|
عالم عربي جديد في سنة فارقة |
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
انتقلنا من سنة الانفجار إلى سنة الاختبار. ذلك أن أحدا لا ينكر أن رياح الثورة التي هبت على العالم العربي في العام الماضي استنفرت الأمة واستدعتها للوقوف بباب التاريخ. لكن تلك بداية الشوط وليست نهايته. (1) قرأت لمن قال إن ما حدث خلال العام أكبر من أن يوصف بأنه ربيع عربي، لأن الأحداث التي تتابعت في تلك الفترة تكاد تغطى مساحة قرن كامل. في كمها وعمقها. ومن المحللين السياسيين من قال إن أحدا لو تنبأ في بداية العام 2011 بما حدث في تونس ومصر واليمن وسوريا وبالاهتزازات والأصداء التي ترتبت عليه، لاتهم حينذاك إما بالجنون أو الخرق.
وحدثني قادم من الولايات المتحدة الأميركية عن شعور خبراء الشرق الأوسط هناك بالخجل والحرج. لأنهم ظلوا طيلة العقود الماضية يتحدثون عن عرب غير الذين ظهروا في الميادين والشوارع مؤخرا، عرب إرهابيين ومتخلفين ومستسلمين للأنظمة التي تسلطت على مقدراتهم، أو عرب مشغولين باللهو والعبث والاتفاق الباذج في ملاهي أوروبا أو صالات القمار. لكنهم فوجئوا خلال العام المنقضي بعرب آخرين، ثاروا دفاعا عن كرامتهم وضيقا بالاستبداد، فخرجوا مسالمين معبرين عن شوقهم إلى الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي، وظلت ألوفهم وملايينهم معتصمة بالميادين طيلة أشهر عدة، منهم من واجهوا الرصاص بصدور عارية، ومنهم من تنافسوا على الشهادة. وجميعهم أثبتوا شجاعة نادرة وإصرارا منقطع النظير. (2) إذا ألقينا نظرة على المشهد من بعيد، فسنجد أننا بصدد زمن تغيرت فيه موازين القوة لصالح الأفراد. آية ذلك مثلا أن شركة «نت فليكس» الأميركية كانت تستخدم لغة آمرة مع عملائها فيما خص زيادة الأسعار، ولكن العملاء قرروا أن يتحدوها، فنظموا أنفسهم وانسحب منهم 800 ألف شخص، مما أدى إلى انخفاض سعر سهمها في البورصة، وكان ذلك ما فعله بنك «أوف أميركا» عندما فرض رسوما قدرها خمسة دولارات على البطاقات الائتمانية. فما كان من العملاء سوى إجبار المصرف العالمي على التراجع عن قراره والاعتذار عنه. ومنحت شركة كوكاكولا شكلا جديدا لعلب المشروبات المياه الغازية التي تقدمها في مناسبة الأعياد، فجعلتها باللون الأبيض. ولكن المستهلكين اعترضوا على ذلك وأجبروها خلال أسبوع واحد على التراجع والعودة إلى اللون الأحمر الذي اعتادوا عليه. وهذا ما فعلته شركة «جاب» الشهيرة للملابس، التي صممت شعارا لها لم يسترح إليه العملاء من خلال رسائل الإنترنت، فتخلت عن الشعار إرضاء لهم.
لم يكن ذلك هو العنصر الوحيد بطبيعة الحال، لأن ثمة عوامل أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية استفزت الرأي العام وملأت الناس بالسخط والغضب، بحيث ما إن انطلقت الشرارة من تونس التي كانت مهيأة للانفجار حتى توالت الانفجارات في الأقطار العربية الأخرى. وبدا واضحا هذه المرة أن غضبة الجماهير اتسمت بدرجة عالية من الإصرار والجرأة، التي أراها ماثلة تحت أعيننا في الجماهير المصرية التي أصبحت بعد إسقاط نظام مبارك تخرج في مليونيات تتبنى مطالبها بين الحين والآخر. ونراها بصور أوضح في ثبات الجماهير اليمنية والسورية وتمسكها بالخروج إلى الفضاء العام طوال الأشهر العشرة الماضية. (3) قد لا نبالغ إذا قلنا إننا بصدد عالم عربي جديد ولد في العام 2011، على أيدي الشعوب التي سرت فيها روح أيقظت فيها تطلعات وأحلاما ظلت مختزنة ومحبوسة، على الأقل منذ نالت تلك الشعوب استقلالها الوطني في منتصف القرن الماضي، وليس صحيحا أن رياح التغيير جاءت مقصورة على بلد دون آخر، لكن الصحيح أنها طالت الجميع، ولكن التفاعل معها اختلف من بلد دون آخر. لذلك لم آخذ على محمل الجد ما قاله الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 21/12 الماضي من أن الجزائر لها خصوصيتها التي تحول دون تأثرها بأجواء الربيع العربي التي طالت بعض الدول العربية الشقيقة، بدعوى أن الشعب الجزائري «لا يقبل إلا بما ينجزه هو شخصيا».
لا يعيب أي نظام أن يتفاعل مع أشواق الجماهير بالصورة التي يراها ملبية لها بدرجة أو أخرى. لكن ما يعيب النظام حقا أن يتحدى تلك الأشواق أو ينكرها، وقد رأينا أصداء تعبيرات عن تلك الأشواق في مظاهرات الأردن والسودان واحتجاجات الموريتانيين. كما تابعنا مؤشرات نسبية للتفاعل تمثلت في تعديل الدستور المغربي والتعديل الوزاري الكبير في سلطة عمال، والسعي لتحسين صورة دول الخليج العربي، وتحويل مجلس التعاون إلى اتحاد بين تلك الدول، إضافة إلى الخطوات التي اتخذت لتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين. (4) نخطئ في قراءة الربيع العربي مرتين، الأولى إذا ضاق صدرنا لأننا لم نقطف ثماره بعد. وأذكر فقط بأن ثورة 1919 في مصر لم تنجز الدستور إلا في سنة 1923، وتم العمل به في العام التالي، أي بعد خمس سنوات على قيام الثورة. بقيت أربع ملاحظات أخيرة وجدتها محل إجماع بين أغلب التعليقات والتحليلات الغربية التي تناولت موضوع الربيع العربي، هي:
* إن الانتخابات التي جرت في ظل الوضع المستجد أسفرت عن تأييد واسع للتيار الإسلامي، لذلك فإن الجميع ينتظرون ثمرة ذلك التأييد، وهل سيكون خطوة إلى الأمام أم انتكاسة ورجوعا إلى الوراء، أداء الإسلاميين هو الذي سيرجح هذه الكفة أو تلك.
* إن الأوضاع المستجدة في العالم العربي لا تحمل ودا كثيرا للسياسة الأميركية، التي طالما ساندت الأنظمة المستبدة في المنطقة. ولذلك فإن مستقبل العلاقات الأميركية العربية سيظل في مهب الريح. شيء جيد أن ينهض العرب ليقفوا على باب التاريخ، لكن الاختبار الكبير الذي ينبغي أن يجتازوه بنجاح يتمثل في أن يقيموا نظامهم الديمقراطي الذي يسوغ لهم أن يحجزوا لأنفسهم مقعدا في مجرى التاريخ.
المصدر:الجزيرة
|
||||||||||||||
|
|
|






