- مدرسة فرانكفورت والعودة إلى عصر التنوير
- دور المواصلات كأداة تواصل وأداة عزلة

مدرسة فرانكفورت والعودة إلى عصر التنوير

جورج كتورة
جورج كتورة: الكتاب اللي بين يدي هو "جدل التنوير" لمؤلفيه ماكس هوركايمر وثيودور أدورنو. تعود معرفتي بهذا الكتاب إلى فترة طويلة فأنا منذ عدة سنوات أهتم بما يعرف بمدرسة فرانكفورت في الفلسفة وهي المدرسة التي تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع في آن واحد، وهي فلسفة نشأت في ألمانيا منذ العشرينات وما زالت مستمرة إلى الآن بعد أن أسست لها كرسيا للدراسات الاجتماعية في جامعة فرانكفورت قرابة عام 1920، واستمرت هذه الكرسي للفلسفة وعلم الاجتماع لمدة طويلة إلى أن قامت الإدارة النازية في عهد هتلر بإقفالها وبتشريد كل الذين كانوا يقومون بالتدريس في تلك الفترة في جامعة فرانكفورت، ومنهم هوركايمر وأدورنو أيضا الذين هربا إلى النمسا أولا ثم إلى بريطانيا ثم إلى أميركا، والكتاب هذا وضعاه وهما إلى حد ما في مرحلة التهجير، يعني حوالي العام 1945 ، 1947 عندما كانا خارج ألمانيا. والكتاب بحد ذاته هو عودة إلى عصر التنوير الذي يقابله في الفرنسية عصر الأنوار كما يقول الفرنسيون عادة في الإشارة إلى المفكرين الذين أسسوا للثورة الفرنسية، وفي الألمانية هم أيضا المفكرون الذين أسسوا للثورة الصناعية وللحياة وللعصر الحديث والمعاصر في ألمانيا وفي غيرها. كتاب مؤلف من عدة أقسام طبعا في معظمها تدور حول الموضوع الواحد وهو إمكانية خلق عقل جديد يواكب روح الحضارة الحديثة والعصور الحديثة ولكن هذه المواكبة لا يمكن أن توجد دون نقد لما مضى ولذلك ينصب النقد في معظمه على العقل القديم أو على العقل الذي أدى في جانب منه إلى تجميد العقل، يعني عقل كما هو عند هيغل كما هو عند كنط وكما هو في الماركسية أيضا التي أوصلت في مرحلة من المراحل إلى الستالينية بشكل أو بآخر، إذ علينا أن لا ننسى أن توجهات معظم أساتذة و مفكري ومؤلفي عصر مدرسة النقد التي تسمى بمدرسة فرانكفورت هم كانوا إلى حد ما في فلك ماركسي أو مادي إلى حد بعيد وبالتالي كانت لهم مثل هذه المنطلقات ولكن من مفهوم نقدي بمعنى أنهم لم يقبلوا الماركسية بالشكل الذي آلت إليه في جمودها ولم يقبلوا أيضا العقل الهيغلي كما توصل كما صار هذا العقل في نهايته عقلا أداتيا أو عقلا محض أداة يمكن استعمالها أو الاستغناء عنها أو استعمالها فقط كأداة. من هنا كان الاهتمام بهذا الكتاب أولا وثانيا لأنه يعتبر من أمهات كتب المدرسة النقدية أو مدرسة فرانكفورت. طبعا بعدها أتى العديد من المؤلفين ومن الكتاب وآخرهم ربما هبرماس الذي ما زال حيا إلى الآن في ألمانيا، الذي يوالي نشاطات هذه المدرسة وهذه الكرسي الفلسفية التي ما زالت قائمة إلى الآن في جامعة فرانكفورت. يقسم الكتاب إلى عدة أقسام طبعا، القسم الأول يتناول معنى التنوير، والتنوير كلمة اصطلاحية أتت من كنط الذي وضع مقالة بعنوان "ما هو التنوير" والذي اعتبر التنوير في تلك الفترة أداة تحرر من الاستعباد وأداة تحرر من السحر وأداة تحرر من الرؤى الظلامية التي تحيط بالعالم أو التي بموجبها يمكن لنا أن ننظر إلى العالم، هكذا تصور كنط التنوير في بداية عصر التنوير أو ما سمي بعصر التنوير، ولكن هذا العقل انتهى مع كنط ومع هيغل بالذات إلى نوع من العقلنة الزائدة وهو ما يعرف في الفلسفة بالمعنى المعروف للكلمة بالعقل المثالي، الفلسفة النقدية تنتقد مثالية العقل أو العقل المثالي أي العقل الذي يعتبر عقلا صرفا وذلك من أجل ربط هذا العقل بالواقع، ولعدم تصور الحقيقة حقيقة مثالية فقط يمكن الوصول إليها بالعقل دون أي ارتباط بالواقع، من هنا كان الترابط القائم في الفلسفة مدرسة فرانكفورت بين الفلسفة والاجتماع وبالتالي ربط الحقيقة إذا كانت الفلسفة بحثا عن الحقيقة ربط هذه الحقيقة بالواقع ولا مجال لمعرفة الواقع دون الاجتماع وبالتالي دون علم الاجتماع، هذه الفكرة الأساسية في الكتاب لكن فصول الكتاب تذهب إلى أبعد من ذلك.

دور المواصلات كأداة تواصل وأداة عزلة

استطاعت المواصلات أن تجمعنا، ولكنها لم تستطع أن تعطي لقاءنا معنى اجتماعيا معينا
جورج كتورة: طبعا تركز الفقرات الأخيرة على بعض المعاني المنفصلة مثلا المواصلات والعزلة تحاول كفصل أن تشير إلى فكرة بحد ذاتها بسيطة يعني بما معناه إذا كانت المواصلات أداة تواصل فهي قد تحولت إلى أداة عزلة. يعطي المثل التالي، نصرف عشرات الكيلومترات مثلا للالتقاء في مطعم معين نتحدث الأحاديث نفسها ثم ننفصل فيما بعد كأن شيئا لم يكن، صحيح استطاعت هذه المواصلات أن تجمعنا ولكنها لم تستطع أن تعطينا أن تعطي لقاءنا هذا معنى اجتماعيا معينا. بعد أن يشير المؤلف إلى أهمية المواصلات والإعلانات والراديو وإلى آخره، يشير إلى عدم اختلاف الأحاديث من سيارة إلى أخرى، فالحديث داخل كل خلية عائلية يظل حديثا تغلب عليه المصالح العملية، وكما تخصص كل عائلة نسبة مئوية من مدخولها للسكن والسينما والدخان كما تفيد الإحصاءات فإن مواضيع الحديث تتغير بتغير نماذج السيارة، فحين يلتقي المسافر أيام الآحاد في مطعم تتشابه فيه وجبات الطعام والغرف وكل فئات الأسعار يفهم الزوار أيضا أنهم يتشابهون أكثر فأكثر من خلال العزلة التي يعيشون داخلها، فالاتصالات تقيم التماثل بين الناس من خلال عزلهم. في الكتاب ككل فقرات جميلة وجيدة وما زالت تصلح حتى اليوم عن انتقاد الإعلام الذي صار مع الراديو إعلاما جماهيريا في أيام هتلر، كانت كل البيوت كل المنازل كل الناس ينتظرون ما سيقال في الإعلام في الراديو وكان الراديو أو المذياع في تلك الفترة يأسر كل المواطنين طيلة النهار لا لما سيقول الزعيم أو لاستماع التعليمات أو لأن المجتمع صار مجتمع حرب وحسم بل لأن حتى الراديو هذا كان على الطريقة التي نجدها الآن في بعض أجهزة الإعلام ومنها الراديو على FM  مثلا مسابقات طول النهار أو كما نجده في أيامنا اتصلوا بنا وستربحون جائزة يومين في قبرص أو يومين في باريس أو إلى آخره. حتى مع بداية الراديو في الزمن الهتلري كان الراديو يقدم مثل هذه الأخبار ويقدم مثل هذه الجوائز لمن يتصل به ولمن يقدم أفضل اتصال أو لمن يقوم بحل هذا اللغز أو هذه الأحجية أو لمن يتصل قبل غيره إلى آخره. فالراديو من هذه الزاوية كأداة media كأداة إعلامية أولى وحيدة في فترة معينة أيضا كانت تؤثر الجمهور وبالتالي صار هذا الجمهور أسير هذا الجهاز الإعلامي. يحاول هذا الكتاب أن يشدنا من الميتافيزيقا إلى الاجتماع، من الأيديولوجيا إلى الاجتماع، من الأسطورة إلى الاجتماع، يعني عندما يأخذ فصل الأساطير يحاول أن يقول لنا هذا البطل الأسطوري تصرف كإنسان ولم يتصرف كأسطوري، وبالتالي يستطيع هذا الكتاب أن يمدنا بمتدرجات فلسفية تصلح لكل زمان ومكان وبالتالي ما زال هذا الكتاب راهنا أي ما زال يحمل الإشكالية التي نعيشها حتى الآن.

[معلومات مكتوبة]

جدل التنوير

تأليف: ماكس هوركايمر وثيودور ف أدورنو

فهرس الكتاب:

الأسطورة والتنوير
التنوير والأخلاق
التنوير وخداع الجماهير
حدود التنوير
تحول الفكرة إلى سيطرة
عن نظرية الأشباح
علم نفس الحيوان
من أجل فولتير
العزلة من خلال المواصلات
نقد فلسفة التاريخ
تماثيل الإنسانية
ثمن التقدم
خوف فارغ
أهمية الجسد
مجتمع الجمهور
الفلسفة وتقسيم العمل
الإنسان والحيوان
دعاية
تكوين الحماقة