- معنى الجيوبولتيكا وخصائص كل من القوى البرية والبحرية
- تجليات علم الجيوبولتيكا وأهميته في الصراع الدولي

معنى الجيوبولتيكا وخصائص كل من القوى البرية والبحرية

 مصطفى اللباد
مصطفى اللباد:
اسم الكتاب أسس الجيوبولتيكا، مستقبل روسيا الجيوبولتيكي، المؤلف هو ألكسندر دوغين والمترجم هو الدكتور عماد حاتم. هذا الكتاب يتعرض لأسس علم كبير يعاد النظر إليه الآن بعد انتهاء الحرب الباردة كأحد الزوايا المنسية في تاريخ السياسة الدولية، هذا العلم هو علم الجغرافيا السياسية أو الجيوبولتيك. ألكسندر دوغين ليس فقط مؤلفا لكتاب، هو أحد المفكرين الإستراتيجيين البارزين في روسيا وأوروبا وشهرته وأعماله تتعدى نطاق الحيز الجغرافي لروسيا، هو مؤسس لحركة سياسية يمينية بعض الشيء ولكنها تستقطب أنصارا داخل روسيا وخارج روسيا أيضا. وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يتعرض إلى الأسس التي قام عليها علم الجيوبولتيك أو علم الجغرافيا السياسية، وأهمية هذا الكتاب في تقديري حتى للقارئ غير المهتم بالجغرافيا السياسية أنه يعري ويكشف الأسس والأصول المؤسسة للصراع الأميركي السوفياتي أو الأميركي الروسي الآن، لأن الغالبية تعتقد أن هذا الصراع كان صراعا أيديولوجيا يعني نقطة العقدة فيه هي الأيديولوجيا التي تختلف باختلاف الطرفين ولذلك كان الصراع، الكتاب يكشف أن الصراع الأميركي السوفياتي والأميركي الروسي من بعده هو صراع حتمي، يذهب دوغين مذهبا عاطفيا وعنيفا في هذا الكتاب ويقول إن هذا الصراع الحتمي لن ينتهي إلا بتدمير أحد الطرفين للآخر. روسيا التي تمثل مساحة كبيرة من خريطة العالم ربما يعني أكثر من ربع مساحة العالم ويعني هذا الاتساع الجغرافي الكبير يقترن بعدم قدرة روسيا على النفاذ إلى البحار الدولية وهي نقطة ضعف كبيرة لأن عدم النفاذ إلى بحار دولية يجعل هذا البلد يعني في شبه حصار، هذا ما فعلته بريطانيا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ومن بعدها الولايات المتحدة الأميركية في القرن العشرين وفي كلا الحربين الحرب الأولى التي دارت بين إنجلترا وروسيا القيصرية انتهت بهزيمة روسيا القيصرية والحرب الثانية التي دارت بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا أو الاتحاد السوفياتي السابق ومجموعة الدول الاشتراكية انتهت أيضا بانتصار الولايات المتحدة الأميركية وفي كلا الانتصارين لم تكن الأيديولوجيا هي المحرك للصراع ولكن كانت الجغرافيا والمصالح التي تترتب فوق أرضية الجغرافيا، بمعنى أن دوغين في هذا الكتاب يكشف أن الصراع الكوني يدور أساسا بين القوى البرية والقوى البحرية، ليس بين القوى الرأسمالية أو الاشتراكية كما يعني يعتقد الكثيرون. روسيا هي بمحض تكوينها هي قائدة للقوى البرية تجد أقصى درجات التلاحم مع قوى برية أخرى في أوروبا في حين أن الولايات المتحدة الأميركية هي قوى بحرية والقوى البحرية لها مميزات ولها عيوب أيضا وكذلك القوى البرية.

"ترتبط التيلولوقراطيا أو القوى البرية بثبوتية المكان ورسوخ توجهاته وخصائصه النوعية، أما على المستوى الحضاري فيتجسد ذلك في الاستقرار وفي الروح المحافظة في المعايير الحقوقية الصارمة، التجمعات البشرية الكبرى، الأسر، القبائل، الشعوب، الدول، الإمبراطوريات. فرسوخ اليابسة يتجسد -ثقافيا- في رسوخ الأخلاق وثبوتية التقاليد الاجتماعية، أما الفردية وروح المبادرة فغريبتان على الشعوب البرية والمستقرة منها بصفة خاصة، ومن خصائص هذه الشعوب الروح الجماعية وتراتبية المقامات. أما التلاسقراطيا أو القوى البحرية فتمثل نمطا لحضارة تقوم على أسس مغايرة، فهو نمط ديناميكي نشيط الحركة ميال إلى التطور التقني ومن أولوياته التنقل وبخاصة البحري التجاري وروح المبادرة الفردية، والفرد فيها كالجزء الأكثر حركية في المجموع يرفع إلى أسمى قيمة بينما تجرف المعايير الخلقية والحقوقية لتصبح نسبية ومتنقلة، ومثل هذا النمط الحضاري يتطور بحيوية وبسهولة، يبدل مظاهره الثقافية الخارجية فلا تبقي ثابتا إلا التشابه الضمني مع التركيبة العامة".

تجليات علم الجيوبولتيكا وأهميته في الصراع الدولي

مصطفى اللباد: عملت إنجلترا ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية على حصار روسيا جيوبوليتيكاً منعها من النفاذ عبر المياه الدافئة، كانت دائما في حالة تحالف مع تركيا مثلا حتى تمنع روسيا من الخروج من البحر الأسود إلى البحار الدافئة في البحر الأبيض المتوسط، وأيضا إيران أيام الشاه كانت تمثل يعني حائط صد أمام الاتحاد السوفياتي السابق ومنعه من التمدد عبر الخليج العربي وبالتالي روسيا كانت دائما في مأزق وفي معضلة جيوبولتيكية أن هذا المساحة الضخمة لا تتناسب مع إطلالتها البحرية، وبالمقابل الولايات المتحدة الأميركية التي ورثت زعامة العالم الغربي أو بالمعنى الجيوبولتيكي ورثت زعامة القوى البحرية من إنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية تتمتع بمميزات ولكنها بعيدة في أقاصي العالم وتتغلب على هذا البعد الجغرافي بحضورها في المياه الدولية. يمكننا أن نلحظ اليوم أن الولايات المتحدة الأميركية موجودة في كل البحار العالمية ولأن التجارة الدولية الآن معظمها أو غالبيتها العظمى يسير عبر البحار لأن هي أرخص، لا يمكن نقل البضائع كلها عبر الطائرات ولذلك البحار كانت وما زالت تلعب دورا كبيرا للتأسيس لتجارة دولية التأسيس لظهور قوى بحرية وهبوط قوى بحرية، هذا ما شهدناه في هبوط إنجلترا كقوى بحرية ووراثة الولايات المتحدة الأميركية لزعامة القوى البحرية. ولكن روسيا كانت وما زالت قوى برية وبالتالي حتى مع خسارتها في الحرب الأولى مع إنجلترا التي يطلق عليها في علم الجيوبولتيكي great came أو الحرب العظمى التي دارت رحاها بالأخص في آسيا الوسطى الآن أو الجمهوريات المستقلة حديثا عن الاتحاد السوفياتي السابق وإنجلترا خسرتها روسيا والحرب العالمية الثانية خسرتها روسيا لكن النتيجة التي يخرج منها القارئ هي أن الصراع الكوني يتأسس ليس على اعتبارات أيديولوجية ولكن على اعتبارات أعمق من ذلك، اعتبارات جغرافيا. عالم آخر يقول إن الجغرافيا هي قدر الأمم، تستطيع أن تختار جيرانك تستطيع أن تلبس ما تشاء تستطيع أن تأكل ما تشاء ولكن لا تستطيع اختيار أبويك، الجغرافيا هي أيضا لا يمكن اختيارها، هي قدرك ولا بد لك أن تتعايش معها وهذا القدر يفرض عليك يعني أشياء يمكن اعتبارها ميزة وأشياء يمكن اعتبارها نقيصة وعليك أن تحسن استثمار مزاياك وأن تتغلب على النواقص التي ربما يعني ساقها القدر الجغرافي إليك. وهكذا بعد انتهاء الكتاب تلاحظ أن المكون الأساسي لعالمنا هو البحر واليابسة أو البحر والأرض وهو المكون الانطلاقي لعلم الجيوبولتيك باعتبار أن هذين هما قرينا الوجود، لكل شيء ميزة ولكل شيء نقيصة. عند الانتهاء من قراءة الكتاب يخطر ببالك أن الأمور ليست فقط بظواهرها وأن نظرة متعمقة ومتأنية لأصول الصراعات تكشف على أن الجيوبولتيكا تلعب دورا كبيرا في نشوء هذه الصراعات في حسم هذه الصراعات وفي مستقبل المناطق، هناك عوامل قدرية لا يمكن لصانع القرار في روسيا أن يتجاهلها حفاظا على مستقبل بلاده، هذه العوامل يكشفها الكتاب بعد أن يعني يطوف بالقارئ في رحلة كبيرة منذ بدايات علم الجيوبولتيك. وهذا العلم بالمناسبة ليس علما روسيا ولكنه بالأساس علم ألماني أيضا ولكن في ألمانيا يأخذ علم الجيوبولتيك شبهة غير مستحبة لأن الكثير من علماء الجيوبولتيك كانوا متحالفين ومتعاطفين مع الزعيم النازي السابق ولكن ذلك لا يعني أن علم الجيوبولتيك هو علم فاشي بل علم إستراتيجي بالأساس، هناك الإستراتيجون الأميركيون العظام مثل ماكندر وسبيكمان والسير ألفريد ماهان أسسوا لعلم الجيوبولتيك ولهم أعمال معروفة ومشهورة يطلق عليها المدرسة البحرية أو المدرسة الأميركية، وهناك المدرسة الألمانية فيها فريدريش راتسل وفيها فريدريش ناومان، فيها الكثير من.. فيها بالطبع يعني الكثير من الملامح التي ما زالت باقية إلى يومنا هذا. لا يعني ذلك أن الجيوبولتيك كان حكرا على روسيا أو على ألمانيا أو على الولايات المتحدة الأميركية، كان هناك وما زال علماء عظام لعلم الجيوبولتيك ولكن الدول المعنية بالأساس بهذا الصراع الكوني الجيوبولتيكي هي التي تهتم بهذا النوع من العلوم وهي التي تخرج أيضا هذا النوع من العلماء وألكسندر دوغين هو واحد من هؤلاء العلماء العظام الذين أثروا المكتبة العالمية بهذا الكتاب القيم. أعتقد أنه من المناسب لكل قارئ ولكل مشاهد يحب أن يسبر أغوار الصراع الدولي الراهن أن يقرأ هذا الكتاب لأن فيه الكثير من الفائدة، أنصح بقراءته.

أسس الجيوبولتيكا

تأليف: ألكسندر دوغين

فهرس الكتاب

الدول ككائنات حية
التنظيم السياسي للتربة
قانون التوسع
الدول كصيغة للحياة
نحو نظرية أوروبا الوسطى
العالم والسياسي
المحور الجغرافي للتاريخ
سلم تقدير القوة
الحرب والكر
الأرض والبحر
الحرب الشمولية وشخصية الفدائي