- تحقيق صحفي بعين روائية
- أمل الخروج من السجن الكبير

تحقيق صحفي بعين روائية

يوسف القعيد
يوسف القعيد: "إن إغماض أعيننا وبقاءنا مكتوفي الأيدي غارقين في أنانيتنا سوف يؤدي بنا إلى نتائج وخيمة علينا جميعا، فلسطين برميل بارود ومع ذلك فإنهم يتركون الوضع يتفاقم مهددا ليس بإشعال الشرق الأوسط فقط بل والعالم الغربي المتهم بالممالأة بل وبالخبث".

الكتاب الذي أريد أن أتكلم عنه عنوانه "عبق أرضنا" من تأليف كينيزي مراد، "أصوات من فلسطين ومن إسرائيل". كينيزي مراد صاحبة هذا الكتاب روائية تركية هي حفيدة السلطان مراد آخر سلاطين بني عثمان قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية، ولها رواية جميلة جدا عنوانها "مذكرات أميرة" قدمتها بقوة في الغرب وعندنا أيضا في الوطن العربي. هذا الكتاب عبارة عن رحلة قامت بها إلى فلسطين المحتلة وإلى إسرائيل وقابلت سكانا من هنا وسكانا من هناك، قابلت أيضا أطفالا من فلسطين وأطفالا من إسرائيل وقدمت تحقيقا جيدا -أنا أسميه تحقيقا روائيا- تحقيقا جيدا للوضع الموجود في فلسطين بشقيها سواء فلسطين التي يعيش فيها الفلسطينيون أم فلسطين المغتصبة والتي يحتلها الإسرائيليون.

الكتاب فيه رسالة ترغب المؤلفة في أن توصلها لقارئها وهي أن هناك طفلا إسرائيليا قال لها أنا أشك في العرب جميعا، وفي نفس الوقت هناك طفل من فلسطين قال لها عندما أكبر سأقتل جميع الإسرائيليين
يوسف القعيد: كينيزي مراد لا تقدم تحليلات سياسية لا تقدم أحكاما لكنها تحاول أن تلتقط أصوات الناس في الشارع أن تصف كل ما تقع عليه عيناها كل ما تشعر به كل ما تشمه لكي تقدم الحقيقة العارية كما هي وكما رأتها دون تزويق ودون إضافة ودون أي شيء من جانبها سوى روعة الوصف والقدرة على الوصول إلى حقائق الأشياء من خلال المنظور الذي يمكن أن تراه وأن تتعامل معه. كل كتاب في الدنيا بيبقى فيه رسالة يرغب المؤلف أن يوصلها لقارئه وأن تصل إليه، الرسالة الموجودة في كتاب كينيزي مراد -وهو كتاب ضخم يقع في حوالي 390 صفحة- أن هناك طفلا إسرائيليا قال لها أنا أشك في العرب جميعا، وفي نفس الوقت هناك طفل من فلسطين قال لها عندما سأكبر سأقتل جميع الإسرائيليين، أيضا هناك امرأة إسرائيلية قالت لها إن عرفات لا يختلف عن هتلر ثم أن هناك أيضا امرأة فلسطينية قالت لها إن شارون لا يختلف عن نيرون. رغم التركيز الشديد على هذا الافتراق وعلى انعدام الأمل فيما يمكن أن يكون سلاما أو علاقة بين الطرفين أو تعايشا أو حلا للمشكلة الجوهرية وهي مشكلة من اغتصبت أرضهم ومن هجروا من بلادهم ومن يعيشون تحت نير الاحتلال من 1948 حتى الآن، رغم هذا التصوير الدقيق إلا أنه يبقى الأمل بيد المجتمع الإسرائيلي أن يفرز نخبة أو قادة تؤمن بفكرة التعايش وتؤمن بفكرة الدولتين وتؤمن بفكرة أن كل شعب من حقه أن يكون له أرض وأن يكون له وطن وأن يعيش حياة آمنة مقبولة فيها الحد الأدنى من حقوقه اليومية. هذا التحقيق في هذا الكتاب -مش عايز أبقى متجنيا على الصحفيين- من الأفضل دائما أن يقوم به روائي لأن الروائي بيضيف لقدرة الصحفي، عينه بتلتقط الحقيقة وأذنه بتسمع ما وراء الأصوات وخياله يمكن أن يصل إلى ما وراء الأشياء التي يمكن أن يراها ولذلك فإن اللحظة التي رأتها كينيزي مراد استطاعت من خلالها أن تصل إلى ما وراء الأشياء.



أمل الخروج من السجن الكبير

يوسف القعيد: في هذا الكتاب عشرة فصول، الفصل الأول عنوانه "حياة يومية"، الثاني عنوانه "باسم الله"، الثالث "ابتزازات مسلحة ورافضو الخدمة"، الرابع "الهجمات الانتحارية"، الخامس "حرية التعبير"، السادس -وأنا رأيي أنه أخطر فصل في الكتاب- "أطفال فلسطينيون وإسرائيليون"، ثم فصل عنوانه "غزة" وهو يعني يكاد أن يتكلم عن الجرح النازف الآن، ثم فصل عنوانه "جنين"، ثم فصل عنوانه "النضال معا"، والخاتمة ثم وثائق عبارة عن اتفاقيات أوسلو، اتفاقيات كامب ديفد، محادثات طابا، وتواريخ وأحداث المحنة منذ 48 حتى الآن. من الأشياء التي تثبت لي أن الكاتبة كانت محايدة ومحايدة حقيقية أنها في الفصل الخاص بحرية التعبير تتكلم عن القيود التي تفرضها إسرائيل على الإعلام وليس على الإعلام فقط ولكن أيضا على مخرج سينمائي إسرائيلي حاول أن يصور فيلما عن الانتفاضة، ونحن نعرف أن إسرائيل تقدم نفسها في العالم باعتبارها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط وأنها يعني فيها حريات في وسط محيط من الاستبداد العربي وهذه دعاية مكررة في كل أنحاء العالم ويتعامل العالم معها الآن على أنها حقائق لكن الكاتبة تثبت أن هناك أنواعا كثيرة من الرقابات وأن هناك أنواعا كثيرة من الكوابح لحرية التعبير وأن هذه الحرية مصادرة ابتداء من الإعلام باعتباره أداء يوميا مستمرا انتهاء عند الفن ومحاولة تصوير فيلم سينمائي. الفصل الخاص بغزة عبارة عن أربعة أقسام لكنه يحاول أن يقدم قطعة من الأرض عبارة عن سجن من جميع الجهات إلا من ناحية السماء فلم تستطع إسرائيل أن تضع سقفا له ليجعله سجنا حقيقيا على الأرض، وهي تتكلم عن الإجراءات اليومية الرهيبة التي يمارسها العدو الإسرائيلي على أهلنا في غزة يوميا وبشكل مستمر، أيضا تركز كثيرا على الفقر الشديد في غزة ويخيل لي أن الحصار الذي نتصور أن عمره عاما ونصف فقط على قطاع غزة حصار قديم لأنها قبل أن يبدأ هذا الحصار بفترة طويلة كانت هناك ورأت حصارا وتحكي كيف حصلت على تصاريح لكي تذهب إلى الضفة الغربية وتصاريح لكي تذهب إلى غزة وكيف لوحقت وكيف لم تترك لتؤدي عملها بشكل جيد وبالشكل الذي تريده.

غالبا ما وصف قطاع غزة بأنه سجن عملاق سماؤه مفتوحة نظرا لكونه محاطا بسياج إلكتروني وبالمراكز العسكرية ومعزولا تماما عن العالم الخارجي، نحو ربع مساحته البالغة 363 كلم2، صودر لصالح سبعة آلاف مستوطن فقط
يوسف القعيد: "غالبا ما وصف قطاع غزة بأنه سجن عملاق سماؤه مفتوحة نظرا لكونه محاطا بسياج إلكتروني وبالمراكز العسكرية ومعزولا تماما عن العالم الخارجي، نحو ربع مساحته البالغة 363 كيلومتر مربعا، صودر لصالح سبعة آلاف مستوطن فقط في حين أن مليونا ومائتي ألف فلسطيني يتكومون في الـ 288 كيلومترا مربعا الباقية، ما يقارب الـ 80% من الغزاويين محصورون في هذه المساحة التي لا يستطيعون الخروج منها، بلا عمل وبلا مصادر للدخل منذ أكثر من عامين ونصف العام وهم اليوم تحت عتبة الفقر ومتعلقون من أجل بقائهم على قيد الحياة بالأونروا أو بالمساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي والدول العربية ومختلف المنظمات الخيرية".

"النضال معا" فصل شديد الأهمية لأنها ترى أن القوى المحبة للسلام القوى المحبة للحياة من الطرفين يجب أن يناضلا معا من أجل هذا السلام، لا يترك لا للحكومة الإسرائيلية ولا للسلطة الفلسطينية لكن المجتمع نفسه عليه مهمة كبرى أن يمهد الأرض لمثل هذا السلام وأن يكون هناك نضال مشترك ما دام في رغبة حقيقية عند الطرفين أنهم يتعايشوا مع بعض. المؤلفة تركز كثيرا على تعبير أنا بأعتبره مهما جدا، أن الطرفين يتحليان بأخلاق الانتقام، طبعا أنا متأكد أن الفعل الأول يكون من الإسرائيليين ورد الفعل يكون من الفلسطينيين في موقف المدافع عن نفسه لكن أخلاق الانتقام توصل الجميع إلى دائرة مفرغة لا تعرف أين بدأ العنف ولا أين يمكن أن ينتهى ولا أين بدأ القتل ولا أين يمكن أن يتوقف، أخلاقيات الانتقام هي الحاكمة للمسألة كلها منذ 48 حتى هذه اللحظة وأعتقد أن البادئ في كل الحالات هو العدو الإسرائيلي.

[معلومات مكتوبة]

عبق أرضنا

تأليف: كينيزي مراد

فهرس الكتاب:

حياة يومية

باسم الله

ابتزازات مسلحة

الهجمات الانتحارية

حرية التعبير

أطفال فلسطينيون وإسرائيليون

غزة

أن يكون المرء عربيا إسرائيليا

جنين

النضال معا

[نهاية المعلومات المكتوبة]