- الإنسان العربي بين الهيمنة اللاهوتية والهيمنة الإنسانوية
- الطريق إلى أنسنة الإنسان والبحث عن نقاط التلاقي

مشير باسيل عون

الإنسان العربي بين الهيمنة اللاهوتية والهيمنة الإنسانوية

مشير باسيل عون: كتاب "في سبيل أنسنة الإنسان" لبولس الخوري نشرته جامعة الروح القدس الكسليك في سلسة اسمها "مدخل إلى" بكلية الفلسفة والعلوم الإنسانية، وبولس الخوري من المفكرين اللبنانيين اللي سلخوا عمرهم وهو يفكر في قضية التوفيق بين التراث والحداثة، كان همه بهذا التوفيق أن يعيد الاعتبار للإنسان، الإنسان العربي، كان يعتبر أن الإنسان العربي -وبعده بيعتبر- مهيض الجناح حقوقه مسلوبة لأنه يجابه نوعين من الضغط أو الإكراه، الإكراه يللي بيسميه الإكراه اللاهوتاني والإكراه الإنسانوي، الإكراه اللاهوتاني ناجم عن الأنظومة الدينية اللي بتعتبر أن الله هو مرجع كل شيء بمعنى المهيمن على كل شيء الذي يفرغ كيان الإنسان من كينونته ويجعل الإنسان تابعا خادما عبدا مطيعا لا رأي له في أي أمر من أمور الحياة، هي بيسميه بولس الخوري النظام اللاهوتاني اللي سيطر على عقلية الشرق وما زال يسيطر على عقلية الشرق ويللي هو سبب التخلف سبب كبير بالتخلف في الشرق، الهيمنة الأخرى هي الهيمنة الإنسانوية والهيمنة الإنسانوية آتية من الغرب، من الغرب بمعنى أن المذاهب الإنسانوية اعتبرت أن الإنسان هو كيانه محدود بحدود وضعيته التاريخية ولذلك يختزل إلى مكونات اختباراته الاجتماعية أو النفسية أو المادية، إذاً المذاهب الإنسانوية الغربية حجمت الإنسان وضعته في حدود دنيا. ولذلك يعتبر بولس الخوري أنه علينا خصوصا بالشرق  العربي أن نجتهد في تحرير الإنسان من الهيمنة اللاهوتانية ومن الهيمنة الإنسانوية وهذا الطرح موجود بتضاعيف هالكتاب يللي هو مجموعة تأملات وضعها بولس الخوري في متناول القارئ العربي بلغة سهلة لأنه عنده دراسات أخرى أشد تعقيدا. ما يقترحه بولس الخوري في هذا الكتاب هو السبيل الإنتروبولوجي، ما أحب يحكي عن المذهب الإنساني لأنسنة الإنسان في سبيل أنسنة الإنسان اعتبر أن الطريق الأنتروبولوجي هو اللي بيحرر الإنسان العربي من الهيمنة اللاهوتانية والهيمنة الإنسانوية، الطريق الأنتروبولوجي معناه أن الإنسان يجد فيه توقا ونزوعا إلى المطلق وأن المطلق بدايته في الإنسان وخاتمته فيما بعد فيما يتخطى الإنسان ولذلك يحدد بولس الخوري الإنسان بكائن التجاوز المطلق لذاته. "الكيان الإنساني ذو وجهين أو بعدين، بعد الواقع المحسوس الخاضع لأحكام العلم والتقنية وبعد المعنى الذي يسعى إليه الإيمان المتجسد في الأنظومة الدينية، فالإنسانية تكتمل بتطابق الواقع والمعنى فأنسنة الناس هي حصرا ما يبرر وجود المجتمع الإنساني ووجود الدين كعنصر من عناصر هذا المجتمع". عندما يتحدث عن الأنسنة بولس الخوري يعتبر أن من مهام الدين الأساسية كل دين أن يسعى في أنسنة الإنسان وإذا أخفق الدين في هذه الأنسنة فيكون قد حاد عن هدفه أو غايته الأولى.



الطريق إلى أنسنة الإنسان والبحث عن نقاط التلاقي

مشير باسيل عون: في الكتاب محاور كبرى أساسية تدور حولها المقالات التي وضعها بولس الخوري، المحور الأول هو محور إعادة تعريف الأنظومة الدينية وهذا محور أساسي لأن هذه الإعادة هذه المراجعة لمفهوم الدين هي أساسية في فكر بولس الخوري لأنها مستمدة رأساً من تصوره لمسألة ارتباط الواقع بالمعنى، الواقع الإنساني بالمعنى الذي ينزع إليه الإنسان، المحور الثاني هو الحديث عن تلاقي الحداثة.. الأصالة والحداثة الأصالة أي الانتماء إلى الهوية العربية الشرقية الإسلامية، والحداثة أي الانفتاح على مكتسبات العقلانية الغربية وهذا أيضا محور أساسي لأنه ينخرط في اعتناقات بولس الخوري وأيضا مرتبط بتصوره لعلاقة الواقع بالمعنى، أما المحور الثالث فهو محور الحوار المسيحي الإسلامي وإعادة النظر في معطيات ومقتضيات هذا الحوار في ضوء إعادة تعريف الدين أو الأنظومة الدينية. هذه هي المحاور الثلاثة التي تدور عليها أغلب المقالات التي أتى بها الكتاب، وبناء على هذا التوثيق بين الواقع الإنساني والمثال الذي يأتيه من المقبل من الجدة الآتية إليه يبني بولس الخوري أنظومته الفكرية فيتحدث عن التراث العربي والحداثة ويعتبر أن بين التراث والحداثة أمرا مشتركا إذاً يحدد التراث العربي بحضور قيمة التعالي أو التجاوز.. السمو الإلهي حاضر حضورا شديدا في التراث العربي الإسلامي، فإذاً التراث العربي بالنسبة لبولس الخوري مسكون بقيمة التعالي وهذا ما يختبره أهل الشرق على وجه العموم، أما الحداثة فهي مسكونة بتطلب العقلانية أي بمثال العقلانية والعقلانية بالنسبة لبولس الخوري هي حرية النقد للبناء النقد البناء، فإذا قارنا جوهر التراث العربي وجوهر الحداثة وجدنا بحسب بولس الخوري أن الجوهرين جوهر واحد لأن التعالي هو تجاوز لما ينجزه الإنسان وتطلب دائم وعدم رضا على كل المكتسبات الإنسانية والنقد يجاري التعالي والسمو ولذلك يعتبر بولس الخوري أن ما من استحالة للتوفيق بين التراث العربي والحداثة الغربية، إذا ما تناولنا التراث في جوهره التعالي التجاوز الإقتضاء التطلب الدائم وتناولنا الحداثة في جوهرها أي النقد البناء، هذه محاولة جديرة بالاعتناء في عالمنا العربي الذي توزعت آراؤه بين مناصر للحداثة مناهض للحداثة موفق بين التراث والحداثة ويعلم الجميع الأطروحات التي أتى بها علماء النهضة الأولى وعلماء النهضة الثانية لإخراج العالم العربي من أزمته أزمة التخلف التي يتخبط بها، واستنادا إلى الفكرة عينها التي سبق وأوردتها يعتبر بولس الخوري أن هناك أيضا إمكانا للتلاقي بين المسيحية والإسلام فهو يطبق المنهج نفسه على تلاقي المسيحية والإسلام ويعتبر أن جوهر المسيحية هو توق الإنسان إلى المطلق وجوهر الإسلام أيضا توق الإنسان إلى المطلق فالجوهر المشترك بين المسيحية والإسلام يمكن أن يساعد الديانتين على أن تلتقيا دون أن تحجما أو تعرضا أو تتخليا عن كل الأردية أو الألبسة أو اللباسات الثقافية التي اعتمرتها على مدى القرون. أما فيما يتعلق بمسألة التلاقي بين الشرق والغرب فيعتبر بولس الخوري أن هناك وجوها شتى لهذا التلاقي ويصف في خاتمة الكتاب وصفا جديرا بالاعتناء مسألة العلاقة بين الشرق والغرب يقول "خلاصة القول أن الشرق متخلف ولكنه قد لا يقل حضارة عن الغرب إذا قيس التقدم بمقياس الثروة والقدرة والتقدم التقني كان الشرق متخلفا أما إذا كانت الحضارة تتضمن احترام الإنسان أي كانت مظاهره فالغرب المتفوق غالبا ما يبدو متوحشا، لعل الالتباس يكمن هنا في وظيفة العقل المزدوجة فالشرق ينظر إلى وظيفة العقل على صعيد الغايات فيما يقصرها الغرب على صعيد الوسائل فكان الأول عاجزا وكان الثاني فاقد الرشد، ما أتفه الحكم إذا لم يصحبه الفعل وما معنى القوة إذا لم يصحبها الحس بالإنسانية، هل كانت محاولة الجمع بين عقل الغايات وعقل الوسائل إغراقا في عالم الخيال أكثر مما كان من المفارقة الفصل بينهما؟".

في سبيل أنسنة الإنسان

تأليف: بولس الخوري

الناشر: جامعة الروح القدس- لبنان

فهرس الكتاب

 الحوار الإسلامي المسيحي

التراث والحداثة

الثقافة بين الدين والسياسة

حول السلام في الشرق الأوسط

حول العيش المشترك في لبنان

حول الفكر الديني والفكر العلماني

حول الإنماء والواقع اللبناني