- مفهوم العلمانية والعلاقة بين الدين والسياسة
- ملاحظات لتعميق النقاش حول علاقة الدين بالسياسة

مفهوم العلمانية والعلاقة بين الدين والسياسة

محمد ضريف
محمد ضريف: الكتاب الذي يضم حصيلة ثلاث ندوات شارك فيها عدد كبير من الفعاليات الفكرية والثقافية والسياسية ذات مرجعيات مختلفة ومتباينة بحيث كان هناك من يمثل البحث الأكاديمي وكان هناك من يمثل الفعاليات السياسية سواء تلك التي تنتمي إلى اليسار أو تدافع عن العلمانية بشكل واضح أو تلك التي لها تعاطف مع التيار الإسلامي أو تنتمي إلى هذا التيار، لذلك فتلك الندوات كانت في الواقع تعكس رؤية لا أقول محايدة وإنما رؤية تحاول أن تجيب عن سؤال العلاقة بين الدين والسياسة بشكل واضح وتحدد طبيعة هذه العلاقة خاصة أن كثيرا من المفاهيم ومنها مفهوم العلمانية كان يطرح في سياق سياسي بعيدا عن دلالاته العلمية والفلسفية والموضوعية.

"سنجد أنفسنا بالضرورة أمام سؤال العلاقة بين الديني والسياسي والأشكال الممكنة والمقبولة لهذه العلاقة، ولأن العلمانية هي إحدى هذه الأشكال بل أكثرها إثارة للجدل سيكون من المفيد الوقوف عند هذا المفهوم والتساؤل، هل العلمانية فعلا هي فصل الدين عن السياسة؟ وسنرى على أن هذا التحديد ليس فقط لا يصح كتعريف للعلمانية بل لا يصح بإطلاق إلا على مستوى التمثل الذهني لهذين الحقلين الديني والسياسي".

العلمانية أقصت الكنيسة في التجربة الفرنسية ولم تقص الدين
أتت محاور هذه الندوة لتنصب على فكرتين أساسيتين، الفكرة الأولى وهي بمثابة إشكالية، ما هو معنى العلمانية أو ما هو مفهوم العلمانية؟ والفكرة الثانية أو الإشكالية الثانية، ما هي طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في التجربة الإسلامية تاريخيا؟ بالنسبة للإشكالية الأولى أو للفكرة الأولى يمكن القول بأن مختلف المشاركين اتفقوا على كون العلمانية ليست إقصاء للدين، ليست إقصاء للدين وإنما هي احتواء له. ولو أن هناك بعض المواقف أو بعض الآراء التي عبرت عن مواقف مختلفة بحيث يمكن أن نرصد فيما يتعلق بتحديد مفهوم العلمانية أن نرصد موقفين أساسيين، الموقف الأول هو الذي يعتبر العلمانية بمثابة نظام اجتماعي شامل بحيث لا يمكن أن نتعامل مع العلمانية باعتبارها مجرد تدبير للعلاقة بين الدين والسياسة وإنما هي نظام اجتماعي أو كما سمي هي دين مدني، دين مدني أتى ليحل محل الديانات السماوية، لذلك عندما نتعامل مع العلمانية نتعامل معها من منظور شمولي فهي تتأسس على مستويات وترتكز على دعائم. من هذه المستويات هناك أولا الإيمان بالقيمة المطلقة للدولة وثانيا الإيمان بالمجتمع المدني بحيث لا يمكن أن نتحدث عن علمانية في غياب المجتمع المدني كما لا يمكن الحديث عن علمانية إذا لم نتحدث عن قيمة مطلقة للدولة، هذا بالنسبة للمستويات. أما بالنسبة للدعائم فهناك دعامتان أساسيتان، هناك دعامة معيارية تتمثل في القانون الوضعي بمعنى أن العلمانية معياريا تستند إلى القانون الوضعي وبالتالي تبعد الشرائع الدينية وهناك دعامة سوسيولوجية تتمثل في النخبة السياسية بحيث أن مع العلمانية احتلت النخبة السياسية الموقع الذي كانت تحتله النخبة الدينية في الدول التقليدية. إذاً هذا الموقف الأول يتعامل أو يتعاطى مع العلمانية باعتبارها نظاما شاملا، الموقف الثاني لا يذهب إلى ذلك وإنما يرى بأن العلمانية هي مجرد تدبير للعلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي وليست بالضرورة إقصاء للدين، وهذا الموقف الذي يعبر عن نفسه بهذه الطريقة يتخلله تياران، تيار يرى بأن العلمانية كما يقول الباحث الأميركي ستيفان، ألفريد ستيفان، العلمانية هي عملية توافق، هي عملية توافق تؤسس لتسامح متبادل بين الدين والسياسة بحيث يعترف الدين للسياسة بمجالها الخاص وتعترف السياسة للدين بمجاله الخاص دون أن يتدخل أحدهما في مجال الآخر وبالتالي فالصراع أو إقصاء الدين ليس حقيقة لأن التجربة الفرنسية بالخصوص لم تكن العلمانية في إطارها تعبر عن إقصاء للدين وإنما كانت تعبر عن إقصاء للكنيسة وبالتالي لا ينبغي أن نخلط بين إقصاء الكنيسة وإقصاء الدين فالعلمانية أقصت الكنيسة في التجربة الفرنسية ولم تقص الدين. تيار آخر من داخل هذا الموقف يعتبر بأن العلمانية هي استتباع للدين من قبل السياسة بمعنى لا إمكانية للحديث عن فصل بين الدين والسياسة لأن الإمكانية الوحيدة الموجودة في إطار دولة تتبنى العلمانية هي استتباع الدين من قبل السياسة بمعنى آخر يصبح الدين في خدمة السياسة. المحور الثاني يتعلق بتحديد طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في التجربة الإسلامية تاريخيا، في إطار هذا المحور كانت هناك حاجة لبعض التوضيحات، هذه الحاجة تتأسس على فكرة التمييز بين ما نسميه بالإسلام المعياري والإسلام التاريخي بحيث أن الإسلام المعياري أسس بصورة واضحة لطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة وفي النص القرآني عندما يطرح الدين يطرح الدين بمفهومه العام بمعنى أنه يشمل مجال العقيدة ومجال العبادات وفي نفس الوقت يستغرق مجال السياسة بمعنى عندما يطرح الدين في النص القرآني يطرح بمفهوم عام بحيث يصبح الدين مستغرقا للسياسة. وعند من تحدثوا عن الإسلام التاريخي هنا حدث نوع من التمايز بين ما يمكن أن نسميه بين المجال الديني والمجال السياسي أي مجال العقائد والعبادات من جهة ومجال الشأن العام أو مجال تدبير السياسات من جهة أخرى.

ملاحظات لتعميق النقاش حول علاقة الدين بالسياسة

محمد ضريف: كان من الضروري أن لا نتحدث عن العلمانية هكذا بالمطلق وإنما أن نتحدث عن علمانيات كما قلت أسستها وأفرزتها التجارب المجتمعية والسياسية في الغرب. الملاحظة الثانية تتعلق بعدم التمييز بين ما نسميه السلطة السياسية والسلطة الدينية، وبالفعل ينبغي أن نعمق النقاش في هذا الاتجاه لأن لنا مشروعيا التساؤل هل توجد بالفعل سلطة دينية؟ نعتقد بأن لا يوجد في الواقع عبر التاريخ هي سلطة سياسية وهذه السلطة السياسية كانت تبحث عن مشروعية، قد تلجأ إلى مشروعية تستمدها من التاريخ وقد تلجأ إلى مشروعية تستمدها من الدين لذلك فرجل الدين عندما يستند إلى مشروعية دينية هذا لا يعني أن السلطة السياسية قد فقدت ماهيتها، لذلك لا يوجد إلا سلطة سياسية تلجأ إلى تبرير ممارساتها استنادا إلى مشروعيات من بينها المشروعية الدينية. الملاحظة الثالثة تتعلق بكون بعض المداخلات خلطت بين السياسة والإسلام بمعنى آخر هناك من الباحثين من تساءل متى تكون السياسة إسلاما ومتى يكون الإسلام سياسة؟ ونحن نعتقد بأن هذا تقابل ليس في محله باعتبار أن الإسلام يضم في ثناياه ما هو سياسي وما هو ديني. الملاحظة الرابعة، كثير من المداخلات كانت تتحدث عن علاقة الدين بالسياسة ولكن تستخدم اصطلاحا آخر عندما تتحدث عن علاقة الدين بالدولة بمعنى أنه لم يكن هناك تمييز واضح في بعض المداخلات بين مستوى العلاقة بين الدين والدولة من جهة ومستوى العلاقة بين الدين والسياسة من جهة أخرى، بمعنى آخر أن الدولة ينبغي أن نتعامل معها كمؤسسة كإطار جامع وبالتالي فمسألة الدين لا تطرح في هذا الإطار حتى بالنسبة للمجتمعات الغربية أما المستوى الثاني هنا يطرح إشكال العلاقة، علاقة الدين بالسياسة باعتبار أن السياسة هي أصلا فن لتدبير معاش الناس سواء من مأكل أو من ملبس أو من مشرب أو من مسكن.