- حكاية غزة بين الذاكرة الأليفة ووجع التهجير
- تحولات السياسة الفلسطينية وتاريخ غزة المهمش

  

حكاية غزة بين الذاكرة الأليفة ووجع التهجير

 عبد الرحيم الشيخ
عبد الرحيم الشيخ:
أبي كان مقاتلا من أجل الحرية أو أبي كان فدائيا، حكاية غزة التي لم ترو بعد، وهو كتاب ألفه رمزي بارود في سيرة والده أوديسة والده الذي هجر مع عائلته من قريتهم الأم بيت دراس إلى مخيم النصيرات في نكبة الفلسطينيين في العام 1948 وهو كتاب يجمع بين التاريخ العائلي والتاريخ العام وتاريخ الشعب الفلسطيني. هذا الكتاب محاولة جادة لإعادة الفلسطيني إلى موقعه الحق في الضمير العالمي وإعادة القضية الفلسطينية أكثر القضايا حساسية وأكثر القضايا خيرية إعادتها إلى موقعها الحقيقي في الضمير العالمي. ينقسم الكتاب إلى 13 فصلا يمكن إدراجها في ثلاثة أجزاء أساسية بعد تقديم المؤلف حول كيفية كتابة الكتاب وحول عيش الفلسطينيين منذ النكبة وحتى اللحظة في حالة منفى دائم في حالة انتظار في المنفى للعودة إلى فلسطين، في أكثر فصول الكتاب حميمية ربما الفصل الأول وهو بعنوان "أزمنة أسعد" يتحدث وهو يشكل بشكل عام الجزء الأكثر إيقاظا لذكريات الطفولة في الكتاب يشكل سردا لتاريخ بيت دراس سردا للذاكرة الأليفة التي شهدها الفلسطينيون في بلدهم الأم، فلسطينيو بيت دراس الذين هجروا على أيدي العصابات الصهيونية إلى مخيم النصيرات في عام 1948. يتنقل رمزي بارود بين التاريخ العائلي والتاريخ العام مركزا على تاريخ قرية بيت دراس بين التاريخ الكنعاني وحتى اللحظة مركزا على أهمية بيت دراس كمركز تجاري لبيع الماشية وللصناعات الحرفية الأخرى كما يركز أيضا على علاقات الجوار التي كانت بين الفلسطينيين واليهود الذين يعيشون على مقربة من بيت دراس في مستوطنة التي أصبحت لاحقا مستوطنة كبانية الطيبة الذين كانوا يهودا مسالمين حالهم حال الفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين التاريخية بعلاقات جوار طيبة قبل أن تتم صهينة الهجرة إلى فلسطين ضمن مشروع استعماري في العام 1905. لكن الجانب الأكثر أهمية هو إلحاح والده على مركزية الحل القومي للمسألة الفلسطينية وارتباط غزة المشيمي والعضوي بمصر الشقيقة وببقية الدول العربية والمسؤولية القصوى التي كان يتحملها ولا يزال يتحملها ويجب أن يتحملها العرب حتى هذه اللحظة عن مأساة الفلسطينيين في إنهائها وتحرير البلاد ومن هنا جاء تطوع والده في الجيش المصري واستمرار عطائه الوطني والنضال عندما حلت نكسة العام 1967 للفلسطينيين، ومن ثم رغم أن موضوع الكتاب المركزي هو والده محمد بارود إلا أنه يستدعي أيضا تاريخا مشابها موازيا هو تاريخ الوالدة ظريفة التي عانت ظروفا مشابهة وبدأت العمل مبكرا وعلى الرغم من كونها أمية إلا أنها كانت مصدرا للوعي والثورة في أبنائها. على الرغم من أن الكتاب يتناول السيرة الغيرية لوالد رمزي بارود المرحوم محمد بارود إلا أن الكتاب فيه مقولة سياسية تدشن مشروع توثيق موقع غزة في الذاكرة الفلسطينية وفي التاريخ الفلسطيني والتاريخ السياسي الفلسطيني، ثم يبدأ رمزي بارود باستعراض فصول وجود غزة على الخارطة السياسية الفلسطينية عموما وعلى الخارطة السياسية الإقليمية، أهم هذه التحولات رصدت بروز كما قلنا منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد والتراجع الذي اكتنف هذه المسيرة والمشروع الكبير لمنظمة التحرير حول الدولة العلمانية الديمقراطية في كل فلسطين وفي عموم فلسطين في العام 1974 حين يتناول بشيء من الإسهاب خطاب الرئيس الشهيد ياسر عرفات في الأمم المتحدة حول غصن الزيتون، البندقية وغصن الزيتون، ومن ثم يتناول تداعيات هذا الإعلان الفلسطيني عن الرغبة في السلام وفي وجود دولة خاصة بالفلسطينيين على الرغم من الاعتراف الضمني بإسرائيل في ذلك الإعلان، ومن ثم يتناول بقية الأحداث من اجتياح جنوب لبنان، الاجتياح الإسرائيلي والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل إلى بداية الانتفاضة الثانية مرحلة الشباب لدى رمزي بارود مؤلف هذا الكتاب الذي كان طالبا في جامعة بيرزيت وحرمه الاحتلال من الاستمرار في هذه الدراسة لينتقل إلى سياتل إلى الولايات المتحدة في هذه الحقبة حقبة بداية الانتفاضة الأولى بدايات النصر الفلسطيني ومن ثم ترديات الانزلاق إلى عملية السلام ما يسمى بعملية السلام مع الاحتلال الإسرائيلي ابتداء بمدريد وانتهاء بأوسلو إلى هذه الفترة.

تحولات السياسة الفلسطينية وتاريخ غزة المهمش

عبد الرحيم الشيخ: نتيجة لهذا الرصد يمكن تسجيل خمس تحولات أساسية شهدتها السياسة الفلسطينية والواقع الفلسطيني هذه محاولة استنطاق ما قاله على لسان والده وعلى لسانه رمزي بارود، أولا في تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى حركة.. من حركة خلاص وطني إلى حركة إدارة شؤون وطنية في ظل سيادة ناقصة أو غير موجودة على الإطلاق، تحول مفهوم الجماعة الفلسطينية عن ذاتها وعن نفسها باستثناء اللاجئين في الشتات وفلسطيني العام 1948 من المجموع الفلسطيني تبعا لاتفاقية أوسلو، التحولات المؤذية جدا على صعيد المجتمع المدني الفلسطيني الذي كان رديفا لحركة التحرر ومن تحول إلى وسيط بين حركة التحرر وبين الناس أو بين الفلسطينيين والمجتمع المنحاز، المجتمع الدولي المنحاز في الخارج وبروز مجموعة من المبادرات في النقطة الرابعة بروز مجموعة من المبادرات السياسية أو البدائل لمنظمة التحرير سواء كان ذلك من داخل ما يعرف بالمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة على أيدي حركة حماس تحديدا نشوء حركة حماس والسياق الاجتماعي والثقافي لذلك أو خارج الضفة الغربية وقطاع غزة سواء مبادرات دولة كل المواطنين في فلسطين المحتلة في عام 1948 أو الدولة الواحدة خارج فلسطين، وأخيرا هناك إشارة إلى الفساد في الوعي الجمعي في الذاكرة الجمعية التي تأثرت شديد التأثر بسياسات النسيان التي حلت محل سياسات الذاكرة والتي دعمت أحيانا من قبل المؤسسة الرسمية ومن بعض المؤسسات التي تنتمي إلى حقل أو إلى مجموع المجتمع المدني في فلسطين. الكتاب يجمع بين التاريخ الشخصي والتاريخ العام أي أن الكتاب يستثمر السيرة الغيرية سيرة الوالد ليقص من خلالها التاريخ الحدثي بمعنى أن هذا الكتاب هو محاولة تجربة في تدوين التاريخ اللاحدثي حين نجعل من الشخص، نحيل دور البطولة إلى سيرة الشخص لا إلى سيرة المجموع ومن خلالها نشتق سيرة المجموع وبهذا المعنى فكتاب رمزي بارود هو كتاب في الانتباه الجماعي هذا الانتباه الذي يقف فوق جهد المؤرخ المنحاز إلى أجندة سياسية أو أجندة وطنية ربما وفوق جهد الروائي الشاعري الذي يختلط فيه الخيالي بالواقعي، هذه نقطة، أما النقطة الأخرى فالكتاب يسرد تاريخ غزة المهمش في الغالب من التاريخ الفلسطيني ليس من التاريخ الرسمي وإنما مركزية تاريخ غزة في التاريخ الفلسطيني حيث إن هنالك نوعا من الميل إلى تركيز الخطاب السياسي على المركز الفلسطيني ومن هنا تنشأ أو تأتي الفضيلة الثالثة للكتاب أنه يتناول تاريخ اللاجئين قبل لجوئهم، أي أنه يحاول استثمار شيء يمكن وصفه بالتاريخ غير النخبوي للفلسطينيين حيث يتتبع مسيرة مجموعة من الفلاحين، والده أقارب والده وعائلة والدته في عيشهم في قريتهم الوادعة في بيت دراس قبل أن تحدث النكبة ومن ثم يتم تتبع خط سير هذه العائلة، أوديسة هذه العائلة في مخيم النصيرات كملجأ مؤقت لعائلة بارود. هناك لفتة محزنة ولكنها لفتة تستحق الذكر في الكتاب أنه يبدأ بتوصيف دقيق للمقبرة في مخيم النصيرات وينتهي بتوصيف دفن والده ووالدته في المقبرة تحت حراب الاحتلال وبعد تفكيك بنى المستوطنات في غزة وكأنه.. ويذكر حلما رآه مؤلف الكتاب يذكر هذا الحلم أن والده رجع من الموت وذهب معه إلى قريته الأم بيت دراس وأبدى رغبته في أن يموت ثانية وكأن الموت لا يمكن أن يكون موتا حقيقيا إلا في مكان الولادة وكأني برمزي بارود يستدعي مقولة حسين البرغوثي الشعرية حول غزة،

ماذا نقدم للمقبرة

ونعرف أن الطريق إليها لنخرج منها خروج الإله

ليست يد التذبيح أقوى من سيول الحياة

ليست يد التذبيح أقوى من سيول الحياة

 

أبي كان مقاتلا في سبيل الحرية

قصة غزة التي لم ترو

تأليف: رمزي بارود

تمهيد

أوقات أكثر سعادة
مولود وسط الاضطراب
الهروب
عالم خارج الخيمة
مفقود ومردود
النكسة
غصن زيتون وألف علبة رب الطماطم
رجال غريبون في كازينو الشاطئ
الانتفاضة وفتحة أبواب الجحيم
أوسلو في خطر داهم
العالم كما يظهر من الدرج الحجري
احتضار آخر