- تصحيح الأفكار حول شخصية ابن النفيس ولقبه
- الاكتشافات العلمية والمنهج العلمي العربي

تصحيح الأفكار حول شخصية ابن النفيس ولقبه

يوسف زيدان
يوسف زيدان: جاء هذا الكتاب بعنوانه هذا " إعادة اكتشاف ابن النفيس" لتصحيح كثير من الأفكار والتصورات والتقييم العام لشخصية ابن النفيس، ابن النفيس هذا العلامة الذي ولد في قرية قرب دمشق اسمها القرش -كانت قرب دمشق وثم دخلت في حدود المدينة لاحقا- ارتحل وهو في العشرينيات من عمره إلى مصر وبقي فيها زمنا حتى اشتهر أمره وصار رئيسا لأطباء مصر والشام. وكما هو معروف في هذه الفترة في القرن السابع الهجري كانت مصر والشام يعني منطقة واحدة يعني لم تكن هناك إسرائيل طبعا، وكانت الدولة المملوكية تحكم الجناحين الكبيرين للعالم العربي والإسلامي آنذاك. ابن النفيس ظل يكتب وينوع في إنتاجه الفكري ما بين الفلسفة واللغة والنحو والطب طبعا وهو موضوعه الأساسي، والصيدلة وحتى الأدب كتب فيه. كان متنوعا وكان متدفقا في لغته، والأعوام التي قضيتها في التحقيق الشامل أعطتني فرصة ذهبية لتأمل كيف يمكن أن ينطق العلم باللغة العربية نطقا بديعا، لغة ابن النفيس في الشامل هي لغة يعني أعلى ما وصلت إليه فيما أعتقد اللغة العربية في التعبير عن الموضوعات العلمية. قبل الفصول دعني أنبه إلى خطورة هذه العبارة الافتتاحية للكتاب حيث يقول ابن النفيس بلغته العالية "وربما أوجب استقصاؤنا النظر عدولا عن المشهور والمتعارف، فمن قرع سمعه خلاف ما عهده فلا يبادرنا بالإنكار، فذلك طيش!. فرب شنع حق، ومألوف محمود كاذب، والحق حق في نفسه لا لقول الناس له، ولنذكر دوما قولهم: إذا تساوت الأذهان والهمم فمتأخر كل صناعة خير من متقدمها". بعد هذه المسيرة الطويلة وجدت من اللازم إخراج هذا الكتاب وهو " إعادة اكتشاف ابن النفيس" لكثرة الأوهام التي يعني اشتهرت عنه بما فيها لقبه نفسه ابن النفيس، ابن النفيس لم يكن يعلم أن اسمه أو لقبه هو ابن النفيس، هو علاء الدين علي ابن أبي الحرم القَرشي -الناس تقول القُرشي خطأ طبعا- حدث خلط بعد وفاته بحوالي خمسين سنة عند أحد المؤرخين ابن فضل الله العمري مؤرخ شهير استند إلى مؤرخ علامة طبعا كبير هو شمس الدين الذهبي، ذكر الذهبي وابن فضل الله العمري شخصيتين كلاهما اسمه علاء الدين الحسن وأحدهما بغدادي عرف بلقب ابن النفيس البغدادي، فانتقل -وهو غير معروف يعني لم يترك تراثا- فانتقل اللقب على سبيل الخطأ إلى ابن النفيس عالمنا هذا واشتهر بهذا اللقب، ولم أجد مخطوطة واحدة مما كتبه ابن النفيس أو كتبت في زمانه أو كتبت قبل الذهبي وابن فضل الله العمري تذكر كلمة "ابن النفيس" هذه، بدأت هذه الكلمة تتسرب إلى الرجل بعد القرن العاشر الهجري ثم المعاصرون جميعا يعني استخدموا "ابن النفيس" حتى أنني اضطررت إلى استخدام نفس الخطأ فقلت "إعادة اكتشاف ابن النفيس" يعني استخدمته في العنوان مع علمي بأنه ينطوي على أغلوطة ولكن لم تعد الناس تعلم شيئا عن هذا الرجل إلا من خلال هذا اللقب.


الاكتشافات العلمية والمنهج العلمي العربي

يوسف زيدان: أيضا كان من الأوهام الكبرى عندنا في ثقافتنا المعاصرة أن ابن النفيس هو مكتشف الدورة الدموية الصغرى التي يعني انتقال الدم من الرئة إلى القلب، وهذا أمر أراه مضحكا، صحيح ابن النفيس وصف الدورة الدموية الصغرى ولكنه هو أيضا وصف في "الشامل" وفي مخطوطات أخرى دورة الدم الكاملة في الجسم، فلا يقتصر اكتشافه على الدورة الدموية الصغرى، وحتى اكتشافه حتى إذا نظرنا إليه باعتباره مكتشفا للدورتين فإن اكتشافه للدورة الدموية هو أحد أعماله العلمية ولكن له نظريات تفوق اكتشافه، وتفوق اكتشافه للدورة الدموية بمراحل منها مثلا نظريته في الإبصار فلابن النفيس نظرية مبهرة عن كيفية الإبصار باعتباره استثارة حسية لمخزون إدراكي موجود في الدماغ، وحين نقرأ هذه النظرية في كتاب له بعنوان "المهذب في الكحل المجرب" الكحل طبعا عند الأطباء العرب هو طب العيون فهذا الكتاب في طب العيون، عندما نقرأ كيفية عرض ابن النفيس لهذه النظرية يعني لن نصدق أن هذا الكلام كتب قبل ثمانية قرون لأنه معاصر جدا علمي جدا وبليغ جدا في هذا الوقت. لذلك اهتممت في هذا الكتاب بإعادة بناء شخصية ابن النفيس، تصحيح كثير من الأوهام التي اشتهرت عنه، لقبه، كونه عازبا، ثم وجدت في مخطوطات إشارة واضحة منه إلى أنه تزوج وأنجب وكان يحكي عن أبنائه حكاية مباشرة وهو ما فسر لي من ناحية أخرى اهتمام ابن النفيس بأوجاع الأطفال ووصفه الدقيق للتعامل مع الوليد، إلى آخره. اهتممت أيضا في هذا الكتاب ببيان الطريقة العلمية في التفكير لأنه لماذا ندرس التراث العلمي العربي؟ ندرسه كي نكرس ونؤكد هذا النهج من التفكير العلمي، العلم الإنساني لم يتقدم بالاكتشافات وإنما بالمنهج، الاكتشافات كانت نتيجة هذا المنهج فكان يعنيني في ابن النفيس وابن سينا وطبعا غيره من العلماء كيف كان هؤلاء يفكرون هذا التفكير القائم على الموضوعية والاستقراء والنظر في التفاصيل واستنباط الحقائق من الظواهر، تطوير اللغة التي يتعاملون بها، هذه المنهجيات هي الدرس الباقي لنا من تراثنا العلمي وهو الدرس الذي وعته أوروبا مثلا بينما غاب تماما عنا، حتى أن الكلام في المنهج أصبح يعني مهملا ومنسيا في ثقافتنا المعاصرة مع أن المنهج هو لب وفحوى والنتاج الأهم للمسيرة العلمية الإنسانية عموما. ومن المدهش أن العلم العربي بعدما طور منهجيات التفكير ونظام التفكير أن أوروبا مثلا تهتم بهذا ونحن لا نهتم ولا أقول بأن أوروبا اهتمت بهذا في عصر النهضة، لا، أوروبا تهتم الآن بالمنهج العلمي العربي ونحن لا ننتبه أو نحن على أحسن تقدير لا نعلم بأن المنجز الحضاري العلمي الأهم لنا هو هذا النهج العلمي في التفكير الذي أشرت إليه يعني في هذا الكتاب فيما يخص ابن النفيس تحديدا كإشارة إلى أهمية أن نتوسع في النظر إلى العلماء العرب والمسلمين من هذه الزاوية. وكان من المجهد والمنهك أن أجمع هذه المخطوطات وآلاف الصفحات التي كتبها هذا العالم العربي المسلم قبل ثمانية قرون ولم نحافظ عليها فضاع جزء منها ولا يزال جزء آخر لا يزال مخطوطا لم ينشر، نتمنى أن نستكمل واجبنا تجاه هذا الرجل بنشر الباقي من أعماله.

[معلومات مكتوبة]

إعادة اكتشاف ابن النفيس

تأليف: د. يوسف زيدان     

الناشر: نهضة مصر - القاهرة

فهرس الكتاب:

 ملاحظات أولية
نقد أوفى الترجمات
مراجعات وتصويبات
بين المتون والشروح
ملامح المنهج العلمي
التصنيف والتبويب
المنطق والنزعة العقلانية
نماذج من نوادر المخطوطات

[نهاية المعلومات المكتوبة]