقيقي وأهميتها في تكوينك الأول على الأقل، لما عرفت أنها يمكن أنها ترمز للوطن للاستقرار، للطفولة السعيدة يعني للأم سواء.. هذا هو رأيي في فاطمة.

خالد الحروب: إذن.. إذن فاطمة يعني الشيء المثير إنه فاطمة شخصية حقيقية، يعني أحياناً يعني اللي قد يتبادر إلى الذهن إنه يعني غادة الكرمي ناشطة فلسطينية تكتب كتاب مثلاً سيرة ذاتية ومفهوم فاطمة فلسطين، فاطمة الوطن، لكن المدهش إنه لأ فاطمة هي.. وفقدت آثارها أعتقد إنه أيضاً هل.. هل عثر لها على أثر في.. لاحقاً بعد الهجرة.. بعد الأحداث التي ذكرتيها في الكتاب وأنها غادرت البيت؟

د. غادة كرمي: فعلاً، أقول في الواقع يعني هي الشخص الحقيقي كانت فلاحة مثل ما قلت سابقاً ولما خرجنا تركناها اضطرينا نتركها وبعدين بعدها تابعنا أخبارها لفترة قصيرة وعرفنا إنها يعني كانت بتعيش في.. في قرية المالحة اسمها كان خارج القدس وطبعاً طرد سكان المالحة في شهر آب 48، الجيش اليهودي اللي هو طبعاً صار يسمى إسرائيلي بعد آيار 48 طردوا سكان ها القرية المالحة وفاطمة أصبحت لاجئة مثل باقي اللاجئين وتابعنا تاريخها لحد ما راحت إلى مكان قرية أيضاً خارج القدس اسمها البيرة، وحسب معلوماتنا باتت هناك ولكن انقطعت أخبارها تماماً عنا بعد سنة الـ 50، فطبعاً فاطمة بما أنها كانت شخص حقيقي و.. ولكن بنفس الوقت -مثل ما قالت دلال- هي تمثل شيء تاني بالنسبة إلي وتمثل الطفولة، تمثل فلسطين، شيء مفقود يبحث عن.. عنه الإنسان ولم يجده فيما بعد، وعلى فكرة أنا في سنة الـ 98 زرت القدس وسألت عن المالحة مكان فاطمة القديم، وطبعاً المالحة أصبحت مكان إسرائيلي الآن، سكانها إسرائيليين، ورأيتها عن بعد وشوفت إنه الجامع تبع المالحة القديم موجود، ليس موجود، ولكن محاوط ببيوت تسكنها ناس آخرين يهود إسرائيليين.

أحداث احتلال فلسطين في عيون طفلة فلسطينية

خالد الحروب: طب غادة في الفصل الأول أو حتى.. القسم الأول الكتاب يعني مقسوم أو السيرة الذاتية مقسومة إلى 3 أقسام: فلسطين، إنجلترا، بعدين القسم الأخير البحث عن فاطمة.

في القسم الأول نتوقف عنده بعض الشيء اللي هو بيتحدث عن فلسطين، يعني طفولة.. الطفولة داخل.. داخل البيت، داخل الأحياء المقدسية في تلك الحقبة قُبيل الهجرة، قُبيل سنة.. حرب 48، كيف كانت الطفلة غادة تنظر إلى.. إلى المحيط المضطرب حولها، المليء بالحرب، المليء بالتناقضات المختلفة وعلى شفير كارثة قادمة.

د. غادة كرمي: في الواقع على فكرة ما كان أنا كطفلة وحتى أخوي.. أخوي اللي هو أكبر مني بـ4، 3،4 سنوات ما كان عندنا شعور أبداً باللي بيحصل حوالينا، لفترة طويلة، طبعاً مثل باقي الأطفال، ما عندناش علم بالأحداث السياسية، الأمور اللي كانت يعني الوالد مثلاً والدي أو والدتي يوعوها، إحنا.. ما.. ما كنا نفهم.. نفهم إنه المدرسة سكرت، بس بأتذكر يمكن أول شيء انتبهت إنه شيء غير طبيعي، إنه المدرسة أُغلقت، فمعناه ما.. خصوصاً إنه ما نروح على المدرسة، نبقى في البيت هذا غير طبيعي، أصدقاؤنا صاروا يتركوا، العائلات صارت تترك، يعني شوي تدريجياً صار الشعور عندي أنا إنه الأمور غير طبيعية، مش.. ولكن بالفهم والوعي اللي موجود عند الشخص الناضج.

خالد الحروب: مفهوم.

د. غادة كرمي: فطبعاً هو هذه يعني من منطلق الطفل حبيت أفهم القارئ إنه هذه الحوادث اللي بنقرأ.. يعني بنقرأ عنها في التاريخ طبعاً من منطلق طفل تبدو تختلف إلى حدٍ ما، وكله بات بهذا الوضع لحد ما صار الانفجار الكبير لفندق سميراميس اللي كان ورا منزلنا.

خالد الحروب: أي نعم.

د. غادة كرمي: هذا الحادث بدأ خلق عندي.. ولد عندي شعور.. شعور الخوف لأول مرة في حياتي.

خالد الحروب: طيب دلال، أيضاً مرة أخرى كقارئة للكتاب ورأيت.. قرأت هذه الأحداث من وجهة نظر طفلة يعني طفلة فلسطينية تعيش في خضم زاخر بالأحداث الساخنة الحربية أيضاً، وعندك هذه المسافة عن الحدث وعن الشخوص، كيف تقرأين قراءة تلك الطفلة للأحداث؟

دلال طاهري: يعني الأمر الذي أنتقده في هذا الفصل –إذا سمحتي لي- إنه الأحداث التاريخية بالرغم من طبعاً أهميتها في يعني تشكيل آرائك وشخصيتك لاحقاً و.. والصراع اللي كان.. كنت فيه يعني فيك جيت على.. على بريطانيا، إلا أنه هذه الأحداث طغت على السيرة الذاتية.. في حين إنه كنت أعتقد إنه العكس كان يجب أن يكون صحيح، يعني كان لازم تتحدثي عن يعني شخصيتك الذاتية، عن الأحداث كيف أثرت في عائلتك، كيف أثرت في علاقاتك بعائلتك أو علاقاتهم ببعضهم البعض، لكن الأمر كان صحيح في هذه.. في هذه الفصل، يعني خصوصاً مثلاً شخصيتي فاطمة وشخصية الوالدة، اللي كانت شخصيتين محوريتين في هذا الفصل، يعني كان عبارة عن سرد يعني كنت ملاحظة ولم تكوني عضوة فعالة في هذه الأسرة.

د. غادة كرمي: صح، تعرفي من أصعب الأشياء في هذا الكتاب هو المزيج بين الوضع الخارجي والوضع الداخلي، لأنه طبعاً أنا كان من أهدافي لكتابة الكتاب في.. من الأصل هو.. هو إيصال يعني أردت إني أوصل القارئ لتفهم الوضع اللي كان موجود بفلسطين قبل الـ 48 ليس فقط الوضع الداخلي في بيتي وشعوري أنا بالنسبة لأمي أو لغيري، بل الوضع اللي هو موجود، الوضع التاريخي، هو.. على فكرة هاي نقطة مهمة جداً بالنسبة للكتاب، وهي إنه القارئ الأساسي للكتاب مع إنه إحنا الآن نتكلم في محطة تليفزيونية عربية والمستمع والمشاهد عربي، ولكن في الواقع أنا الكتاب مقصود كان في الدرجة الأولى للقارئ الأجنبي إن كان هو إنجليزي أو أميركي، الناطق باللغة الإنجليزية، لأن..

خالد الحروب: وهذه نقطة إذا.. حتى يمكن دلال، ما رأيك إنه يعني من وجهة نظر قارئ غربي الآن قرأ هذا الكتاب، قرأ الرواية الفلسطينية، مسرودة على لسان طفلة ويعني تلاحظ ما تستطيع أن تلاحظه، لا تلاحظ كامل الصورة، انفجار ضخم مثلاً أثار مخاوفها، بقية الحياة رتيبة، عادية، المدارس أغلقت، كقارئ غربي يقرأ هذه الصيرورة الفلسطينية من وجهة نظر إنسانية، إنسانية بحتة عائلية يعني كيف تنظرين إلى يعني واقعها على.. على القارئ الغربي ورأيه.. ووجهة نظره تجاه فلسطين مثلاً؟

دلال طاهري: هي بالرغم من أن هذا هو الجزء الذي انتقدته في.. في الفصل الأول، هو كذلك الأمر الإيجابي إذا اعتبرنا أنه الكتاب موجه كذلك للقارئ الغربي، لأنه يعطيه فرصة لمعرفة التاريخ الفلسطيني من وجهة نظر فلسطينية ويعني اعتقدت أن الكتاب كان متوازن من هذه الناحية، لأنه يعني تكلمتِ عن الخلافات اللي كانت موجودة في الساحة السياسية بين الفلسطينيين وهو يعني أمر مهم جداً، وكذلك يعني تأكيدك مثلاً وإصرارك على التعايش السلمي بين الجاليتين اليهودية والعربية قبل 48 وهو.. هي أمور يعني غائبة عن.. يعني في الإعلام الغربي أو في عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية في الغرب وبالتالي أعتقد إنه هذا يعني أمر إيجابي، ولكن أنا كقارئة عربية اعتقدت أنه كان يعني طغى في بعض الأحيان على السيرة الذاتية، على.. يعني بأني قرأت في الكتاب أني كنت أود أن أعرف من هي غادة الإنسانة؟ كيف أثرت هذه الأحداث على علاقتها بوالديها أو على علاقة والديها بأصدقائهم؟

نظرة الفلسطينيين لليهود قبيل الاحتلال

خالد الحروب: طب غادة، بس آخذ نقطة من اللي ذكرتها دلال، وأنا كنت أريد أن نتوقف عندها أيضاً اللي هي يعني في القدس جيرانكم اليهود و.. وذكرتيهم بالأسماء يعني عائلة كريمر، وكين، يعني نوع من.. من التعايش العادي و.. والتبادل الزيارات وحياة عادية يعني.. يعني اللي بيقرأ الكتاب يعني الحياة ما.. ما تفرقي بين هذا العربي أو المسيحي أو المسلم أو اليهودي، هذا النمط من التعايش كيف.. هل هو مصطنع؟ يعني ممكن واحد يقول لك هذه الآن غادة الكرمي الواعية يعني تكتب بأثر رجعي وتريد أن.. أن.. أن تخلق هذه الصورة الجميلة المتسامحة، ما مدى حقيقتها يعني، ما.. وتحدثت عن يهودنا.. يهودنا الفلسطينيين مقابل اليهود اللاجئين من الخارج يعني.

د. غادة كرمي: نعم، أعتقد أنه هاي كانت صورة حقيقية للوضع اللي كان موجود، وشيء يجب أن نعترف فيه و.. ونفهمه بإنه الخطر الصهيوني كان ملموس عند أقلية من الفلسطينيين، يعني الأقلية اللي هي نشيطة سياسياً أو واعية سياسياً، معظم الناس نظرتهم للوجود اليهودي يعني كان على مستوى فردي ممكن أن نقول، بإنه هذه الحياة العادية، على فكرة هاي المجتمعات العادية، يعني الناس عموماً يتعاملوا مع الناس اللي بيشوفوهم، يعني نادر إنك ترى وضع إنه الشعب ككل متمسك بفكرة سياسية واحدة وواعي لكل تفاصيل الخطر ويتصرف كذلك، لأ هذه مش طبيعة الإنسان، الناس لما بيشوفوا ناس عاديين بيجاوروهم مثلاً وما بيعرفوا منهم يعني شر مباشر بيتعاملوا كبشر عموماً، وخاصة على الفكرة هذه خصلة برأيي.. هذه خصلة عربية أكتر من.. من غيرها، يعني العرب عموماً كشعوب لهم هذا الطرف في طبعهم، طرف إنساني، مستعد أن يرى الآخر كإنسان في الدرجة الأولى، لا أعتقد أنه هذا كان مصطنع، وبالنسبة لليهود الألمان كانت فيه نظرة على فكرة بفلسطين، فيه نظرة لليهود اللي هم من الخارج وأكثر كان التفكير فيهم كأجانب ليس كيهود، يعني إنهم أجانب أوروبيين يختلفوا عنا وبعد.. بعد طبعاً بعد ذلك صار تفهم بأنه هادول خطيرين ولهم نوايا سياسية ضدنا.. إلى آخره، وهذا كان مميز عن اليهود العرب اللي هم متعودين عليهم، يعني في حارة يهود كان لإلهم صنع مختلفة، يعني ناس...

خالد الحروب: طب غادة، فيه سؤال يعني خلال علاقة الفصل الأول من الكتاب يتبادر للذهن إنه هل هذا يعكس شريحة واسعة يعني هل هذا الكتاب.. هذه السردية تعكس حياة وتطور ولجوء وغربة الشريحة الأوسع من الفلسطينيين أم أنه يعكس تجربة شريحة مثلاً ضيقة شريحة مثلاً المقدسيين الأغنياء مثلاً مش الفقراء ولا الفلاحين أو كذا لأنه أيضاً يعني قد يقول قائل إنه يعني ما هو عدد الفلسطينيين الذين حظوا مثلاً بحياة مثل التي حظيت بها غادة الكرمي وعائلتها في القدس في تلك المرحلة وحتى لاحقاً؟

د. غادة كرمي: على فكرة هذا كتير سؤال جيد، وسُئلت هذا السؤال أكثر من مرة، يعني الحقيقة ما عندنا العلم الكافي نجاوب على هذا السؤال ليش؟ لأنه الفلسطينيين لم يشرحوا تجربتهم في سنة 48، أعتقد إنه اللي أوصفه أنا هو يمثل قسم لا بأس به من التجربة الفلسطينية، لأنه إحنا كنا شريحة أعتقد وسطى، لسنا أغنياء ولا فقراء ولكن يعني هذه شريحة لا بأس بها.. عدد لا بأس به، فنمثل شريحة من المجتمع، ولكن للأسف الفلسطينيين عموماً لم يكتبوا السيرة الذاتية بالعدد والكثرة المطلوبة.

خالد الحروب[مقاطعاً]: طب أسأل.. أسأل دلال لأنه ذكرت لي أيضاً حتى في.. في بعض المذكرات الشبيهة يعني مثلاً الثورة الجزائرية يعني إذا أردنا أن نعمل مقارنة بالأدبيات، إنه بعض الأدبيات كانت تعبِّر أحياناً عن.. عن شرائح مثلاً ضيقة أو نخبوية يعني.

دلال طاهري: يعني هذا هو الاعتقاد بأنه.. ولو إنه يعني تعميم الأدب العربي (elite)..

خالد الحروب: نخبوي.

دلال طاهري: يعني نخبوي يعني يكتب عن.. يكتب.. يُكتب من طرف طبقة لطبقة معينة مثلاً نتكلم على (أحلام مستغامي) يعني في.. في كتابها الأخير كتبت عن..

خالد الحروب: من هي.

دلال طاهري: أحلام مستغامي في كتباها فكرة الجسد، يعني تكتب عن هذا المجاهد الفنان، ومقابل هذا المجاهد الفنان اللي يفتح معرض في باريس عندك خمس آلاف مجاهد في الجزائر في.. في مآساة الفقر وبالتالي يعني أعتقد إنه هذا أمر يعني موجود بكثرة في الأدب العربي لكن.. يعني أنا أوافق الدكتورة غادة في الرأي بأنه.. بأن.. بأن تجربتي أنا لا تمثل فقط تجربتها كإنسانة كغادة الكرمي، يعني تمثل أو تتحدث عن تجربة شعب كامل يعني نستطيع أن نقول أن هذا الكتاب سوف يجد صدى، لأنه يعبر عن التجربة الفلسطينية بصفة عامة، وليس فقط عن تجربتها كفرد.

انتقال أسرة غادة كرمي إلى إنجلترا وكيفية التعامل مع المجتمع الجديد

خالد الحروب: طيب غادة إذا انتهينا من الفصل الأول، يعني.. ولكن باختصار حتى ننتقل إلى الفصل.. بريطانيا، المشهد الذي وصفتيه مشهد المغادرة، مشهد يعني في غاية التأثير، مشهد الوداع.. وداع البيت، وداع الحارة وداع القدس، وداع فاطمة ومغادرة السيارة والقرية يعني تصغر شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي وتأكيدك على إنه الوالد والوالدة كانوا يعتقدون إنه هذا مجرد نزهة يعني مغادرة قصيرة ونعود.

د. غادة كرمي: تمام.

خالد الحروب: يعني كيف تنظرين بعد هذه السنوات والوالد مازال على قيد الحياة يعني والعودة مازالت لم.. لم تقم؟

د. غادة كرمي: أحزن.. أحزن أتذكر أنه كان عندنا جهل، عدم وعي للمأساة اللي إحنا فعلاً في وسطها، يعني مجرد اعتبارنا الساذج، إيماننا الساذج بأنه إحنا في رحلة قصيرة وهذا طبعاً اللي سببه إنه الأم.. أمي أخذت بس حقيبة واحدة.. واحدة يعني على أساس إنه إحنا عائدون وفترة قصيرة إلى آخره، هذا النوع من الإيمان اللي بدون أساس واقعي ساذج، أحزن.. أحزن يعني لا أستطيع أن ألومهم أو أكون أغضب إنهم لم.. لم يفهموا مدى المآساة والكارثة هذا صعب كان عليهم وعلى الجميع.

[فاصل إعلاني]

خالد الحروب: طب إذا جينا لمحطة بريطانيا وهي محطة واسعة طبعاً في.. في السيرة وهي تعكس محطات أخرى في اللجوء الفلسطيني سواء محطات عربية أو محطات غير عربية، ومررت قبل الوصول إلى.. إلى بريطانيا بدمشق في.. يعني فترة.. فترة قصيرة، الآن وصلنا إلى بريطانيا ودخلت هذا.. هذا العالم الجديد، ما هي الانطباعات الأولى، الطفلة غادة آنذاك اللي هذه المهاجرة الفلسطينية الصغيرة؟

د. غادة كرمي: يعني أذكر إني شعرت نفسي غريبة جداً من كل النواحي، أولاً: يعني اللغة كانت مجهولة عندي اللغة الإنجليزية، ثانياً: كطفلة عايشة طول عمري في.. في فلسطين، عمري ما خرجت أبعد من طولكرم، يعني كان أكبر رحلة أنا اتخذتها في حياتي، طبعاً فلما.. ولكن لما رحنا أولاً على دمشق، هذا كان شيء غريب جداً، ولكن رحنا على بيت جدي وستي وكان بلد عربي مهما كان لسه يشبه فلسطين، لكن وجدت نفسي في محيط عجيب غريب أتذكر أول انطباع إن كل شيء أخضر، طبعاً بريطانيا معروفة بأنها في الغض.. الأخضر الغض هذا، الحشيش والشجر.. هذا أول منظر.. أول شيء ولكن كان ملاحظة غريبة، أيضاً وجدت إنه لاحظت إنه النساء اللي كن في..

خالد الحروب[مقاطعاً]: ما فيه حوامل ذكرتي أنت..

د. غادة كرمي: ما فيش حوامل أبداً وتذكرت إن في القدس كل جيراننا وصديقات أمي دائماً واحدة منهم لازم تكون حامل، ولقيت الإنجليز ولا واحدة..

خالد الحروب: فيه غزارة في الإنتاج. دلال، شو رأيك في هذا.. في هذا يعني في هذا أولاً بداية الانتقال لبريطانيا يعني.

دلال طاهري: يعني كل..

خالد الحروب: هذا.. العائلة العربية المشردة حطت الرحال في بريطانيا مجتمع مختلف تماماً.

دلال طاهري: الفصل الثاني يعني هو أفضل بالنسبة إلي يعني فصلي المفضل في الكتاب، لأنه للمرة الأولى في الكتاب يعني انفصلت عن القضية الفلسطينية وتكلمت، ويعني السيرة الذاتية أخذت المركز الرئيسي في هذا الكتاب، ويعني لأننا نتحدث لاحقاً عن.. عن أهم النقاط في هذا الفصل، لكن..

خالد الحروب: اتفضلي تحدثي الآن.

دلال طاهري: لا يعني.. تكلمت عن.. يعني للمرة الأولى تكلمت عن.. يعني ربما لأنه هو ما حدث في الواقع عن طموحاتها عن أحلامها، عن الجرأة الصريحة في معالجة الهوة يعني الرهيبة بينها وبين والديها من حيث التفكير، من حيث شعورها بالانتماء أو يعني مش عارفة..

خالد الحروب: ولهذا دائماً يعني إشكالية الاندماج وغربة الأجيال إنه الجيل.. الجيل الأكبر تبقى روابطه وثيقة بالوطن، يبقى تواصله، يعني ذكرتي يعني الوالدة كيف كانت تسمع الراديو واللي يجيب الراديو هذا اللي بيجيب على الموجة القصيرة يعني، حتى تسمع أخبار..

د. غادة كرمي: تمام.

خالد الحروب: وأنت مش مهتمة يعني بالجيل الجديد يعني مش مهتمة إلى أنه..

دلال طاهري: لا لا، في البداية يعني كان..

خالد الحروب: في البداية.

دلال طاهري: بدأت تصلي وهو يعني أمر اعتقدته أنه مهم جداً، لأنه.. لأنها يعني الإسلام في هاذاك الوقت كان جزء من هويتها، لم يكن يعني بالضرورة في سوريا عندما كنت ترفضين الصلاة يعني لأنه جدك كان يرغمكم على الصلاة ويعني الفصل كان مشوق للغاية لأنه وضح لك طريقة تعاملها مع هذا المجتمع الجديد، يعني من التمسك بعربيتها، وبعدين محاولة الاندماج إلى حد الذوبان، يعني في.. في نهاية الأمر، وهو أعتقد إنه كان يعني تناولت كل هذه القضايا بجرأة وصراحة إلا أن الأمر الذي أنتقده هنا يعني لو سمحتي، هو يعني نقص التحليل للشخصيات يعني سرد يعني ملاحظة مراقبة ولستِ يعني عضواً فعالاً يعني مثلاً تحليلك لشخصية والديك أو علاقتك بهم أو علاقتهم ببعضهم البعض يعني كان غائب في هذا الفصل.

خالد الحروب: طيب غادة، الجواب على هذه وفي إطار أوسع اللي هو معضلة الاندماج وهذا الانشطار الداخلي اللي يشعر فيه الفرد مثلاً خاصة الجيل الجديد يعني بين الولاء للوطن وللعائلة وللتقاليد وللدين وبين الاندماج، محاولة الانخراط في المجتمع الجديد؟

د. غادة كرمي: تمام، على فكرة يعني لما سألت سؤالك سابقاً عن هل هذه المسألة.. لما سألت عن خبرتنا، فلما تركنا فلسطين هل هذا يمثل شريحة من المجتمع الفلسطيني بأقدر أكيد أخبرك إنه الوصف في القسم الثاني يمثل تجربة معظم الناس اللي هاجروا من مجتمع، خاصة مجتمع إسلامي إلى مجتمع غربي، والحقيقة أعتقد إنه عدد كبير منهم لما يقرءوا الكتاب سيشعروا بأشياء هيفهموا نفس الشيء.. بغض النظر عن إنهم غير فلسطينيين أو غير عرب لكن هذه هي الظاهرة إنه لما تجيب ناس من مجتمع محافظ مسلم يختلف كل الاختلاف عن مجتمع غربي مسيحي تجد إنه معظمهم يعاني من الأشياء اللي أنا عانيت منها، وهاي فعلاً كانت معاناة بالنسبة إلي، يعني بيجوز إن كان –مثل ما قالت دلال- ما دخلت بشرح العلاقة بيني وبين أهلي تماماً أو بين بعض، قد يكون السبب إني أردت إني أكون دائماً خارج الموضوع، كأني أنا أراقب، مثل ما أردت إنه القارئ يراقب وضعنا وما يدخلش في متاهات العواطف الشخصية اللي أشعرها نحو أهلي، بيجوز كان هذا خطأ، ولكن هاي الفكرة كانت.

خالد الحروب: طب ماذا..

دلال طاهري: عفواً.. في هذه النقطة..

خالد الحروب: آه اتفضلي.

دلال طاهري: يعني إذا الشعور باللا انتماء أعتقد ويعني ذكرتي هذا في الكتاب بأنه لم يكن هناك شيء ليوازن الكفة يعني كنت متعرضة دائماً للثقافة الإنجليزية، يعني موسيقى، فن، أدب يعني، ولم يكن هناك أي شيء في البيت ليوازن هذا، لأنه الآباء يعني اتخذوا كعرب بالفطرة، لم يكن هناك يعني أي.

د. غادة كرمي: تمام، وهذا أنا يعني إذا بدي ألوم أهلي، بدي.. بدي إذا اللوم مناسب يعني بهيك شرح أو بهيك تحليل، ممكن ألوم على إنهم لم.. لم يفهموا هاي النقطة، لم يدركوا إنه صعب على.. على شخص طفل اللي هو غير.. شخصيته غير مكوَّنة وإنه يدخل بمجتمع يختلف كل الاختلاف وإنه يحافظ على التقاليد.. تقاليد الآباء وشعور وعلم الآباء بتقاليدهم وبالعوائد والعادات العربية الإسلامية، بنفس الوقت وهو كأيضاً يعيش حياة المجتمع الجديد، مستحيل، هذا كان مستحيل، واللي حصل إنه المشكلة إنه المجتمع الجديد صار مغري أكثر بكثير من المجتمع في البيت..

خالد الحروب: المجتمع..

د. غادة كرمي: طبعاً، لأنه المجتمع ا لبيت كله لأ. لأ. لأ.، ما تعملش ما تقولش ما هذا.. يعني كله رفض.. نهي، يعني.. فالحقيقة صار الواحد أكثر يتقرب، وهذا شيء طبيعي لكل.. لكل البشر.

تأثير حربي السويس و67 على نظرة غادة كرمي للمجتمع الغربي

خالد الحروب: في المرحلة الأولى.. مرحلة يعني الشباب الأولى في بريطانيا تحدثتي عن هذا الاندماج يعني في المجتمع عن طريق المدرسة وعن طريق يعني الصديقات وعن طريق الأصدقاء، وبعدين فيه مفصل تاريخي في الوعي، في وعيك السياسي ووعيك الاجتماعي ووعيك بالهوية، اللي هو كان يعني أزمة حرب السويس وبعدين حرب 67، إنه هذا عمل لك صدمة جديدة وطرح أسئلة كبرى أمامك.

د. غادة كرمي: تمام.

خالد الحروب: شو اللي حصل بالضبط.

د. غادة كرمي: هو طبعاً إحنا إذا كلشي تفاصيل كتاب راح نقولهم القارئ ما يصير عنده رغبة ليقرأ..

خالد الحروب: إحنا بنحاول نقف يعني وقفات هيك يعني متباعدة، ومش تفاصيل الكتاب المختلفة.

د. غادة كرمي: تمام، هلا الحقيقة يعني أنا بما إني عندي هذا كان ها الصراع الشخصي بين الهويتين العربية والأجنبية والإنجليزية وجاء يعني.. حاولت إني أنهي الصراع وأعالج الصراع بأني أقول لنفسي أنا هويتي واحدة وهي إنجليزية وليست عربية، طبعاً هذا كان الصدمة الكبيرة أولاً بحرب السويس إنه لما وجدت إنه المحيط.. المحيط الأجنبي وخاصة بريطانيا طبعاً بالنسبة للدور التاريخي اللي لعبته في.. الاحتلال.

خالد الحروب: حرب السويس.

د. غادة كرمي: تمام، احتلال قناة السويس والحرب ضد مصر، يعني معادي للعرب 100% فصعب كان إلي أرى نفسي إنجليزية، ولكن بنفس الوقت أتخذ مواقف من هذا النوع ضد شعبي أنا مش ممكن، فهاي كان أول صدمة، وتاني صدمة والأكبر هي حرب الـ67، كان الجميع حولي، بما فيهم أقرب الناس عليَّ يعتقدوا إنه إسرائيل معها الحق.. لها الحق في حرب الـ67، وإنه العرب همَّ المخطئين، وإن.. يعني والمدح اللي كان موجود لإسرائيل أعتقد العرب في سكان البلاد العربية و.. والمشاهدين الآن لا عندهم.. ما عندهم أي علم.

خالد الحروب: أي تخيل بالمديح والإطراء والدعم والتصوير..

د.غادة كرمي: ولا تخيل لأي.. ولا أي تخيل، و.. والجور.

خالد الحروب: التصوير الأسطوري لإسرائيل يعني إزاء النصر ذاك.

د.غادة كرمي: شي.. كله مبني على كذب و.. و.. والكره للعرب، يعني تمييز ضد العرب اللي كان موجود في هذاك الوقت، إشي مخيف.

خالد الحروب: دلال، ما هي ملاحظاتك ووقفاتك على هذا.. على هذه المفاصل التاريخية..

دلال طاهري: هي يعني..

خالد الحروب: اللي قبلت مش الحقيقة بس يعني.. يعني.. يعني اللي حصل مع غادة حصل مع كثير فلسطينيين وعرب، وحتى يعني مسلمين هيك، صدمة على صعيد الهوية، على صعيد أسئلة كبرى وجودية يعني من.. سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا؟

دلال طاهري: عندي نقطتين يعني تعليق على ما.. ما تقدمت به، الأمر الأول هو يعني في محاولتكِ للاندماج الكلي في هذا المجتمع اللي كان، يعني تبنيتِ ما.. ما يسمى الآن بالنظرة الاستشراقية للمجتمع، للثقافة العربية الإسلامية، يعني في تعاملك مع.. للأم، كنت تقولي أنا أنتمي إلى حضارة أكثر شمولية وليبرالية، وأنتم رجعيين ومتحجرين، يعني حتى مع الطلبة العرب يعني في.. في.. في الجامعة، لكن ما التمسته هو أنه.. يعني ربما هذا الشعور باللا اندماج كان موجود، ولكن كان مكبوت، يعني وكان يظهر في أغرب اللحظات، يعني مثلاً لما ذهبت إلى باريس و.. وهذا التعاطف اللي حسيتيه مع الرجل الجزائري، بالرغم من يعني عدم معرفتك في ذلك الوقت لخبايا القضية الجزائرية، أو مثلاً عندما زرت عائلة (جون) وقلتِ ليس لدي أرض، ليس لدي وطن يعني، بالرغم من أنه إصرارك على أنك كنتِ مندمجة ومنتمية، كان هناك دائماً هذه المشاعر التي كانت مكبوتة و.. ويعني قناة السويس والـ67 فجرت هذه اللي.. اللي.. يعني مش خلقتها من عدم، يعني هذا هو اللي الأمر اللي..

د.غادة كرمي: نعم، هذا صحيح.. هذا صحيح.

خالد الحروب: هو فيه سؤال.. فيه سؤال إذا بتحبي تعلقي غادة، تجيبي على سؤالي أيضاً في التعليق، وهو بيقول يعني المشكلة إنه الظروف الموضوعية المحيطة بقضايانا.. القضايا العربية والقضايا الإسلامية، والموجودة في الوجدان الغربي، والتي تعمل على تشكيله أيضاً لا توفر لنا فرصة الاندماج، حتى لو أردنا ذلك، يعني حتى لو إنه أنتِ أردتِ الاندماج الكلي فالبنية التحتية لهذا الوجدان لا تتيح لكِ يعني كامل الاندماج، لأنها سرعان ما ترتد عند أي حدث تاريخي، أو مفصل سياسي أو غير ذلك.

د.غادة كرمي: تمام، هو على فكرة كلها وهم يعني، هي فكرة وهمية كانت بالنسبة إلي، يعني أنا.. أنا عندي كان فكرة وهمية إنه فعلاً كان بإمكاني أن أندمج 100% في هذا المجتمع الغربي، واللي شجعني على ذلك طبعاً وجود.. وجودي في الجامعة، والجامعات معروف عموماً بين الطلاب فيه أكثر تقبل، وأكثر شعور ليبرالي، تقبل للجنسيات الأخرى والأجانب، وهذا كان موجود في جامعتي، فكان كله مبني على صورة غير حقيقية، وعدم تفهم للوضع اللي أنا فيه.

كلامك صحيح، تمام، وهذا.. لذلك كلامك.. أو ملاحظتك في مكانها، إنه كان شعوري بكوني بهويتي العربية والإسلامية يعني تعكس كأنه قريب جداً للسطح، وكنت بالعكس أجاهد ويعني أحاول كل ما.. يعني بكل محاولة عندي إني.. إني أتهرب من هذا.. من هذا الواقع، وإني أنا أقنع نفسي إني لأ.. لأ فعلاً أنا غربية، وأنا أصبحت إنجليزية، وإلى آخره.

دلال طاهري: هي لأنه في.. من الجهة الثانية إنه تجربة أختك سهام، اللي هي يعني في.. القطب المعاكس، يعني الوجهة الانعزالية لأ، يعني فشلت هي الأخرى، وبالتالي يعني الكتاب متوازن، تجربتكم متوازنة في هذا المجال، لأنه نظرتك في الاندماج فشلت، ونظرة سهام في التمسك بعروبيتها و.. يعني العودة إلى العالم العربي فشلت هي الأخرى، لأنه كل واحد يركز على شخصية على حساب الأخرى، على هوية على حساب الأخرى.

د.غادة كرمي: تمام.. تمام، ولذلك.. لذلك اللي هي.. كل هذا طرد الإنسان من وطنه إلى وطن آخر.. آخر أكبر جريمة، لأن دايماً بتولد، مهما كان الأمر، وبأحسن الأوضاع إلا تولِّد على الأقل صراع نفسي داخلي، يعني ما حدا ممكن يكون مرتاح في هيك وضع.

البحث عن فاطمة.. والعودة إلى القدس

خالد الحروب: في الفصل.. أو الجزء الثالث بالكتاب، وهو أيضاً مهم جداً، اللي هو سميتيه البحث عن فاطمة، وقلنا الجزء الأول فلسطين، بريطانيا، ثم الجزء الثالث البحث عن فاطمة. هناك يعني بانوراما لزيارة.. لعودتك إلى.. إلى القدس، الزيارة اللي قمت فيها، و.. والتداعيات، تداعياتك طفلة، والآن كناضجة، يعني عدت إلى.. إلى مرابع الصبا، قبليها في.. قبل.. أول.. أول شيء بهذا القسم ذكرت يعني مقولة عندما صدمت لما قالت (جولدا مائير) إنه هذا فلسطين أرض موجودة بلا شعب، وجاءها شعب يعني نحن شعب بلا أرض، فلذلك يصبح هذا معناته معادلة متكاملة، شعب بلا أرض لشعب.. لأرض بلا شعب.

يعني نبدأ بهذه.. بهذا الرحلة، رحلة العودة، وأولاً مقولة جولدا مائير، و.. وكيف مرة أخرى أثارت هذا الوعي، وعي.. الآن الوعي جماعي بالشعب، وجود شعب فلسطيني، أنت غير موجودة، جولدا مائير قالت أنتِ غير موجودة.

د.غادة كرمي: يعني هذا تحولت من.. من إنسان لا سياسي.. غير سياسي إلى شخص سياسي، نشيطة سياسياً، ويعني متحمسة لقضيتي.

الحقيقة من الأشياء اللي.. اللي بأحب يعني أوضحها بالنسبة للكتاب ممكن ننظر إلى هذا الكتاب كسيرة إنسان أو تفسير كيف يتحول إنسان عادي.. من شخص عادي إلى شخص مناضل، وممكن.. ممكن يصبح.. يعني أنا بيني وبين مثلاً إنسانه مثل ليلى خالد لا أعتقد فيه فروق كبيرة بالنسبة إلى.. يعني كنت تقريباً في السبعينات يخطر على بالي إني أنتمي إلى الحركات الفدائية، يعني مفروض الكتاب يفسر كيف الإنسان بيتحول بسبب القضية، بسبب المشاكل اللي بيواجهها، وبسبب العدوان الإسرائيلي والصهيوني، تحولنا إحنا من شعب عادي.. أعتقد عادي..

خالد الحروب: يعيش حياة عادية، له طموحات وأحلام بسيطة متواضعة.

د.غادة كرمي: تمام، إلى شعب اللي.. اللي فيه ناشطين، فيه ناس سياسيين، فيه ناس يعني يعملوا تغير، وتحولوا كلياً بسبب اللي صار.

والحقيقة فيه.. فيه إلي ملاحظة يعني إن كان سألتني لماذا.. ما هي أهمية الكتاب، أريد إني أفسر للمشاهد، أهمية الكتاب ليست لأنها.. إنها قصتي.. قصة حياتي أنا، أنا غير معروفة، غير مشهورة، مش هذا المهم، المهم هي طريقة لتصوير أو يعني إظهار القضية الفلسطينية للقارئ الغربي بالشكل اللي هو مألوف ومفهوم، بشكل أدبي رواي.. روائي، يعني الشخص يقدر يقرأه ويشعر.. و.. ويفهم القضية خلال ضمن.. من خلال حياتي أنا، وهذا شيء إحنا كعرب و.. وفلسطينيين قصَّرنا الحقيقة.. في الواقع قصرنا، تكلمنا عن قضيتنا دائماً بطرق سياسية، تحاليل سياسية، إحصاءات، أعداد، أرقام، لاجئين، قرارات أمم متحدة، هذا الناس في الغرب لا يتفهموها.. لا يتفهموا هذا.

خالد الحروب: أي نعم. يعني هذه مقاربة جيدة –دلال- في هذا القسم الأخير اللي هو.. سوف نستدرج غادة الآن للحديث عن زيارتها للبيت القديم، لكن ما هي انطباعاتك العامة عن هذا القسم الأخير من..؟

دلال طاهري: انطباعاتي إنه يعني أنا أوافق دكتورة غادة الرأي، يعني الكتاب سوف يكون له صدى عند القارئ الغربي والقارئ العربي لأمرين مختلفين.

بالنسبة للقارئ الغربي إنه يعطي طبعة.. أو.. صبغة إنسانية للقضية الفلسطينية، يعني عوض قرارات الأمم المتحدة والأرقام والأعداد. لكن بالنسبة للقارئ العربي يلقى صدى لأنه مكتوب بجرأة وصراحة عن تجربة امرأة عربية بالمهجر، وبالتالي يعني الصدى يكون مختلف.

خالد الحروب: غادة، الصفحات اللي كتبتيها عن.. لما دخلتي سنة الـ98 لما رجعتِ إلى البيت، ورأيت البيت.. بيتك القديم بعد سنوات طويلة جداً، يعني من أكثر الصفحات أنا شخصياً تأثرت بيها، إنه كنتِ طفلة صغيرة، رجعتِ يعني سيدة كبيرة، كل شيء كبر حتى حجم الأشياء، كنتِ تعتقدي إنه النافذة حجمها ضخم بدا حجمها معقول عادي، لكن أكثر شيء طبعاً يعني يصدم يعني وعاطفي هي وجود الغرباء في هذا المنزل.

د.غادة كرمي: فعلاً.. فعلاً.

خالد الحروب: يعني كيف كان الوضع عندما دخلتِ بيتك، وهناك غرباء هم يملكون المفتاح؟

د.غادة كرمي: مؤلم للغاية، لأنه كانوا عائلة يهود من كندا، متدينيين، المرأة ترتدي قباع شعر، تعرف هدول المتعصبين، امرأة هي عادة شكلها، وأطفالها حواليها و..، فوجدت نفسي أطلب منهم أترجاهم إني أدخل بيتي حتى أرى.. حتى أسترجع ذكريات الطفولة، وكنت تحت رحمتهم، يعني أردت مثلاً أعرف متى استولوا على البيت، متى، من هو صاحب البيت سابقاً، أو أصحاب البيت ولكن لم أستطع أكتشف ذلك، وهذا كان من الأشياء المؤلمة جداً، اللي سببتني أتذكر يومها، رجعت إلى الفندق اللي كنت مقيمة فيه، وشعرت نفسي.. كان يعني عندي شعور غريب جداً، صعب إني أفسره.. أوصفه، حسيت إني أنا ميتة، إن كلنا ميتين، تاريخنا ماضينا، فاطمة.. فاطمة، بيتنا، العائلة، كلبنا اللي كنت أحبه، كلنا.. ولكن كلنا جميعنا متنا، يعني محونا.. محونا من التاريخ.

خالد الحروب: وما هو الصوت الذي بعث فيك الحياة وأنت في غرفة الفندق ذلك؟

د.غادة كرمي: الحياة.. تمام، ولا كنت في هذا وأنا في وسط هذا الشعور اليأسوي فجأة سمعت الأذان، والحقيقة يعني شيء صعب أوصف كيف شعرت، لما سمعت الأذان كان شوية صوت واطي..

خالد الحروب: الأذان من.. من الحرم الشريف.

د.غادة كرمي: جاي من.. من.. من الحرم الشريف من المسجد الأقصى، وبأتذكر قفزت عند النافذة فتحتها عشان أسمع أحسن، وسمعت الصوت، وكأني انخلقت مرة.. مرة تانية، يعني مش شعور.. مش شعور ديني، أو.. أو.. أو بإيمان إني وجدت نفسي مسلمة أو.. لأ لست.. يعني مش هذا قصدي، شعرت بنوع من الأمل إنه فيه.. فيه أمة، فيه شعب، ما.. ما انتهينا، أنا شعرت إني مُتَّ، ولكن إحنا ما متنا، فعلاً، فيه شعب، فيه وجود، فيه.. فيه هون فيه ناس، وإن شاء الله، بده ييجي اليوم إنه راح يكون وضعنا يختلف كل الاختلاف، فهذا شعور عمري ما بأنساه اللي أنا بأسمع الأذان طول حياتي، ما بأتذكر إلا كنت حتى لما.. في الليل لما يبقى فيه عالي أكون متضايقة إنه.. إنه صحيت أكون نايمة، أن.. لأني هذا الشعور لأول مرة في حياتي عمري ما بأنساه.

خالد الحروب: دلال، ما رأيك بهذا الصفحات الختامية اللي.. اللي على الأقل بعد العرض الشوية هيك اللي بعث الحسرة في.. في الداخل، لكن الخاتمة كانت فيها.. مفعمة بالأمل.

دلال طاهري: هي.. فيها أمل، مفعمة بالأمل والحياة يعني.. يعني، نعم.

خالد الحروب: طيب غادة، يعني لا يمكن.. ليس عندي إلا..

دلال طاهري: يعني كتاب قيم، ننصح كل شخص يهتم بالقضية الفلسطينية، أو حتى بالتعامل مع.. مع عالم جديد، يعني مع ثقافة جديدة أن يقرأه، يعني إضافة قيمة للمكتبة العربية.

خالد الحروب: شكراً جزيلاً لغادة، وشكراً لدلال.

وأعزائي المشاهدين، شكراً لكم على مرافقتكم لنا "البحث عن فاطمة".

وشكراً للدكتورة غادة كرمي (الأكاديمية والناشطة الفلسطينية المقيمة في بريطانيا)، والشكر أيضاً (للباحثة في جامعة كامبريدج الأكاديمية) دلال طاهري.

سيستمر البحث عن فاطمة، وسيظل سؤال عودتها قائماً إلى أن تعود وتفتح شبابيك البيت الذي غادرته في حي القطمور في القدس.

أشكر فريق البرنامج، وهذه تحية من خالد الحروب، ودمتم بألف خير.