بقلم: عبد النور بن عنتر*

- السياق التاريخي للأزمة الأمازيغية
- ترسيم الأمازيغية في ضوء الدستور الجزائري
- خلفيات قرار بوتفليقة ترسيم الأمازيغية
- إشكال تعدد اللغات الأمازيغية
- ردود الفعل بين التهديد بالعنف والارتياح
- تطورات الأزمة القبائلية مستقبلاً
- المشهد اللغوي الجزائري.. إلى أين؟

يعد قرار بوتفليقة إقرار الأمازيغية لغة وطنية نقلة نوعية في تعامل السلطة مع المطلب الأمازيغي. ويدخل هذا القرار في سياق تطور سياسي شامل وإن كانت أزمة القبائل قد عجلت في اتخاذه.

السياق التاريخي للأزمة الأمازيغية

سياسياً تعود المسألة البربرية إلى الأربعينيات من القرن 20، إلى ما عرف بـ "الأزمة البربرية"، بعدما نشب صراع عام 1949 بين أعضاء من القبائل في حزب الشعب الجزائري/ حركة انتصار الحريات الديمقراطية وزعيمه مصالي الحاج. هذا الأخير اعتبر أن الأمة الجزائرية عربية وإسلامية، فرأى هؤلاء -ومنهم الزعيم الحالي لحزب جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد- في هذا استفزازاً وتجاهلا للتاريخ الجزائري ما قبل الإسلام وللهوية الأمازيغية، ونادوا بضرورة إدراج البعد البربري في تنظيم الدولة المستقلة المقبلة. وقد انتهت هذه الأزمة بإقصائهم من قيادة الحزب واستبدل بهم قيادات قبائلية ليست من دعاة الأمازيغية.

وقد خففت الثورة الجزائرية من تلك الخلافات، لكن المسألة بقيت عالقة. فبعد الاستقلال دأبت السلطة على فرض روايتها الرسمية للتاريخ ومعاييرها في تحديد الهوية الوطنية وإقصاء اللغة والثقافة الأمازيغيتين من قاموسها السياسي، إذ رفض أحمد بن بله هذه المسألة مؤكداً على عروبة الجزائر.

ومع بداية أولى مراحل التعريب في الجزائر (إدخال العربية لغة وطنية بعدما كان الاستعمار الفرنسي قد أعلنها لغة أجنبية في الجزائر عام 1936) في عهد بومدين، بدأت أولى المواجهات بين دعاة الأمازيغية (من الفرنكفونيين) والسلطة حول المسألة اللغوية. وأصبحت فرنسا مركزاً للتعبير عن المطلب الأمازيغي حيث أنشئت في نهاية الستينيات بباريس الأكاديمية البربرية.

في عام 1980 أخذ المطلب الأمازيغي بعداً مميزاً وعلنياً في شكل حركة احتجاجية في القبائل. وكان السبب المباشر في اندلاع أحداث القبائل (مظاهرات طلابية في جامعة تيزي وزو ثم شعبية قمعتها قوى الأمن) في مارس/ آذار 1980 هو منع السلطات الكاتب مولود معمري (منظر الأمازيغية) إلقاء محاضرة في جامعة تيزي وزو حول "الشعر القبائلي القديم". وفي عام 1985 -أي في عهد الشاذلي بن جديد- أقبلت السلطة على اعتقال العديد من نشطاء الحركة الأمازيغية.

ومع توسع ظاهرة الإرهاب في التسعينيات، ازداد المطلب الأمازيغي إلحاحاً، وكأن النشطاء الأمازيغ أرادوا انتهاز فرصة ضعف السلطة لدفعها إلى الاستجابة لمطالبهم. وشهدت منطقة القبائل موجة من الاحتجاجات أهمها إضراب أطفال المدارس الذي أطلق عليه "مقاطعة المحفظة"، فهدأ الرئيس اليمين زروال الوضع بإدخال اللغة الأمازيغية في التعليم بمنطقة القبائل، كما أنشأ "المحافظة السامية للأمازيغية". من جهة أخرى تم إحداث نشرات إخبارية في التلفزيون باللغات الأمازيغية الرئيسية: القبائلية والشاوية والمزابية، كما قام زروال بإضافة البعد الأمازيغي باعتباره أحد المقومات الأساسية للهوية الجزائرية إلى جانب الإسلام والعروبة، وأدرجه في الدستور (تعديل نوفمبر/ تشرين الثاني 1996).


مع توسع ظاهرة الإرهاب في التسعينيات، ازداد المطلب الأمازيغي إلحاحاً وكأن النشطاء الأمازيغ أرادوا انتهاز فرصة ضعف السلطة لدفعها إلى الاستجابة لمطالبهم
لكن المطلب الأمازيغي لم يلب في رأي القبائل. وجاءت أحداث أبريل/ نيسان 2001 لتفجر الوضع في المنطقة، إذ أشعلت وفاة طالب ثانوي في مقر الدرك الوطني ببني دوالة في ولاية تيزي وزو فتيل الأزمة التي لم تهدأ بعد. المحتجون يرفضون كل ما يرمز إلى السلطة وإلى أشكال التنظيم السياسي الحديث كالأحزاب، حيث رفضوا تدخل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية، وهما الحزبان القبائليان الأكثر نفوذاً.

وبالرغم من أن بعض تنسيقات (فروع) العروش (زعامات القبائل) تشكل امتداداً لأحزاب سياسية، فإن بعض الأحزاب كجبهة القوى الاشتراكية اعتبرتها تنظيمات بدائية. وعليه أنشأ المحتجون تنسيقية القرى والعروش -وهي تركيبة قبلية تقليدية- لتعبر عن مطالبهم التي لخصوها في "لائحة القصر" (القصر تقع في ولاية بجاية)، وهي عريضة من 15 مطلبا، أهمها إخلاء الدرك لمنطقة القبائل، ومعاقبة الدركيين المتسببين في الأحداث، وتلبية المطلب الأمازيغي بكل أبعاده الهوياتية والحضارية واللغوية والثقافية دون استفتاء ودون شروط، ومطالب أخرى اجتماعية وتعويضية (تعويض أهل الضحايا).

وبعد صمت، شرعت السلطة في حوار مع ممثلي تنسيقية العروش للتفاوض حول لائحة القصر. وقد استاءت الأحزاب السياسية من هذه المبادرة ورأت فيها تجاهلاً لها. أما العروش فانقسمت على نفسها بين معتدلين من دعاة الحوار ومتشددين يعارضونه. وقد توج هذا الحوار باستجابة السلطة لأبرز مطالب لائحة القصر من خلال خطاب الرئيس بوتفليقة الذي أعلن ترسيم الأمازيغية.

جزائريون يقفون فوق إحدى المركبات المحطمة نتيجة الصدامات في تيزي وزو بمنطقة القبائل (أرشيف)

التحريف والتحريف المضاد
كل طرف يقرأ تاريخ البلاد وفقاً لمواقفه الأيديولوجية وأهوائه السياسية. فبالنسبة للسلطة -حتى عهد قريب- فإن تاريخ الجزائر عربي إسلامي أساساً يبدأ مع مجيء الإسلام، وإن كان ما قبل ذلك لم يقص نهائياً لكنه هُمش. ويساندها في موقفها هذا تيار واسع من معربين وإسلاميين.

أما دعاة الأمازيغية فيؤكدون على الماضي البربري، والتاريخ عندهم يكاد يتوقف عند الفتح الإسلامي، إذ تمر الجزائر بقرون من الفراغ حتى العهد الاستعماري الذي برز فيه البعد البربري من جديد.

وهكذا يقصي كل طرف جزءاً من التاريخ.. إنها دكتاتورية الهوية. فجنوح النخب الجزائرية إلى الاكتفاء بالبعد العربي الإسلامي متجاهلة مراحل ما قبل الإسلام أدى إلى تشدد مطالب الهوية التي جاءت هي الأخرى إقصائية لأنها تنتقي فترات التاريخ. هكذا قابل دعاة الأمازيغية الغش التاريخي للسلطة بغش تاريخي مضاد عبر قراءة انتقائية استبعدوا فيها البعد العربي الإسلامي واحتفظوا بالبعد الأمازيغي. وهكذا أقصوا قروناً من التاريخ في تنظيرهم للهوية الوطنية. وهاجم المتشددون منهم العربية التي يعتبرونها لغة دخيلة وأجنبية، بل وهاجموا حتى الإسلام واعتبروه كذلك.

والحقيقة أن تاريخ الجزائر كل لا يتجزأ، ومراحله المتداخلة هي التي صقلت الهوية الوطنية بمقوماتها المتعددة.

ترسيم الأمازيغية في ضوء الدستور الجزائري

لا يشكل قرار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ترسيم الأمازيغية مخالفة للدستور وذلك لسببين:

  • أولهما- أن المادة 174 من الدستور تخول له صلاحية تعديله شرط أن يصادق على ذلك البرلمان بغرفتيه (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة).
  • وثانيهما- أن المادة 178 من الدستور تقول إن أي تعديل دستوري يجب ألا يمس بالطبيعة الجمهورية للدولة، والنظام الديمقراطي التعددي، والإسلام دين الدولة، والعربية لغة وطنية ورسمية، والحريات الأساسية للمواطن، ووحدة التراب الوطني.

وعليه فترسيم اللغة الأمازيغية لا يناقض هذه المادة ولا المادة الثالثة من الدستور التي تقول إن العربية هي اللغة الوطنية والرسمية، فالأمر يتعلق بإضافة وليس بحذف. ويبدو من قراءة الدستور الجزائري (المعدَّل عام 1996) أن المشرِّع الجزائري كان يتوقع مثل هذا التطور ولذا أبقى الباب مفتوحاً أمام إضافة لغة أخرى، في حين حصنه فيما يخص أي تراجع عن العربية.

لكن حتى يتسنى لبوتفليقة تمرير قانون التعديل الدستوري لترسيم الأمازيغية، يتحتم عليه حسب المادة 176 من الدستور الحصول على تزكية ثلاثة أرباع أصوات نواب البرلمان بغرفتيه. وبما أن البرلمان الحالي تسيطر عليها أحزاب موالية له -لا سيما التجمع الوطني الديمقراطي وحزب جبهة التحرير الوطني- فإنه لن يجد صعوبة في ذلك. لكن هل سيقبل على التعديل في ظل البرلمان الحالي أم سيرجئ ذلك إلى ما بعد الانتخابات التشريعية، أي بعد 30 مايو/ أيار 2002؟


حتى يتسنى لبوتفليقة تمرير قانون التعديل الدستوري لترسيم الأمازيغية، يتحتم عليه حسب المادة 176 من الدستور الحصول على تزكية ثلاثة أرباع أصوات نواب البرلمان بغرفتيه
بوتفليقة: لا استفتاء للشعب
علل الرئيس بوتفليقة في خطابه يوم 12 مارس/ آذار الجاري استبعاده فكرة الاستفتاء الشعبي بقوله إنه لايزال يتوجس "خوفاً من أن يكون الرد غير إيجابي"، وعليه اختار "دسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية". وقد كان هاجسه في محله، ذلك أنه من المتوقع أن يعارض الشعب -إن استشير- ترسيم الأمازيغية.

هناك ثلاثة عوامل أساسية دفعت بوتفليقة إلى التراجع عن فكرة الاستفتاء:

  • أولاً- دعاة ترسيم الأمازيغية لغة وطنية في نفس مقام العربية لا يشكلون الأغلبية في أوساط الشعب.
  • ثانياً- الخلاف حول هذه القضية ليس فقط بين البربر والعرب، بل بين البربر أنفسهم لأسباب لغوية وسياسية، فقسم كبير من الشاوية والمزاب يبدون حذراً كبيراً من المواقف القبائلية خاصة تلك المتعلقة باللغة العربية، إذ إنه على عكس ما يجري في منطقة القبائل لا تعرف مناطق الشاوية والمزاب صراعاً لغوياً بين العربية والأمازيغية.
  • ثالثا- تقول المادة 175 من الدستور إن مشروع قانون التعديل الذي يعرض لاستفتاء شعبي ويصوت ضده، يسقط نهائياً ولا يمكن عرضه على الشعب مرة أخرى خلال نفس الولاية التشريعية.

تظاهرة تطالب الحكومة الجزائرية بسحب قوات الدرك من منطقة القبائل
طبعاً، كان بإمكان بوتفليقة اللجوء إلى الاستفتاء وإعادة الكرة ثانية إن رفض الشعب التعديل، بما أن انتخابات تشريعية جديدة على الأبواب، لكنه يتخوف من الانعكاسات السلبية لتصويت معارض مما يزيد الوضع تعقيداً ويضر بشرعيته، كما أنه سيجبره على القبول بمواعيد (قبل أو بعد الانتخابات) لا يختارها بمحض إرادته، مما يفقده حرية المبادرة وهامش المناورة.

يبدو أن بوتفليقة يستبق أي انتقادات لعدوله عن فكرة الاستفتاء، ويبرر قراره بأنه مطابقة لما يجري في الواقع وذلك حين يقول في خطابه المذكور "إننا عندما نتحدث عن الأمازيغية، فإنما نعني هوية الشعب الجزائري قاطبة. والطابع الوطني لمقومات هذه الأمازيغية لا يمكن أن يكون محل أخذ ورد، سواء تعلق الأمر بالأمازيغية لغة أم بالأمازيغية ثقافة. وعليه فالإقرار -دستورياً- باللغة الأمازيغية كلغة وطنية، ليس سوى استكمال لما هو حاصل في الواقع وفي الممارسة المؤسساتية، أضف إلى ذلك أن ديباجة الدستور الحالي تدرجها صراحة كأحد مقومات الهوية الوطنية على قدم المساواة مع العربية والإسلام". ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن بوتفليقة -وعلى عكس ما فهم البعض- تحدث عن ترسيم ودسترة الأمازيغية كلغة وطنية ولم يتحدث عنها إطلاقاً كلغة رسمية، وبالتالي تبقى العربية اللغة الرسمية الوحيدة.

خلفيات قرار بوتفليقة ترسيم الأمازيغية

يمكنا أن نتساءل عن الأسباب الآنية التي دفعت بوتفليقة للتعجيل باتخاذ هذا القرار، ونلخصها فيما يلي:

  • السبب الرئيسي هو الأزمة التي تعيشها منطقة القبائل منذ أبريل/ نيسان 2001 والتي أجبرت الحكومة على الشروع في حوار مباشر مع تنسيقية العروش القبائلية للتفاوض حول مطالب لائحة القصر وجاء خطاب بوتفليقة ليستجيب لأهمها.
  • من جهة ثانية فإن إعلانه تنظيم انتخابات تشريعية في 30 مايو/ أيار القادم أثار انتقادات في القبائل حيث وعدت تنسيقية العروش بمقاطعتها ما لم يستجب لمطالبها، بل إن أجنحتها المتشددة وعدت باللجوء إلى العنف لفرض مقاطعتها. ويبدو أن بوتفليقة يتخوف من أن تكون شرعية نتائج هذه الانتخابات مبتورة في حال مقاطعتها، وإن كان حضور حزبي التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم) وحليفه الرئيسي حزب جبهة التحرير (الحزب الحاكم سابقاً) سيقلل من وطأة المقاطعة. وباستجابته للمطلب الأساسي للقبائل بدسترة اللغة الأمازيغية فإنه يسعى لتفادي أي تطور كهذا. غير أن ذلك أيضا لا يبعد إمكانية المقاطعة، فالعروش القبائلية منقسمة ومختلفة في مواقفها من قرار ترسيم الأمازيغية. ومن هنا فهذا القرار يهدف إلى تهدئة الوضع في القبائل وضمان مشاركتها في الانتخابات. وبالتالي فإن توقيته لا يخلو من الخلفيات السياسية إضافة إلى الخلفية الانتخابية.
  • وهناك أيضا خلفية أساسية تتعلق باستباق الأحداث لتفادي التصعيد بمناسبة الذكرى الأولى لـ "الربيع الأسود" والتي توافق يوم 20 أبريل/ نيسان القادم.

مشكلة تعدد اللغات الأمازيغية


أي أمازيغية يقصد بوتفليقة ترسيمها؟ ألا يشكل وجود ثلاث نشرات في التلفزيون تعبيراً واعترافاً رسمياً بالتعدد اللغوي أو على الأقل اللهجي الأمازيغي؟

في خطابه المشار إليه يقول الرئيس بوتفليقة إن "الأمازيغية تشمل جميع الأرصدة اللسانية الموجودة عبر التراب الوطني إلى جانب اللغة العربية". لكن أي أمازيغية يقصد؟ ألا يشكل وجود نشرات أخبار في التلفزيون بثلاث لغات أمازيغية تعبيراً واعترافاً رسمياً بالتعدد اللغوي أو على الأقل اللهجي الأمازيغي؟

البربر في الجزائر ينقسمون إلى عدة مجموعات منفصلة جغرافياً: القبائل في بلاد القبائل (شرق العاصمة)، الشاوية في منطقة الأوراس (جنوب شرق العاصمة)، المزاب (المجموعة الأمازيغية الوحيدة ذات المذهب الإباضي) في منطقة غرداية (500 كلم جنوب العاصمة)، الطوارق (أقصى جنوب البلاد)، الشناوة في منطقة شرشال (90 كلم غرب العاصمة)، وهناك مجموعة بربرية أخرى قرب مدينة ندرومة على الحدود مع المغرب، وتتميز لغتها أو لهجتها الأمازيغية بقربها الكبير من الشلحية وهم أمازيغية الشلوح (بربر) في المغرب.

من هنا فإن ترسيم الأمازيغية في ظل هذا التعدد اللغوي إضافة إلى اختلاف المواقف السياسية بين البربر قد يفتح جبهة جديدة للصراع بين الأمازيغ حول طبيعة الأمازيغية الوطنية: هل هي أقرب إلى القبائلية أم إلى الشاوية أم إلى المزابية…؟

ثم بأي حروف تكتب؟ فمن المتوقع أن يطالب بعض البربر من الشاوية والمزاب أن تكتب بالحروف العربية، فيما يكتب القبائل أمازيغيتهم بحروف التيفناغ الجديدة (التي تبنتها الأكاديمية البربرية بباريس وفقاً للتيفناغ القديمة التي يستعملها الطوارق). وبحكم مواقفهم من العربية، فإن القبائل سيرفضون كتابة لغتهم بالحروف العربية.

كما أن هناك مشكلة أخرى بدأت تلوح في الأفق وهي الخلافات داخل الولاية الواحدة، إذ ظهر خلاف بين سكان ولاية البويرة (إحدى ولايات القبائل) حيث يرفض بعض سكانها تبني الأمازيغية.

يبدو أن الرئيس بوتفليقة يعي هذا التعدد اللغوي، إذ يطلب في خطابه من الدولة أن تضع السياسات الضرورية لترقية وتنسيق واستقرار الأمازيغية بمختلف تنوعاتها اللغوية، "حتى يسهل تدريجياً استعمالها الوطني".

ردود الفعل بين التهديد بالعنف والارتياح


ينقسم البربر في الجزائر إلى: القبائل والشاوية والمزاب والطوارق والشناوة.
وهناك مجموعة بربرية قرب الحدود المغربية ولغتها قريبة من بربر الشلوح في المغرب

العروش.. ارتياح أم غضب؟!
يتفق أنصار ترسيم اللغة الأمازيغية عموماً على أن قرار بوتفليقة خطوة جيدة لكنها جاءت متأخرة. أما تنسيقية العروش فهي منقسمة على نفسها، إذ يقول المتشددون إن السلطة تحاورت مع أناس لا شرعية لهم ولا يمثلون العروش وإن ما قاله بوتفليقة يبقى مجرد وعود، وكما أن لقراره خلفية انتخابية تهدف إلى إحباط مقاطعة القبائل للانتخابات، وأنه أفرغ لائحة القصر من محتواها ورفض إخلاء الدرك لمنطقة القبائل (وإن كان قد أعلن عن المتابعة الجنائية لرجال الدرك الذين تسببوا في الأحداث). ويقولون أيضا إن هذا الخطاب لم يأت بجديد وإنما أعطى صبغة رسمية لما اتفق عليه سلفاً. وعليه فهم يعدون بمواصلة المسيرات الاحتجاجية ويهددون صراحة باستخدام القوة لفرض مقاطعة الانتخابات.

أما المعتدلون -أنصار الحوار مع السلطة- فيرون في قرار بوتفليقة خطوة إيجابية، ويعتبرون أن خطابه لبى أهم مطالب لائحة القصر.

التناقض بين الموقفين تسبب في مناوشات قد تتطور في الأيام القليلة القادمة إلى مواجهات عنيفة بين الطرفين، خاصة أن المتشددين على استعداد لاستخدام العنف. ويبدو أن هذا التيار واسع النفوذ مما يفسر استمرار المواجهات بعد خطاب بوتفليقة.

الأحزاب السياسية والصحافة
تتفق الأحزاب على صوابية قرار بوتفليقة وتعتبره خطوة شجاعة نحو تسوية الأزمة في القبائل واستجابة لأهم مطالب لائحة القصر، لا سيما تلبيته المطلب الأمازيغي الذي يخص كل الشعب الجزائري. إلا أن حركة الإصلاح الوطني (حزب إسلامي) اشترطت أن تكتب الأمازيغية بالحروف العربية لتعزيز الوحدة الوطنية. أما الصحافة فتبارك قرار بوتفليقة وترى أنه جاء متأخراً، وتعتبر أن الأمازيغية لغة وطنية لكل الشعب الجزائري. غير أنها في تغطيتها للحدث لم تول عناية تذكر لهذا الشعب، بل اهتمت بالقبائل دون سواهم وكأن الأمر لا يهم بقية الجزائريين، ومن هنا جاء تناقضها.

المشكلة في مثل هذه المجتمعات غير الديمقراطية، أن كل واحد ينصب نفسه وصياً على الشعب ومتحدثاً باسمه ومعبراً عن آماله، وذلك بسبب افتقار هذا الأخير لقنوات التعبير كتلك الموجودة في المجتمعات الديمقراطية. صحيح أن أحداث القبائل كانت وراء قرار ترسيم الأمازيغية، لكن الأمر تعداها الآن ويخص كل الشعب الجزائري الذي يبقى الغائب الأكبر في هذه المسألة، إذ يبدي الشارع الجزائري لامبالاة بهذا الحدث وكأنه يتجاهل من تجاهلوه.

تطورات الأزمة القبائلية مستقبلاً

من احتجاجات البربر في منطقة القبائل(أرشيف)
تبقى تطورات الأزمة مرهونة بطبيعة وموعد الآليات التي ستفصح عنها السلطة فيما يخص تنفيذ قرار ترسيم الأمازيغية وكيفية تطبيقه عملياً. ومن المرجح أن تطالب تنسيقية العروش بأن تدرج اللغة الأمازيغية في المادة 178 من الدستور المشار إليها أعلاه للحيلولة دون التراجع عنها مستقبلاً. كما قد تطالب بأن تدرج الأمازيغية في الدستور كلغة وطنية رسمية مثلها مثل العربية. من جهة أخرى تعتبر لائحة القصر أساساً عريضة ذات مطالب اجتماعية، وبالتالي فتطور الأحداث تحدده أيضاً مدى تلبية السلطة لهذه المطالب.

أما آنياً فإن المسألة تتعلق بالانتخابات واحتمال مقاطعتها. فحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أعلن مقاطعته لها، ومن المحتمل أن يتبعه في ذلك حزب جبهة القوى الاشتراكية. هذان الحزبان قبائليان ويفتقران إلى قاعدة وطنية حقيقية، وبالتالي فخوضهما الانتخابات في حال مقاطعتها من قبل العروش قد يعني نهايتهما السياسية أو على الأقل تشكيكا في شرعيتهما. أما بوتفليقة فسيسعى لاستمالة القبائل المعتدلين للمشاركة في الانتخابات، وبفضل الحليفين في السلطة (التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني) سيخفف بوتفليقة من وطأة المقاطعة -إن تمت فعلاً- حتى لا يكون البرلمان القادم مطعون الشرعية.

المشهد اللغوي الجزائري.. إلى أين؟

يخلو خطاب الرئيس بوتفليقة من أي إشارة إلى آليات تطبيق الأمازيغية المرسَّمة. لكن الخبرة الجزائرية في مجال التعريب غير مشجعة. ورغم التأكيد عليها في الدستور وقوانين التعريب المتتالية، فإن العربية لم تتمكن بعد من التربع على العرش اللغوي في الجزائر أين تبقى الفرنسية حاضرة بقوة، خاصة أن مسألة التعريب لم يحسم فيها بعد، وأن قانون تعميم اللغة العربية قد تم تجميده. وبعد 40 عاما من الاستقلال لم تتمكن الجزائر بعد من حسم المسألة اللغوية التي بقيت تتأرجح بين العربية والفرنسية، بالرغم من أن العربية هي اللغة الوطنية والرسمية وفقاً للدستور. فالصراع اللغوي أصبح سياسياً. ومن المرجح أن تلقى الأمازيغية نفس المصير، وتبقى عملياً لغة محلية في منطقة القبائل دون سواها.


العودة القوية للفرنسية قد تقود في نهاية الأمر إلى تقزيم العربية والأمازيغية وجعلهما عملياً لغتين محليتين تابعتين لا أكثر

كيف لدولة عجزت عن فرض لغتها الوطنية والرسمية أن تنجح في فرض لغة وطنية أخرى؟ إذ أن القوى الجاذبة (للأمازيغية) تقابلها قوى طاردة كما يحدث مع العربية. فاللغة الفرنسية تهدد اللغتين العربية والأمازيغية معاً. لكن دعاة هذه الأخيرة لا يبدون تخوفاً من هذا ذلك أنهم يستخدمون عملياً الفرنسية كلغة يومية.

المشهد اللغوي سيزداد تعقيداً في المستقبل إن لم تتبن الحكومات المقبلة سياسة لغوية واضحة وعقلانية بعيداً عن المزايدات السياسية والأيدولوجية. كما أن العودة القوية للفرنسية قد تقود في نهاية الأمر إلى تقزيم العربية والأمازيغية وجعلهما عملياً لغتين محليتين تابعتين لا أكثر.

_______________
* كاتب وباحث جزائري مقيم في فرنسا

المصدر : غير معروف