أكرم البني

يبدو أن أسئلة التعاطي مع الآخر، وتفهم حقوقه وخصوصياته تثار اليوم باهتمام لافت ردا على الجو المحموم بالتهديدات والتضييق وتنامي منطق القوة لفرض الأفكار والمواقف على الناس، وبشكل خاص ردا على الاعتقالات والأحكام القاسية التي اتخذت بحق مثقفين سوريين وناشطين حقوقيين لأنهم بادروا بتوقيع رؤية مشتركة مع مثقفين لبنانيين حملت اسم "إعلان بيروت دمشق" بهدف تخفيف الأجواء المشحونة بالتوتر والاحتقان ورسم صورة لعلاقة صحية يفترض قيامها بين البلدين، وتحديدا ردا على أصوات ارتفعت تسوغ هذه الإجراءات التعسفية باعتبارها إجراءات مشروعة لأن هؤلاء المثقفين تبنوا أفكارا لا تتفق مع أفكار النخبة الحاكمة ومواقفها.

"
بأي حق ينصّب البعض نفسه وصيا على الوطن والناس ويدعي أن أفكاره وسياساته أو ما يدعيه هو الصحيح والصائب وأن من يعارضه خائن وعميل يستحق أشد العقاب؟
"
كيف لا، ما دام "الرأي الآخر" يفهم عند عشاق التنميط والأحادية على أنه رأيهم نفسه، لكنه يصبح "آخر" فقط من زاوية أن هناك شخصا "آخر" يعرضه، لا من زاوية اختلاف مضمون الرأي وما يحمله من أفكار متمايزة!

لقد درجت العادة في بلادنا على أن هناك طرفا يدعي امتلاك الحقيقة ويعتبر أفكاره أو ما يخطه من سياسات هو الصحيح والصائب ومن يعارضها مخطئ ومنبوذ، مسوغا لنفسه استخدام ما يحلو له من وسائل قمعية وشتى أساليب التصفية لإقصاء الآخر المختلف وتحطيمه، أحيانا عبر الاعتقال والسجن وأحيانا من خلال الركون إلى سلاح التشهير والطعن وتكريس تلك الأجواء المرضية التي تستسهل سوق الاتهامات وتضع في دائرة الشك كل من يتجرأ على الاعتراض أو يبدي رأيا مخالفا.

تصل هذه الوسائل في بعض الأحيان إلى حد اعتبار المخالف مارقا وعميلا يحل سحقه وربما ذبحه، اللهم إلا إذا تخلى عن حقه في الاختيار والتمايز وأفاد من بلسم "النقد الذاتي"، "فرصة التوبة" وعاد صاغرا إلى صفوف القطيع مفككا ما يعتمل في دماغه مما يعتبر تشوهات فكرية ومواقف مريضة.

وعندما يكون السائد والطاغي في حياتنا السياسية والثقافية هو الأيديولوجية، وأكثرها حضورا أيديولوجية وصائية تعطي الأفضلية المطلقة لتصوراتها المسبقة وقيمها الثابتة، يغدو حضور الرأي الآخر المختلف والواجب احترامه مسألة مرفوضة تماما، أو بالحد الأدنى مسألة نافلة أو حاجة كمالية مستوردة لا يحتاجها مجتمعنا.

وهذا ما سمح للنخب الحاكمة بتنصيب نفسها وصيا على حياة الناس ومصالح الوطن، وتاليا تفتيت أو سحل وجهات النظر المعارضة والتعددية السياسية بدعوى أنها بدعة غربية تهدد أمن المجتمع واستقراره وتضعفه في مواجهة التحديات الخارجية.

فبأي حق ينصّب البعض نفسه وصيا على الوطن والناس، ويدعي أن أفكاره وسياساته أو ما يدعيه هو الصحيح والصائب وأن من يعارضه خائن وعميل يستحق أشد العقاب؟

صحيح أن النخبة السياسية الحاكمة نجحت في اكتساب مشروعيتها عندما قدمت نفسها بصفتها نخبا وطنية وذات رسالة قومية، لكن صحيح أيضا أن الشروط تغيرت وبانت النتائج محبطة ومخيبة للآمال من حيث ورثتنا واقعا عاجزا ومأزوما لم تعد تنفع معه محاولة إثارة المشاعر القومية والتعبئة بشعارات وطنية للتهرب من موجبات احترام الرأي الآخر أو تحليل قمعه.

ومع أن سوريا صادقت على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تنص المادة 19 منه على حق كل شخص في التمتع بحرية الرأي والتعبير واعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة، ومع أن الدستور السوري ذاته يضمن حرية الرأي والتعبير في المادة 38، فإن الأمر على صعيد الممارسة على النقيض تماما من تلك الضمانات.

ويأتي ذلك في ظل طبيعة السلطة وميلها في الاتجاه العام نحو الأحادية والسيطرة الشمولية، مستندة إلى إعلان مزمن لحالة الطوارئ التي تبيح للحاكم العرفي أو نائبه في المادة الرابعة أن يقرر ما يراه مناسبا من قيود على حرية الأشخاص.

كما تستقوي السلطة بما درجت على تسميته "الخطوط الحمر حول ما يسمح وما لا يسمح أن يقال" التي يحظر تجاوزها تحت طائلة الحساب والعقاب والتي هي قابلة للتعديل من طرف واحد وفي أي وقت تبعا لمزاج الأجهزة الأمنية وحاجتها للذرائع كي تعزز "سطوتها" على المجتمع.

والنتيجة أن كل الدعوات الإنسانية وكل الحقوق الطبيعية والدينية والأعراف الدولية والمواد الدستورية لم تستطع منع الاستعباد والاضطهاد والتمييز في بلادنا.

وإذا تجاوزنا لغة القمع والاستبداد تستدعي الحقيقة أن نتوقف أيضا عند حملة الفكر الثوري، ومعظمهم للأسف ليست لديه صعوبة في التضحية ليس فقط بحق الإنسان في الرأي، بل بالإنسان نفسه أو بالآخر المختلف في سبيل ما يعتبره مثل الإنسانية والأهداف النبيلة.

وقد أثبتت التجربة التاريخية أكثر من مرة أن أصحاب المبادئ العليا أنفسهم كانوا الأكثر استعدادا للتحول إلى طغاة باسم القيم والمرامي العليا نفسها، ما دامت الغاية عندهم تبرر الوسيلة، وعلى مذبحها يسهل تقديم القرابين بدون حساب.

وغالبا ما يكون الآخر المختلف وأحيانا المؤتلف وحتى الحليف السابق هو مادة هذه القرابين، الأمر الذي يقودنا إلى الحديث عن المعارضة السورية التي لا يزال معظمها مترددا حتى الآن في إحداث قطيعة مع أفكار الماضي، وفي نفض يده من ثوابت أيديولوجية عفا عليها الزمن تتناقض مع مبادئ الفكر الديمقراطي، وأبسطها حق الإنسان في الرأي والتعبير، وفي إعطاء هذه الحق الأولوية التي يستحقها، مثلما لا يزال معظمها يستمد حضوره من حسابات ضيقة وادعاء ملكيته للحقيقة، ولا يخجل من استخدام وسائل فوقية، ولنقل سلطوية وإقصائية إن صحت العبارة، في تعامله مع الرأي الآخر من أجل نصرة أفكاره ومواقفه الخاصة.

"
الحرية بما هي امتلاك الإنسان لذاته بصفته كائنا معنويا تشكل جوهر الحقوق الأساسية للحياة الطبيعية، ويتجسد أكثر أشكالها تعقيدا وصعوبة في احترام الرأي الآخر وتاليا احترام ظواهر التنوع والتعددية والاختلاف
"
ويكتمل المشهد بأسباب مجتمعية لا تزال تعيق بدورها حق الرأي الآخر واحترامه، منها طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يستمد بعض مقوماته من أسس وروابط متخلفة، منها الموروث التربوي الشرقي لأنماط العلاقات في الأسرة والمدرسة والعمل وخضوعها جميعها وإن بدرجات مختلفة لمبدأ السلطة المطلقة، ربطا بشيوع بعض المفاهيم الخاطئة لمسألة الطاعة كطاعة الوالدين وأولي الأمر وإسباغ القداسة والغيبية عليهما.

كل ذلك أفضى إلى تهميش مزمن لدور العقل والنقد، وإلى الاستسلام لسطوة الاستبداد واستساغة الرأي الواحد واللون الواحد إلى درجة اعتبار كل ما عداه غريبا ومنبوذا من المجتمع.

والحقيقة أن الحرية بما هي امتلاك الإنسان لذاته بصفته كائنا معنويا تشكل جوهر الحقوق الأساسية للحياة الطبيعية، ويتجسد أكثر أشكالها تعقيدا وصعوبة في احترام الرأي الآخر وتاليا احترام ظواهر التنوع والتعددية والاختلاف.

إن حاجة المرء إلى الآخر هي شرط لازم كي يعرف نفسه معرفة متكاملة، فتحديد هوية "الأنا" تقتضي وجود "الآخر" المختلف والمتباين، ومن نتيجة اختلافنا عن "الآخرين" تحدد الـ "نحن"، فالأمور تعرف بأضدادها أكثر مما تعرف بصفاتها الخاصة.

وما دام الأنا عيانيا ومفهوميا يستدعي الآخر ويتحدد به مثلما يستدعيه الآخر ويتحدد به، فلا مجال لفهم صيرورة المجتمع الصحي دون أخذهما معا في وحدة جدلية تقوم على قاعدة الاشتراط المتبادل.

وبالتالي فمن تسطيح الأمور وتبسيطها القول بضرورة احترام الرأي الآخر فقط إذا كان قريبا منا أو متفقا معنا، بينما المسألة في حقيقتها هي التعاطي مع الرأي الآخر واحترامه أساسا عندما نعتبره مختلفا وخاطئا.

وفي هذه النقطة، إذا وضعنا جانبا لغة المصالح وحساباتها، لا يمكننا القفز فوق حقيقة موضوعية تقول إن تمايز قدرة العقل البشري بين إنسان وآخر وتفاوت عملية تطور المعرفة وشروط الحصول على المعلومات وتباين خصوصية الأسباب التاريخية والاجتماعية التي حكمت نمو هذا الكائن أو ذاك، كل هذه العوامل تؤدي إلى اختلافات في الوعي وتؤسس في كل مجتمع للتنوع والتعددية ولمبدأ النسبية في التحصيل المعرفي، مما يجعل للصواب والخطأ معاني مختلفة باختلاف الزمان والمكان ليغدو الرأي الخاطئ صائبا مثلما يمكن أن يصبح الصائب خاطئا.

وأيضا ليس من مبرر لأن نفهم حق الآخر في الرأي إذا لم يكن هو حقه في أن يختار المبدأ الفكري أو الموقف الذي يقتنع به بغض النظر عن صحته أو مشروعيته من وجهة نظرنا، وإذ يستطيع كل إنسان أن يقول لآخر إن رأيك خاطئ فذلك لا يرتب عليه أبدا أدنى مبرر أو مشروعية لحجب حقه في الرأي.

فالإيمان بحرية الاختيار والتفكير يعني أنه ليس ثمة حدود أو خطوط صفراء ولا حمراء للي ذراع هذا الحق وتطويعه، ويعني أيضا أن احترام الرأي الآخر قيمة بحد ذاته أو مبدأ مرسل لا علاقة له بالصواب والخطأ، ولا تحكمه اشتراطات وثوابت مسبقة ولا تلغيه حالة طوارئ، وأقصى ما يمكن فعله هو تنظيم التعبير عنه دستوريا وقانونيا.

ثم لنفترض جدلا أن ثمة رأيا خاطئا أو متحاملا ومبالغا في انتقاداته، هل يستدعي ذلك اللجوء إلى القمع أو إلى قاموس الاتهام؟ وأين دور السجال بوصفه الشكل الأرقى لإدارة الخلافات الفكرية والسياسية وكشف الخيط الأبيض من الأسود؟ ألم يحن الوقت أن يحتكم مجتمعنا إلى الحوار لا إلى أية وسيلة أخرى على قاعدة الثقة بقدرة الناس على تفنيد ما تراه خاطئا أو مغرضا؟

وفي هذا الإهاب من المفيد أن نتذكر ما تكبدته المجتمعات عندما أسقطت الحق في الرأي والمعتقد، ولأي درك وصلت أحوالها على يد محاكم التفتيش الكنسية أو صاحب الزنادقة في الخلافة العباسية، وأيضا ما أدى إليه كبت الآراء بحجة أنها خاطئة أو على ضلال من مآس مروعة تبدأ بالاضطهاد والقمع وتنتهي بإفقار الحياة والفكر والأخلاق في المجتمع إلى حد يهدد بانحطاطه وفنائه.

"
من المؤسف أن السائد اليوم في مجتمعنا هو ثقافة مدعي امتلاك الحقيقة المطلقة الذين لا مكان في دنياهم لما يعتبرونه بدعة حق الآخر في الرأي والاختيار والاختلاف
"
ومن هذا حذر المفكر ياسين الحافظ قائلا "عندما يغيب التسامح وتدان التعددية ويعتبر كل فريق نفسه مالكا الحقيقة وعندما يمارس السحل والسحل المضاد وعندما يصبح السجن المكان الوحيد للرأي الآخر وعندما يوضع القانون على الرف أو يصبح غلافا لشهوة الحاكم أو مصلحته، عند هذا كله أو بعضه ماذا يبقى للمجتمع من قيم ووسائل يدافع بواسطتها".

وطبعا يلمس اليوم أي مراقب للحياة السياسية السورية شدة ضعفها ومدى الانحسار الذي أصابها بسبب استمرار التضييق على حق الرأي والتعبير، وبسبب نشر الخوف التقليدي من أخطار النقد والاختلاف، مما يستدعي تأسيس وبناء قواعد فكرية وأخلاقية جديدة لمفهوم الرأي والرأي الآخر بعيدا عن سيطرة الروح الوصائية بصفتها مرجعا أحاديا يتنكر لمفاهيم التباين والنقد، وبعيدا عن زمن القمع والخنوع والتسليم وقتل روح التجديد والمبادرة، وبعيدا عن مجتمع سلبي لا مبال مفعم بالغرائز وأسير روح الاستهلاك والاستمتاع الرخيص.

هذا الأمر يتطلب بداية نقد الذات كضرورة لا مفرّ منها لتنظيف البيت من الوعي الإقصائي العتيق، مما يقود منطقيا وعمليا إلى رفض أي تحديد أو تحجيم لمفهوم الآخر وحقوقه المكافئة لحقوقنا والتي تعني الاعتراف به بوصفه روحا بشرية جديرة بالحياة والاحترام التام، بغض النظر عن اللون والجنس والعرق والمعتقد.

والأهم هو الاعتراف بالآخر بوصفه كائنا معنويا بامتياز، منتجا للأفكار والمواقف وندا ذا حقوق محايثة ومتساوية نابعة من حقوقه الطبيعية في الحرية والكرامة والاجتهاد.

هذه الحقوق لا تتعارض، كما يروج لذلك، مع أية مهمة أو هدف وطني بل على العكس هي السند الحقيقي والداعم للانتماء الوطني، فقوة الوطن تتكامل مع حرية المواطن وحقوقه، ولا يستقيم الذود عن البلاد ومواجهة تحديات البناء والتنمية مع شيوع روح قهرية تحجب حق الآخر وحريته أو تسحق شعوره الإنساني بالانتماء الطبيعي المتساوي.

من المؤسف حقا بعد ما شهده العالم من متغيرات ومع عصر الثورة المعلوماتية أن يذهب البعض إلى إدانة وتجريم أي رأي مهما كان من وجهة نظره مغاليا في خطئه طالما تتوفر له الوسائل الإعلامية والعلمية لاستجلاء حقيقة الأمور وإظهار الحق من الباطل، وطالما يعرف جيدا أن استخدام السجن والاعتقال أو سلاح الاتهام هو تعطيل للحرية والنقد وتخريب للمجتمع وإجهاض سبل الوصول إلى الحقيقة.

ولنتخيل مجتمعنا لوهلة، لو لجأت السلطة مثلا إلى المحاجة لا الاتهام، لو وطنت النفس على تقبل التعايش مع واقع يحتمل النقد ويحتمل وجود رأي معارض أو مخالف، له من الحقيقة ما لها ومعني مثلها بحاضر هذا الوطن ومستقبله.

لو احتكمت السلطة إلى عقول الناس وأتت بالبينات والحقائق قبل أن تلجأ إلى القمع والاعتقال وإطلاق التهم جزافا، لو استخدمت سلاحا من العيار نفسه الذي يستخدمه الصوت المعارض، وقارعت الفكرة بالفكرة والكلمة بالكلمة، مكرسة أسلوب الحوار والسجال الذي يرنو إليه الجميع لإدارة أوجه الصراع والاختلاف بوسائل سلمية.

لعل مياها كثيرة جرت بعد قول فولتير "إنني أخالفك الرأي ولكنني على استعداد لتقديم عنقي في سبيل أن تقول رأيك بحرية" لكن من المؤسف أن السائد اليوم في مجتمعنا هو ثقافة مدعي امتلاك الحقيقة المطلقة الذين لا مكان في دنياهم لما يعتبرونه بدعة حق الآخر في الرأي والاختيار والاختلاف!
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة