- شخصية عبد الرحمن والعلاقة مع البحر
- المزاوجة بين التراث والحداثة

شخصية عبد الرحمن والعلاقة مع البحر

خالد حاجي
خالد حاجي: "ولى فصل الشتاء
كأنه حلم عابر. كان الجبل يودع الفصل البارد بثلوجه، ويستشرف قدوم فصل الربيع الذي جعلت يده تنسج ثياباً خضراء للأرض، وكانت نسائم الصباح تهمس للصخر أسرار الحسن والجمال في هذا الكون فتلين من صلابتها، كم كان يطيب مرأى كاسرات الحجر وهي تفلق الصخر الصلب لتحصل على مكان لها تحت الشمس! كم كان يلذ سماع ألحان الطيور وتراتيل السواقي ومنظر الصقور تحلق في شموخ لتحط على القمم الشاهقات، وأما الصغار من الطيور فكانت تلهو بنبش الأرض المبلولة بمنقارها. وفي هذا المكان والزمان البديعين كان يجلس عبد الرحمن وحيداً صامتاً ومفكراً، ناظراً ومعتبراً. كان صمت المكان وهدوء اللحظات يوحي له وكأنه يسكن الأبد والخلود. حيث يعطل الزمن وتقف الأحداث، ولولا تعاقب الصحو والغيم في السماء، لولا مرور بعض السحب الضائعة لخيّل للمرئ أن الكون قد توقف" "عبد الرحمن والبحر" رواية أصدرتها عن المركز الثقافي العربي ببيروت 2010. لماذا عبد الرحمن والبحر؟ عبد الرحمن كما يوحي بذلك الاسم قريب إلى الجذب وإلى الانجذاب بين عوالم مختلفة فهو شخصية موزعة الميول بين عوالم مختلفة عالم الحداثة وعالم التراث عالم الصمت وعالم الصوت عوالم مختلفة تتجاذب هذه الشخصية، عبد الرحمن شخصية تحاول أن تجمع ما بين الضفتين والبحر هو الحاجز الذي يفصل العوالم التي تتجاذب هذه الشخصية الاسم قد يوحي لنا باسم عبد الرحمن الداخل الذي يدخل على بيئة غريبة أو عبد الرحمن ابن خلدون أو عبد الرحمن المجذوب أو أسماء كثيرة، البحر طبعا فضاء مميز كان عبر التاريخ فضاء يحبذه الشعراء لأن على شاطئ البحر الإنسان يشعر بوجود علاقة ما بين السائل والصلب المجهول والمعلوم وهذا مرتع خصب لكل عقل شاعري، لذلك فعبد الرحمن هو شخصية تعلم الصمت قبل الخروج إلى عالم الصوت وتوغل في مغارة التعبد قبل أن يخرج إلى شطآن العشق.


المزاوجة بين التراث والحداثة

خالد حاجي: الرواية هي عبارة أولا عن مقامات، جملة من المقامات ينتقل أو يتقلب فيها عبد الرحمن من مقام إلى مقام آخر حتى يصل إلى الضفة الأخرى ضفة الأمان وضفة الأمل، الأمل في أن يجتمع في مولوده الموعود أو مولوده القادم ما به يؤلف ما بين الانتماء المزدوج الانتماء إلى التراث والانتساب إلى العالم الحديث. كما كان يقول ويردد الشاعر الألماني الكبير غوتيه على الشاعر أن يكون فيلسوفا ولكن عليه كذالك أن لا يترك الفلسفة تظهر أو تبرز في كتاباته الشعرية حتى لا يثقل على القارئ، الشعر يعني بقدر ما تغنيه الفلسفة قد يكبله عمقها.. العمق الفلسفي قد يكبل الابداع الشعري أو الابداع الأدبي، فهذه يعني المزاوجة ما بين مقتضيات التفلسف والتعمق في الفكر وما بين مقتضيات الامتاع في الكتابة الأدبية هذا يقتضي جهد من المؤلف، فرواية عبد الرحمن فيها اشتغال على مستوى البيان على مستوى اللغة لإخراجها من المضمار أو المجال الفلسفي بنية عدم الاثقال على القارئ وحتى تكتسي صبغة أدبية سلسة وممتعة في نفس الوقت. ومن بين الروايات التي في الواقع ألهمتني في كتابة "رواية عبد الرحمن والبحر" رواية "هكذا تكلم زرداشت" لنيتشه فكرة كتابة الرواية بغرض الخروج عن المألوف، قبل كنت أعنى بكتابة المقالة الفلسفية التحليلية والمقصود من وراء هذا النوع من الكتابة هو الافحام افحام القارئ أو الوصول مع القارئ إلى نتيجة حتمية تستدعي أو تقتضي التسليم. ولكن كتابة الرواية هي كتابة من نوع جديد، بمعنى آخر لما تكتب رواية الرواية بيان والإنسان كائن بياني والبيان هو ما يميز كل إنسان عن كل إنسان آخر، ففي كتابة الرواية عبر هذه الرواية أحاول أن أفتح فضاء استشراف يدعى إليه كل من الكاتب والقارئ بغرض التأمل وفتح فضاء جديد لاستشراف مستقبل والتطلع إلى آفاق لا تمكن من التطلع إليها الكتابات الأخرى أنواع الكتابات الأخرى التي هي كتابة من نوع فلسفي أو من نوع علمي أو من نوع معرفي آخر، وأنا تكويني أنا مدرس أدب في الأصل مجال اشتغالي بالأدب والعلوم الإنسانية هو المجال الأول، فكنت دائما أشعر بالحاجة إلى مخاطبة مخيال القارئ عوض الاكتفاء بمخاطبة عقله فقط، التخاطب على مستوى الأفكار لا يكفي فشعرت بالحاجة إلى.. هناك أشياء لا يحسن التعبير عنها إلا بلغة الفن لغة الرواية أو لغة أشكال فنية تعبيرية أخرى لذلك شعرت في داخلي بحاجة ملحة للاقبال على هذا النوع من الكتابة هذا شيء لم أحضر له بشكل يعني.. وإنما كان أتى بعفوية بحكم التكوين وبحكم التخصص وبحكم التدريس فهذا شيء لم يقتض مني جهدا كبيرا وإنما هو حالة ابداع شعرت بها وكأنها تقتحم علي فضاء الفكر فتخرجني من الكتابة الفلسفية الجافة أو الكتابة الفكرية التي فيها مقارعة الأفكار ومحاولة الافحام إلى مجال آخر مجال الابداع فيه محاولة مغازلة المخيال بالدرجة الأولى ومخاطبة مخيال القارئ بدرجة أكبر. الرسالة التي أطمح في تبليغها أو توصليها للقارئ عبر هذه الرواية هي رسالة بسيطة جدا سهلة هو كيف يمكن أن نؤلف بين انتسابنا إلى التراث وانتسابنا إلى الحداثة، فالرواية تنتهي بالأمل حيث عبد الرحمن كهل وأخذ يشعر بالضعف فتزوج فتاة في حداثة سنها، حداثة السن تفيد الحداثة كذلك، فعبد الرحمن بزواجه مع الحداثة يطمح في أن يولد من هذا اللقاء مخلوق جديد يتألف فيه ما صعب علينا نحن كأجيال تأليف فيما بينها.