|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
حروب الساحل والصحراء منذ نحو خمسين عاماً خلت وقف كوامي نكروما مخاطباً الزعماء الأفارقة في القمة التأسيسية لمنظمة الوحدة الأفريقية بأديس أبابا عام 1963 بقوله "إننا أمام اختبار حقيقي اليوم. إما أن نخطو خطوة للأمام لتحقيق الاتحاد الأفريقي أو نتراجع إلى الوراء نحو الركود وعدم الاستقرار والوقوع فريسة سهلة للتدخل الأجنبي". ماذا حدث إذا لأفريقيا والأفارقة بعد هذه العقود الخمسة الماضية؟ لقد كان الاحتفال باليوبيل الذهبي للاتحاد الأفريقي في قاعة الألفية في أديس أبابا مخيباً للآمال حيث افتقدت القارة جيل الزعماء الكبار أمثال نكروما وعبد الناصر وسيكوتوري.
اللافت للانتباه حقا في ظل هذا التراجع الأفريقي أن الخاسر الأكبر هو مصر ونظامها الإقليمي العربي بشكل عام. فالأفروعربية التي عبرت عن التلاحم العربي الأفريقي في عصر التحرر الوطني من الاستعمار -والذي جسده نكروما نفسه بزواجه من سيدة مصرية- كانت هي أولى ضحايا تصدع حلم الوحدة الأفريقية. وقد تحقق هذا التهديد على أرض الواقع في مناسبتين، أولاهما: الهجوم الذي قادته كتيبة تابعة للجزائري مختار بلمختار في يناير/كانون الثاني 2013 على عين أميناس للغاز. وقد انتهت هذه الأزمة بشكل دموي مع تدخل القوات الجزائرية الخاصة. ثاينهما: الهجوم المزدوج بالنيجر في 23 مايو/ أيار 2013 الذي قادته كتيبة "الموقعون بالدماء" على أحد مناجم اليورانيوم في أرليت وموقع عسكري في أغاديز، وهو ما أدى إلى مقتل نحو 26 شخصاً بعد تدخل القوات الفرنسية. ولا شك أن المنطقة الصحراوية الأفريقية باتت تشكل نقطة ضعف أمني وإستراتيجي بالغة الخطورة. فالنيجر التي تعد رابع منتج لليورانيوم في العالم تقع بين منطقة صخرية وحزام السافانا الأفريقية. كما أنها تاريخياً تستعصي على السيطرة المركزية، وتعد ملاذاً آمنا للخارجين على القانون والرافضين لعصا الطاعة في بلدان الجوار. وتحتفظ النيجر بحدود طويلة تبلغ مئات الكيلومترات مع كل من مالي والجزائر وليبيا ونيجيريا. فماذا عساه أن يفعل جيش النيجر الصغير الذي يبلغ قوامه نحو اثني عشر ألف جندي لتأمين هذه الحدود البرية الطويلة؟! حروب القرن الأفريقي ويمكن النظر إلى مؤتمر لندن الثاني لإعمار الصومال في السابع من مايو/أيار 2013 على أنه إعلان رسمي عن استبعاد مصر من خريطة المعادلة الإستراتيجية في القرن الأفريقي لصالح قوى إقليمية ودولية.
لقد حظيت حكومة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالاعتراف الدولي ولا سيما من قبل الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية المانحة، كما أن المملكة المتحدة أعادت افتتاح سفارتها في مقديشيو. وقد عبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون صراحة أمام مؤتمر لندن بأن الصومال تمثل أولوية إستراتيجية للمملكة المتحدة حيث تسعى الحكومة البريطانية إلى تحقيق هدفين اثنين: أولهما القضاء على خطر الشباب المجاهدين والثاني ألا تؤدي الفوضى العارمة في الصومال إلى موجة نزوح جماعية جديدة تجاه بريطانيا. على أن التطور اللافت في الصومال هو الإعلان في 15 مايو/ أيار 2013 عن فوز أحمد مدوبي الموالي لكينيا برئاسة إقليم جوبا لاند (أزانيا) على الرغم من عدم اعتراف الحكومة الفيدرالية في مقديشيو بهذا الإقليم. يعني ذلك أن كينيا استطاعت تحقيق هدفها الإستراتيجي بعد عامين من تدخلها العسكري في الصومال بخلق منطقة عازلة في كيسمايو تكون امتداداً أمنياً وإستراتيجياً لها وذلك في مواجهة خطر الحركات الإسلامية الراديكالية التي تؤمن بحلم الصومال الكبير. وتكتسب منطقة جوبا لاند في جنوب الصومال أهمية إستراتيجية بالغة حيث تغطي مساحة تزيد عن 33 ألف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها نحو 1.3 مليون نسمة، وهي تحظى بمشاطأة للمحيط الهندي وتحدها كينيا وأجزاء من جنوب إثيوبيا ومنطقة غيدو. يعني ذلك بصراحة شديدة انتصار كينيا وخسارة الصوماليين وامتدادهم الإستراتيجي في مصر والوطن العربي. حروب السدود والمياه وبغض النظر عن تضارب التقديرات والأرقام الخاصة بتأثيرات سد النهضة فإن مصر مقبلة لا محالة على مرحلة العطش المائي. إذ أنها تستهلك اليوم حصتها الكاملة من المياه، وبحلول عام 2050 سوف تكون بحاجة إلى نحو 21 مليار متر مكعب إضافي لمواجهة الزيادة السكانية. وعلى أي الأحوال فإن تحويل مجرى مياه النيل لملء خزان سد النهضة سوف يؤثر يقيناً على تدفق المياه باتجاه دولتي المصب (مصر والسودان). على أن النقطة المهمة هنا التي يمكن أن تكون أساساً لعملية تفاوضية ناجحة هي أن الكمية من المياه والمدة الزمنية التي ستؤثر على مصر سلباً تعتمد على الطريقة التي تقوم من خلالها إثيوبيا بملء الخزان.
وتزعم إثيوبيا أنها سوف تستخدم السد لإنتاج الكهرباء فقط، حيث من المتوقع أن تصبح أكبر منتج للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، أما إذا قامت باستخدامه لأغراض الري والزراعة فإنها سوف تقوم قطعاً بتحويل ما يربو على 18 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يضر بالأمن المائي المصري ضرراً بالغاً.
المصدر:الجزيرة
شروط الخدمة
|
||||||||||||||
|
|
|





