- رواية عن فرادة الإنسان ورحمة الله
- الكتابة فعل وحب وتواصل

رواية عن فرادة الإنسان ورحمة الله


باولو كويلو: أحداث هذا الكتاب تجري في الشرق الأوسط وأوروبا، والفكرة الأساسية للكتاب هو أنه كيف أننا بني البشر لا نحقق ما نصبو إليه بشكل كامل، فالشخصية الأساسية للكتاب هي امرأة تحاول أن تنمي وتطور قدراتها الكاملة، وينتهي بها المطاف إلى أن تُضطهد ويلقى عليها باللائمة من المجتمع. إنها رواية عن كفاحنا من أجل أن نكون مختلفين وأن نقبل اختلافاتنا وأن نقبل أنه رغم أننا نعيش في مجتمع، علينا أن نمتثل لقواعده، إلا أننا فريدون ومميزون عند الله ولذا فإن علينا أن نعتبر الحياة كنزاً مليئاً بالغموض وأن نحترم هذا الغموض وأن نقدم أفضل ما لدينا لنبجل حقيقة أننا الآن ها هنا لنعمل بالنهاية على تحسين المجتمع. كما تعلم لكي تكتب كتاباً لا يعني الأمر أن تجلس وتبدأ الكتابة هكذا، لكن الأمر يتعلق بما هو مكتوب في روحك، أنت عليك أن تجسد وتبلور ما هو مكتوب في روحك، لذا فعندما بدأت أفكر بالكتابة عن رحمة الله تساءلت كيف لي أن أعبّر عن ذلك بالكلمات، فالله كما تعلم رحمن رحيم إلا أننا أحياناً ننزع إلى النظر إلى الله من خلال مجموعة من القوانين أو القواعد، فأنا أحببت أن أتناول موضوع الرحمن الرحيم لذا قررت أن علي أن أفصّل في ذلك، ولكن عندها لم يكن لدي الطريق المرشد ليوصلني لمبتغاي وعليه فقد استغرق الأمر أعواما عديدة للكتابة، أو حتى مجرد التفكير في هذا الأمر، إلى أن قابلت امرأة كانت ترقص في أحد الملاهي الليلية في رومانيا، فلما رأيتها ترقص قلت لنفسي يا إلهي إنها ترقص وأثناء رقصها فإنها تتواصل مع طاقة ربانية فخطر ببالي عندها أنه ربما تكون هذه هي المرشدة لكتابي. من الصعوبة البالغة أن تلخص رسالة كتاب ما ذلك لأن الكتاب أثرى بكثير من الرسالة، ولو كنت أريد تقديم رسالة لكنت كتبت جملة واحدة ولما احتجت إلى تأليف كتاب وعليه فإنني حاولت أن أظهر في الكتاب كم إننا شخصيات مركبة أو معقدة، وكم هو مركب محاولة التعاطي مع الجانب البشري فينا في الوقت نفسه الذي نعبد الله فيه، فهذا الأمر ليس سهلا لأن فينا تناقضاتنا وانحيازاتنا، وهكذا فمن الصعب اختزال الكتاب كله ووضعه في رسالة فالكتاب يتعلق بالتناقضات الكامنة فينا. عادة عندما تبدأ الكتابة يكون لديك أفكار كثيرة، وبالنسبة لي فأنا شخص فضولي بطبيعتي، وهكذا فعندما أنظر حولي وأقابل الناس وأذهب إلى أماكن مختلفة وأقول لنفسي إن هذا الأمر مثير جدا للاهتمام وجدير بالكتابة عنه، وهكذا تتراكم الأفكار في ذهني ولكنني في الوقت نفسه لا أدون ملاحظات آنية، فأنا أعتقد أن الفكرة الأهم ستظل في ذهنك، ولكن إن دونت ملاحظات فسوف تقرؤها ثم ترميها وذلك لأنه لدى قراءتك للملاحظات فستقول لنفسك لقد كنت أشعر بكذا وكذا عندما كتبت هذه الملاحظات وها هو شعوري قد تغير الآن، وهكذا فإنني أترك اللحظة الآنية لتختار لي الحدث والفكرة الأهم التي تستحق الكتابة عنها.

الكتابة فعل وحب وتواصل



"
ينبغي أن نجسّد ونبلور ما هو مكتوب في أرواحنا عندما نبدأ في كتابة وتأليف الكتب
"
باولو كويلو: ولذا فعندما أجلس أمام الكمبيوتر الذي أستخدمه للكتابة عادة، يكون الكتاب مكتوباً في ذهني لكنه ليس الكتاب الذي أريد كتابته إنه الكتاب الكامن في روحي وعليه أحاول أن أجد سبيلا يسوقني إلى الكتاب الذي أريد كتابته، فإنني لذلك أحاول الكتابة عن شيء أعجبني الشهر الماضي أو السنة الماضية وهكذا تسير الأمور. ففي لحظة ما أستوحي الجملة الأولى وأعرف عندها أن هذه الجملة هي محور كتابي، وهذا حدث في كتابي الخيميائي والزهير، فأننا لم أخطط لكتابة أي من كتبي بل كان الكتب كلها في روحي. "لا أحد يشعل نورا ليستره، الهدف من النور هو خلق المزيد من النور لفتح عيون الناس، لكشف الجمالات من حولنا، لا أحد يضحي بالحب، أغلى ما يملك، لا أحد يضع أحلامه في يدي من قد يبددها، الآن فيما أضع اللمسات الأخيرة على هذه الصفحات، أثق بأنني قد وجدت الجواب في حديثها الأخير مع الصحفي، الحب يحدث ببساطة". أنا لا أعيد كتابة رواياتي أبدا، فأنا عندما أكتب روايتي وأضع النقطة الأخيرة فإن كل حبي يكمن ها هنا، فلا يمكنك أن تعيد كتابة حبك لأنك تعطي وتقدم الكثير من نفسك بحيث يصبح من المستحيل لك أن تعود وتقول آه أنا لم أعط ولم أقدم أفضل ما في نفسي في هذه الرواية. إذا فأنا دائما أكون حريصا على بذل وإعطاء أفضل ما لدي فأنا لا أفكر أبدا بإعادة كتابة رواياتي وأنا فخور بكتبي ورواياتي، وأحيانا أتحدث عن كتب أخرى كتبتها، بعضها كتبته منذ عشرين عاما مضت ولكنني مازلت فخورا بها، فأنا لا أفكر أبدا بإعادة الكتابة أو التصحيح، لأن أفضل ما لدي يكون في الرواية أو الكتاب، وهذا هو الارتجال والإلهام الذي يهب عليك كنسيم عليل يتحول سريعاً إلى طاقة إيجابية تتجلى وتظهر في كتابك. إنني أعشق هذا الكتاب من الجملة الأولى وانتهاء بالجملة الأخيرة وأعتقد أن كل جملة فيه وكل نقطة وكل فراغ بين الكلمات يتكلم عني لأنه عندما تكتب فإنك تسخِّر نفس كلها، وعندما تعمل شي ما وأنت تحبه فإنك تبذل كل ما عندك، وأنا لا أقول هنا إن الحب عبارة عن خط مسطح ولكنني أقول إن الحب تتخله تصاريف الزمان، فتارة يرفعنا وتارة أخرى يهوي بنا، وتتخلله التناقضات والمعارك وأحيانا يتخلله التدمير وإعادة البناء، فهذه هي طبيعة الحياة البشرية، فهي ليست خطا مستقيما مسطحا يأخذك من نقطة هنا إلى أخرى هناك. فها هي تذهب وتعود وتحاول وترتكب أخطاء شأنها شأني، لذلك فأنا كائن بشري وفي مراحل من رحلتي في الحياة أحيانا أسير على غير هدى ثم أعود إلى مساري الحقيقي. وعندما أكتب رواية فإنني عادة أكتبها لنفسي فأنا لست متأكدا أنني أعرف نفسي جيدا، ولكنني أعرف نفسي بما يكفي، ثم تترجم إلى 66 لغة وتنشر في 150 دولة، فلقد بيع منها أكثر من 100 مليون نسخة، وإن قمت بضرب ذلك الرقم بثلاثة فهذا سيعطيك معدل عدد القراء أي 300 مليون قارئ، وإذاً فكيف لي حتى أن أتخيل إن كان 300 مليون شخص في 150 دولة سيفكرون بنفس الطريقة، إذاً فلماذا يجدون ما يربطهم في كتبي؟! ذلك لأنهم يعتقدن أن لدينا نفس الأسئلة، نحن ليست لدينا الأجوبة نفسها ولكن لدينا الأسئلة نفسها. إذاً فأنا مقتنع أن هذا هو تماما ما يجعل العنصر البشري مثيرا للاهتمام. في هذه الفترة نجد كثيرا من الصراعات بيننا وبين الشرق وما يسمى بصدام الحضارات وأنا لا أؤمن به شخصيا، فأنا أؤمن بأننا كلنا نشترك في القيم نفسها، في هذه الظروف والأوقات التي انهارت فيها كل الجسور الأخرى، على الأقل ما يزال عندنا الفن يربطنا ببعضنا، وهكذا فإن ما ينبغي للفنان عمله هو أن يصب جهده بتركيز على ما يفعله مسخّراً لذلك حبه كله ثم بعد ذلك أترك الخيار للقارئ ليقرأ كتابي بهذه الطريقة أو تلك، ولكنني لا أستطيع أن أتحكم بالطريقة التي سيفهم القارئ كتابي بها.