مقدم الحلقة:

خالد الحروب

ضيوف الحلقة:

عزام التميمي: مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي في لندن
خليل الهندي: عضو الوفد الفلسطيني المفاوض قبل أوسلو ورئيس الجالية الفلسطينية في بريطانيا

تاريخ الحلقة:

18/03/2002

- مظاهر تراجع العلمانية وظهور المد الإسلامي
- محاولات العلمانيين لفرض العلمانية قسراً

- التناقضات الداخلية للعلمانية

- مدى مناسبة العلمانية للبلاد الإسلامية والعربية

- علاقة العلمانية بالروابط الاجتماعية

عزام التميمي
خليل هندي
خالد الحروب

خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلا بكم إلى هذه الحلقة من برنامج (الكتاب خير جليس).

جليسنا هذا اليوم كتاب بعنوان "الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط" من تحرير البروفيسور (جونس بوزيتو) والدكتور عزام التميمي. الكتاب يقول: إن العلمانية في الشرق الأوسط فشلت وهي في انحدار مستمر، ولكن في مقابل هذا الفشل هناك مد إسلامي واسع يسيطر على الفضاء الاجتماعي والسياسي في المنطقة، هذه هي المقولة الأساسية في هذا الكتاب التي سنناقشها مع ضيوفنا الكرام هنا وهم الدكتور عزام التميمي (أحد محرري الكتاب ومدير معهد الفكر السياسي الإسلامي في لندن) والدكتور خليل الهندي (الباحث والأكاديمي في جامعة برونال هنا في بريطانيا).

دكتور عزام دعني أبدأ معك بصفتك أحد محرري الكتاب بالأطروحة الأساسية، التي تقول: أن العلمانية في العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام -هناك نقاش حول تركيا- تتراجع، ما هي مظاهر هذا التراجع أولاً؟ وما هي مظاهر المد الإسلامي الموازي أو التعويض الذي يعوض هذا التراجع؟

مظاهر تراجع العلمانية وظهور المد الإسلامية

د. عزام التميمي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحقيقة أنه رغم أن عنوان الكتاب "الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط" إلا أن الإشكالية الحقيقية التي يحاول هذا الكتاب أن يتطرق لها هي الأزمة التي تعانيها العلمانية على المستوى العالمي وليس على مستوى الشرق الأوسط، وإن كانت النماذج المطروحة في الكتاب هي من الشرق الأوسط، وسبب ذلك يعود إلى حوار بدأ مع البروفيسور (جون كين) (رئيس مجلس.. رئيس مركز الدراسات الديمقراطية في جامعة ويستمنستر قبل حوالي عشر سنوات، وتكلل بندوة دُعي إليها عدد من المفكرين المهتمين بهذه القضية من الغرب ومن العالم الإسلامي.

خالد الحروب: لكن بالعودة إلى.. إلى مظاهر يعني.. إذن في العالم العربي ما هي مظاهر هذا التراجع؟ أولاً هل هي موجودة؟ وما هي مظاهر تراجعها العلمانية في العالم العربي؟

د. عزام التميمي: أظن هنا من مظاهر تراجع العلمانية على المستوى الاجتماعي واضحة جداً، ظاهرة التدين لدى الشباب، لدى عموم الشعب بدأت حتى الحكومات تحاول أن تنافسها وتحاكيها، هذا بالإضافة إلى أن العلمانيين الذين استلموا الحكم في بعض مناطق العالم الإسلامي حكموا بأساليب ديكتاتورية مستبدة تنتهك حقوق الإنسان، كان هناك مفارقة هائلة بين النمط العلماني الذي تم تطبيقه في العالم العربي بقوة السلاح، وبين الأنماط العلمانية التي نعرفها في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية.

خالد الحروب: طيب خليل ما رأيك بهذه الأطروحة الأساسية أولاً قبل أن نأتي إلى الفصول والتفاصيل الكتاب؟ لكن الأطروحة الأساسية في الكتاب -كما سمعت- أن العلمانية في العالم العربي تتراجع وأن هناك يعني مد إسلامي بديل يعوض عن هذه العلمانية المنحسرة.

د. خليل الهندي: في اعتقادي أن أي منصف.. مراقب منصف للأمور لابد أن يعترف بأن هذه حقيقة واقعة، لكن زعمي أن هذا هو لُب المشكلة في.. في منطقة الشرق الأوسط، وفي اعتقادي أن هذا الكتاب بالذات كتاب أيديولوجي بامتياز، واستعمل كلمة أيديولوجي بالمعنى السلبي، بمعنى أنه منحاز مسبقاً، عندما يفتح المرء كتاباً بعنوان "العلمانية والإسلام في الشرق الأوسط" يتوقع أن تكون هناك مقالات من وجهة نظر علمية، ومقالات أخرى من وجهة نظر الإسلام السياسي.

خالد الحروب: وجهة نظر علمانية تقصد ووجهة نظر إسلامية.

د. خليل الهندي: ما يجد في هذا الكتاب.. ما يجد المرء في هذا الكتاب هو وجهات نظر من وجهة نظر الإسلام السياسي من جهة، ومن جهة أخرى مقالات في نقد العلمانية من وجهة نظر ما بعد العلمانية وهذا هو..

خالد الحروب: غربياً من غربيين.

خليل الهندي: غربيين من بعد.. ما بعد العلمانية، بمعنى أن هؤلاء أُناس تمتعوا بالإنجازات التي أغدقتها عليهم العلمانية، تمتعوا بالتطور والتقدم الذي حققته العلمانية في الغرب وهم الآن يريدون تدوير بعض زواياها الحادة، يريدون التخفيف من بعض الغلواء والشطط الذي وقع في التطبيق العلماني، هذا الكتاب يوحي لقارئه وكأن هذا النقد على نفس المستوى الذي..

خالد الحروب: يتوازى مع النقد الإسلامي..

د. خليل الهندي: الإسلامي.

خالد الحروب: طب اسمع.. اسمع عزام، عزام يعني لماذا.. لماذا ليس هناك مساهمات إما محايدة أو على الأقل تدافع عن العلمانية في الكتاب، كل المساهمات ناقدة ومن وجهة نظر واحدة؟

د. عزام التميمي: في الحقيقة أنه لا يوجد في صُنع البشر شيء اسمه محايد، البشر بطبيعته كل ما ينتج عنه هو منحاز أو لديه تحيز بشكل أو بآخر، أنا لا أنفي التحيز عن هذا الكتاب، هذا الكتاب ساهم فيه مجموعة من المفكرين لا ينتمون بالضرورة إلى الإسلام السياسي، ولكن ينتمون إلى قطاع من المفكرين يرى أن العلمانية في مأزق، الذي لا يرى أن العلمانية في مأزق لم يكن هناك فائدة من وجوده في مثل هذه الندوة التي تمخض عنها الكتاب.

خالد الحروب: أول نقطة اللي أشار إلها خليل إنه.. إنه عنوان الكتاب "الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط" يعني عنوان محايد، بينما مثلاً المداخلات في الداخل ليست محايدة.

د. عزام التميمي: يعني كلمة محايد وغير محايد أنا لا أدوي كيف تفسر وكيف يعني..

خالد الحروب: طيب آجي.. آجي لخليل.

د. عزام التميمي: لا قيمة لها.

محاولات العلمانيين لفرض العلمانية قسراً

خالد الحروب: يعني إذا بدأنا بالفصول والمقولات يعني فصلاً فصلاً في.. بالفصل الأول والثاني اللي كتبه جونس بوزيتو أيضاً والفصل الثاني عزام التميمي هناك مقولة بروز أصولية علمانية في العالم العربي، إنه العلمانية تمظهرت الآن إلى شكل دين جديد يسميها من كثر الالتزام بها وفرضها قسراً على.. على الآخرين، على الشرائح الشعبية إلى غير ذلك، ما هو رأيك؟

د. خليل الهندي: هناك نقطتان تجدر الإشارة إليهما، الأول: أن إصباغ صفة القداسة على العلمانية ظاهرة عامة ليست فقط ظاهرة إسلامية أو عربية، وكافة المفكرين المنصفين العلمانيين يودون نزع الصبغة القداسية عن العلمانية وإعادتها إلى منابعها الأصلية المتواضعة التي تقول ببساطة: فصل الدين عن الدولة ولا شيء آخر، أما رفع العلمانية إلى مستوى مقدس وجعلها ديناً جديداً فذلك أمر لا يتفق عليه العلمانيون الجديون، هذا نقطة، النقطة الأخرى القول بأن العلمانية فرضت قسراً في العالم العربي -في رأيي- شيء.. فيه شيء من الإجحاف، بمعنى أنه ليس في نظري هناك في المنطقة الإسلامية بشكل عام أنظمة علمانية على الإطلاق، هناك أنظمة استولت على الدين، واستخدمته كجزء من مشروعيتها، وهناك في قطر عربي يشير إليه الكتاب حاكم يقول: أنا الدين وأنا الإسلام!! هناك في قطر آخر من يستمد مشروعيته من القول بقادسية جديدة، هناك.. هناك ثالث ينتمي إلى عائلة الرسول، هناك رابع يقول عن نفسه أمير المؤمنين!! مشروعية هذه الأنظمة جميعاً، مشروعية إسلامية، ليست مشروعية علمانية على الإطلاق، ومن الإجحاف رمي نقائص هذه الأنظمة على.. والقول بأن هذه هي العلمانية، وهذه هي مصائب العلمانية.

خالد الحروب: طيب عزام ما رأيك؟ الأنظمة الموجودة حالياً تستمد مشروعيتها من الإسلام إما بشكل تعسفي أو حقيقي أو غير حقيقي، ولا يمكن أن تصفها بأنها علمانية، وليس.. ولا تشكل ممثل شرعي للعلمانية.

د. عزام التميمي: هي النماذج التي يتعرض لها الكتاب هي نماذج أنظمة علمانية احتكرت الدين، يعني نظام البورقيبي مثلاً في تونس، والنظام الأتاتوركي في تركيا ادَّعت لنفسها حق الإفتاء حتى ضمن منطلقات العلمانية، هذه هي النماذج التي يتطرق إليها الكتاب، لكن الحقيقة الفكرة الأساسية التي يتطرق إليها الكتاب ولم نتكلم عنها حتى الآن: هي أن العلمانية كانت في السياق التاريخي الأوروبي لمشكلة المسيحية، وعندما جئنا بهذا الحل وفرضناه فرضاً على المجتمعات الإسلامية جئنا بحل لمشكلة غير موجودة، نحن لدينا نمط آخر من المشاكل.

خالد الحروب: أي نعم، أنا سوف آتي عزام لهذا، لأنه هذا محور مهم، سوف آتي إله في سياق النقاش، لكن قبل ذلك أريد أن أسألك عن شيء أنت ذكرته في.. في مداخلتك وهو شيء مثير ومهم، تقول أن التحدي الأكبر الذي يواجه العلمانيين العرب اليوم هو التزام الإسلاميين بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير وهي القيم التي يُدافع عنها العلمانيون، لكنهم -كما تقول- لا يطبقونها، أولاً ماذا تقصد بهذا؟ ثم انتقل لخليل حتى يُعلَّق على ذلك.

د. عزام التميمي: هو لدينا نماذج متعددة وقف فيها الإسلاميون في ميدان الصراع الفكري يتسلحون بالفكر وبالتنافس على حق الشعب في الاقتراع، ونموذج الجزائر نموذج واضح وهناك نماذج أقل وضوحاً في المغرب العربي في شمال أفريقيا وفي المشرق العربي أيضاً وفي تركيا، العلمانيون رحبوا وهللوا للدبابات التي داست صناديق الاقتراع في الجزائر والتي تسببت في هذه المآسي التي لم تتوقف في الجزائر، هذا موقف العلمانيين، الإسلاميون قالوا: نحن نثق باختيار الشعب، دع الشعب يختار، والشعب برمته يريد أن يختار نظاماً إسلامياً، ومن يدَّعي أنه يريد أن يطبق نظام الإسلام، رفض ذلك العلمانيون، رفضوا الاحتكام إلى الشعب.

خالد الحروب: طب خليل هل هذا التحدي الأكبر الذي يواجه العلمانيين العرب أن الإسلاميين أكثر ديمقراطية وأكثر التزاما بحقوق الإنسان من العلمانيين أنفسهم؟

د. خليل الهندي: في اعتقادي أن في التفكير الإسلامي السياسي حول الديمقراطية قدر كبير من الخلط، أولاً ليست الديمقراطية مجرد الاحتكام إلى صناديق الاقتراع وإلى العملية الديمقراطية الشكلية، في أساس الديمقراطية الاعتقاد بأن المشروعية السياسية نابعة من الشعب وليس هناك أي محدد خارجي لها، بينما الإسلاميين.. الإسلاميون جميعاً يعتقدون بأن هناك محدد خارجي للديمقراطية هو بالتحديد العناية الإلهية، أو الحكم الإلهي، لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية بهذا المعنى، هذا من ناحية، من ناحية أخرى في اعتقادي أن الحرص على الديمقراطية الذي يُبديه العلمانيون هو في النهاية حرص على.. على اعتبار أن التقدم والتطور المجتمعي نابعين.. ينبعان من المجتمع نفسه، بمعنى أن المجتمع مجتمع تجريبي، بمعنى أن الناس عندما يكون هناك.. يسن البرلمان قانوناً.

خالد الحروب [مقاطعاً]: أي نعم، لكن..

د. خليل الهندي [مستأنفاً]: دعني أكمل، عندما يسن البرلمان.. عندما يسن البرلمان قانوناً.. عندما يسن البرلمان قانوناً..

خالد الحروب [مقاطعاً]: حتى إحنا نبقى في الكتاب.. حتى نبقى في الكتاب، حتى نبقي في الكتاب إذا سمحت لي أنتقل معاك إلى الفصل الرابع، لأن يعني نعود إلى القوانين لأنه هذه واردة على.. على المحاور، في الفصل الرابع يقول.

د. عزام التميمي: لكن..

التناقضات الداخلية للعلمانية

خالد الحروب: إذا سمحت عزام، في الفصل الرابع (جون كين) يقول: إنه هناك حدود للعلمانية، حدود العلمانية هذه تنطوي على تناقضات داخلية للعلمانية نفسها إنه إذا سمحت مثلاً بحرية التعبير أفرض للممارسة الدينية والحرية الدينية فهي عملياً تسمح لخمها بالنمو الذي سيفترسها لاحقاً، فماذا تقول في التناقضات الداخلية للعلمانية كما نقاشها جون كين في الكتاب؟

د. خليل الهندي: التناقضات العلمانية بوصفها ممارسة إنسانية على هذه الأرض مليئة بالتناقضات، ليس هناك أي ممارسة إنسانية إلا وفي داخلها حجم كبير من التناقضات، قدرة لك العلمانية على التطور وعلى التقدم تكمن بالضبط في قدرتها على التعايش مع هذه التناقضات وفي قدرتها على تطويع هذه التناقضات لمصلحة التقدم المستمر، عندما يُقال بأن العلمانية تبذر بذور فنائها بيدها عندما تسمح للدين.. للمتدينين بأن يمارسوا نشاطهم في رأيي هذا فهم خاطئ للعلمانية وينتمي إلى ما يمكن تسميته بالأصولية العلمانية، العلمانية الحقيقية تفصل الدين عن الدولة فقط لا غير، تعترف بأن الدين جزء لا يتجزأ من نسيج.. النسيج المجتمعي من المجتمع المدني، تسمح للهيئات الدينية بالتعبير عن نفسها، العلمانية الحقيقة.. العلمانية الحقيقية في رأيتي أصدق.. أصدق في الدفاع عن الدين من الإسلام السياسي، بمعنى.. بمعنى أنها تريد أن تحرر الدين من سيطرة المؤسسات الدنيوية، تريد أن تعيد الدين إلى منبعه الأصلي، تريد أن تقول: الإسلام دين روحاني عظيم، دين لا يدينه ما يفعله المسلمون اليوم من الطالبان وغيرهم، دين لا يدينه ما سيفعله المسلمون في المستقبل..

خالد الحروب: طيب.. طيب خلينا..

د. خليل الهندي: العلمانيون في هذا أصدق دفاعاً عن الدين.

خالد الحروب: دكتور عزام.. دكتور عزام العلمانية تحافظ على الدين بخلاف ما ذكرت في الكتاب والدكتور خليل، العلمانية تحافظ على الدين وعلى بهاء الدين ونقاؤه أكثر من الحركات الإسلامية السياسية نفسها.

د. عزام التميمي: الحقيقة توصيف الدكتور خليل لما.. للأفكار الموجودة في الكتاب وللعلمانية ليس توصيفاً علمياً، ربما توصيفاً أيدلوجياً لأنه ينتسب إلى تيار علماني، الحقيقة أنه في العلوم الاجتماعية وتطور الحركة العلمانية نفسها نرجع إلى نظريتي (خوليوت) و(برادلو) نموذجان علمانيان ثبت بالنتيجة أن العلمانية وإن كانت جزئية ترتضي بالفصل بين الدين والدولة في النموذج المسيحي طبعاً، لأنه إحنا عندنا في الإسلام مفيش رجال دين ومؤسسة دينية، أنه في النهاية -وهذه الأزمة التي يُشير إليها جون كين على.. على فكرة، هذا هو التناقض الأساسي- في النهاية أنك إذا تركت مجالاً للدين فإن الدين سوف يتفوق على العلمانية، الإشكالية التي يتكلم عنها جون كين أنه إذا رضي الله بقسمته، دعني أعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، لو رضي الإله بقسمته فهل يرضى قيصر بقسمته؟ هذه هي الأزمة التي مر بها التاريخ الغربي بأكمله.

خالد الحروب: طيب، الفصل الخامس والسادس وربما السابع يعني (بافيز منصور) و(بيتر برجر) وكمان عبد الوهاب.. الدكتور عبد الوهاب المسيري بيتحدثوا عن أهمية نزع القداسة عن العلمانية، وأشار لها أيضاً الدكتور خليل الآن، يعني هل هناك قداسة.. قداسة منسوبة أو معطاة للعلمانية في العالم العربي حتى إنها تُنزع؟

د. عزام التميمي: طبعاً هي منتهى العلمانية، أنك عندما تهمش الإله، وتهمش المصدر الإلهي، تهمش علاقة الإنسان بربه، تُحل الإنسان محل الإله، فيصبح الإنسان هو مركز هذه الكون، يصبح.. يصبح الإنسان هو المرجعية العليا للقيم، وهذا هو هلاك الإنسان، هذا هو موت الإنسان كما عبر عنه أحد الكتاب.

[فاصل إعلاني]

خالد الحروب: دكتور خليل، في الفصل الثامن كتبه الشيخ راشد الغنوشي يقول.. يتحدث عن العلمانية في العالم.. في المغرب العربي، بلدان المغرب، الجزائر، تونس وهكذا، أولاً أريد ما رأيك بهذا التحليل، بهذا التغطية للعلمانية في.. في المغرب العربي كما وردت في الكتاب؟ وسوف أسأل عزام بعدها في إحدى الخلاصات التي خلص لها الشيخ الغنوشي.

د. خليل الهندي: في اعتقادي أنها -كما قلت- أن الأنظمة في.. في المغرب العربي لا يمكن وصفها بأنها أنظمة علمانية صحيحة.. حقيقية، هي أنظمة استولت على الدين واحتكرته لنفسها، ونتج عن ذلك صراع دموي ما بينها وبين الإسلام السياسي، في الجزائر مثلاً، في المغرب في.. في المغرب أيضاً هناك احتكار للمشروعية الدينية من قِبَل النظام، في تونس هناك أيضاً احتكار للمشروعية الدينية من قبل النظام، لم يؤدي حتى الآن إلى انفجار، ولكن ربما كان الأمر مرشحاً لانفجار كهذا حتى على الأقل هذا ما يتمناه بعض الإسلاميون، فمن العسف وصف هذه الأنظمة بأنها أنظمة علمانية، هي أنظمة استولت على الدين وتستمد مشروعيتها من هذا الاستيلاء، هذا من ناحية، من ناحية أخرى أجد أن راشد الغنوشي أكثر إنصافاً في هذا الكتاب من الكُتَّاب الآخرين، فهو يعترف في ثنايا مقالته بأنه لو لم يكن مؤمناً لاختار العلمانية والديمقراطية العلمانية.

خالد الحروب: أي نعم، هذا.. هذا أريد أن أسأله.. إذا سمحت، أولاً..

د. عزام التميمي: لا.. لا ليس صحيحاً.. هذا كلام ليس صحيح.

د. خليل الهندي: هذا ما يقوله..

د. عزام التميمي: هذا غير صحيح، هو لم يقل ذلك، ولم يقل لو لم يكن مؤمناً..

خالد الحروب: لأ، دكتور عزام أنا أسألك عن.. عما قاله بالضبط وأنا أقتبس لك من.. يعني صفحة 123 يقول: إنه العلمانية هي أفضل خيار للمسلمين في حال استمرار غياب دولة الشورى الإسلامية..

د. عزام التميمي: أي نعم..

خالد الحروب: الآن مثلاً الوضع.. الأوضاع الحالية الآن يصفها بأن هناك غياب لدولة الشورى الإسلامية، فأفضل خيار للمسلمين هو خيار الدولة العلمانية.

د. عزام التميمي: نعم، صحيح خيار الدولة العلمانية إذا كانت هذه الدولة تحتكم إلى أصول الديمقراطية، يعني مثلاً الشيخ راشد تحدى النظام في بلاده أن تكون هناك عملية ديمقراطية حقيقية ودع الناس ينتخبون ويختارون، وقال: نحن نتعهد أن الشعب لو اختار الشيوعيين نحن نرضى بحكم الشيوعيين ونناضل نضالاً سلمياً لنقنع الناس أن الشيوعية ليست هي الخيار الأفضل، هذا ما يقصده، أما لا يقصد أنه لو لم يكن مؤمناً لاختار العلمانية، هذا يكون طعن في عقيدة الرجل..

مدى مناسبة العلمانية للبلاد الإسلامية والعربية

خالد الحروب: طيب، على كل حال يعني بالعودة إلى السؤال الذي أجلته إلى.. إلى مرحلة لاحقة اللي هو مناسبة العلمانية ومواءمتها للبلدان العربية والمجتمعات العربية والإسلامية، أنتقل معك إلى الفصل اللي كتبه منير شفيق يقول: إنه العلمانية نشأت في سياق غربي مختلف تماماً، ونتيجة مشكلات علاقة الدولة بالكنيسة ومجموعة من الأزمات دفعت إلى.. دفعت هذا الحل إلى البروز، وأنها لا تناسب المجتمعات العربية والإسلامية.
السؤال هنا: ألا تعتقد أن هذا الطرح في الكتاب يقترب كثيراً من طرح المستشرقين الذين يقولون: أن المجتمعات العربية والإسلامية مجتمعات جوهرانية وثابتة وفيها جوهر ثابت ولا تقبل التغيير؟

د. عزام التميمي: ليس هذا ما يقصده منير شفيق، ومن يعرف منير شفيق يعرف أنه لا يفكر بهذه الطريقة، الذي يقصده منير شفيق..

خالد الحروب[مقاطعاً]: في الكتاب.. أنا أتكلم ليس عن فكر منير شفيق وإنما عن..

د. عزام التميمي: في هذه الورقة بالذات، أنا أقصد في هذه الورقة، وأنا حررت هذا الكتاب عشر مرات قبل أن يذهب إلى المطبعة، وأعرف ما فيه، الذي يقصده منير شفيق، أن العلمانية هي ثمرة سلسلة طويلة من الصراعات والمساومات، هذه تسوية توصل إليها المجتمع الغربي، إنه هذا هو النمط، هو الأفضل لكي يحصل المجتمع على حالة من الاستقرار ويستطيع أن يتقدم وينطلق نحن في مجتمعاتنا لدينا مشاكل، الحل لمشاكلنا والتسويات التي ينبغي أن نتوصل إليها لتسوياتنا ينبغي أن تكون من.. من واقعنا لا من واقع غيرنا، لأن الكنيسة تختلف حالتها عن حالة الإسلام، لا يمكن المقارنة بينهما، والذين جاءوا بالأفكار العلمانية ابتداءً إلى العالم العربي كلهم كانوا من النصارى، لم يكن فيهم مسلماً واحد، الجيل الثاني من المدافعين عن العلمانية في العالم العربي قاسم أمين وصحبه كانوا من.. من المسلمين الذين تأثروا بمثل هذه الأفكار، وتأثروا أو فسروا بعض الأقوال لمحمد عبده تفسيراً يتناسب مع توجههم.

خالد الحروب: طيب دكتور خليل ما رأيك.. ما رأيك بهذا الربط أولاً أو التفكيك اللي ذكره الدكتور عزام عن..؟

د. خليل الهندي: من الواضح لدي.. من الواضح لدي أن من يهاجمون العلمانية من بين الإسلاميين العرب والمستشرقين يشتركون في.. ينطلقون من منطلق أساسي واحد، هو افتراض أن هناك Homo Islamic us هناك إنسان إسلامي مختلف عن (Homo sepian) مختلف عن الإنسان الكلي، وبالتالي من ناحية المسلمين السياسيين يقولون: ما يصلح لبقية البشر لا يصلح لنا، ومن ناحية أخرى يقول المستشرقون: بما أن المسلمين مختلفين دعهم في.. سادرون في تأخرهم لن يستطيعوا التقدم، من هذا المنطلق في اعتقادي أن هناك تواطؤاً ما بين المستشرقين وما بين الإسلام السياسي، من ناحية أخرى القول بأن العلمانية هي -أود أن اعلق- هي تريد أن تُهمِّش الدين، وتريد أن تصنع الإنسان من أحكام الخالق كلها أوصاف يمكن أن تطلق على العلمانية المغالية الإطلاقية، العلمانية الحقيقية علمانية تؤمن بنسبية الحقيقة، وبالتالي لا تدَّعي لنفسها أي أحكام إطلاقية على الإطلاق.

علاقة العلمانية بالروابط الاجتماعية

خالد الحروب: طيب خليل دعنا ننتقل إلى.. إلى موضوع هذا الفصل الذي كتبته الدكتورة هبة رؤوف عزت عن العلمانية ودورها.. العلمانية والدولة والرابطة الاجتماعية، وتحديداً تقول: إنه العلمانية تدمر الروابط العائلية وتحوصلها تجعلها مجرد هذا.. هذا الروابط مجرد وسائل لغايات مادية. أريدك أولاً دكتور عزام أن تفسر لنا يعني هذه الأطروحة، علاقة العلمانية بالروابط الاجتماعية على.. على مستوى موسع.

د. عزام التميمي: المجموعة القيمية التي تحقق توازن في حياة الناس في مجتمعاتهم وفي أسرهم مصدرها الدين، العامل الأساسي التي تعمله العلمانية بإنها عندما تحل المرجعية العقلانية الإنسانية محل المرجعية الدينية تماماً هذا يعني أنك لابد أن تتقدم بمجموعة جديدة من القيم ومن الأخلاقيات، العلمانية بمنظومتها الليبرالية جاءت بالفردانية، الإنسان الفرد الذي يريد نفسه هو في المقدمة، مصالحه، شبابه، جماله، ثراه، الفداء، التضحية، الاستعداد أن تقبل بالأقل مقابل الأكثر، أنت فرد جندي في مجموع، هذه القيم لا يمكن للعلمانية أن تحلها محل القيم اللي مصدرها الدين ومصدرها الوحي.

خالد الحروب: دكتور خليل هل هذا هو -كما يصف الكتاب- هل هذا هو فعل العلمانية على.. على الروابط الاجتماعية، فعل تدميري ويحطم فيما بينها ويستبدلها بنموذج قيم مادي صرف؟

د. خليل الهندي: ليس ذلك في الحقيقة موضوعاً يمكن للمرء أن يناقش فيه بجدية، بمعنى أن أي نظرة إلى المجتمعات الغربية التي يمكن وصفها بأنها علمانية تُبدي بكل وضوح أن العائلة بخير وأن القيم الإنسانية بخير، وأن هناك كثير من التعاطف والتراحم الاجتماعي، وأن هناك فعل الخير بمقادير ربما ستأخذنا أجيال أو جيل أو.. أو أكثر في العالم الإسلامي لنصل إلى مقدار فعل الخير الذي يفعله الغربيون في مجتمعاتهم العلمانية التي يقول أنها.. التي يقول الإسلاميون السياسيون أن الروح قد ماتت فيها.

خالد الحروب: أريد أن.. أن توجز لي.. توجز لي رأيك الختامي في الكتاب، يعني تقييمك هذا الكتاب "الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط"، أعطيني في النهاية تقييم موجز له حتى أنتقل أيضاً للدكتور عزام أسأله نفس السؤال.

د. خليل الهندي: واضح من مداخلاتي أنني أعتقد أن هذا الكتاب غاية في الانحياز الأيدلوجي، هذا الانحياز واضح أولاً في استخدام مقولات ما بعد العلمانية، في نقد العلمانية لإعطاء انطباع بأنها هذه هي متوافقة مع النقد الإسلام السياسي للعلمانية هي ظاهرة عالمية، هذا من ناحية، من ناحية أخرى هو الكتاب منحاز..

خالد الحروب: أنت كل مرة هذه.. هذه من ناحية، أنا آخذ منك الناحية الأولى.

د. خليل الهندي: يا سيدي ما أنت لم.. لم تعطني مجالاً كي..

خالد الحروب: أنا أعطيتك المجال، لكن أنا اللي عندي يعني كان محاور كثيرة والوقت.. يمكن وقت البرنامج قصير لا يتيح إن، فأسمع من عزام يعني بعد أن سمعت هذا النقد، لو أتيح لك المجال مرة أخرى لإعادة تحريره وإضافة بعض النواقص هل كنت فعلت شيء ما؟

د. عزام التميمي: لكنت سعيت لأن أضيف أوراقاً من تجارب أخرى ومن مفكرين آخرين، لأنه من بعد ما صدر الكتاب كثيرون عاتبونا وقالوا: لماذا لم أقدم عن العلمانية في الباكستان، العلمانية في أندونيسيا، العلمانية في المكان الفلاني؟ لأن الناس يئنون من العلمانية ويتمنون أن يتخلصوا منها.

خالد الحروب: يا سيدي شكراً جزيلاً، وبهذا التقييم الختامي أعزائي المشاهدين لم يتبق لي إلا أن أشكر لكم مرافقتكم لنا جليس هذه الأمسية الذي كان كتاب "الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط" من تحليل (جونس بوزيتو) وعزام التميمي الذي أشكره لمشاركته معنا في الأستوديو، كما أشكر البروفيسور خليل هندي (من جامعة برونال من لندن)، وإلى أن تجالسونا مع جليس جديد في الأسبوع القادم، هذه تحية من فريق البرنامج، ومني خالد الحروب، ودمتم بألف خير.