أكرم البني

محاولة تعريف
جدل وخلاف بين الإصلاحيين
أين المعضلة؟!
السياسة قبل الاقتصاد

بعد خمس سنوات من التجريب والفشل في إخراج المجتمع السوري من أزمته المتراكبة، خرج المؤتمر العاشر لحزب البعث الحاكم بخطة جديدة حملت اسم "اقتصاد السوق الاجتماعي" اعتبرها البعض السهم الأخير في جعبة السلطة بعد شعار التحديث والتطوير لمعالجة حال الركود والتردي الاقتصادي في البلاد، قبل أن تفلت الأمور صوب أوضاع ومسارات لا تحمد عواقبها.

محاولة تعريف

"
اقتصاد السوق الاجتماعي هو من حيث الجوهر محاولة للجمع بين قوانين الاقتصاد الحر ومبادئ تتعلق بالجانب الاجتماعي، لكن في الحالة السورية لا يزال المفهوم يعاني من الغموض ويفتقر للدقة بل لم يجر توضيح حدوده وأغراضه 
 "
اقتصاد السوق الاجتماعي ليس مصطلحا جديدا فقد أبصر النور بعد الحرب العالمية الثانية في محاولة للتوفيق بين الفعالية الاقتصادية التي توفرها المنافسة وبين الحاجة إلى العدالة الاجتماعية، واعتبره البعض بمثابة رد الرأسمالية على الأثر المحرض والجاذب للدول الاشتراكية ونموذجها في تقديم الخدمات الاجتماعية المجانية.

يقوم اقتصاد السوق الاجتماعي على إطلاق حرية المنافسة ومراقبة تطور الاحتكارات، وخلق حالة من تكافؤ الفرص بين الهيئات والفعاليات الاقتصادية عبر استمرار دور الدولة في مراقبة آليات السوق والتدخل عندما يعجز الاقتصاد الحر عن تأدية مهمته بما في ذلك تسوية المشكلات الاجتماعية وتحقيق مكاسب عيانية للطبقة العاملة، وكانت فكرة مجتمع الرفاه أفضل تجسيد عياني وتقوم على توافق سياسي بين كافة الأطراف الفاعلة في المجتمع، من الدولة إلى أرباب العمل والشركات الكبرى إلى الأحزاب والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني.

ويمكن القول إن اقتصاد السوق الاجتماعي هو من حيث الجوهر محاولة للجمع بين قوانين الاقتصاد الحر كما عرفتها الرأسمالية وبين مبادئ تناقضها تتعلق بالجانب الاجتماعي في النظام الاشتراكي، حيث تحتل مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والضمانات الصحية والتعليمية المرتبة الأولى من سلم الاهتمامات.

وإذ يسمي البعض هذا الخيار بالليبرالية المنظمة وآخرون يرونه الرأسمالية الملطفة، يعتقد الكثيرون أنه أشبه بمحاولة لخط طريق ثالثة بين الرأسمالية والاشتراكية تتميز باستمرار حضور الدولة والقرار السياسي في صياغة ومراقبة العلاقة بين التنافس والتضامن وبين وحشية السوق والعدالة في الحياة.

لقد تنوعت أشكال الضبط الاجتماعي للسوق وتباينت بين تجربة وأخرى تبعا لسوية التطور الاقتصادي وتاليا لحدود الإمكانيات والقدرة على توجيه الإنفاق الاستثماري لتلبية الحاجات الاجتماعية، فعرفت ألمانيا حالة تفاهم بين أرباب العمل والنقابات لتقرير سوية الأجور وتخصيص أموال وفيرة للتدريب وتطوير الكفاءات المهنية، في حين شكلت السويد منافسا حقيقيا للدول الاشتراكية من حيث طابع ونوعية المكتسبات المعيشية والصحية والخدمية التي تعم المجتمع.

لكن في الخصوصية السورية لا يزال مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي يعاني من الغموض ويفتقر للدقة بل لم يجر توضيح حدوده وأغراضه بما يكفي، هل يقصد من تبنيه الحرص بالفعل على استمرار دور الدولة في ضمان الخدمات الاجتماعية للمواطنين، أم أنه أشبه بحل وسط جراء خوف السلطة من فقدان تحكمها بالورقة الاقتصادية والانتقال من اقتصاد مخطط مركزيا إلى اقتصاد السوق الحر، أم يتعلق الأمر بحسابات المكاسب والرغبة في الإبقاء على اقتصاد الدولة كمصدر لثراء بعض المسؤولين الذين حولوه إلى بقرة حلوب ومرتعا للفساد ونهب المال العام؟!

وبمعنى آخر هل جاء اعتماد اقتصاد السوق الاجتماعي بسبب قدرته على النفاذ إلى عمق الأزمة الاقتصادية ومعالجة مشاكل المجتمع بصورة جذرية، أم هو مجرد خيار سياسي غرضه مداهنة بعض قوى الرأسمال الخاص ومغازلة الأوضاع المعيشية لأكثر من ربع المجتمع السوري وضمان التفافهم حول سياسات السلطة (إذ يبلغ عدد العاملين في قطاع الدولة ما يقارب المليون ونصف ويغدو الرقم أكثر من ستة ملايين مواطن يستفيد من هذا الحقل الاقتصادي إذا أضفنا إليهم عائلاتهم بحساب أربعة أشخاص هو وسطي عدد أفراد الأسرة السورية)؟!

جدل وخلاف بين الإصلاحيين

"
تباينت مواقف دعاة التغيير في سوريا من مفهوم السوق الاجتماعي وأسباب تبنيه في الظروف الراهنة، فمنهم من وجده استجابة حقيقية لخصوصية المجتمع السوري, وآخرون يرون عدم جدواه في حل الأزمة الاقتصادية الراهنة
"
لقد تباينت مواقف دعاة التغيير في سوريا من هذا المفهوم وأسباب تبنيه في الظروف الراهنة، فمنهم من وجده استجابة حقيقية لخصوصية المجتمع السوري لمعالجة ما يعانيه من مشكلات دون أن يكون مصدرها اشتراطات الخارج وإملاءاته، واصطف خلف هذا الرأي معظم القوى التي لا تزال أمينة لجذرها الأيديولوجي ذات النهج الشمولي الاشتراكي أو القومي والتي لا تريد بأي حال أن تنطلق قاطرة الإصلاح الاقتصادي نحو اعتماد السوق الرأسمالية والاندماج معها تحت ذريعة أنها لا تريد أن تكبد الشرائح الفقيرة من المجتمع أعباء هذا الانتقال، واجدة في استمرار الدور التدخلي الواسع للدولة اقتصاديا خير ما يحافظ على الشروط الراهنة لحياة العاملين في مؤسسات القطاع العام!!

ويعزز هؤلاء خيارهم بالقول إن بلادنا لا تزال متخلفة ولم تبلغ بعد مرحلة النضج في هياكلها الاقتصادية، كما هو الحال بالنسبة للبلدان المتقدمة في أوروبا، كي يمكن إطلاق العنان لآليات السوق، لا سيما في مجالات توجهات التنمية وتعبئة الموارد وضبط عملية التراكم، إلى جانب سلسلة من الإجراءات التخطيطية الاقتصادية والاجتماعية ذات الطابع الإستراتيجي التي عادة ما يعجز السوق بمفرده عن حلها حلا عادلا ومرضيا.

وبالتالي من الوبال على سوريا أن تتبنى اقتصاد السوق الحر وتنفتح على العالم وتحرر تجارتها الخارجية دون السعي لتنظيم السوق الداخلية وحماية المنتجين والمستهلكين من الممارسات الضارة التي يمثلها الاحتكار وهيمنة الشركات الكبيرة على الأسواق.

يلاحظ إذن إضافة لمبدأ الوصاية السياسية على الاقتصاد، أن التبعات الاجتماعية واحتمال تدهور جزء من القطاع الصناعي لعجزه عن المنافسة مع الخارج هي الدافع الأساس وراء موقف البعض المؤيد لاقتصاد السوق الاجتماعي دون أن تهمه القراءة العلمية والدقيقة لحقيقة أمراض الاقتصاد السوري والطرق الناجعة لمعالجته، فالمهم عندهم ليس تخليص الاقتصاد من أزمة الركود وبناء مجتمع قوي وقادر على المنافسة بل تحقيق ما يتطلع إليه المواطن لتأمين مستلزمات حياته من خدمات وحاجات معيشية وأيضا الاستجابة لما يهم بعض قطاعات الصناعة المحلية بالحد من الانفتاح على الأسواق العالمية وتقنين دخول البضائع الأجنبية كي لا يؤدي ذلك إلى إغراق الشركات الصغيرة وإزاحتها.

في المقابل وانطلاقا من معطيات الواقع وإمكانياته يرى آخرون عدم جدوى تبني اقتصاد السوق الاجتماعي كبديل لنهج الاقتصاد الموجه الذي تتبعه سوريا منذ الستينات وأن هذا الخيار ليس بمقدوره، عمليا وعلميا، حل الأزمة الاقتصادية الراهنة، هذا إذا لم يزدها عمقا وتفاقما، خاصة وأنه يصطدم بمعوقات عديدة تبدأ من البيئة التشريعية التي رعت نظام التخطيط المركزي مرورا بالجمود في الهياكل والمؤسسات الإنتاجية للقطاع العام وعطالة البيروقراطية السورية وتخلف المنظومة القانونية، ومرورا بضعف وتفتت القطاع الخاص نتيجة تحجيم دوره طيلة عقود، انتهاء بتدني معدلات الاستثمار وتزايد نسبة البطالة وتفشي ظواهر الفساد وغياب قانون خاص بغسيل الأموال يمكن محاسبة الذين أثروا عبر مواقعهم في السلطة وما اقتطعوه من المال العام.

ويرى هؤلاء إن ثمة فرقا كبيرا بين أهمية الشعار وبين توفير المقومات اللازمة لتطبيقه، فالحل الناجع ليس رغبات أو نيات طيبة أو محاولة لاستنباط صيغة اقتصادية مرضية تمنحنا بعض الراحة النفسية والأيديولوجية، بل في تسمية الدواء المحدد لداء محدد والبحث عن الجدوى والفاعلية طويلة الأمد لبناء أساس اقتصادي راسخ للأجيال القادمة، ما يعني أن من العبث إخضاع اقتصاد ضعيف ومأزوم كحال الاقتصاد السوري للحاجات الاجتماعية فقط، هذه الأخيرة يتطلب توفيرها بنية إنتاجية معافاة ومستويات مرتفعة من النمو، فكلما كان النمو والفائض الاقتصادي كبيرا وظواهر الفساد وهدر المال العام في أدنى مستوياتها، كلما كان بالإمكان الحديث عن فرص أكبر من العدالة الاجتماعية.

أين المعضلة؟!

"
المستقبل لنظام السوق، وعلينا أن ندخل إلى المستقبل من بابه العريض دون تردد أو غموض أو مخاتلة، الأمر الذي يمكننا جميعا من وضع الخطط الكفيلة بقيادة عملية الانتقال بأقل الآلام والمعاناة!!
"
إن ما يعانيه الاقتصاد السوري ليس مجرد مشاكل بسيطة سهلة الحل بل أزمة مزمنة تتمثل في تدني معدلات النمو وانحسار الاستثمار وتزايد البطالة وهذا ما يعرضه في حال تطبيق المعايير الاجتماعية لمزيد من الاختلال على صعيد المنافسة وتاليا التهميش والإهمال، خاصة وأنه ينذرنا بأفاق سوداء في السنوات القليلة القادمة إذا لم نأخذ في الاعتبار الدعوة للانفتاح والتحرر وإذا لم نتدبر أمورنا بتنشيط الاستثمار وتفعيل المنافسة لإنتاج وتصدير سلع ومنتجات غير النفط، فالاحتياطي النفطي السوري الذي يوفر 70% من العملة الصعبة و50% من الموازنة سوف ينضب حتى عام 2015 ناقلا سوريا من دولة مصدرة للنفط إلى مستوردة.

فمن أين يحصل المجتمع عندئذ على الفائض الاقتصادي الذي يمكن اقتسامه بين الدورة الإنتاجية والتنمية الاجتماعية، خصوصا وأن الاقتصاد السوري ليس اقتصادا اشتراكيا كما تدعي شعارات الحزب الحاكم ودستور البلاد بل هو اقتصاد رأسمالي تسوده علاقات إنتاج يغلب عليها الطابع الطفيلي والريعي، وإن معظم الخطوات التي رسمت سابقا باتجاه الإصلاح دون تحرير الاقتصاد من تحكم السلطة، لم تجد نفعا ولم تحصد النتائج والثمار المرجوة.

لقد اتفق الكثير من الباحثين على أن اقتصاد السوق الحر رغم عيوبه الاجتماعية أثبت قدرة أفضل على التطور واستخدام الموارد من الاقتصاد المخطط الذي يقوم على الأوامر الإدارية، ولعل ما يخفف آلام عشوائية السوق ووحشيتها أن يترافق هذا التحول بدور جديد للدولة ليس كمقرر في شؤون العملية الاقتصادية والإنتاجية بل كراع فقط للقضايا الاجتماعية وموجه لمسارات العملية الإنتاجية ومسائل التنمية البشرية والتكنولوجية، وأيضا كأداة لمحاربة الفساد وإعادة تدريب قوى العمل وتأهيلها لمشاريع استثمارية جديدة لا تسريحها تعسفيا بصفتها أحد أسباب الركود والخسارة!!

يدعو أصحاب هذا الرأي إلى اتخاذ مجموعة من الخطوات الواضحة والحاسمة نحو اقتصاد السوق الحر بدل قرنه بعبارة "الاجتماعي"، فإذا كان خيار اقتصاد السوق هو إقرار لواقع قائم واعتراف صريح بأن الادعاءات الاشتراكية صارت من الماضي، فإن صفة الاجتماعي التي يحاول البعض إلصاقها به، تبدو أشبه بتمويه لأشكال الضبط البيروقراطية للسوق والاحتكار السلطوي للفساد والنهب، والتي لا يمكن الخلاص منها إلا بتحديد صريح لهوية الاقتصاد السوري بصفته اقتصادا رأسماليا وجزءا من دورة الاقتصاد العالمي.

ولاشك أن عدم الإقرار بذلك سوف يفضي إلى رسم خطط للإصلاح غير دقيقة وغير واقعية، فنحن نسير من تراجع إلى تراجع ومرشحون أن نخرج من الزمن والحياة إذا لم نسارع لتحرير الاقتصاد من سيطرة المصالح السياسية وندمجه أكثر فأكثر بحرية السوق والاستثمار وبالاقتصاد العالمي.

فدخول العولمة قدر لا بد منه والعزلة سوف تفضي بنا إلى مزيد من التهميش دوليا وإلى المزيد من الفقر والتردي الاقتصادي وتاليا إلى المزيد من انحسار الشروط التي تساعدنا على مقاومة مشاريع الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة.

وفي هذا الإهاب يجد بعض الباحثين أن احتلال موقع قابل للحياة في نظام العولمة لا يمكن أن يتحقق إلا إذا اكتسب الاقتصاد السوري وجها تخصصيا وسعى للمنافسة في إنتاج سلع يستطيع أن ينافس فيها وتتوفر لديه شروط النجاح في الحلبة العالمية من حيث مصادر المواد الخام والخبرة البشرية، مثل الصناعات القطنية أو الصناعات الغذائية.

وطبعا لا يخشى دعاة الاقتصاد الحر الآثار السلبية اجتماعيا التي سوف تفضي إليها سياسة الانتقال من الاقتصاد المركزي، فكافة التحولات العالمية عرفت مثل هذه الآثار، وبرأيهم ثمة خاسرون ورابحون لكن ما يجب أن نتطلع إليه هو الأنفع إستراتيجيا لمستقبل المجتمع وأفاق تطوره، فالمستقبل لنظام السوق، وعلينا أن ندخل إلى المستقبل من بابه العريض، دون تردد أو غموض أو مخاتلة، الأمر الذي يمكننا جميعا من وضع الخطط الكفيلة بقيادة عملية الانتقال بأقل الآلام والمعاناة!!

السياسة قبل الاقتصاد

"
البرلمان هو خير من يتحمل مسؤولية التحول الاقتصادي وآثاره، وهو الأقدر على تحديد عوامل تفاقم الأزمة الراهنة وأسبابها ووضع خطة مناسبة للتجاوز يمكنها اختصار دورة الآلام ومعالجة أمراض المجتمع ومشاكله المختلفة
"
اللافت أن ثمة مشتركا بين مؤيدي اقتصاد السوق الاجتماعي ورافضيه هو تغييب الوجه السياسي في عملية الإصلاح والتنمية وإهمال الدور الكبير المحتمل أن يلعبه قطاع يتوسط ما بين الدولة والمجتمع هو القطاع المدني الذي تمثله المنظمات السياسية والشعبية والمهنية، والذي في تحريره ما يخفف معاناة الناس وآلام التحول إلى أقصى ما يمكن!!

لقد أوضحت التجربة التاريخية أن الإصلاحات الاقتصادية بوسائل غير ديمقراطية إذا كان ثمة جدية في إنجازها تفضي إلى قمع متعدد الوجوه، مما يحول المجتمع إلى ساحة لصراع دائم لا ينتهي، بينما التنمية السياسية وإطلاق الحريات هي خير بديل وتوفر المناخ الصحي لتحقيق الكفاءة الاقتصادية جنبا إلى جنب مع الكفاءة الاجتماعية، فلا يمكن تحريك الدورة الاقتصادية ومعالجة الركود والفقر وظاهرة البطالة وإيجاد فرص عمل لعشرات الألوف من خريجي الجامعات والمعاهد طالما لم تنشط حركة الاستثمار, وطالما لم نقتنع بحقيقة تقول إن مناخ الانفتاح والحرية والتعددية هو المناخ الوحيد القادر على تشجيع الاستثمارات المحلية وجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية.

وتقول تاليا إن لا مصلحة للمستثمرين في توظيف أموالهم وإقامة المشروعات الصناعية والزراعية طالما بقيت حالة الطوارئ والأحكام العرفية وطالما لم يطمئنوا لصحة المناخ السياسي وللمقومات التشريعية والعملية التي تكفل دولة المؤسسات وسيادة القانون.

مثلما لن تستقيم الدعوة لتحسين المستوى المعيشي للفئات الشعبية مع الإصرار على تغييب دورها السياسي، فالطبقات المحرومة سياسيا في خصوصية مجتمعنا السوري هي كذلك محرومة اقتصاديا, والنظام التسلطي لا يستأثر فقط بأشكال ممارسة الحكم وإنما أيضا بكيفية التصرف بالثروة العامة وطرق توزيعها.

ولعل من يدقق في التجربة العيانية السورية وخصوصية أسباب أزمتها, لا يحتاج إلى كبير عناء ليكتشف أن من العبث الرهان على نجاح أية خطط إصلاحية إذا لم تكن مسبوقة بإجراءات سياسية تطلق دور الإنسان وتحرره من القهر والوصاية, وتفضي إلى بناء حياة جديدة تقوم على قواعد من التعددية والمشاركة.

فليس ثمة قيمة نوعية لمواجهة تردي الأوضاع الاقتصادية وشلل أو ترهل الإدارة ومكافحة الفساد إذا نظرنا إليها كظواهر وأمراض متفرقة, وإذا لم نقرأها كنتائج ومخلفات متنوعة لداء رئيس تكثّفه سيطرة مستديمة أدت إلى تكبيل المجتمع وقضت على روح المبادرة والإبداع لديه وخنقت فاعليته ودوره في الرقابة والمحاسبة, ما يعني أن الحديث عن خطة اقتصادية جديدة لا يمكن أن يأتي أوكله في ظل استمرار البنية التكوينية السياسية القائمة على إقصاء المجتمع وتغييب دوره, جراء تمركز السلطة والثروة بيد نخبة حاكمة تستند إلى كتلة ضخمة من البيروقراطية المدنية والعسكرية مدعمة بأشكال من العلاقات المتخلفة العصبوية والمحسوبية.

إن الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعانيها البلاد صارت الشغل الشاغل للجميع وبات الإصلاح والتغيير ضرورة ملحة تمليها حاجات المجتمع السوري ومسارات تطوره، لكن طريقه إلى النجاح لا تمر عبر إجراءات فوقية متفرقة أو قرارات وخطط جاهزة تطبق هنا وهناك، ويجري، باستسهال مخيف، تبديلها وتغييرها تبعا لدرجات النجاح والفشل، بل عبر تبني إصلاح ديمقراطي شامل, سياسي وإداري وقضائي، تكون فاتحته إجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار برلمان حقيقي يعبر عن مصالح الشعب بكل قواه وتياراته.

ومثل هذا البرلمان هو خير من يتحمل مسؤولية التحول الاقتصادي وآثاره، وهو الأقدر على تحديد عوامل تفاقم الأزمة الراهنة وأسبابها ووضع خطة مناسبة للتجاوز، يمكنها اختصار دورة الآلام ومعالجة أمراض المجتمع ومشاكله المختلفة بصورة جدية وبتوافق وتضامن بين أوسع شرائحه وفئاته.
ــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة