- عن الحداثة الفلسفية والذات الفردية
- الوعي الفلسفي بالحداثة والعلم الحديث

عن الحداثة الفلسفية والذات الفردية

محمد سبيلا
محمد سبيلا:
الكتاب الذي أقدمه إليكم اليوم هو "في الشرط الفلسفي المعاصر" وهو كتاب صدر مؤخرا عن أفريقيا الشرق في الدار البيضاء، وهو مجموعة دراسات حول الفكر الكوني المعاصر. والمقصود هنا بالشرط الفلسفي أي الأفكار شارطة للثقافة الفلسفية المعاصرة، أي المحددة والمؤطرة والموجهة وليس فقط الأفكار العادية. يتحدث الكتاب عن جملة قضايا فكرية سادت في العقود الأخيرة في الساحة الفكرية الفلسفية العالمية كقضايا حقوق الإنسان وقضايا الفرد وقضايا المنهج والعنف والتيارات الفلسفية الأساسية أو المؤثرة التي سادت في منتصف القرن العشرين وبدايات القرن العشرين، وكذلك محور يتعلق بالأسس الفلسفية للعولمة أو القوام الفلسفي للعولمة، وأيضا تساؤل حول المضامين الفلسفية للعلم التقني المعاصر. وإذا ما أردت أن أستجمع خيوط هذه الدراسات فيبدو لي أنها تدور حول الملامح الأساسية للحداثة الفكرية أو تجاوزا الحداثة الفلسفية، ما هي مقومات الحداثة الفلسفية؟ أو المقومات الفلسفية للحداثة؟ وهو هذا الجانب مجهول تقريبا في الثقافة العربية، نتحدث عن الحداثة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وغير ذلك ولكن القوام الفلسفي للحداثة هذا أمر مجهول إلى حد كبير باعتبار غياب النشاط الفلسفي والبحث الفلسفي من الساحة الثقافية العربية، وأيضا نحن نعرف موقف العديد من الاتجاهات والأنظمة والمؤسسات من مسألة الفلسفة كحفريات عميقة في بعض الاتجاهات والأفكار. القضايا التي يعرضها الكتاب من بينها مسألة الفرد، ومصطلح الفرد هذا يضعنا منذ البداية في المستوى السيسيولوجي في حين أن أنا أتناول في هذا الكتاب مسألة الفرد من الزاوية الفلسفية ولذلك فأنا مضطر إلى استخدام كلمة ذات، الذات الفردية أو كما نقول بالفرنسية (كلمة أجنبية) subject، والـ (كلمة أجنبية) أو الذات الفردية يقصد بها هنا الإنسان الفرد ككائن مستقل نسبيا يتمتع بالحرية ويتمتع بالقدرة على الانفصال عن الإطار الذي يحيط به وخاصة الإطار الاجتماعي والقدرة على الانفصال عن التراث أساسا، عن التراث المؤطر والموجه بشكل واعي أو غير واعي، وهذا هو عمق المسألة. عندما نتحدث عن الذات أو الذات الفاعلة فالمقصود بذلك مدى قدرة الفرد على الانفصال عن السياق الاجتماعي والفكري والأيديولوجي والثقافي المحدد والموجه لسلوكه وهي مسألة نعتبرها تدخل في جوهر الحداثة الفكرية، استقلالية الفرد عن التراث وعن توجيهات التراث بالمعنى الواسع، سواء تعلق الأمر بالتراث السيسيولوجي أو بالتراث الفكري الواعي أو اللاواعي.

"هناك اتجاه فكري في الساحة العربية تميز بدعوته الحاسمة إلى القطيعة مع التراث وكأن من الممكن تحقيق حداثة خارج هذا التاريخ الحي، والحال أن تجربة كافة المجتمعات البشرية تدل على أنه ليس بالإمكان تحقيق الحداثة عن طريق القفز الإرادي على المحدد الثقافي أي على الشرط الوجودي لتاريخ المجتمعات، فالتراث ليس مجرد نظارة يمكن اقتلاعها والقذف بها في سلة المهملات بل هو الشرط الوجودي الأساسي لهذه المجتمعات، إن التراث كثقافة ليس مجرد زينة إضافية يمكن أن نتخلى عنها متى شئنا بل هو معنى وغاية وإطار محدد ثقافي وميتافيزيقي".



الوعي الفلسفي بالحداثة والعلم الحديث

محمد سبيلا: في محور أساسي في الكتاب هو الوعي الفلسفي بالحداثة، وقد تطرقت لهذه القضايا لأنه في الثقافة العربية المعاصرة وخاصة منذ 11 سبتمبر إلى الآن هناك اهتمام بالحداثة وبالتحديث وبالتجديد وكيف نجدد فكرنا وكيف نفهم العالم إلى غير ذلك، ولكن هناك واحد نوع من الخجل، هناك نوع من الخجل في تناول قضايا العمق الفلسفي والفكري للحداثة لأن العمق الفكري والفلسفي للحداثة أحيانا يصطدم مع النظرة التقليدية مع التراث مع النظرة التراثية وخاصة النظرة المتزمتة، ويخضع الوعي الفلسفي الحداثي يخضع كل الموروثات للتفكير وكل المقدسات للتفكير وكل ما نعتبره مكاسب وما نعتز به وما نعتبره نحن شيئا يعلو على النقد تخضعه للنقد لأن إحدى مظاهر الحداثة أو جوهر الحداثة هو النقد، هو الفحص العقلي والنقد. في القسم الأخير من الكتاب تساؤل حول الخلفيات الفلسفية للعولمة وتساؤل كذلك حول الأسس الفكرية أو لما نسميه بالعلم التقني المعاصر، أنا أتحدث هنا عن العلم التقني باعتبار أن العلم الحديث أصبح علما تقنيا ولم يعد، الفلاسفة بالخصوص يتحدثون عن علم خالص، العلم الحديث هو علم تحكمه التقنية وتوجهه وتتحكم في نتائجه ولم يعد هناك ذلك الفصل المعروف بين العلم كمعرفة والتكنولوجيا كتطبيق، بل إن ربما التكنولوجيا هي جوهر العلم وهي dynamo العلم ومحرك العلم الحديث في مختلف اتجاهاته، إنما نتحدث عن الخلفيات الفلسفية للعلم التقني الحديث نعود إلى تصوراته الفلسفية العميقة للمادة وللمكان وللزمان وقضايا أخرى. وبالمناسبة أعرض لنظرية شاعت في الفكر الأوروبي والتي ترجع الديمقراطية إلى العلم، إلى تصور العلم حديث الطبيعة، حيث أن العلم الحديث طرح تصورا تقليديا للطبيعة كتفاوتات، كتفاوتات في الأمكنة كتفاوتات في الأزمنة كتفاوتات في المادة، أن هناك موادا سامية وموادا وضيعة، أمكنة سامية أو أمكنة وضيعة، العلم الحديث يقوم على أساس التماثل المطلق للمادة والتماثل المطلق للأمكنة والتماثل أو الانسجام - شيء من هذا القبيل- المطلق للأزمنة. بمعنى أن العلم الحديث في جوهره ديمقراطي أو هو الذي خلق الديمقراطية أو على الأقل يوحي ويقدم أساسا أنتلوجيا وفلسفيا لمسألة الديمقراطية اللي هي المساواة المطلقة، تساوي الأزمنة تساوي الأمكنة إلى غير ذلك من الأبعاد التي حاولت أن ألامسها. كذلك توقفت عند قضايا أثارت ربما بعض الاستغراب أو بعض التساؤل حينما أتحدث عن العلم كعلم، كمعرفة، كمعرفة موضوعية، وأيضا أتحدث عن العلم من جهة كأيديولوجيا وكثقافة وكميتافيزيقا. العلم الحديث اللي هو العلم التقني هو أيضا يشكل جوهر ثقافة، الثقافة المعاصرة وخاصة في الغرب عندما يريد شخص أن يتحدث فإنه يعتمد على الإحصائيات وعلى البيانات وعلى الجانب الموضوعي وعلى النظريات العلمية، إذاً هنا العلم يتحول إلى ثقافة أو إلى جوهر ثقافة، إلى محور أو إلى ما يشكل ثقافة كذلك العلم يتحول إلى أيديولوجيا من ناحية سياسية إلى أيديولوجيا بمعنى أن الكثير من الأحزاب والكثير من الأنظمة السياسية تستند إلى العلم وإلى الإحصائيات وإذا لم يقدم إحصائيات فإنه يبدو وكأنه دون المستوى. كذلك العلم يقدم نفسه كميتافيزيقا كرؤية خلاصية محملة بالبشائر.

[معلومات مكتوبة]

"في الشرط الفلسفي المعاصر"

تأليف: محمد سبيلا

الفلسفة وحقوق الإنسان

ملحمة الذات

البنيوية والتاريخ

الموت الحي للفلسفة

الإنسان والعنف
الفلسفة والحداثة
الأسس الثقافية للحداثة
الاشتراكية والحداثة
الخلفيات الفلسفية للعولمة
العلم التقني
الفوضوية والوجودية