|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
أبعد من مسألة فلسطينية القُدسُ تُستبَاَح، وتعيش لحظات حاسمة من تاريخها العربي الإسلامي والمسيحي، فإما أن تكون القُدس لنا -وهي لنا- وإما الركون لغول التهويد الذي يبتلِعُ ويقضم الأخضر قبل اليابس من أرضها، داخل أحيائها وعلى قوس محيطها الواسع. القدس ومسجدها الأقصى تُستَبَاح على يد قطعان الهمجية الصهيونية من غلاة المستوطنين، وقادة وأعضاء اليمين واليمين المتطرف في الدولة العبرية الصهيونية، وحتى من تلاوين مايسمى بفصائل وأحزاب "يسار الوسط واليسار الإسرائيلي"، الذين أمسى دخولهم لباحات المسجد الأقصى كالدخول إلى أي مكان في المدينة، دون مراعاة لهيبة المسجد، ولمكانته الرمزية، والروحية، والمعنوية عند جمهور المسلمين، بل وبدأ البعض في "إسرائيل" بالحديث عن إمكانية تخصيص مساحة معينة من باحات المسجد للمتدينين اليهود. فأين نحن الآن من واقع المدينة المقدسة في فلسطين، المدينة الإسلامية، المسيحية، العربية، الفلسطينية، في ظل تصاعد عمليات التهويد لأحيائها العربية. وهل أمسى العويل والصراخ والشجب والتنديد وبيانات الاستنكار كافية لإنقاذ المدينة من شبح التهويد الكامل، والتفريغ السكاني لها من عموم أبنائها من مواطني فلسطين؟ أبعد من مسألة فلسطينية
إنها القضية الأكثر رمزية، والأكثر عدالة لشعب مقهور لم يَذُق طعم الاستقلال منذ ماقبل محنته الكبرى عام 1948 مع أفول لاستعمار التقليدي. وهي بهذا المعنى قضية عادلة وصارخة، لمدينة فريدة، وتاريخ فريد لشعب مازال يمتشق صهوة الفعل وإرادة الحياة، بالرغم من كل ما أحاط ويحيط به من عوامل الانكسار المفجع في موازين القوى، واستبداد طواغيت القوة، وغياب الضمير العالمي. إن الإشارة للبعد العربي والإسلامي والمسيحي لقضية القدس مسألة بالغة الأهمية، تنطلق من أن خلاص المدينة لن يكون على يد الفلسطينيين وحدهم من أبناء المدينة، الذين مازالوا صامدين على أرضها بالرغم من كل أعمال وممارسات التهجير التعسفية، التي بُذلت ومازالت تُبذل من قبل سلطات لاحتلال لإحداث التغيير الديمغرافي الواسع فيها، لصالح أغلبية يهودية صافية على كامل حدود مدينة القدس بجزأيها الشرقي والغربي (متروبلين القدس الكبرى). ولن يكون خلاص المدينة أيضاً على يد عموم أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 وفي عموم مناطق العام 1967، أو حتى على يد فلسطينيي الشتات في دول الطوق المحيطة بفلسطين. فقضية القدس تنتظر أن يخرج الحديث عنها وعن مستقبلها من الإطار الفلسطيني الضيق -على أهميته وطليعيته- إلى الإطار الأوسع، بحيث نعيد للقدس اعتبارها وبُعدها (قولاً وعملاً) كقضية عربية وإسلامية ومسيحية في المقام الأول، فهي مسألة أبعد من أن تكون فلسطينية بحتة. نصف مليون مستوطن إن كافة الأحزاب والكتل في الخارطة السياسية "الإسرائيلية"، بل وعند الصهاينة عموماً تريد أن تبقى مدينة القدس الموحدة بشطريها الشرقي والغربي العاصمة الأبدية لدولة "إسرائيل"، والتي تم توسيع حدودها الإدارية لتمتد مساحتها على ربع مساحة الضفة الغربية، التي تصل لنحو (5800) كيلومتر مربع. فهناك شبه إجماع على تثبيت قرار ضم مدينة القدس وتهويدها، باستخدام كل السبل المؤدية إلى ذلك، وفي طليعتها -بالطبع- عمليات الاستيطان الرامية إلى "خلق الوقائع الديمغرافية الجديدة على الأرض"، فقد قفز عدد المستوطنين اليهود في محيط المدينة والمنطقة الشرقية منها، وفي كتل المستعمرات الضخمة (معاليه أدوميم + جبعات زئيف) التي تُزنرها، وفي عموم أحيائها العربية الإسلامية والمسيحية، من (165) ألفا عام 1970 إلى (500) ألف مستوطن مع نهاية العام 2012، فيما لم تهدأ بلدوزرات الاحتلال والزحف الاستيطاني بالتمدد شمال شرق القدس وشمال غربها، بهدف إيجاد غالبية يهودية، لذا مُنع عملياً التوسع العمراني الفلسطيني في الناحية الشرقية والشمالية الشرقية للمدينة.
تقسيم زماني ومكاني وتناسبا مع ما أقرّته سلطات الاحتلال في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، يتوقع أن تسعى بالاتجاه ذاته على صعيد المسجد الأقصى في حال تهاون العرب والمسلمين في أمره، فالخطوة التي تَعمل من أجل إنجازها مجموعات وقوى المستوطنين وحكومة نتنياهو بإحداث التقسيم (المكاني والزماني) لباحات المسجد الأقصى، ستُشعلُ فتيل الانفجار الكبير في فلسطين، كما حصل مع دخول الجنرال أرييل شارون لباحات المسجد الأقصى، وما تولد عنه من انفجار شامل للانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية في يوليو/تموز 2000. فتلك الخطوة التقسيمية لباحات المسجد الأقصى ستكون في حال تنفيذها، بمثابة الخطوة "الإسرائيلية الصهيونية" الكبرى لإنهاء وجود المسجد وهويته الإسلامية ورمزية المدينة المقدسة، وهو أمر لن يكتب له النجاح، بل يُتوقَع له أن يُطلِقَ شرارات الانتفاضة الكبرى الثالثة في فلسطين بأسرها. تواضع الدور العربي والإسلامي
لقد استطاع متمول صهيوني واحد -وبمفرده من يهود الولايات المتحدة ومن حاملي الجنسية الأميركية إلى جانب الجنسية "الإسرائيلية" واسمه (أرفين موسكوفيتش)- توفير سيولة مالية ضخمة، لدعم وإسناد عمليات التهويد والاستيطان في القدس ومحيطها، فهو يعمل منذ أكثر من عقدين من الزمن على ضخ الأموال التي يجنيها من (أندية القمار) التي يُديرها في نيويورك إلى الجمعيات اليهودية الصهيونية المعنية بتوسيع عمليات الاستيطان والتهويد في القدس المحتلة، وحتى في عموم الضفة الغربية. واستطاع بالفعل أن يؤسس لبنية تحتية ضخمة، كان ضمنها عدد من الكتل السكانية في عموم المستعمرات المقامة في القدس الشرقية، وعدد من الفنادق والمنتجعات والمرافق والحدائق، والتي تم بناؤئها على أراض عربية مصادرة أو مستولى عليها. وعليه، فإن الخطاب الرسمي العربي وحتى خطاب القوى والأحزاب على امتداد العالمين العربي والإسلامي بالنسبة لمدينة القدس، لم يرتق لمستوى التحديات التي تفرضها خطط الاستيطان وعمليات التهويد والتهجير "الإسرائيلية" لسكان المدينة من مواطنيها العرب الفلسطينيين، وهو مايفرض إعادة مراجعة الدور العربي تجاه القدس، ومن أجل بناء موقف آخر يتجاوز (الدعم اللفظي) ويقوم على توفير الدعم الحقيقي والملموس لها على كل الصعد، لتثيبت الناس على الأرض، وتثبيت المؤسسات الوطنية الفلسطينية في المدينة، مع صياغة خطاب قانوني موجه إلى كافة دول العالم، وإلى المنظمة الدولية، لفضح السياسات والإجراءات "الإسرائيلية" في مدينة القدس الرامية لطرد مزيد من العرب، ولدفع المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات ذات معنى بهذا الشأن.
![]()
المصدر:الجزيرة
شروط الخدمة
|
||||||||||||||
|
|
|





