فكرة عن الكاتب والكتاب

جورج زيناتي

جورج زيناتي: الكتاب اسمه "الذات عينها كآخر" والمؤلف هو واحد من كبار فلاسفة القرن العشرين وهو فرنسي بول ريكور، وكان صديقا لإدوارد سعيد ولكثير من الكتاب والباحثين العرب الذين تتلمذوا على يديه وكنت واحدا منهم. بعد أن جاوز السبعين كتب هذا المؤلف وكان يريد أن يكون عبارة عن تلخيص وتكريس لكل فلسفته. ماذا نرى في هذا الكتاب؟ أول شيء، وهذا مهم في كل مؤلفاته، هو أنه يرى أن الفلسفة قد هوجمت من داخلها، يعني هذا أعظم ما في الفلسفة أنها تستطيع أن تصمد حتى أمام احتجاج أبنائها الذين هاجموا الفلسفة من داخلها، ويسميهم ريكور فلاسفة الريبة أو الشبهة، هم على رأسهم ماركس وبعد ذلك نيتشه في نهاية القرن التاسع وبعدين فرويد وكل الفرويديين، يعني هؤلاء كانوا قبل كل شيء يشكون فيما قاله ديكارت، ديكارت يعده الكثيرون مؤسس الحداثة في القرن السابع عشر، وهو الشهير بجملة يعرفها كل الناس تقريبا وهي "أنا أفكر إذا أنا موجود" يعني هذه كانت تريد أن تقول إن هناك نقطة يقينية صحيحة نستطيع أن ننطلق منها. مع فلاسفة الريبة هؤلاء هذه النقطة ذهبت لأن هؤلاء الفلاسفة شككوا أن الأنا لا تستطيع أن تعرف الحقيقة المطلقة وأن الإنسان أعجز من أن يصل إلى كل الحقيقة المطلقة، هذه الناحية الأولى. الناحية الثانية هي أنه في فرنسا في الستينات، يعني في الفترة التي كان فيها ريكور أستاذا في السوربون، سيطرت البنيوية الفرنسية، البنوية الفرنسية طبعا معروفة جدا، وأصبحت معروفة والآن بالعالم العربي ترجمت الكتب الأساسية لديريدا، لفوكو، لألتوسير، فهذه البنيوية كانت تقول إن الأنا غير موجودة وإن الأنا.. وكانت تريد قبل كل شيء تغييب الفاعل. هذا الكتاب إذاً هو نوع من رد على كل هؤلاء، على فلاسفة الريبة وعلى البنيوية الفرنسية بشكل خاص، ويريد أن يقول بأنه ليس صحيحا أن الفاعل يغيّب، الفاعل قد يكون هناك تحفظات حوله ولكنه لا يغيب بشكل كامل. فلذلك هذا الكتاب هو كتاب حول الإنسان القادر، الإنسان القادر الذي لا يمكن أن نغيبه. وهو أيضا كتاب لفتح حوار مع بقية الحضارات لأنه يقول أيضا بأنه في النهاية الذات عينها كآخر ماذا يعني؟ أنني أنا مهما بلغت من العلم ومهما بلغت حضارة من التقدم ومن العلم لا تستطيع أن تقول بأنها حتى هي موجودة إن لم يكن الآخر هو جزء منها. يعني الذات عينها كآخر، الكاف هنا للتشبيه في البداية ولكنها في النهاية لا تعود للتشبيه، تصبح بالضبط الذات هي الآخر وليس هناك من آخر بدون هذا الذات. وهذا ما جذبني لترجمة هذا الكتاب. وهذا الإنسان القادر يعني شدد على العمل، يعني قال اعملوا، قبل كل شيء العمل، الإنسان يجب أن ننظر إليه وهو يعمل. وهنا يتعارض أيضا مع واحد من أكبر فلاسفة القرن العشرين الألماني هايديغر. هايديغر شدد على الهم والانهمام [كلمة أجنبية]، فريكور يشدد ليس على الهم بل على العمل. حين نأخذ الإنسان كعمل ماذا نرى؟ نرى أنه أولا قادر على أن يتكلم. فإذاً الفصول الأولى هي عن هذا الإنسان الذي يقيم الحوار مع الآخر ثم بعد ذلك هذا الإنسان نفسه يروي قصة حياته، يعني من أهم الموضوعات في هذا الكتاب هي الهوية، الهوية السردية، وكان ديكارت قد كتب حول ذلك ثلاثة مجلدات سبقت هذا المؤلف حول الزمان والسرد. فإذاً هنا أنا حين أتكلم أيضا أفتح الحوار مع الآخر وأشعر وأؤكد بوجود أنا رغم وجود تحفظات حولها، ثم بعد ذلك هناك الإنسان يشعر بأنه ارتكب عملا معينا وأنه يتحمل تبعة هذا العمل، فإذاً هذا الإنسان القادر على أن يتكلم، القادر على أن يروي قصة حياته، فإذاً هناك قصة حياة وهامة على صعيد الفرد، يعني الفرد لا يستطيع أن يجد هويته إذا لم يستطع أن يتشكل داخل ما يرويه، وهذا الصحيح على صعيد الفرد هو أيضا صحيح على صعيد الجماعات وعلى صعيد أيضا الأمم. فإذاً هناك أخيرا هذا البعد، بعد الكلام عن رواية قصتي، هناك أيضا البعد الأخير الذي تكلمنا عنه وهو تحمل المسؤولية وهنا إذاً يقود مباشرة إلى جزء آخر في الكتاب وهو جزء هام، هذا الجزء هو الأخلاق، بما أني أنا أتحمل المسؤولية فإذا هناك جزء آخر يتعلق بالأخلاق. وقد كرس له بول ريكور ثلاثة فصول من عشرة في هذا الكتاب، ونستطيع أن نقول إن هذا الكتاب يحوي الفلسفة الأخلاقية عند ريكور.



دعوة إلى السلم والتواصل

"
إن اللذة التي نتمتع بها ونحن نتابع مصير الشخصيات تقتضي بالطبع أن نتوقف عن إصدار أي حكم أخلاقي حقيقي في الوقت نفسه لا نتورع عن استكشاف طرق جديدة لتقييم الأعمال والأشخاص
"
جورج زيناتي
: إن اللذة التي نتمتع بها ونحن نتابع مصير الشخصيات تتضمن بالطبع أن نتوقف عن إصدار أي حكم أخلاقي حقيقي في الوقت عينه الذي نتوقف فيه كذلك عن اعتبار العمل كأمر متحقق، غير أننا من خلال هذا الواقع اللاحقيقي للقصة لا نتورع عن استكشاف طرق جديدة لتقييم الأعمال والأشخاص. إن التجارب الفكرية التي نقودها داخل مختبر المخيال هي أيضا رحلات استكشافية نقوم بها داخل مملكة الخير والشر. هنا أتوقف عند أمر هام جدا مهم عند ريكور، هو ريكور يلتقي به مع كانط، كانط الفيلسوف الألماني الكبير من القرن 18 كان قد فكر بنوع من هيئة الأمم قبل وجود هيئة الأمم، بنوع من السلم الدائم. وهذا السلم الدائم عند كانط يرتكز على أمر هام جدا هو أن الإنسان في كل هذه الأعمال التي يفعلها وحتى في كل الأخطاء التي يرتكبها يظل عنده طبيعة أو ميل هام جدا نحو الخير، هذا الميل نحو الخير هو الذي يجب أن ينتصر وهو الذي يمكن أن ينتصر في حوار حقيقي مقام بين كل الشعوب. أنا أعتقد أن هذه النقطة مهمة جدا، وهي تلتقي أيضا مع كل التراث العربي والعربي الإسلامي وعلى نوع وجود من الفطرة، الفطرة التي وهبنا الله إياها مباشرة كهدية لنا جميعا، وهذه الفطرة التي تدعونا بالفعل إلى احترام الآخرين واحترام ذاتنا بالطبع، ليس هناك من احترام للآخر إذا لم نبدأ باحترام أنفسنا، من هذا الاحترام ننطلق للاحترام للآخر. فإذاً هذا الكتاب أيضا هو نوع من الطلب أو الأنشودة لحوار حقيقي، حوار في العمق بين مختلف البشر، بين مختلف الأفراد، ثم بين مختلف الجماعات، وانطلاقا من أنه يستطيع أن يصل إلى هذه الضمانة الأساسية لعالم أفضل أجمل، عالم أقل سوء، عالم نعمل به جميعا لكي تكون الأجيال القادمة تعيش أفضل. وريكور يشدد جدا على قضية الأجيال، لأنه يعتبر أن الأجيال التي تأتي هي التي تكمل المسيرة، هي التي تفتح الحوار، وعلينا أن نحضر لها جوا أفضل وأن نجعلها تكمل مسيرتها وأن نثق بها وأن يكون موقفنا دائما نوع من القبول بأننا قد أكملنا مسيرتنا وأن هناك غيرنا سيأتي ويكمل وأن هناك تواصلا هاما بين الكل، وهذا هنا يقودنا أيضا إلى نقطة مهمة تبحث باستمرار في عالمنا العربي هي علاقتنا بالتراث، فإذاً علاقتنا بالتراث هي نوع من علاقة بالأجيال. فالعلاقة بالتراث أيضا هناك كتابات جميلة جدا وصفحات رائعة حول العلاقة بالتراث. هناك تراث ميت مهما حاولت أن تفعل لن يعيش، لكن هناك تراث حي، وريكور يشدد على هذه الكلمة، كلمة تراث حي. غرورك فقط يجعلك تعتقد أنك تعرف نفسك وأنك تستطيع أن تسيطر على الآخرين، بينما أنت لا يمكن أن توجد ولا أن تكون إلا إذا تواضعت وعرفت أن الآخر هو جزء لا يتجزأ منك ومن كيانك. هذا صحيح على الصعيد الفردي وعلى صعيد الجماعات وعلى صعيد الأمم.

فهرس الكتاب
الشخص والحالة المعينة للهوية
التلفظ والذات الفاعلة
علم دلالة للعمل من دون فاعل
من العمل إلى الفاعل
الهوية الشخصية والهوية السردية
الذات والهوية السردية
الذات والاستهداف الأخلاقي
الذات والمعيار الأخلاقي
الذات والحكمة العملية