بقلم/ ياسر الزعاترة

- تمثيلهم في مجلس الحكم
- موقفهم من المقاومة
- واشنطن والتعامل معهم
- ردود السنة ومجلس الشورى الجديد
- الموقف العربي والإسلامي

من الواضح أن الأسئلة المطروحة عن العرب السنة في العراق (حاضرهم، دورهم، مقاومتهم، مستقبلهم) لم تعد حكرا على أهل السنة في العالم العربي والإسلامي، وقبل ذلك داخل العراق، بل هي كذلك في أوساط المحتلين الأميركيين والبريطانيين أنفسهم، ومعهم الدوائر الأخرى في المعادلة العراقية.

في البداية، لا بد من الإشارة إلى عدد من المقولات التي أحاطت بمسألة العرب السنة ورسمت مسارات التعامل مع قضيتهم منذ مجيء الاحتلال إلى أرض العراق، ولعل أهمها ما يتصل بعلاقتهم بالنظام السابق.

فقد ساد خلال الشهور التالية لغياب نظام الرئيس العراقي صدام حسين خطاب لم يكن جديدا خارج العراق، لكنه بات أكثر شيوعا حتى غدا أقرب إلى المسلمة منه إلى الموضوعة القابلة للنقاش حيث روج كثيرون مقولة إن نظام صدام حسين كان طائفيا سنيا وإن العرب السنة قد تمتعوا بخيراته خلافا للشيعة والأكراد الذين ذاقوا ويلاته على نحو مميز.

واقع الحال هو أن نظام صدام لم يكن طائفيا ولا سنيا، بل إن جذور حزب البعث كانت شيعية كما تقول مراحله الأولى، لكن الموقف انقلب إثر الحرب العراقية الإيرانية حيث حامت الشكوك حول موقف الشيعة منها، فبدأت عملية إقصائهم وتهميشهم. والخلاصة أن نظام صدام كان فئويا يمنح الموالي ويطارد المعارض حتى لو كان أخا شقيقا، ومسيرة الرجل مع أقاربه تؤكد ذلك على نحو واضح.

لا ينفي ذلك بالطبع أن العرب السنة استفادوا من عطايا النظام، ولكنها فائدة محدودة إذا ما قيست بتضحياتهم المفروضة في حرب العراق والكويت وسنوات الحصار، وإن شمل ذلك الجميع. والحال أنها امتيازات جاءت عقب قناعتهم بعدم وجود إمكانية لتحدي النظام. أما من تحداه منهم فقد تحول إلى عظام في المقابر الجماعية التي لم ولن يتوفر من يفرق فيها بين عظام سني وشيعي وكردي.

الإشكالية الأخرى في مسألة العرب السنة تتصل بنسبتهم في المجتمع العراقي، ففي الخطاب الشيعي لا يصل عدد العرب السنة بحال من الأحوال حدود الـ20% من السكان، وهو الأمر الشائع في أوساط الاحتلال والأكراد أيضا.

ومن المؤكد أن أحدا لا يملك إحصاءات دقيقة عن نسبة أي فئة من مجموع السكان، لكن معطيات كثيرة -منها إحصاءات بطاقات التموين وسوى ذلك من المؤشرات كما هو حال إحصاء 1997 الذي لم يكن طائفيا- أعطت بعض الدلالات من خلال مناطق السكن.

كل ذلك يشير إلى أن نسبة العرب السنة قد تصل حدود الـ40% من السكان، وحتى لو لم يكونوا كذلك فإنهم ليسوا بالتأكيد 20% فقط. على أن من المرجح أنهم سيكونون أقلية قياسا للشيعة في حال أخذ الأكراد مناطقهم واستقلوا على أساس ما فدرالي أو غير ذلك، لا سيما وأن عراقيين شيعة ممن طردهم صدام إلى إيران أو فروا إلى الخارج قد عادوا، وهؤلاء لم يكونوا جزءا من إحصاء 1997 ولم يدخلوا في حسبة البطاقات التموينية.


تجذر خيار المقاومة لدى السنة، وجاء غياب صدام ليزيح عنهم عبئا كان يلاحقهم، وتأكد ذلك إثر تزايد أعمال المقاومة بعد اعتقاله خلافا لتوقع الكثيرين
تمثيلهم في مجلس الحكم
جاءت لعبة توزيع "المغانم" لتعتمد المقولة السائدة عن نسبتهم أي 20% كما تبدى في تركيبة مجلس الحكم، حيث حصلوا على خمس مقاعد من أصل خمسة وعشرين مقعدا، لكن الأهم من ذلك هو أن تمثيلهم كان هامشيا ولا يعبر عنهم بحال من الأحوال.

وباستثناء ممثل الحزب الإسلامي محسن عبد الحميد لم يكن هناك رموز ذات وزن، فسمير شاكر ونصير الجادرجي شيوعيان سابقان، وعدنان الباجه جي ليبرالي لا حضور له في الساحة الشعبية، وكذلك حال غازي الياور الذي يمثل أحد أفخاذ قبيلة شمر ولا يحظى برضا شيوخ العشيرة. وهنا شعر العرب السنة أنهم لم يهمشوا على صعيد النسبة فقط بل على صعيد طبيعة التمثيل وقوته وحيويته وتعبيره عنهم وعن هواجسهم وهويتهم قياساً بالآخرين شيعة وأكراد.

موقفهم من المقاومة
من المؤكد أن اندلاع المقاومة فيما بات يعرف بالمثلث السني كان سابقا على إنشاء مجلس الحكم في الثالث عشر من يونيو/ حزيران، بل إن المراقبين رأوا أن إنشائه جاء نتيجة للمقاومة وضغوطها.

لكن التوزيعة المذكورة ومعها إجراءات حل الجيش والوزارات وبداية وضوح عملية التهميش دفعت العرب السنة إلى الانحياز سريعا لخيار المقاومة ومده بأدوات الاستمرار والصمود، وجاءت سياسات القمع والتنكيل التي مارسها الاحتلال بحقهم لتزيد في انحيازهم للمقاومة.

ويوما بعد يوم كان خيار المقاومة في أوساط العرب السنة يتجذر، وقد جاء غياب صدام حسين ليزيح عنهم عبئا كان يلاحقهم، فالارتباط السابق به كان تاريخا يطاردهم، وكذلك حال الارتباط به من خلال أعمال المقاومة، وقد تأكد ذلك إثر تزايد أعمال المقاومة بعد اعتقاله وليس تراجعها كما توقع الكثيرون.


أميركا قد تلجأ لتقسيم العراق إلى ثلاث دول: دولتين قويتين شيعية في الجنوب وكردية في الشمال، ودولة ثالثة ضعيفة للعرب السنة في الوسط تسهل مراقبتها ومعاقبتها
واشنطن والتعامل معهم
في ضوء انحياز العرب السنة للمقاومة بدأت مقترحات التعامل معهم تخرج إلى العلن، وقد برز على هذا الصعيد توجهان، الأول قاده تيار الخارجية الأميركية وفصل فيه ريتشارد أرميتاج مساعد كولن باول، ودعمه ممثل بريطانيا في سلطة التحالف، ويقوم على دمج العرب السنة في السلطة لإبعادهم عن المقاومة.

أما التوجه الثاني فجاء من خلال مقال في صحيفة "نيويورك تايمز" بقلم "ليزلي غيلب" نشره في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 وكان بعنوان "حل الثلاث دول". والمذكور هو الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، وقد رأى مراقبون في المقال بداية تحول في مواقف صقور الإدارة الأميركية باتجاه تبني ذلك المسار في التعامل مع معضلة العرب السنة.

مسار الخارجية الأميركية يبدو واضحا في فكرته إلى حد كبير، أما المسار الآخر فيقوم على تقسيم العراق إلى ثلاث دول: دولتين قويتين شيعية في الجنوب وكردية في الشمال، ودولة ثالثة ضعيفة للعرب السنة في الوسط، حيث وصفهم صاحب المقال بأولاد العم الفقراء الذين سيحشرون في الوسط ما يسهل التعامل معهم أو بالأحرى معاقبتهم.

حتى الآن يبدو أن المسار الأول هو المعتمد، إذ تجري عملية شراء واسعة لرموز من السنة أكثرهم كانوا على صلة بالنظام السابق ومن عناصر الجيش والاستخبارات، إضافة إلى موظفين كبار، بل وأئمة مساجد أيضا.

ولا يعرف بالطبع إذا ما كان الفشل في هذا المسار سيدفع نحو تبني الآخر أم لا. والحال أن موقف الشيعة ربما كان رافضا لذلك على اعتبار أنهم يريدون كل العراق ما عدا منطقة الأكراد وليس الجنوب فقط، فضلا عن موقف تركيا من دولة الأكراد، إلى غير ذلك من التعقيدات التي قد تجعل تطبيقه صعبا.

في كل الأحوال فإن مساعي الأميركان لوقف المقاومة في المثلث السني بهذه الطريقة أو تلك لن تكون مجدية. صحيح أن الإجراءات المذكورة بالبيع والشراء وتجنيد العملاء على الطريقة الإسرائيلية ستصيب المقاومة في بعض عناصر قوتها وقد تشكل عبئا ما عليها، لكن ذلك لن يكون كافيا لوقفها، لا سيما وهي تكتسب كل يوم مزيدا من الأنصار في ذات الوقت الذي قد يتراجع فيه حجم العداء لها بعد اتضاح بعدها عن النظام السابق ومخاوف عودته بعد اعتقال صدام حسين، ونعني بالعداء ذلك الذي ساد في أوساط الشيعة والأكراد الذين كانوا يرونها محاولة لإعادة النظام السابق.


جاء تشكيل مجلس شورى أهل السنة لإيجاد مرجعية للسنة في العراق نظرا لعدم وجود قوة سياسية تمثل السنة بعد أن انخرط الحزب الإسلامي
في مجلس الحكم
ردود السنة ومجلس الشورى الجديد
طوال شهور كان العرب السنة يقاومون ويشعرون بالقوة والاعتزاز بمقاومتهم، لكنهم في المقابل كانوا يعانون سواء من إجراءات الاحتلال التعسفية أو من عدم وجود إسناد سياسي خارجي لهم أو من عنف الآخرين في الساحة العراقية.

وقد عبر أحد رموز هيئة علماء المسلمين عن بعض المخاوف في لقاء له مع مبعوثين إيرانيين جاؤوا ضمن مساع للجم عناصر الاشتباك بين المسلمين، حيث ذهب إلى أن اغتيال البعثيين السنة دون سواهم لا يمكن أن يكون مقبولا بحال من الأحوال، كما أن مصادرة المساجد مشكلة أخرى، فضلا عن فتاوى هدر دم أي شيعي يتبنى المذهب السني.

لقد عانى العرب السنة من موجة اغتيالات مسكوت عنها في وسائل الإعلام تجري يوميا، وبالطبع تحت لافتة العضوية في حزب كان في السلطة لخمس وثلاثين عاما، كما كان دمويا قمعيا يلجأ الناس إليه من أجل العيش لا قناعة بطروحاته.

لا شك في أن دور الشرطة وحديث المليشيات الشيعية والكردية قد أصاب السنة بالذعر، لكن التراجع عنه كان صائبا. وفي كل الأحوال يمكن القول إن المقاومة كلفت العرب السنة الكثير من التضحيات، لكنها منحتهم في المقابل الكثير من مشاعر القوة بعد موجة خوف كبيرة لاسيما بعد سقوط النظام، ليس لارتباطهم به، وإنما لقناعة الآخرين بذلك.

وجاء تشكيل مجلس شورى أهل السنة والجماعة مؤخرا كخطوة مهمة لإيجاد مرجعية للسنة في العراق، لاسيما في ضوء هيمنة "المراجع" على الوضع في الجانب الشيعي، ونظرا لعدم وجود قوة سياسية تمثل السنة، وذلك بعد أن انخرط الحزب الوحيد صاحب القاعدة الشعبية في مجلس الحكم، وهو الحزب الإسلامي.

لا شك في أن تجاوز علماء السنة (إخوان مسلمون، سلفيون، صوفيون، مستقلون) لخلافاتهم والخروج بالمجلس الجديد يشكل نقلة مهمة على صعيد مواجهة الموقف على الأرض، بيد أن ذلك سيبقى في حاجة إلى تفعيل.

والحال أن المجلس جاء استمرارا لحيوية هيئة علماء المسلمين التي ملأت الفراغ في أوساط السنة، لاسيما بوجود رموز أقوياء لهم حضورهم الشعبي من أمثال الشيخ حارث الضاري والشيخ عبد السلام الكبيسي وآخرين.

وجاء اعتقال الشيخ الصميدعي من التيار السلفي ليؤكد أن خطوة تشكيل المجلس ستترك آثارا على نمط تعامل الاحتلال مع العلماء، لاسيما وقد سبقه إلى السجن عدد من رموز علماء التيار الإخواني والصوفي.


دعم فكرة الحوار والتفاهم بين الجميع قد تحفظ على العراق وحدته وعلى العراقيين مصالحهم، لاسيما وهم مجمعون على رحيل الاحتلال عن بلادهم بصرف النظر عن نهجهم الحالي في التعامل معه
الموقف العربي والإسلامي
لا شك في أن العرب السنة يشعرون باليتم رغم شعورهم بأنهم أقوياء بالمقاومة، ذلك أن دعمهم حتى الآن لم يأت من القوى الشعبية، لاسيما الإسلامية، ولا من الأنظمة الخائفة من الولايات المتحدة.

ما من شك في أن عدم توفر رموز سياسية لهم قد صعب العملية، لكن ذلك يجب أن لا ينسحب على المواقف السياسية للقوى العربية والإسلامية والأنظمة. والحال أن الرموز المذكورة لن تتوفر بسهولة، لاسيما إذا تبنت موقفا داعما للمقاومة بسبب مخاطر اعتقالها سريعا، لكن التعامل مع هيئة علماء المسلمين ومجلس الشورى الجديد يشكل حلا معقولا، خاصة وأن موقفهم من المقاومة إيجابي ومدافع، حتى لو لم يتبنوها علنا.

العرب السنة في العراق هم أحرص الناس على الوحدة والانتماء إلى الأمة العربية، ولا بد من دعمهم، من دون أن يعني ذلك موقفا مضادا للآخرين، لكن للشيعة سند إيراني، والأكراد متحالفون مع الولايات المتحدة.

والحال أن معظم الشيعة ليسو انفصاليين، ولا شك في أن تفاهما معهم ومع إيران قد يؤدي إلى جمع كلمة المسلمين في العراق على نحو طيب. ولا حاجة للقول هنا إن أحدا لا يتحدث عن مواقف طائفية محسومة، فداخل كل مجموعة هناك مواقف من اليمين إلى اليسار، لكن دعم الخارج العربي والإسلامي للقوى العروبية الإسلامية، إلى جانب دعم فكرة الحوار والتفاهم بين الجميع قد تحفظ على العراق وحدته وعلى العراقيين مصالحهم، لاسيما وهم مجمعون على رحيل الاحتلال عن بلادهم بصرف النظر عن نهجهم الحالي في التعامل معه.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف