بدر حسن شافعي

النشأة والتاريخ
توقيت انعقاد المؤتمر السابع "الثاني" للحركة
أبرز النتائج والملاحظات
إشكاليات الحركة

تتمتع الحركة الإسلامية في السودان بميزة خاصة لا تكاد تتوفر لغيرها من الحركات في العالم العربي والإسلامي، ألا وهي مشاركتها في الحكم، بل هيمنتها على هذا الحكم ليس عبر صناديق الاقتراع وفق آليات العمل الديمقراطي، وإنما من خلال الانقلاب العسكري الذي قام به نظام الإنقاذ عام 1989.

ومن ثم فنحن أمام تجربة فريدة خاصة أطاحت بنظام ديمقراطي منتخب، وجاءت بنظام إسلامي يحظى من وجهة نظرها بشرعية سياسية شعبية من الشعب السوداني المتدين بطبعه.

وهو ما يطرح عدة إشكاليات لعل أبرزها مدى مشروعية فكرة الوصول إلى السلطة عبر القوة، ثم مدى العلاقة بين الحركة والدولة، وهل هذه العلاقة صراعية أم تعاونية، وما هو موقف الحركة التي يهيمن النظام عليها الآن من الحركات الإسلامية الأخرى في البلاد مثل الإخوان وتيار الترابي وغيرهما؟ وهل بالفعل هناك مراجعات حقيقية لفكر الحركة أم لا؟

ولعل سبب إثارة هذه القضايا هو المؤتمر السابع للحركة الذي عقد في أغسطس/آب الماضي، الذي أثار جدلا كبيرا داخل أوساط الإسلاميين خاصة، والمواطنين السودانيين عامة، بداية من تسمية المؤتمر وهل هو السابع وفق الأساس التاريخي للحركة، أم الثاني على اعتبار أن الحركة يؤرخ لها منذ عام 1999 بعد انسحاب الترابي منها.

وإذا كان هذا الجدل أثير بشأن القضايا الشكلية، فإن الأمر يزداد تعقيدا حول القضايا الموضوعية الخاصة بالمراجعات الفكرية، والعلاقة مع القوى الإسلامية الأخرى، وأخيرا وليس آخرا العلاقة بين الدولة والحركة.

لكن قبل التعرف على ذلك قد يحسن بنا أن نستعرض في إيجاز تاريخ الحركة، لأن تجربتها قد تفيد في فهم الواقع واستشراف المستقبل.

النشأة والتاريخ

"
تعدد روافد النشأة للحركة الإسلامية لم يشكل زخما للحركة بقدر ما شكل عائقا أمام ظهورها في كيان واحد, ولعل هذا ما دفع هذه التيارات إلى حسم موقفها من فكرة التنظيم، وكذلك العلاقة بالإخوان المسلمين
"
نشأت الحركة الإسلامية في السودان في أربعينيات القرن الماضي، وكانت تضم روافد متعددة داخل وخارج السودان، سواء كان هؤلاء ينتمون لفكر معين خاصة فكر الإخوان المسلمين في ذلك الحين مثل صادق عبد الله الماجد وغيره أو مجموعة من الشباب المتدين الرافض لهيمنة الفكر الشيوعي على المدارس والجامعات السودانية وكان من أبرز هؤلاء المفكر عبد الله كرار.

لكن يبدو أن هذه النشأة المتعددة الروافد لم تشكل زخما للحركة بقدر ما شكلت عائقا أمام ظهورها في كيان واحد, ولعل هذا ما دفع هذه التيارات إلى حسم موقفها من فكرة التنظيم، وكذلك العلاقة بالإخوان المسلمين.

وبالفعل تم عقد مؤتمر أطلق عليه مؤتمر العيد عام 1954، وتم خلاله تسمية الحركة رسميا باسم الإخوان المسلمين. ولقد كان الهدف الأساسي للحركة هو إعلان استقلال البلاد عن مصر في البداية، ثم ما لبثت الحركة أن سعت للاستقلال التنظيمي عن الكيان الأم في مصر وهو ما حدث بعد ذلك.

ويلاحظ أن الحركة لم تقتصر على الجانب التربوي والاجتماعي فحسب، وإنما احتل الجانب السياسي مساحة كبيرة في إطارها الفكري والحركي، حيث تبلورت مطالبها بعد الاستقلال في تبني فكرة الدستور الإسلامي للبلاد، لكن جاء انقلاب عبود عام 1958 ليطيح بهذه الفكرة ولتبرز معه أفكار جديدة تتمثل في كيفية التخلص من هذا النظام.

وهنا ظهرت للمرة الأولى فكرة السعي للإطاحة بالنظام عبر القوة، وهي فكرة مخالفة لأفكار الإخوان المسلمين، ومن ثم أثارت جدلا واسعا بين تيارين أساسيين داخل الحركة، الأول يقوده المرشد العام في حينها الرشيد الطاهر بكر، الذي يؤيد فكرة الانقلاب على عبود بالقوة، والثاني يقوده الترابي الذي عارض ذلك، وكانت النتيجة أن قام الطاهر بمحاولة انقلاب فاشلة ترتب عليها اعتقاله، ونجاح الترابي في استصدار قرار بإقصائه من منصب مرشد الحركة.

والغريب في الأمر أن الترابي بعد وصوله لمنصب المرشد العام للحركة منتصف الستينيات بدأ يقتنع بأفكار الرشيد الطاهر، حيث لعب –أي الترابي- دورا كبيرا في الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس عبود عام 1964، كما لعب دورا هاما في مواجهة نظام نميري من خلال تشكيل الجبهة الوطنية التي تضم قوى المعارضة عام 1976، والتي أنشأت معسكرات تدريبية لها في ليبيا، وبالفعل وصلت إلى الخرطوم، لكن حالت بعض العقبات الفنية دون نجاحها في السيطرة على الحكم.

ولعل أسلوب الترابي هذا أثار حفيظة التيار السلمي في الجماعة الذي يتمسك بثوابت الإخوان في عملية تداول السلطة، وكانت النتيجة خروج مجموعة الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد وتشكيلها تنظيما خاصا بالإخوان المسلمين عام 1977. وليصبح هناك تياران أساسيان في البلاد هما الإخوان والحركة الإسلامية.

ومنذ ذلك الحين هيمن الترابي على الحركة، وسيطرت عليه فكرة الوصول إلى الحكم، فتم ذلك عبر الانقلاب على الحكومة الديمقراطية التي كان يرأسها الصادق المهدي عام 1989، وهي الفترة التي دشنت لحكم الإنقاذ.

وبالرغم من حدوث نوع من التناغم والتفاهم بين القيادة الدينية المتمثلة في الحركة، والقيادة السياسية، فإن طموحات الترابي السياسية ساهمت في التعجيل بحدوث المواجهة مع البشير خاصة بعد وفاة الزبير صالح النائب الأول للبشير، وسعي الترابي لأن يحل محله، وهو ما قوبل برفض شديد من البشير لمعرفته طموحات الترابي السياسية، وكانت النتيجة خروج الترابي بمجموعته، وتشكيل تنظيم ثالث للحركة خاص به، لتصبح لدينا مجموعة القصر الرئاسي، ومجموعة المنشية (الترابي) فضلا عن الإخوان المسلمين.

"
الحركة الإسلامية تحتاج الآن إلى المراجعات سواء كانت مراجعات جذرية تتعلق بتقييم تجربة الحركة كلها, أو مراجعات هيكلية تتعلق بالتجربة الراهنة التي دخلت عامها العشرين في يونيو الماضي
"
وبالتالي انحصر مفهوم الحركة الإسلامية في مجموعة البشير، وحدث التزاوج بين الدولة والحركة خاصة بعد مؤتمرها السادس (الأول من وجهة نظر بعضهم) عام 2003، وقد تم خلاله اختيار علي عثمان محمد طه نائب البشير في منصب الأمين العام للحركة الذي ظل حكرا على الترابي طيلة أربعين عاما.

من العرض السابق تتضح لنا عدة أمور:
1- أن الحركة الإسلامية في السودان صاحبة تجربة فريدة في الوصول إلى الحكم بداية، وفي طريقة الوصول إليه ثانيا، وهو ما جعلها محط أنظار الجميع، خاصة أنها تقدم النموذج لغيرها من الحركات.

2- أن الجانب الحركي كان هو المهيمن على الجانب الفكري. وهناك من يرى أن هذا الأمر كان متعمدا من جانب الأمين العام للحركة في حينها وهو الترابي، لأن المراجعات قد تترتب عليها المطالبة بحدوث تغيرات جذرية في الهياكل والمناصب، وهو أمر لم يكن مقبولا آنذاك.

3- أن الحركة تحتاج الآن إلى مراجعات سواء كانت مراجعات جذرية تتعلق بتقييم تجربة الحركة كلها قبل الوصول للحكم وبعده، أو مراجعات هيكلية تتعلق بالتجربة الراهنة التي دخلت عامها العشرين في يونيو/حزيران الماضي.

توقيت انعقاد المؤتمر السابع "الثاني" للحركة
عقد المؤتمر السابع للحركة الإسلامية السودانية (7-9 أغسطس/آب الماضي) في ظروف بالغة التعقيد على الصعيدين الداخلي والخارجي.

فداخليا جاء مؤتمر الحركة بعد قرابة شهر من مذكرة التوقيف التي صدرت بحق الرئيس عمر البشير من قبل ممثل الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو، كما جاء بعد فترة وجيزة من محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادتها حركة العدل والمساواة ضد النظام المركزي في الخرطوم، بالإضافة إلي التحديات التنموية وارتفاع معدلات الفقر والجفاف، الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات اللجوء والهجرة، وهو ما يجعل الحركة في موقف حرج أمام المواطن السوداني والمجتمع الدولي.

ولقد كانت هناك ثلاثة محاور رئيسية استحوذت على الاهتمام خلال فترة انعقاد المؤتمر، وإن كان بعضها قد تم حسمه سلفا، أولها محور القيادة الذي يتعلق بانتخاب الأجهزة وقيادة الحركة لأربع سنوات مقبلة، فضلا عن البحث في القواعد التنظيمية لهذه الهياكل، وإمكانية إدخال تعديلات على القانون الأساسي للحركة بشأنها.

وثانيها محور الفكر والكسب، حيث قدمت فيه أطروحات فكرية وعلمية حول المكاسب العملية للحركة في مجالات الثقافة والتوجيه والاقتصاد والسياسة والاجتماع وتزكية المجتمع والعمل في القطاعات الحية (الطلاب، والعمال، والمرأة).

أما المحور الثالث والأخير فتم تخصيصه لاستكشاف الرؤى المستقبلية للعمل الإسلامي محليا وعالميا في محيط التحديات الراهنة.

وبالنسبة للمحور الأول كان من أهم الاقتراحات المقدمة تعديل الفترة الزمنية لولاية الأمين العام في الحركة، وكذلك تحديد مدة محددة لعدد مرات التجديد، خاصة أن النظام المعمول به كان مفتوح المدة، وكان من نتيجته استمرار الترابي في منصبه لمدة عشر دورات (40 عاما).

أبرز نتائج المؤتمر
لقد تمخض المؤتمر عن نتائج تعد معروفة سلفا، مثل إعادة انتخاب نائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه أمينا عاما للحركة بالإجماع والتزكية؛ كما تمت الموافقة من حيث المبدأ على الاقتراح الخاص بشأن تعديل مدة انتخاب الأمين العام، مع تفويض مجلس الشورى المنتخب البحث في تفاصيلها وصياغتها في صورة مشروع قانون تمهيدا للموافقة عليه، وكان الموضوع الأهم هو اعتماد مبادرة الرئيس السوداني عمر البشير لحل مشكلة دارفور باعتبارها "مبادرة أهل السودان".

"
هيمنت الحكومة على الحركة الإسلامية بحيث صارت تابعة لها لدرجة دفعت بعض أنصار الترابي إلى القول "إنها لا تمثل التنظيم الذي استولى على الحكم عام 1989، وهي الآن أصبحت حكومية ومتواطئة
"
وتلاحظ على المؤتمر عدة أمور:
1-أن نتائجه كانت معروفة سلفا للجميع.
2- غلبة الطابع العام على نقاشات المؤتمر والأوراق المقدمة، بحيث لم يتميز المؤتمر عن غيره من المؤتمرات التي تقيمها مراكز الأبحاث والدراسات المستقلة في الخرطوم.

3-هيمنت الحكومة على الحركة بحيث صارت تابعة لها، لدرجة دفعت بعض أنصار الترابي إلى القول "إنها –أي الحركة- لا تمثل التنظيم الذي استولى على الحكم بانقلاب نفذه الرئيس السوداني عمر البشير عام 1989، وإنها الآن أصبحت حكومية ومتواطئة"، أو بمعنى آخر فإن الحركة صارت تابعة لنظام الإنقاذ وليس العكس, ومن ثم فإن دورها يكاد يقتصر على تقديم الدعم له.

إشكاليات الحركة الإسلامية
لعل العرض السابق يوضح وجود عدة إشكاليات تتعلق بالحركة أبرزها العلاقة بين الحركة والدولة، فضلا عن إشكاليات أخرى منها أن الحركة غير مسجلة في أي جهاز من أجهزة الدولة، كما أنها بلا مقر كغيرها من الحركات الإسلامية بالسودان.

فالحركة وفق رؤى بعض المنتسبين السابقين لها أصبحت تابعة للدولة منذ خروج الترابي منها عام 1999، فنائب الرئيس صار الأمين العام للحركة، وهو أعلى منصب قيادي بها، كما يتولى كبار قادة الجهاز التنفيذي بالدولة معظم المناصب القيادية بها، وهو ما نأى بقادة الحركة بسبب هذه الوضعية عن التعرض للمساءلة كما جعلهم لا يتفرغون للمبادرات التي كانت طابع الحركة في الماضي، وربما كان هذا الأمر مقصودا حتى لا تحدث ضجيجا يقلق مضاجع الدولة.

كما أن الرفض الحاسم من قبل الأمين العام للحركة للتعامل مع تيار الترابي بوصفه أحد تيارات الحركة يدفع إلى القول بضرورة تفعيل قضية المراجعات، حتى تشكل الحركات -وليس الحركة- الإسلامية السودانية دعما للنظام -بغض النظر عن القائمين عليه- في مواجهة القوى الخارجية التي تدبر له ليل نهار.
ـــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك