تعتبر سوق الصفارين في مدينة فاس العتيقة مهد صناعة إبريق الشاي التقليدي، أو ما يطلق عليه في المغرب البرّاد.

ومن هذه السوق التي تعرف نشاطا دؤوبا طيلة أيام الأسبوع، تتوزع الأباريق على مختلف المتاجر في المدن المغربية.

البرّاد المغربي
من المغرب، نتعرف مع المراسل عبد المنعم العمراني -في حلقة الخميس (11/12/2014) من برنامج "مراسلو الجزيرة"- على هذه الصناعة العريقة وعلى مكانتها في المجتمع المغربي.

تتم صناعة البرّاد داخل دكاكين صغيرة وبطرق تقليدية وسط أزقة ضيقة، ورغم منافسة المنتوجات الأجنبية حافظ البرّاد المغربي على مكانته وحضوره داخل البيوت وفي الأفراح والمناسبات.

ويقول المراسل إن الصفارين يستمدون اسمهم من معدن الصفار الذي يمزجونه بالنحاس، ويلفت إلى أنه من عشر سنوات خلت ترنح نشاط الصفارين وكاد أن يختفي بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية وتقلص أعداد المتدربين.

وقد دفع ذلك بمن بقي من الصفارين إلى الانتظام في مشاريع جديدة لم تكن لتنجح دون سن قوانين تنظم عملية تدريب المتعلمين وتحدد أسس الإنتاج ومعاييره.

بُن الدومينيكان
ومن صناعة أباريق الشاي في المغرب ننتقل مع المراسل علاء الدين حماد إلى زراعة حبوب البُن في جمهورية الدومينيكان، وتحديدا في مناطقها الشمالية حيث يجد البُن فيها ما يحتاجه من ماء وتربة خصبة وارتفاعات عالية.

وبدأت قصة البُن في الدومينيكان مع الإسبان الذين احتلوا المنطقة وجلبوا إليها أنواعا مختلفة من بينها البُن العربي الذي أصبح المذاق الأصلي للقهوة هناك.

ويذكر المراسل في تقريره أن الإسبان أدخلوا البُن إلى منطقة بلانكو قبل خمسمائة عام بعد أن جلبوه من المنطقة العربية، وتعد القهوة العربية الأشهر في الدومينيكان وتسمى "تيبيكو" وتعني الأصلية.

ويبدأ موسم البُن في شهر سبتمبر/أيلول وينتهي في يناير/كانون الثاني، وتزهر نبتته رويدا رويدا وتتحول البذور إلى حبات خضر ما تلبث أن تتحول إلى اللون الأحمر عندما تنضج.

وتستغرق عملية تجفيف حبات البن نحو أسبوعين لتبدأ بعدها عملية فصل قشورها.

فن البلوز
وتنتقل كاميرا البرنامج مع المراسل ناصر الحسيني إلى ميسيسبي بالولايات المتحدة لتسليط الضوء على فن البلوز ذي الجذور الأفريقية.

كانت العبودية والتفرقة العنصرية والعمل الشاق في حقول القطن أسبابا رئيسية وراء ظهور موسيقى البلوز التي عبر من خلالها الأميركيون السود عن مشاعرهم وألمهم.

وقد انطلقت هذه الموسيقى ونشأت في الحقول ثم انتشرت وانتهت فنا معترفا به على نطاق واسع في كبريات المدن الأميركية.

ويقول المراسل إنه في كل مرة كان فن البلوز يظهر ويبرز احتفاليا مرحا فرحا، لكنه دائما كان يردنا إلى الماضي، ماضي السود والرق في أميركا.

اسم البرنامج: مراسلو الجزيرة

عنوان الحلقة: أباريق الشاي التقليدية بالمغرب وقصة البن بالدومينيكان

مقدمة الحلقة: إلسي أبي عاصي

تاريخ الحلقة: 11/12/2014

المحاور:

-   دورة إنتاج النحاسيات في فاس المغربية

-   قصة البن في الدومينيكان

-   موسيقي الألم عند الأميركيين السود

إلسي أبي عاصي: في هذه الحلقة: صناعة أباريق الشاي التقليدية في مدينة فاس العتيقة في المغرب، قصة البُن في جمهورية الدومينيكان وكيف وصلت إلى هذا البلد الكاريبي، فن البلوز تراثٌ موسيقي ذو جذورٍ إفريقيةٍ أميركية.

تحيةً لكم مشاهدينا الكرام ومرحباً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج مراسلو الجزيرة، يعتبر سوق الصفارين في مدينة فاس العتيقة مهد صناعة إبريق الشاي التقليدي أو ما يُطلق عليه في المغرب البرّاد، ومن هذه السوق تتوزّع الأباريق على مختلف المتاجر في المدن المغربية وتعرف هذه السوق نشاطاً دءوبا طيلة أيام الأسبوع، فصناعة البرّاد تتم داخل دكاكين صغيرة وبطرقٍ تقليديةٍ وسط أزقةٍ ضيقة، ورغم منافسة المنتوجات الأميركية حافظ البرّاد المغربي على مكانته وحضوره داخل البيوت وفي الأفراح والمناسبات، عبد المنعم العمراني يُعرّفنا على هذه الصناعات العريقة وعلى مكانتها في المجتمع المغربي.

[تقرير مسجل]

دورة إنتاج النحاسيات في فاس المغربية

عبد المنعم العمراني: وكأنها سمفونيةٌ غريبة تتساءل ما هذا الطرق الذي يكاد يصمُّ الأذان؟ وماذا يفعل هؤلاء؟ ولماذا النار المشتعلة حولهم؟ إنهم يدقون معدناً أصفر اللون، تفهم من منظر المعروضات حواليك أنك دخلت سوقاً من نوعٍ خاص عندها ينتابك الفضول وتريد أن تفهم دورة إنتاج النحاسيات.

[شريط مسجل]

المختار رزيقي/أمين حرفة الصفارين: كان في عدّة مراحل كان الصلب وكانت الغرف كان اللّحم يلحموه وكانوا يطرقوه ويخرج كل اللي هو يبغاه هو، هداك السنة في تلك المدة اللي يكون في شغل للمعلم دياله في تلك المدة كان فيه ممكن يسرق من عنده الصناعة أو يتعلم مع مدة زمن ويمكن يقوم بمقام المعلم ممكن تقول 5 سنين ولا 6 سنين يكون معلم، وهذه هي الطريقة اللي المعلمين تشوفهم كلهم يتعلمون بالطريقة هذه.

عبد المنعم العمراني: في قلب فاس العتيقة بالقرب من زقاق المشّاطين نسبةٍ إلى صُناع المشط وغير بعيدٍ عن جامع القرويين تقع ساحة الصفارين ومدرستهم، حيث كان الحرفيون يزاوجون بين تعلم أصول حرفتهم بمدرسة الصفارين ونهل أصول اللغة والدين بحلقات العلم في جامع القرويين، يستمد الصفارون اسمهم من معدن الصفار يمزجونه بالنحاس، أما مدرستهم التي تتوسط الساحة فقد شيدت في القرن 13 للميلاد إبّان حكم السلطان أبي يوسف يعقوب المريين من 10 سنواتٍ خلت ترنّح نشاط الصفارين وكاد أن يختفي بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية وتقلص أعداد المتدربين، ما دفع ما بقي منهم إلى الانتظام في مشاريع جديدة لم تكن لتنجح دون سن قوانين تُنظم عملية تدريب المتعلمين وتحدد أُسس الإنتاج ومعاييره.

[شريط مسجل]

عبد الرحيم بن الخياط الزكاري/المدير الجهوي للصناعة التقليدية بفاس: في مشكل التكوين فيما قبل بلا حدود نهاية السبعينيات، كان طفل يتبنّى الصناعة ولم يكن في يوم من الأيام الصانع يستغل طفل أي استغلال لأي نشاط، يمارس من اليوم القوانين والمواثيق الدولية، فكان طفل يتبنى الصناعة كأحد أبنائه وبعد صلاة الفجر في مسجد من المساجد تجد الصانع برفقة المتعلم إلى مكان العمل سواء أو دار عمل أو فندق.. الخ، وبعد إنتاج المنتوج يتوجهون إلى الأسواق الحرفية.

عبد المنعم العمراني: شغل النحاسيات يتم في شكل دورة، دورةٌ يحددها المعلم يُساعده في ذلك صانعٌ متدربٌ يُسمى المتعلم إذ من الصعب أن يشتغل النحاسيات شخصٌ لوحده، يقضي المتعلم فترةً من الزمن عامٌ أو عامين قبل أن يكتسب المهارة، مهارةٌ تؤهله لنيل ثقة معلمه فيمنحه مهمة الإشراف على دورةٍ كاملة من ألفها إلى يائها، أما النتيجة فمراجل وصواني ومباخر وقدور وأباريق وكيف لا برّاد الشاي ذلك الإبريق الذي لا يستغني عنه المغاربة كيفما كانت ظروفهم.

[شريط مسجل]

محمد مفيد/رئيس جمعية الصناع التقليديين بجهة فاس بولمان: براد الستينيات كان يسبب مشاكل صحية أما تبع حي النحاس ما فيش مواد تسبب السرطان هو من طرف وزارة الصناعة التقليدية اللي معطياه الجودة ودازه للمختبر وهو صحي الحمد لله.

عبد المنعم العمراني: لم تتغير معالم فاس العتيقة لكن عمل حرفييها تغيّر شيئاً ما في عصر السرعة هذا ومع ذلك ما يزال أهل المدينة يتمسكون بتقاليد صناعاتهم العريقة ويحاولون بعملهم أن يكتبوا لها عمراً جديداً كما يفعل الصفارون، تلك هي ساحة الصفارين واحدةٌ من معالم مدينة فاس العتيقة، فاس التي تكاد لا تصدق وأنت تنظر إليها وهي تنام في حضن نهر سايس أنها تختزل بين أسوارها إرثاً حضارياً يتوارثه أبنائها أباً عن جد منذ قرون. عبد المنعم العمراني لبرنامج مراسلو الجزيرة، فاس وسط المغرب.

[نهاية التقرير]

قصة البن في الدومينيكان

إلسي أبي عاصي: ومن صناعة أباريق الشاي في المغرب إلى زراعة حبوب البُن في جمهورية الدومينيكان وتحديداً في مناطقها الشمالية، ففي هذه المناطق يجد البُن ما يحتاجه من ماءٍ وتربةٍ خصبة وارتفاعاتٍ عالية، قصة البُن في الدومينيكان بدأت مع الأسبان الذين احتلوا المنطقة وجلبوا إليها أنواعاً مختلفةً من بينها البُن العربي الذي أصبح المذاق الأصلي للقهوة هناك، علاء الدين حماد يروي لنا قصة حبوب البُن وكيف وصلت إلى هذا البلد الكاريبي.

[تقرير مسجل]

علاء الدين حماد: على بعد 300 كم من سانتو دومينغو قريباً من نهر بلانكو الساحر وعلى ارتفاعٍ يقدر بـ900 متر في منطقةٍ تغمرها الأمطار وتغيب عنها الشمس عادةً تقع بوناو عاصمة القهوة في الدومينيكان، عادةً ما يبدأ الناس صباحهم بشرب القهوة وتختلف أمزجتهم في الحكم عليها وفقاً لجودتها لأسبابٍ عدّة، هنا في الدومينيكان في بلانكو تُزرع القهوة وأفضل أنواعها يسمى التبيكو وهي القهوة العربية لنتعرف سوياً على هذه القصة. هذه هي أوراق نبتة البُن خضراء تستعد للموسم الجديد وقد تشرّبت الندى، وهذه هي حبة القهوة التي يعشقها الملايين حول العالم، كثيرون لم يروها من قبل وهذه الحبة التي تمر بمراحل عدة حتى تكون أشبه بالدواء الذي يُعدّل أمرجة الملايين وربما المليارات من عشاق القهوة، في بلانكو أدخل الأسبان حكاية البُن إلى الدومينيكان قبل 500 عام بعد أن جلبوها من المنطقة العربية، تحتاج القهوة إلى ارتفاعٍ يقدر ما بين 700 و 1000 متر وإلى ظل بعيداً عن أعين الشمس الحارة وإلى تربةٍ غنية وكميةٍ وافرةٍ من المياه.

[شريط مسجل]

خبير بالقهوة 1: جلب الأسبان البُن من المنطقة العربية، القهوة العربية هي الأشهر وتسمى تبيكو وتعني الأصلية، بينما تُزرع أنواع أخرى من البُن في مناطق أخرى مثل كاتيمور التي جُلبت من كوستاريكا ولينبيرا التي جُلبت من إندوراس.

علاء الدين حماد: لكن الوضع ليس مثالياً دائماً، فالإنسان ليس وحده من يعشق القهوة، الكارتور عاشقةٌ لأوراق البُن وأسوأ حشرة يمكن أن تدمر المحصول، هذا العام زارت بلانكو مؤخراً

[شريط مسجل]

خبير بالقهوة 1: هناك حشرات تدمر المحصول مثل حشرة روجا، لكن الحكومة ونقابة أصحاب مزارع البُن تُقدمان لنا أنواعاً من البُن تقاوم هذه الحشرات لكن طبعاً ليس كل الأنواع.

علاء الدين حماد: يبدأ الموسم في شهر سبتمبر وينتهي في يناير، تُزهر نبتة البُن رويداً رويداً وتتحول هذه البذور إلى حبّاتٍ خضراء ما تلبث أن تتحول إلى اللون الأحمر عندما تنضج لكن هذا اللون ليس سوى غلافٍ يحمل حبّات البُن، بعد الحصاد تبدأ عمليةٌ معقدةٌ لنزع القشرة ومن ثم تجفيفها وبعد ذلك تحميصها ووضعها في أكياس، هذه العملية قد تستغرق أياماً لكنها قد تغيّر من مذاق القهوة، تستغرق عملية تجفيف حبات البُن نحو أسبوعين لتبدأ بعدها عملية فصل قشورها.

[شريط مسجل]

خبير بالقهوة 1: تستغرق عملية الفصل دقيقتين فقط لكن المحصول يستغرق أسابيع.

علاء الدين حماد: مرحلة التجفيف صعبةٌ للغاية فهي تتم بنفس المنطقة وهذا يعني أنّ الحبوب تحتاج للشمس والحرارة بعيداً عن الأمطار والظل كي تجف وهو عكس ما تحتاجه تماماً كي تنمو، البيوت البلاستيكية هي الحل الأسرع للمزارع.

[شريط مسجل]

خبير بالقهوة 2: توضع هذه الحبات في أكياسٍ لتُنقل إلى المرحلة التالية وهي مرحلة فصل الحبة إلى نصفين لتُنقل الحبوب بعدها إلى العملية الأكثر تعقيداً وهي التحميص.

خبير بالقهوة 3: أفحص القهوة عبر تذوقها طعمها هو الذي سيُحدّد هل تحتاج إلى مزيدٍ من التحميص أم أنها انتهت وأصبحت جاهزةً لعملية طحنها.

علاء الدين حماد: هذا الخبير هو الذي يُحدد هل اجتازت الحبة الاختبار النهائي للوصول إلى الزبون أو إلى سلة النفايات، عبر تذوقها يعرف الخبير هل هي طريةٌ من الداخل بينما يعرف من لونها الأصفر الخارجي مثلاً أنها تحتاج إلى مزيدٍ من التحميص حتى تتحول إلى اللون البني الغامق الشهير.

[شريط مسجل]

خبير بالقهوة 3: لا تزال غير جاهزة، درجة الحرارة المثالية للتحميص هي 200 درجة مئوية.

علاء الدين حماد: أما اللحظة الأكثر ترقباً بالنسبة لعشاق القهوة فقد تخلّى عنها هذا المصنع وتركها للباعة، وهي عملية طحن وتغليف حبات البُن. علاء الدين حماد لبرنامج مراسلو الجزيرة، بوناو شمال الدومينيكان.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: نتابع معاً هذه الحلقة من برنامج مراسلو الجزيرة وتشاهدون فيها بعد قليل: فن البلوز تراثٌ موسيقي ذو جذورٍ إفريقيةٍ أميركية.

[فاصل إعلاني]

موسيقى الألم عند الأميركيين السود

إلسي أبي عاصي: أهلاً بكم من جديد، كانت العبودية والتفرقة والعنصرية والعمل الشاق في حقول القطن أسباباً رئيسية وراء ظهور موسيقى البلوز التي عبر من خلالها الأميركيون السود عن مشاعرهم وعن ألمهم، وقد انطلقت هذه الموسيقى ونشأت في الحقول ثم انتشرت وانتهت فناً معترفاً به على نطاقٍ واسعٍ في كبريات المدن الأميركية، ناصر الحسيني يشرح لنا الأبعاد الاجتماعية والسياسية لهذه الموسيقى بالنسبة للأميركيين السود.

[تقرير مسجل]

ناصر الحسيني: على مدى 10 سنين تنقل فنانو البلوز الأميركيون بين مختلف الولايات ودائماً حملوا معهم في حقيبتهم ذلك الفن الساحر الذي ألهم أجيالاً كاملة من الفنانين الغربيين وحتى العالميين، في كل مرة كان ذلك الفن يظهر ويبرز احتفالياً مرحاً فرحاً لكنه دائماً كان يردنا إلى الماضي ماضي السود والرق في أميركا في كل نهضة، لنستمع.

هذا هو فن البلوز الذي نعرفه اليوم، قد يكون الإيقاع سريعاً مرحاً يؤده الفنان نفسه وقد تجده أيضاً فناً عالمياً، تخطى السود وقصتهم في أميركا ليكون عميقاً حزيناً بأداء فنانين عالميين بيض، وقد يكون البلوز أيضاً قروياً عصرياً ملتصقاً بالواقع الأميركي الذي انطلق منه.

[شريط مسجل]

كوري هاريس/مغني بلوز: البلوز عبارة عن كتاب الحياة لن يكون هذا الفن مفهوماً كاملاً  إذا لم نتحدث عن وضع السود جنوبي أميركا.

ناصر الحسيني: مهما تغيرت أشكال هذا الفن تظل النغمة حافظةً لتاريخ يأبى النسيان، رمز البلوز اليوم في أميركا هذه البلدة بولاية ميسيسيبي فيما يعرف بمنطقة الدلتا تعتبر من أفقر المناطق الأميركية حالياً، هنا وقبل ما يزيد عن قرن عاشت وعانت أجيالٌ كاملةٌ من السود في الحقول المجاورة للبلدة، بدأت الإرهافة الأولى لفن البلوز بأهازيج حزينة رددها مزارعون من سطوة وصوت الرجل الأبيض، في أيامنا هذه نسي معظم الناس تلك الأحداث لكن في كل سنة يتجمع محبو هذا الفن في كلاتش ديلحول هذه القيثارة وسط البلدة يزورون أيضاً متحفاً صغيراً في تمويلٍ قليل يؤرّخ لمرحلةٍ فنية بُنيت على المعاناة، في المتحف أيضاً آلات موسيقية قديمة استخدمها فنانو البلوز على مر السنين وجمعها المتحف من ما تيسر له من إمكانيات لرواية قصة السود الأوائل وفنهم الحزين.

[شريط مسجل]

شيلي ديتر/مديرة متحف البلوز: البلوز موسيقى قوية أنشأها أُناسٌ لم يكونوا يملكون شيئاً في الحياة، لقد تم احتجاز الأفارقة واقتيادهم عنوةً إلى أميركا، لم يخططوا لرحلتهم وسفرهم والشيء الوحيد الذي احتفظوا به بعد وصولهم هو فنهم.

عامل متحف البلوز: كانوا عبيداً وبهذه الموسيقى تمكنوا من التخفيف من الشعور بالقهر والإحباط واليأس، كانوا يكتبون كلمات أغانيهم دون التعرض بشكلٍ مباشر لقضايا وبشكلٍ لا يفهمه إلا السود، لم يكن البيض يدركون مغزى تلك الأغاني.

ناصر الحسيني: بدأت قصة البلوز في القرن 17 بوصول البواخر المحملة بالعبيد هكذا كانت تبدو شواطئ أميركا آنذاك، في العالم الجديد كانت الحمولة بشراً رجالاً أطفالاً نساءً جُرّدوا فجأةً من كل ما يملكون وكانت المزارع في الريف الأميركي في أمس الحاجة لليد العاملة الرخيصة، ولم يعلم أحد آنذاك أنّ نظام الرق وسطو الرجل الأبيض سيؤديان يوماً ما إلى نشأة ما يعرف اليوم بموسيقى وفن البلوز، كان الغناء الجماعي المتنفس الوحيد لحياة الرق والعبودية.

[شريط مسجل]

شيلي ديتر: كان العمل في الزراعة خلال تلك الحقبة عملاً شاقاً، كان يتم زرع المحاصيل وجمعها وتسويقها كان عليهم العمل في الحقول في ظروفٍ قاسية جداً كالحرارة العالية جداً هنا جنوبي الولايات المتحدة وتحت الشمس الحارقة والرطوبة العالية.

ناصر الحسيني: بحثاً عن جذور ومعاني فن البلوز التقينا روبرت مؤرخ هذا الفن في بلدة كلاتش ديل التقيناه في مطعمٍ صغيرٍ على أطراف البلدة، أسمعنا أقدم أغاني البلوز المحلية وشرح كيف كان مؤدوها من الفنانين ينتقدون أوضاعهم الاجتماعية بشكلٍ مبطنٍ خوفاً من انتقام البيض.

[شريط مسجل]

روبرت بوردسونغ/مؤرخ فن البلوز: كانت الأغاني أيام الرق والعبودية تشير إلى اجتماعاتٍ سرية كانوا يغنون بصوتٍ عالٍ ولكنهم كانوا يقصدون بكلماتهم بأنّ الاجتماع سيكون قرب النهر سراً، وكانت هذه الاجتماعات تتم ليلاً للصلوات أو تعلم القراءة والكتابة.

ناصر الحسيني: في أميركا اليوم لم يعد البلوز فناً للسود فقط، فنانون صاعدون أمثال دادي ريتش يواصلون حمل الشعلة وقد ألّف هذه الأغنية التي تعبر عن الرغبة في الرحيل عبر قطار من أجل مستقبلٍ أفضل كما فعل من سبقه من فناني البلوز في كلاتش ديل أيضاً.

[شريط مسجل]

دادي ريتش/مغني بلوز: أنا أيضاً عملت في حقول جمع محاصيل القطن في هذه المناطق الزراعية المحيطة به لكني لم أتعرض للضرب كما كان يحدث في الماضي، وكي يتمكن السود آنذاك من تحمل حياتهم الشاقة كانوا يرددون هذه النغمات والأشعار التي تطورت شيئاً فشيئاً ثم تحولت إلى ما نعرفه اليوم بفن البلوز.

ناصر الحسيني: في القرن 21 تحول البلوز إلى فنٍ مجردٍ من ماضيه الحزين الأسود، في كافة الولايات الأميركية الآن شخصيات مثل السيدة سي تدير مهرجاناتٍ لموسيقى البلوز بولايتها للعام الـ18 على التوالي.

[شريط مسجل]

في ماك كيلمون/مديرة مهرجان نيومكسيكو لموسيقى البلوز: لقد تحول فن البلوز الآن إلى شكلٍ فني واسع ولا يأخذك بالضرورة إلى ذلك الماضي الحزين.

بوب غوثيب/ناقد موسيقي: أنا أستمع لهذا المقطع لست أدري إن كان الفنان أسوداً أو أبيضاً، لكن استمع فقط استمع لهذا التعبير عن الحزن.

ناصر الحسيني: لكن هناك من لا ينسى.

[شريط مسجل]

كوري هاريس: لا يأتي الفن من الأكاديميات والجامعات، البلوز هو تعبيرٌ عن الحقيقة إذا كنت أبيضا فلا مشكل وإذا كنت أسمر اللون بإمكانك البقاء أما إذا كنت أسود البشرة فعُد من حيث أتيت.

ناصر الحسيني: ما زال كوري هاريس فنان البلوز الأميركي يعتمد حتى هذه الأيام في أغانيه على أسلوب البلوز القديم القادم من بلدة كلاتش ديل، لا يريد نسيان ذلك الواقع الأميركي الذي أنتج فناً كاملاً وأُسلوباً متميزاً وألحاناً شجيةً يتغنى بها الأميركيون حتى يومنا هذا. ناصر الحسيني الجزيرة، كلاتش ديل ميسيسيبي.

[نهاية التقرير]

إلسي أبي عاصي: وبهذا التقرير لناصر الحسيني عن موسيقى البلوز من الولايات المتحدة نصل مشاهدينا إلى ختام هذه الحلقة من برنامج "مراسلو الجزيرة"، موعدنا يتجدد معكم الأسبوع المقبل في حلقةٍ جديدة شكراً لمتابعتكم ودمتم بخير.