- عصر الرواية وبعدها التاريخي
- الرواية بين التأريخي والمُتَخيّل

عصر الرواية وبعدها التاريخي

سالم حميش

سالم حميش: هذه الرواية، "هذا الأندلسي" التي صدرت مؤخرا عن دار الآداب هي رواية عندها بعد تاريخي، نحن في أواسط القرن السابع الهجري وهي مرحلة عويصة حقيقة ومتأزمة لأنها عرفت الدفعات الأخيرة من الحروب الصليبية والأندلس كانت يعني تعرف ما يسمى بحرب [كلمة أجنبية] أو الاسترداد، وثم المغرب كان يعرف عهد آخر الموحدين، وابن سبعين هذا يعني عاصر ما يسمى بعهد، في مورسيا، هو مواليد مدينة مورسيا في عهد ملوك بني هود، وفي روايات حول نهايته، هناك من يقول بأنه قتل أو نحر وهناك من يقول بأنه انتحر. والرجل كان له أعداء كبار خطيرون منهم الظاهر بيبرس الذي عندما جاء إلى مكة من أجل أداء فريضة الحج طلبه وصار يبحث عنه فقام شريف مكة أبو نمي بإخفائه وصار أكثر من هذا يذهب ويختفي في غار حراء. قبل أن يحل في مكة يعني كانت له محطات في حياته، أعتقد أن أهم محطة وهي محطة مدينة سبتة في الشمال المغربي حيث ذهب إليها لاجئا بعد أن ضاق ذرعا من مضايقات الفقهاء في مورسيا وفي باقي المدن الإسلامية الأندلسية وهنا كان يعتبر سبتة مدينة عبور لكن صادف عبوره أن امرأة أغرمت به وأحبته حبا شديدا وطلبت يده، هي التي طلبت يده من أجل أن يتزوج بها، تردد ولكن في الأخير قبل بعد أن لبت شرطه وهو أن تبني له زاوية في رياضها أو في دارها، وطالت هذه العشرة مدة عشر سنوات أو ما يقرب من عشر سنوات، وخلال هذه المدة، هي المدة التي أعطى فيها ابن سبعين أروع وأهم كتاباته وعلى رأسها طبعا "بد العارف" و"الرسائل". وفي هذه المدينة كذلك تلقى يعني رسالة عبر السلطان الرشيد إلى الولي، الوالي على هذه المدينة سبتة اللي هو ابن خلاص وهذه الرسالة أتت من المادم من الملك النورمندي فريديريك الثاني الألماني وهذه الرسالة تقول بأن هذا الإمبراطور، ذاك كان ملكا، يريد أن يجد مفكرا أو فيلسوفا عربيا يجيبه عن بعض الأسئلة ذات الطابع الفلسفي الميتافيزيقي، ورسل هذا الإمبراطور جابوا البلدان الإسلامية وفي آخر الأمر قيل له بأن هناك واحدا يمكن أن يجيب عنها وهو ابن سبعين ومن ثم كتابه المعروف "الرسائل الصقلية". إذا ما رأينا ما قيل عنه سواء من طرف معاصريه أو من طرف اللاحقين عليه أقوال متضاربة متناقضة حقيقة، نحن قلنا مثلا رمزنا إلى أبي الحسن الشوشري لكن حتى ابن الخطيب في الإحاطة قال عنه كلاما لطيفا وجميلا وكذلك المقّري في نفح الطيب، لكن أعداءه لا يعدون ولا يحصون. مثلا معاصره ابن تيمية خصص له رسالة تحمل اسم "السبعينية"، "بغية المرتاد أو السبعينية". ابن الأثير صاحب "الكامل في التاريخ" هو كذلك معاصره قال عنه بالحرف "كان يلبس على الأغبياء من الفقراء -أي المتصوفة- والأمراء والأغنياء" الآبلي، إبراهيم الآبلي وهو أستاذ ابن خلدون في العقليات والشرعيات وهو من القرن الثامن اعتبر بأن هناك ثلاث كوارث عرفها القرن السابع، المدرسة السبعينية وتدمير التتر يعني هولاكو لبغداد، وانتشار الحشيشة. هكذا، تصور بأن حتى المدرسة السبعينية يدرجها في هذه الكوارث الثلاث، وأخيرا وليس آخرا ابن خلدون، ابن خلدون وما أدراك بابن خلدون، أصدر فتوى يعني تدعو إلى حرق ثلاثة كتب منها كتاب "بد العارف" لابن سبعين بالإضافة إلى كتاب "خلع النعلين" لابن قصي، وأكثر من هذا "الفتوحات المكيّة" للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، بالإضافة إلى هذا طبعا عدوه اللدود - لحسن الحظ أنه لم يستطع أن يقبض عليه كما أشرت- الظاهر بيبرس، وكذلك وزير المظفر ملك اليمن، حتى هذا كان يسعى إليه ويتربص به الدوائر وينتظر الفرصة السانحة من أجل أن يلقي عليه القبض ليقتله.

الرواية بين التأريخي والمُتَخيّل

الرواية تتحدث بضمير المتكلم وتتبنى لغة قريبة إلى لغة عصره حتى لا يقع هناك نوع من اللاتمازج أو اللاتوافق بين اللغة وبين الشخصية وعصرها وإطارها التاريخي
سالم حميش:
هذا كله طبعا من فعل الخيال، من فعل التخيل الروائي افتراض أنه أضاع هذه المخطوطة، والفاتحة، فاتحة الرواية تبتدئ على هذا النحو "يا لهفاه على التي ضاعت مني وأحلت في صدري قصة، مرة أخرى لعلها الواحدة بعد الألف أقمت صلاتي ولا دعاء لي إلا أن يمكّنني الخبير العليم من مخطوطة جوهرتي الغاربة وركني الفقيد، شتات جمل مخرومة وكلمات يتيمة هي ما تبقى لي منها، تصيدتها بالنسخ أثناء يقظاتي المترنحة أو على عتبات الصحو السريع، تصيدتها وهي تعبر خاطري لمعا وشظايا متطايرة ومنها، تكوثر بالكون يا هذا، تكن به أزكى وأذكى العلم للعلو علامة والحب في رحابه سماد الحي وركب السلامة. حلزوني الارتقاء صر، حتى تكثر الحلقات العائبة، حتى تطبع عودَك على مرقاك لا مبتداك، حتى تتربص بالخمول والعادات الدوائر. والعقل إذا صفا ما خلاك بدك وما خبا، غموض استتاري فمن تأولني من غير فهم جهل أسراري فعاداني. إني لك يا الله وإني إليك راجع وأحشر". تعاملت مع هذه الشخصية بالذات لأنها شخصية قلقة وشخصية تراجيدية بكل المعاني لا من حيث منحنى حياتها ولا من حيث النهاية التي عرفها. وحاولت أن، وكل الرواية أتحدث بضمير المتكلم، هو الذي يحكي دائما، دائما هو اللي يحكي، ولكي أحل في شخصيته كان لا بد كذلك أن أتبنى لغة قريبة إلى لغة عصره حتى لا يقع هناك نوع من اللاتمازج أو نوع من اللاتوافق بين اللغة وبين الشخصية وعصرها وإطارها التاريخي فلهذا أنا أعتبر هذا شيء، السرد، قوة السرد تأتي من هذا الرافد من جهة وكذلك من جهة أخرى ملء البياضات أو الخانات البيضاء الكثيرة التي تركها المؤرخون، مثلا علاقته بهذه المرأة في سبتة وكانت من أنضج ومن أروع حلقات حياته، هم يقولون عنها سطرا أو أقل من سطر، فكانت هذه الشرارة ولكن هي، والتي قال بها بعض المؤرخين فجرت لدي فصلا كاملا أحاول أن أرى ماذا حصل أو ما يمكن أن يحصل له مع هذه السيدة وفي سبتة وفي إطار علاقته مع والي سبتة وابن خلاص وفي هذه الرسالة التي جيء بها من طرف الإمبراطور فريدريك الثاني، إلى آخره. فإذا هنا الروائي مع تعويله على ما يقوله المؤرخون مطالب بجهد جهيد لكي يؤتت ولكي يخلق هذه الفضاءات ولكي يجعلها ذات حيوية ولكي يرجع للذوات، سواء ابن سبعين أو الذين جايلهم وعاصرهم واحتك بهم وعاشرهم، أن يعيد الحياة إلى كل هذه القطعة التاريخية.