- مشكلة العلاقة بين المعرفة والقيمة في العلوم الاجتماعية
- دعوة لتحرير الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة

مشكلة العلاقة بين المعرفة والقيمة في العلوم الاجتماعية

محمد بلفقيه
محمد بلفقيه: "العلوم الاجتماعية ومشكلة القيم، تأصيل الصلة" هذا هو عنوان آخر كتاب لي وهو عن منشورات دار المعارف بالرباط. هذا الكتاب يناطح مشكلة علمية وهي مشكلة العلاقة بين المعرفة والقيمة في العلوم الاجتماعية لا سيما إذا علمنا أن العلوم الاجتماعية علوم معيارية تتلازم فيها بالضرورة القيمة والمعرفة، غير أن هذه العلوم كما يقر بذلك أصحابها أنفسهم علوم مأزومة مشكلتها هي أساسا أنها فصلت نظام القيم عن نظام المجتمع وذلك لأنها ارتهنت إلى الفلسفة الوضعية والفلسفة الوضعية الجديدة كما أنها ارتهنت إلى الأيديولوجيا. أبرز جوانب المشكلة هو مرجعيتها، ثانيا مفاهيمها وثالثا مناهجها ورابعا تطبيقاتها. بتفصيل أكثر، لو عدنا إلى مرجعياتها فهي مرجعيات -علما بأننا نتحدث عن الإنسان في المجتمع، عن المجتمع- فهي إذاً لها فلسفتها التي هي فلسفة بنيوية بينما الفلسفة التي تبنيتها أنا هي -وهو واضح- هي فلسفة إسلامية تدخل في عين الاعتبار الدنيا والآخرة وتعتبر الدنيا بمثابة مزرعة للآخرة، فإذاً هذه الرؤية أو هذه الغاية وهذه المقاصد هي التي جعلتني أغير زاوية النظر وهي التي جعلتني أدخل في مناظرة علمية مع هذا الفكر.

إن ترشيد التحضر وتسديده نحو غايات تصيب الأهداف الدنيوية وتتجاوزها يقتضيان وجود رؤية واضحة تضع المسألة في نصابها، ورؤية منطلقها عقيدة راسخة ذات مقاصد تسعى إلى الإصلاح
"إن ترشيد التحضر وتسديده نحو غايات تصيب الأهداف الدنيوية وتتجاوزها يقتضيان وجود رؤية واضحة تضع المسألة في نصابها، ورؤية منطلقها عقيدة راسخة ذات مقاصد تسعى إلى الإصلاح، ولما كان الإصلاح يستدعي التغيير فإن التغيير المطلوب وفق أطروحة الكتاب يشترط إحلال قيم العبادة المهجورة مكان قيم العادة السائدة، والمقصود بقيم العادة في السياق الإسلامي المعاصر هي تلك القيم الممزوجة التي ما فتئت تختلط وتترسب منذ ما قبل الهجمة الثقافية الاستعمارية إلى اليوم وهي قيم حائرة بين الأصيل والدخيل متذبذبة بين ذلك لا إلى الأصالة ولا إلى المعاصرة وهذا سبب رئيس في ترنح مسار المجتمع وكبوة التحضر كما نعلم".

المجتمع حينما يتحرك فهو لا بد أن يتحرك وفق قيم، هذه القيم من يفرزها؟ من أين تأتي؟ لها مصادر ومصادرها كما قلت لك إما أنها مصادر بشرية وهي مستويان، مستوى عفوي ومستوى المجتمع، مثال ذلك التقاليد العادات، وهنالك مستوى غير عفوي مدروس وهو الذي يأتينا به الفلاسفة بخصوص الفلسفة الاجتماعية التي هي فرع أساسي لأنها تتشوف إلى وضع مبادئ التطبيق وإلى العلم هو أي الهندسة الاجتماعية التي هي تريد التطبيق فعلا. فإذاً هذه هي القيم المحكومة وهذه القيم هي بدورها لا يمكن بموجب المبدأ الذي ذكرناه حيث قلت لك عن إنه لا أحد كيفما كانت قدرته يستطيع أن يستنبط لنا منظومة قيمية كاملة متكاملة ليس فيها هوى ولا تخدم مصالح خاصة، لذلك كان يجب أن تكون حاكمة وبما أنها يجب أن تكون حاكمة على الجميع فهي مصدرها لا يمكن إلا أن يكون إلا متعاليا أي متجاوزا لكل هذه المصادر وهي بالنسبة إلي هي الدين وبما أن الدين عندي في نظري هو الإسلام وإذاً بما أنني الآن بنيت هرمية وقمتها الإيمان فكانت الفكرة التي طرأت لي -وأنا لا أعلم هل هي متوافقة تماما أم غير متوافقة- هي توظيف هذا الحديث النبوي الذي ذكرته لك وقد وجدت فيه بالفعل ما يناسب مراتب الفعل الاجتماعي وهذا ألحقني بمجالات الشريعة، وهنا بدأنا نمارس حقيقة علما متكاملا فيه الأضلاع الثلاثة أي يتحدث عن الماديات ويتحدث عن الجوانب الإنسانية والاجتماعية ويتحدث عن الجوانب الشرعية، لأنه أنا بالمناسبة أنا أقول لعلماء الشرع على أنهم لا يجب أن يستهينوا بهذه العلوم لأنها تفعل فينا الأفاعيل فإما أن نكون فاعلين متفاعلين أو نكون مفعولين بهم.



دعوة لتحرير الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة

محمد بلفقيه: هناك مكنز للقيم وهذا المكنز هو الموجود في الحديث الذي ذكرته فبالمناسبة بعد ذلك طرأت لي فكرة أخرى وهي أن أعود إلى قراءة السنة من جديد وإلى العودة إلى القرآن وبالخصوص قصص الأنبياء لأن هؤلاء كانوا يتحركون داخل المجتمع وكانوا يمارسون فلسفة اجتماعية لكن للأسف بعدت الشقة علي كما يقال ولم أستطع أن أقوم بهذا العمل لأنه كان دوري هنا هو أقرب إلى التنبيه منه إلى إنجاز القول -هذا غير ممكن- القول الفصل لأن القول الفصل ليس.. وإنما أنا أردت أن أستلفت الانتباه وأسترعي الاهتمام لهذه القضية التي هي حتى الآن لا زالت في زاوية مظلمة.

الشورى قيمة مهمة وفيها مبادئ يقابلها في مجال الشريعة السياسة الشرعية فتجد نفسك أمام أفق رحب فسيح يربطك بين النظرية والواقع ويعطيك الوسائل وأدوات العمل لكل باحث في هذه العلوم الاجتماعية والاقتصاد
الناس يتعاملون معها كأنها أمور يعني من هيومنا وهذا ما لا أوافق عليه ودليلي موجود في الكتاب. أنا سأطبق لك الآن المصروفة أو ما أسميته هنا بالشرعة، آخذ مثلا مستوى علاقة الفرد بالحاكم هذه ماذا يقابلها؟ يقابلها قيم مثل الشورى أو العدل، والشورى هي قيمة مهمة جدا لأن فيها مبادئ، لأن هذه قيمة، الذي يقابلها في مجال الشريعة هو السياسة الشرعية فإذاً هنا تجد نفسك أمام أفق رحب فسيح يربطك بين النظرية وبين الواقع ويعطيك الوسائل وأدوات العمل لكل باحث في هذه العلوم الاجتماعية وفي ميدان الاقتصاد وفي ميدان الاجتماع. إلا أنه أكثر من ذلك أنا أقول لك أكثر من ذلك -ولو أنني طرحت هذا بشكل سريع جدا- أن هذا النسق يمكن أن نستعمله لترجمة ديداكتيكية واستنباط منهج تدريس مادة القيم التي كانت عندنا قديما تسمى مادة الأخلاق والتي الآن كثر الحديث عنها، كيف ندرج القيم في التعليم بحيث أي إنسان يمكن انطلاقا من المصروفة اللي هي موجودة في الكتاب يمكن أن يضع برنامجا انطلاقا من مراتب الفعل الاجتماعي وهنا يمكن أن يعطي أن يسأل الطلبة عن بعض الأشياء أنهم يأتون بأفكار وملاحظات وإلى آخره ثم يرجئونها إلى القيم المرجعية وتعود إلى مجال الشريعة ويتم النقاش فيها وهنا تتم المناظرة مع الغير، فمثلا في هذا الباب علاقة الحاكم نأتي بمفهوم الديمقراطية وهنا تكون المناظرة التي أنا أدعو إليها وهنا نجد الشورى والمناظرة التي يحيل فيها كثير من الناس والتي علينا أن نعلمها لأبنائنا. أما النتائج الملموسة فأنا ألخصها في النقاط الثلاث الآتية، أولا محاولة تركيب النظام المعرفي الغربي في العلوم الاجتماعية -وهذا أمر نفتقده شرقا وغربا- ثانيا اجتهاد لتأسيس نسق علمي مقارب له ثم العمل على فتح باب المناظرة العلمية، وفي كلمة مختصرة يمكن أن نقول إن هذا الكتاب هو دعوة للخروج من الجمود ونبذ الركود وكسر القيود، إنه دعوة لتحرير الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة. والله أعلم.


[معلومات مكتوبة]

العلوم الاجتماعية ومشكلة القيم، تأصيل الصلة

تأليف: محمد بلفقيه

الناشر: منشورات المعارف- الرباط

فهرس الكتاب:

العلوم الاجتماعية علوم مأزومة

القيمة مفهوم رجراج

ما القيمة؟

نظام القيمة

القيمة والمعيار

منظومات القيم وأصنافها

تثبيت الثوابت وتغيير القيم

أزمة النموذج المعرفي الغربي

إزاحة القيم والمأزق الأبستمولوجي

العودة إلى الذات

كيف نؤسس لعلوم اجتماعية؟

من المدارسة إلى الممارسة