- فشل الحضارات في مواجهة صدمة الحداثة
- الحتميات الوجودية والحضارات التقليدية

- التغرب واستعارة خطاب الحداثة


خالد الحروب: مشاهدينا الكرام مرحبا بكم داريوش شايغان مفكر إيراني معاصر كتب في الفكر والفلسفة وتخلف الحضارات والثقافات عكست كتاباته ما يسميه الوعي البائس الذي عاشه ملايين من أبناء الشرق الذين مازال سؤال صدمة الحداثة يؤرقهم ويقض مضاجعهم قليلون في العالم العربي هم من يعرفون شايغان لأنه كتب بالفارسية والفرنسية بشكل أساسي حديثا ترجم له إلى العربية أحد أهم كتبه بعنوان ما الثورة الدينية الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة في هذا الكتاب يطرح شايغان السؤال التالي في أي مرحلة تقف الحضارات التقليدية بما فيها الحضارة الإسلامية في الوقت الراهن أهي تقف كما يقول في مرحلة وسطى بين الذي لن يعود والذي لم يأت بعد شايغان يرى أن البني الكلية للحضارات التقليدية انهارت في مواجهة الحداثة وأنه لن يكون بمقدورها النهوض ثانية بأشكالها القديمة يقول إن أحد أهم معضلاتها في مواجهة الحداثة تكمن في أنها تخوض حروبها وهي منخرطة في الحداثة نفسها ولو من دون وعي أستضيف لمناقشة كتاب ما الثورة الدينية لداريوش شايغان الباحث والمفكر السوري جورج طرابيشي من باريس فأهلا وسهلا به.. أهلا وسهلا كما أستضيف أيضا الدكتور رفيق عبد السلام المحاضر في العلوم السياسية من جامعة ويستمينستر في لندن فأهلا وسهلا به أيضا أهلا وسهلا.



فشل الحضارات في مواجهة صدمة الحداثة

رفيق أستاذ جورج لو بدأنا معك في مسالة صدمة الحداثة التي تقريبا يحوم حولها الكتاب وحول فشل الحضارات التقليدية في مواجهتها يقول هو أن في القرون الخمسة الأخيرة مرت الإنسانية بتحولات جذرية اعتبرها مفصل جديد في التاريخ الإنساني وقاد هذا إلى فشل بعض الحضارات في الانخراط في الصيرورة الجديدة الإنسانية ما الذي حدث في هذه القرون الخمسة؟

جورج طرابيشي: قد يمكن تلخيص ذلك بكلمة واحدة انتصر بلغة شايغان نفسه انتصر الإنسان الصانع على الإنسان الساحر انتصر الإنسان الدنيوي على الإنسان الديني هذا ما حدث في الغرب خلال مائة قرن.. خمسمائة سنة فاعتبر إنه الخمسة قرون الأخيرة شهدت عملية تحول هائل سماها هي انتصار أو تقدم مسيرة العلمنة على امتداد خمسمائة سنة وتعمقها سماها مفكر آخر فرنسي مارسيل غوشيه مرحلة الخروج من الدين لا الخروج على الدين الخروج من الدين معرفيا أن الدين لم يعد يقدم إطارات المعرفية يقدم فقط الإطارات الاعتقادية أو الإيمانية فمن الممكن طبعا بالنسبة لغوشيه وهو رجل مؤمن أن تخرج من الدين معرفيا وأن تبقى مؤمنا دينيا وهذا طبعا قد يقود في بحث في بعد الكتاب نفسه إلى فكرة الحقيقة المزدوجة الذي تطرق إليها شايغان فبالنسبة لي أعتقد إنه الغرب فعل ما فعله مستقلا نفسه بمعنى لم يسأل على الآخرين وما حدث في الغرب كما سماه شايغان وبالنقل عن فرويد إنه أحدث ثلاث صدمات كبيرة للبشرية صدمة كوسمولوجية وثانية بيولوجية وأخيرا سيكولوجية الصدمة الكوسمولوجية هي عندما غاليلي عندما جعل مدار الأرض ليست هي مركز الكون كما كان يتوهم الإنسان الديني السابق بل الشمس فإذا انقلبت المركزية الكونية فكان الإنسان يعتبر نفسه في مركز الكون فاكتشف أن الأرض نفسها ليست إلا شذرة بسيطة جدا..

خالد الحروب: وأنه جزء من هذا الكون.

جورج طرابيشي: في كون هائل لا نهاية له فهذه صدمة كبيرة لنرجسية الإنسان وكانت الصدمة الثانية عندما جاء داروين وقال إن الإنسان متحضر من الحيوان وها هنا أيضا كانت صدمة كبيرة للإنسان الديني الذي كان يتصور نفسه مخلوقا على صورة الله فجاء ليكتشف أن أصوله قد تكون من القرد هذه الصدمة الثانية الصدمة الثالثة الأخيرة هي..

خالد الحروب: بإيجاز لأن حتى ننتقل إلى المحور الأساسي.

جورج طرابيشي: الصدمة الثالثة الأخيرة هي فيها الصدمة السيكولوجية التي قام بها فرويد وهي التي قال فيها إنه ما يتحكم بالإنسان ليس وعيه كما كان يعتقد بل لا وعيه أو لا شعور فأيضا هذا جرح لنرجسية الإنسان الذي كان يعتقد إنه يعرف كل شيء فاكتشف أنه لا يعرف حتى نفسه ما أسميه أريد فقط أضيف إنه هذه الصدمات الثلاث أضيف عليها شخصيا صدمة رابعة هي الصدمة التي أحدثها الإنسان الغربي للإنسان الشرقي ما نسميه بالإنسان الشرقي لأنه بتقدم الغرب خلال هذه الخمسمائة سنة تقدما ساحقا أوقعنا في صدمة نرجسية جديدة نحن الذين لا ننتمي إلى هذا الغرب.

خالد الحروب: نعم صدمة في الحداثة أو كذا.

جورج طرابيشي: صدمة في الحداثة.

خالد الحروب: لنسأل الدكتور رفيق دكتور رفيق أحد المحاور الأساسية والأطروحات الأساسية في الكتاب هي ما يصفه شايغان بأن هذه الحضارات التقليدية إذا فشلها في مواجهة الأحداث تقف في مرحلة ما بين بين، بين ماضي لم يعود كما تهوى وتشتهي وبين مستقبل لا تستطيع الإلحاق به ما رأيك بهذا التوصيف بهذا الموضع لهذه الحضارات التقليدية؟

رفيق عبد السلام: يعني من الواضح هنا أن داريوش صاحب الثورة الدينية يصور مسار الحضارات على هذه النمذجة النظرية أن هناك ماضي بصدد الأفول وأن هنالك حاضر جنيني بصدد التشكل ولكنه لم يتشكل على الصورة السليمة يعني قد يكون داريوش محق في بعض مفردات هذا التوصيف في توصيف مظاهر الأزمة والتصدع التي هزت بنيان الحضارات الكبرى الحضارات الشرقية الكبرى ذات المختزنات الفكرية والروحية الكبيرة ولكنه قد يكون مبالغا في توصيف هذه الصدمة أو في توصيف هذه الانتقال وبالمناسبة ربما هذا يعود إلى القراءة الفرنسية المهووسة بفكرة القطيعة كأن هناك عالم انبجس فجأة وبطريقة فجائية وقطيعة مطلقة مع مسار الحداثة ليست بهذه النمذجة إذا قرأنا مسار الحداثة كحركة تاريخية وكمكتسبات فكرية صحيح فيها كثير من عناصر الانتقال ومن عناصر القطيعة ولكن فيها أيضا كثير من عناصر الاستمرارية وعناصر التواصل وللأسف داريوش لم ينتبه إلى هذه النقطة بما فيه الكفاية الحضارات الشرقية واجهت وما زالت تواجه أزمة ولكنها ليست عاجزة بإطلاق وليست الحضارات سلبية بإطلاق حركات الحضارة حركات تدافع وحركات أخذ وعطاء ربما بسبب الانتقال النوعي الذي حدث خلال القرون الثلاث الأخيرة تحديدا ولا أقول القرون الخمس الأخيرة بسبب ما اكتسبته الحداثة والحضارة الحديثة من إمكانيات علمية وتقنية هائلة من اكتسابها لأدوات القوة بسبب توسعها في مستوى المعمورة الكونية اكتسبت أدوت تأثير غير مسبوقة في الحضارات السابقة وليس أكثر من ذلك يعني.

خالد الحروب: طيب إذا انتقلنا في هذا الباب الثاني الآن في الكتاب يطرح شايغان مفهوم أيضا ليس.. ينطلق من هذا الباب ويوسعه في الأبواب الأخرى أن يعمم على الحضارات البنى التقليدية كأنها من بنية واحدة يقول أن هذه الحضارات جوهرها واحد وهو الصعود والنزول الغيبي إلى السماء الآن أستاذ جورج ربما يقول بعضنا في هذا تعميم وأن الحضارات والثقافات المختلفة تعاملت مع الأشياء ومع الحداثة أيضا تعاملات متفاوتة الدرجة ومختلفة؟

"
الحضارات السائدة في الثقافة العربية مقسمة إلى توحيدية وغير توحيدية في حين تأتي قسمة شايغان بأن المزدكية أو البوذية لا تقل روحية عن الحضارة الإسلامية وبالتالي قد تكون مشتركة في البنى رغم الاحتلال الأيديولوجي
"
     جورج طرابيشي

جورج طرابيشي: في الواقع التعميم لابد منه لأنه إذا لم يقع تعميم سنبقى أسرى الخصوصيات فشايغان الذي فعله في هذا الكتاب عندما أقام علاقة نسبة روحية وحضارية بين الحضارات الكبيرة الماضية مثل الإسلام أو الحضارة البوذية أو حتى الحضارة المزدكية أو الحضارة الصينية فلأول مرة أيضا يحقق نوع من اختراق لأنه القسمة التقليدية للحضارات حتى الآن خاصة السائدة في الثقافة العربية قسمتها إلى حضارات توحيدية وحضارات غير توحيدية في حين قسمة شايغان تأتي من مجال أخر إنه المزدكية أو البوذية لا تقل روحية عن الحضارة الإسلامية وبالتالي قد تكون مشتركة في البنى رغم الاحتلال الأيديولوجي الكبير بينها وها هنا تدخل المسيحية ما قبل الثورة العلمية الحديثة تدخل ضمن هذه السياق الحضاري نفسه فأعتقد أهم شيء..

خالد الحروب: التقليدي.

جورج طرابيشي: التقليدي وحتى لما نحن عم بنسميها تقليدي قد لا تكون هذه التسمية مطابقة تماما ولا.. لأن هذه حضارات ما زالت حتى الآن قائمة ولكن ما الذي أزمتها أمام الغرب أنها لم تعد لها سيطرة عالمية كما باتت للحضارة الغربية المعاصرة الحقيقة الحضارة الغربية المعاصرة تتحول ليس فقط إلى ثقافية عالمية إلى حضارة عالمية بل تكاد تكون هي الحضارة العالمية اليوم هذا لم يتح لأي حضارة قديمة سابقة في الماضي كل حضارة من هذه الحضارات الكبيرة التقليدية كانت حضارة عالمية ذات بُعد عالمي ولكنها لم تكن الحضارة الوحيدة في العالم اليوم الغرب الحضارة الغربية حاليا أصبحت هي الحضارة العالمية بإطلاق ليس هناك في مواجهتها حضارة أخرى.

خالد الحروب: حتى نبني على هذه النقطة أيضا ويبقى النقاش تراكمي يقول أيضا شيغان أن هذه الحضارات بما فيها الثقافة والحضارة الإسلامية حاولت أن تتعامل مع الحداثة بأن تصدها تواجهها وفي نفس الوقت اقتبست منها وتبنت بعد أجزائها بشكل هي حدثت وحداثتها هذه أفشلت مواجهتها ضد الحداثة التي تنوي خوض حرب ضدها ما رأيك رفيق؟

رفيق عبد السلام: يعني بالواضح هنا داريوش أنه محكوم بحتميات تاريخية وحتميات وجودية ولذلك المقولات الأساسية المسترسلة والمستمرة في هذا الكتاب مقولة مكر التاريخ مكر العقل حتميات التاريخ كأن هنالك روح باطنية تحكم هذا التاريخ لا شك أن الحضارة العربية الإسلامية كشأن الحضارات الكبرى تفاعلت مع الحداثة وأصيبت بناها بكثير من مظاهر التصدع لأنها لم تتلقى الحداثة الغربية في إطار حركة مساجلة أو حركة مثقفة هادئة بل داهمتها الحداثة كحركة فكرية وكحركة سياسية وعسكرية هزت البنى السياسية والاجتماعية نحن لم نكتشف الحداثة الغربية إلا على ضوء فوهات مدافع نابليون بونابرت وهو يدق أسوار القاهرة ومن الطبيعي جدا أن تكون هذه العلاقة ملتبسة وأن تكون غامضة وأن تكون متوترة مع الحداثة بين قوسين التي هي حداثة الغرب ويبدوا أن داريوش في هذه في هذا المنحى يبالغ لأنه يعتبر مسار الحضارات كأنها حركة سلبية مجرد تلقي لقوة سحرية هائلة انتقال هائل تم من ما يسميه من الإنسان المتأمل والمتذوق إلى الإنسان الصانع يعني هنالك مبالغة كثيرة لا شك أن الحضارة الغربية اكتسبت من المفردات ومن العناصر الجدة ما لم تكتسبه حضارات سابقة ولكن الحضارات السابقة الكبرى أيضا نحت منحى العالمية هذا شأن الحضارة الصينية الحضارة الفارسية الحضارة العربية الإسلامية ولكن وجه الخصوصية في الحضارة الغربية الحديثة أنها امتلكت أدوات القوى وتماهت في القوة قوة التقنية ثم قوة التوسع العسكري الهائل.

خالد الحروب: نعم بعد هذا التوقف لحظات نسأل نفس السؤال للأستاذ جورج مشاهدينا الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.



[فاصل إعلاني]

الحتميات الوجودية والحضارات التقليدية

خالد الحروب: مشاهدينا الكرام مرحبا بكم مرة ثانية نواصل معكم اليوم مناقشة كتاب داريوش شايغان الثورة الدينية أستاذ جورج تحدث رفيق وانتقد الكتاب والمؤلف بأنه طافح بالحتميات الوجودية والأنتروجية والتاريخية ما رأيك في هذا النقض وكيف أيضا كيف ترى تحليله لتعامل الحضارات التقليدية واستيعابها للحداثة أيضا؟

جورج طرابيشي: الواقع أن كانت هناك حتمية فليست لدى شايغان وإنما في طبيعة العصر الذي نعيش فيه فهذه الحضارة الغربية التي أصبحت هي اليوم الحضارة الوحيدة العالمية في العالم هذه هي الحتمية الكبيرة وليست ما يقوله شيغان انتمائه بعض انتمائه إلى هيغل إلى آخره موروثة الهيغلي إذا جاز التعبير فالحتميات الحتمية التي نواجهها جميعا اليوم ليست هي الحتمية التي يتكلم بها منها شايغان نفسه إنما هي حتمية المسار التاريخي المعاصر الحديث فنحن مازلنا نعيش ضمن حتمية لا مخرج لها حتى الآن هي هذه الحضارة الغربية التي غزتنا والتي تكاد تسيطر على كل شيء وتزداد مع الزمن سيطرة في حين أن بنى التقليدية للحضارات التقليدية تزداد انهيارا هذه هي الحتمية الكبيرة كيف نستطيع أن نجد موطئ قدم لنا من الحرية داخل هذه الحتمية هذا هو السؤال الكبير وليس أن نلوم شايغان على حتمياته.

خالد الحروب: لكن نعم الفرع بقى من السؤال بإيجاز لكن لو سمحت أستاذ جورج لأنه فيه محاور كثير الحقيقة في الكتاب هي كيف ترى تحليله لتوصيف ردود الفعل عند الحضارات التقليدية إزاء الحضارة هو يصفها مترددة لا تعرف تكاد ما تفعل تريد أن تعود إلى الماضي تتقدم إلى المستقبل ثم مكانك راوح؟

جورج طرابيشي: الواقع أنا لا أحب أن أجيب على هذا السؤال مباشرة إنما أحاول أن أصوغ الإشكالية بصيغة أخرى قبل هذه الحداثة الغربية... الغربية الأصول لأنها لم تعد غربية لا ننسى اليوم أنه اليابان تشارك على قدم وساق وغدا الصين بتعداد اللي هي خمس البشرية الآن هي قيد تحول كبير هائل وستصبح جزء من هذه الحضارة فحتى وصفه هذه الحضارة بأنها غربية لم يعد مطابقا للواقع لقد كانت أوروبية ثم تأمركت ثم ذهب إلى اليوم نحو آسيا واليوم القارة الكبيرة المرشحة لأن تتغرب إذا جاز التعبير أو تتغربل هي القارة الآسيوية فاليوم هذه حضارة لم تعد غربية بالمعنى التقليدي على الإطلاق للكلمة أعتقد الشيء الأساسي الذي يحدث اليوم حتى نستطيع أن نحدد علاقتنا نحن ما نسمى بالحضارات التقليدية والمجتمع التقليدي مع هذه الحضارة هي أن نفهم أنه لم تعد هناك حضارات أخرى غير هذه الحضارة أم نحن فقد قضي علينا بأن نكون مجرد ثقافات فهناك حضارة واحدة كبيرة وما تبقى في العالم هو ثقافات وقدرة هذه الثقافات على أن تدخل في الحضارة عندها تستطيع أن تغني هذه الحضارة وأن تعطيها تنوينا جديدا كما استطاع اليابانيون يعني يعطوها تنوينا جديدا.

خالد الحروب: في الباب الثالث هنا يتحدث عن الفجوة الأساسية مرة أخرى بين هذه البنى التقليدية بين ما هو ديني وبين ما هو دنيوي وفي سياق هذا النقاش يتطرق لدور بن رشد دور ربما دقيق خلافي إلى آخره يقول أن هناك ثلاث فئات أن شئت فئة أعطت أولوية للإيمان وفئة أعطت أولوية للعقل وفئة ثالثة حاولت التوفيق بينهما وينسب لابن رشد أنه كان من دعاة العقل ما رأيك في تحليله هذا وموضعة ابن رشد في أنه كان أحد أسباب الفجوة بين الحقيقة الدينية والحقيقة الدنيوية في الغرب؟

رفيق عبد السلام: يعني قبل أن أجيب على هذا السؤال بودي لو أن أعقب بعض الشيء على ما سبق أن طرح في هذا الموضوع يبدو لي أن مسار التاريخ ليس تنجيم بالحتميات نحن نحكم الآن كأنه بوابة التاريخ قد أوصدت تماما وأنه لا توجد ألا حضارة واحدة ولا تملك الشعوب البشرية قاطبة بتنوعها وبثرائها وبامتدادها إلا أن تدخل هذه البوابة الضيقة أنا لا أؤمن بهذه الحتميات مسار التاريخ ومسار الاجتماع السياسي أكثر تركيبا وأكثر تعقيدا وللأسف ربما نحكم على حركة الحداثة الآن من خلال الزمن الراهن ولا نعلم ما تخبئه هذه الحداثة حتى إذا استعملنا المقولات مجرى التاريخ..

خالد الحروب: ربما خلال خمس قرون كما يقول الكاتب أينيل ليست لحظة محددة.

رفيق عبد السلام: يعني نعم لا نحاكم..

جورج طرابيشي: هو ليست بوابة ضيقة.

رفيق عبد السلام: حتى أن جاز القول.

جورج طرابيشي: اسمح لي أقول هي أعرض بوابة فتحت الآن في التاريخ البشري.

"
الحداثة كما يقول هابرومازي انفتاح لإمكانيات متعددة، ونحن ننظر لحركة الحداثة في اتجاه واحد هو تأثير هذه الحداثة في بقية الحضارات وبقية الثقافات
"
      رفيق عبد السلام

رفيق عبد السلام: لا ليست قد تكون أعرض بوابة ولكنها ليست البوابة الوحيدة أنا أؤمن بأن الحداثة كما يقول أحد منظريها الألمان هابرومازي انفتاح لإمكانيات متعددة وإذا كانت الحداثة انفتاح على إمكانيات متعددة وإذا كانت الحداثة انفتاح على إمكانيات متعددة فلا يجب أن نوصد وجه التاريخ نحن ننظر لحركة الحداثة في اتجاه واحد تأثير هذه الحداثة في بقية الحضارات وبقية الثقافات ولكن لا ننظر إلى الوجه الآخر من العملة لا ننظر إلى النصف الفارغ من الكأس وهو أن هذه الحداثة تخضع إلى استراتيجية تأويل واستيعاب وعملية دمج مختلفة ومتنوعة لا نعلم كيف سيكون مسار الحداثة في المرحلة اللاحقة خلال العشرين أو الخمسة وعشرين أو الثلاثين سنة القادمة إذا ما انتقل مركز الثقل من أوروبا أو ما تعارفنا عليه اليوم بتسمية الغرب إلى آسيا البعيدة إلى الصين يعني يمكن أن نشهد وجه أو وجوه مغايرة تماما لمسار الحداثة..

خالد الحروب: رفيق .. رفيق نقطة واضحة إذا سمحت.

رفيق عبد السلام: نعم فيما يتعلق..

خالد الحروب: إذا سمحت لأن ربما يدركنا الوقت في مثلا.. السؤال لكن دعني أسأل بإيجاز ابن رشد إذا كان لديك تعليق أستاذ جورج وننتقل إلى الباب الذي يليه وهو مهم جدا عنده علاقة بالتغرب اللاوعي الذي يقول فيه شايغان أن مواجهة مرة أخرى مواجهة الحداثة أحدثت تغريب لا واعي عند من يريد أن يواجهها بنفس أسلحتها..

جورج طرابيشي: الحقيقة فيما يتعلق بابن رشد يعني نحن نعلم أنه يوجد بالغرب أسطورة اسمها الرشدية اللاتينية أنه وهي هذه الرشدية اللاتينية لا علاقة لها حقيقية بابن رشد الذي نعرفه المسلم العربي الأندلسي فالحقيقة المزدوجة هي أوروبا ما قبل الثورة العلمية وهي تتأهب لدخول الغرب للقطيعة المعرفية التي سينجزها مع الثورة العلمية الجديدة وقعت نوع من ثورة تمهيدية في مجال علم اللاهوت المسيحي قادها يوحنا الجندوني أو مارسيل روسيل باتوفي أو سيجل البارابنتي ونسبوا أنفسهم إلى أبو الرشد الذي كانت كتبه ترجمت إلى اللاتينية وجعلوا منه تكئة ليدخلوا معركتهم في قلب المسيحية وفي قلب الكنيسة وفي قلب الجامعات اللاهوتية فأوجدوا فكرة الحقيقة المزدوجة وهي أن الحقيقة هي عبارة عن حقيقتين متناقضتين ولكن كلتاهما صحيحة الأولى صحيحة بالنسبة إلى الدين والثانية صحيحة بالنسبة إلى العقل رغم تناقضهما والحال أن هذا ليس على الإطلاق موقف ابن رشد، ابن رشد انطلق من فكرة الاتصال التام ما بين الشريعة والحكمة ما بين العقل والوحي وأن الحق لا يضاد بالحق فلما يقل قط ابن رشد بالحقيقة المزدوجة فابن الرشد يبقى ابن الحضارة العربية الإسلامية في أرقى أشكالها.



التغرب واستعارة خطاب الحداثة

خالد الحروب: نعم هذه واضحة الآن حتى أسألك بقي معنا وقت قصير الحقيقة ونقطة مهمة اللي هي أيضا التغرب اللاواعي واستعار استعارة خطاب الحداثة إسلاميا وأحيانا ماركسيا وقوميا لمهاجمة ونقد الحداثة نفسها خاصة خطاب ما بعد الحداثة؟ دكتور رفيق.

رفيق عبد السلام: نعم لا شك أن هنالك عملية تلقي ومحاولة استفادة أو حتى استخدام ذرائع في بعض الأحيان لمكونات الحداثة سواء لنقد الحداثة أو لعملية دمج الحداثة داخل الثقافات وداخل خطاب الخطاب المحلي وهذه بالمناسبة ليست ظاهرة عربية إسلامية ولا ظاهرة فارسية كل الحضارات الكبرى التي واجهت تحدي الحداثة قامت بهذه العملية وهذا ربما يبرز الوجه المركب والمعقد لمسار الحداثة لأن الحضارات الكبرى ليست لمجرد صفحة بيضاء يعني حينما واجه التحدي الحداثة عملت على استيعاب هذه الصدمة في بعض الأحيان بطريقة مشوشة بطريقة مرتكبة واستخدمت أيضا أدوات هذه الحداثة كما استخدمت الأدوات العلمية والتقنية للسيطرة على أوضاعها ولتحسين أوضاعها المعيشية وأوضاعها التاريخية كذلك استخدمت مقولات الحداثة أدوات الحداثة سواء للدفاع عن مقومات الثقافة المحلية أو لمحاولة التكيف مع التغيرات الهائلة التي شهدها العصر الآن.

خالد الحروب: نعم المشكلة ليس أيضا أسأل الأستاذ جورج المشكلة في هذا أن الطرف الضعيف هو الذي ينتقد الضرر في القوي أو المنتصر مثلا أو حضاريا بنقله الداخلي يعني فيها ربما البعض يصفها بالانتهازية الفكرية.

جورج طرابيشي: هو الفكرة الجديدة التي أضافها شايغان هي فكرة التغرب اللاوعي أما التغرب الوعي فأنا أوافق تماما الأستاذ رفيق على ما يقوله هناك تغرب واعي هناك تبني نحن الآن نحن مغربون في هذا الأستوديو وفي لبسنا وفي الكهرباء وفي كل شيء ولكن هناك شيء أخطر بكثير يثير شايغان وهو التغرب اللاوعي وهو يقول ذلك بالإحالة إلى التجربة الإيرانية الحديثة وبخاصة إلى تجربة الثورة الإسلامية الإيرانية فهو يلاحظ إنه كلمة ثورة إسلامية التي أرادت أن تواجه الغرب وأن ترد على الغرب وقعت ضحية أو أسيرت التغرب اللاوعي وهذا بعنوانها بالذات لأنه كلمتان متناقضتان بالنسبة له الإسلام ثورة إسلامية للإسلام والإسلام معناه التسليم لله والثورة وهي مفهوم أوروبي يرتبط بالثورة الفرنسية يرتبط بالثورة الأميركية يرتبط بالثورة البلشفية وهو مفهوم.

خالد الحروب: وهو يعني كل شيء ما عدا التسليم.

جورج طرابيشي: وهو مفهوم معاكس تماما للتسليم وليس له أي تراث في الثقافة العربية الإسلامية أو الثقافة الإيرانية الفارسية الإسلامية.

رفيق عبد السلام: نعم هذه ظاهرة التغرب الوعي غير اللاوعي هذه ظاهرة موجودة وهذه تسكننا سواء أن في ضمائرنا الفردية أو في مستوى النسيج الاجتماعي أو في مستوى البنى السياسية العامة كل الحضارات الكبرى وكل المجتمعات تأثرت بالغرب بدرجات متفاوتة بشكل أو بآخر ولكن أيضا لا يجب أن يخفي عنا الوجه الآخر من المشهد وهو أن هنالك عملية إحياء داخل أيضا داخل الثقافات الكبرى وهذه بالمناسبة ليست حالة خاصة بالعرب أو بالمسلمين هنالك ظاهرة إحيائية قد تكون في بعض الأحيان تأخذ حتى منح مرضي في الهند هنالك إحيائية هندوسية في الصين هنالك إحيائية صينية في العالم الإسلامي هنالك إحيائية إسلامية فيجب أن ننظر أيضا إلى الوجه الآخر من مسار هذه الحركة وهو أن هنالك الثقافات الكبرى لها مختزناتها الداخلية وتقوم بعملية إحياء وعملية دمج مع المقتضيات الجدية ومع التطورات الحاصلة في مسألة الحداثة.

خالد الحروب: شكرا رفيق هذا ما كان من هذا الأفكار الثرية لكن هذا ما أتاح الوقت لنا به ومشاهدينا الكرام شكرا لكم أيضا على مرافقتكم لنا كتاب هذا اليوم لداريوش شايغان وأشكر باسمكم ضيوفنا الأستاذ جورج طرابيشي المفكر السوري المقيم في باريس والدكتور رفيق عبد السلام المقيم في لندن المحاضر في جامعة ويسترن في العلوم السياسية وإلى أن نلقاكم الأسبوع المقبل مع جليس جديد هذه تحية من فريق البرنامج ومني خالد الحروب ودمتم بألف خير.