عبد السلام بلاجي

- مكونات المشهد الإسلامي في المغرب
- منهج تدبير الحقل الديني في المغرب

تنامت منذ سبعينيات القرن العشرين صحوة دينية شملت كل ديانات العالم ومنها الإسلام، مما دفع بعض الباحثين في أواسط التسعينيات إلى التنبؤ بقرب اندلاع صراع حضاري على أساس ديني، وخصوصا بين حضارتي الإسلام و الغرب.

وهكذا أصبح عدد كبير من الدارسين وصناع القرار على المستوى العالمي والمحلي ينظرون إلى الإسلام وثقافته وشعوبه بخوف وتوجس، وظهر ما يمكن تسميته بالتدبير العالمي والمحلي للشأن الديني الإسلامي بفعل عولمة "الحرب على الإرهاب".

وسنعالج هذه الظاهرة من خلال نموذج بلد إسلامي هو المغرب في مجال تدبير الحقل أو الشأن الديني، خاصة بعد تعرضه لأعمال إرهابية مريعة ومفاجئة يوم 16 مايو/أيار 2003.

"
مؤسسة إمارة المؤمنين تشكل -رغم انتقادات بعض العلمانيين لاختصاصاتها- صمام أمان للمجتمع باعتبارها مؤسسة محايدة وغير متحزبة ولا متحيزة في مجال حساس يهم كل المغاربة
"
مكونات المشهد الإسلامي في المغرب
انتشر الإسلام من خلال المغرب إلى أعماق أفريقيا السوداء، وامتد شمالا إلى أوروبا الغربية (إسبانيا والبرتغال وفرنسا..) وهذا ما جعل الأوساط الأوروبية تضع في إستراتيجيتها هدف تحجيمه.

ولا يزال النفوذ الروحي المغربي في أوروبا وأفريقيا يشكل هاجسا لدى بعض القوى الدولية إلى حد الآن، مما جعل الصحوة الدينية في المغرب شأنا إقليما ودوليا أكثر منه شأنا محليا.

وقد شكلت الحركات الإسلامية التي برزت في المغرب في نهاية القرن العشرين أحد الانشغالات الأساسية للمراقبين في الداخل والخارج.

ويتميز المشهد الإسلامي في المغرب بتعدد الأطراف الفاعلة، ومن أهمها:
1- إمارة المؤمنين: إذ يتمتع الملك في المغرب بوصف أمير المؤمنين دستوريا وتاريخيا، وهو ما يحمله مسؤولية حماية الدين الإسلامي بواسطة المؤسسات العديدة التابعة له مثل: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية ودار الحديث الحسنية وجامعة القرويين وشُعب الدراسات الإسلامية وبعض الجهات شبه الرسمية مثل جمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية.

ويقضي العرف الدستوري بتبعية كل ما له طابع ديني للملك الذي يصدر في شأنه قوانين خاصة تسمى ظهائر (واحدها ظهير) دون المرور عبر البرلمان.

وقد شكلت مؤسسة إمارة المؤمنين، رغم انتقادات بعض العلمانيين لاختصاصاتها، صمام أمان للمجتمع باعتبارها مؤسسة محايدة وغير متحزبة ولا متحيزة في مجال حساس يهم كل المغاربة.

2- العلماء: قام العلماء بأدوار رائدة وكبيرة عبر تاريخ المغرب، لأنهم كانوا يبايعون الملوك وينزعون عنهم السلطة، كما قاموا برعاية أعمال الجهاد في فترات ضعف الدول المغربية، والمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني في النصف الأول من القرن العشرين.

وبعد الاستقلال أسسوا رابطة علماء المغرب سنة 1960، وكانت تمثل جماعة ضغط قوية ضد مظاهر الفساد والانحراف الأخلاقي، بل وصدرت عن مؤتمراتها توصيات وبرامج ومقترحات تنتظم كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ويتبين للدارس أن أدبياتها لا تقل عن برامج أي حركة إسلامية، بحيث يمكن القول إنها كانت تمثل مشروع حركة إسلامية، ولا تنقصها إلا الأطر التنظيمية والقواعد الشعبية.

وفي سنة 2006 صدر ظهير ملكي يحول الرابطة من جمعية للعلماء إلى مؤسسة علمية بحثية تسمى الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، ويعين الملك أعضاءها ورئيسها.

3- الزوايا والطرق الصوفية: قامت الزوايا والطرق الصوفية بأدوار حاسمة في تشكيل تاريخ المغرب، ذلك أن معظم دول وأنظمة المغرب أو العائلات الحاكمة كانت في الأصل زوايا وأربطة دينية وطرقا صوفية إصلاحية.

وتقوم بعض الطرق الصوفية الآن بتأطير عدد وافر من المغاربة، بل وعدد هام من مواطني دول أخرى في أفريقيا وأوروبا، وتعتبر التيجانية والقادرية والدرقاوية والبودشيشية من أهم الزوايا والطرق الصوفية حاليا.

وإذا اعتبرنا حركة العدل والإحسان امتدادا للطريقة البودشيشية ورغبتها في اقتفاء موروث الحركات الصوفية التغيرية في المغرب، وإذا استحضرنا تأطير الطريقة البودشيشية لشرائح مهمة من النخب في مختلف المواقع، أمكننا أن ندرك أهمية الحضور والتأثير الصوفي حاليا ومستقبلا في المغرب.

ويمكن إلحاق جماعة الدعوة والتبليغ بالحركات ذات التوجه الصوفي نظرا لاقتصارها على التربية الروحية.

4- الحركات الإسلامية المعاصرة: قامت هذه الحركات في نهاية العقد السادس من القرن العشرين كرد فعل على الامتداد اليساري الذي اكتسح المغرب بعد الاستقلال لملء الفراغ الذي أحدثه قصور جهاز العلماء في مجال الدعوة والإصلاح الاجتماعي.

وعلى الرغم من الاحتكاك العنيف مع بعض فصائل اليسار، فإن الحركة الإسلامية عموما أدت دورا بارزا في الإصلاح الاجتماعي واستقرار النظام السياسي.

وتعتبر حركة التوحيد والإصلاح وحركة العدل والإحسان حاليا أهم فصائل الحركة الإسلامية، ورغم اختلاف نظرتهما إلى مناهج وطرق الإصلاح، فإنهما تتقاسمان الإيمان بالإصلاح السلمي والعمل العلني ونبذ العنف.

وهناك حركات إسلامية أخرى ذات توجهات سياسية أو تربوية ولكن تأثيرها ضعيف أو محدود. كما برزت منذ بداية التسعينيات توجهات تدعو إلى السلفية العلمية وأخرى إلى السلفية الجهادية تأثرا بما وقع في أفغانستان ومصر والجزائر وغيرها من الأقطار الإسلامية.

وتعتبر هذه التوجهات تيارات أكثر منها تنظيمات مهيكلة وطنيا، ومن هنا قد تأتي خطورة بعضها نظرا لاعتمادها على أسلوب التنظيم العنقودي المحدود عدديا.

"
الوحدة المذهبية، وإن كان لها بعض الآثار السلبية على التنافس والاجتهاد العلمي الشرعي، فإن لها إيجابية لا تنكر وهي ضمان انسجام ووحدة المغاربة
"
منهج تدبير الحقل الديني في المغرب
ينص دستور المغرب على إسلامية الدولة، وعلى عدم قابلية تعديل أو تغيير هذه الصفة، وعلى كون الملك أميرا للمؤمنين، كما دأبت الدولة في خطابها الرسمي على تأكيد كون تدبير الحقل الديني من اختصاصها وحدها باعتباره حقا دستوريا حصريا لأمير المؤمنين.

وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية وأحداث 16 مايو/أيار 2003 في الدار البيضاء، شمل تدبير الحقل الديني المغربي إصدار قانون لمكافحة الإرهاب، وقانون تنظيم التعليم العتيق (وهو الاسم الذي يطلق على التعليم الإسلامي في المغرب)، وآخر لتنظيم بناء المساجد وأماكن العبادة، وإعادة هيكلة كل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمجالس العلمية والإفتاء، ودار الحديث الحسنية (مؤسسة جامعية إسلامية عليا)، وإغلاق عدد من المصليات الصغرى، وزيادة تخريج وإدماج المرشدات الدينيات للنساء في المساجد عام 2006.. وغير ذلك من التدابير.

ويمكن تلخيص أهم ملامح تدبير الحقل الديني بالمغرب فيما يلي:
1- سمو إمارة المؤمنين: بحيث تعتبر هذه المؤسسة هي المرجعية الإسلامية العليا للشعب، وهي التي تقدم التفسير والتأويل المعتمد للدين، وهي التي ترجح الاجتهاد اللازم اتباعه (كما حدث في مدونة الأسرة مثلا).

وهذا السمو مستمد من الفقه الإسلامي عموما، وخصوصا الفقه المالكي المعتمد رسميا في المغرب، والذي يقرر أن رأي أو حكم الحاكم يرفع الخلاف في الأمور الاجتهادية.

2- وحدة المذهب المالكي: يتميز المغرب على عكس عدد كبير من الدول الإسلامية في الشرق بوحدة الدين الإسلامي والمذهب المالكي، وهذه الوحدة المذهبية وإن كان لها بعض الآثار السلبية على التنافس والاجتهاد العلمي الشرعي، فإن لها إيجابية لا تنكر وهي ضمان انسجام ووحدة المغاربة.

ورغم أن الدولة نفسها تقتبس آراء وأحكاما من المذاهب الفقهية الأخرى، فإنها تعتبر ذلك من خصوصيات إمارة المؤمنين التي تدمج هذه الآراء والأحكام في نطاق المذهب المالكي.

ولذلك فالدولة حريصة في نطاق تدبيرها للحقل الديني على إقصاء كل التيارات والتوجهات التي تحاول المس بوحدة المذهب المالكي بأي شكل من الأشكال. وتعتبر الالتزام بالمذهب شرطا لإسناد الوظائف الدينية للأفراد، والسماح بالعمل للجماعات والجمعيات والحركات الإسلامية.

3- مغربة الدين: دأب الخطاب الرسمي على التأكيد أن الإسلام له بعد مغربي ينبغي المحافظة عليه والالتزام به، ويعتبر العنصران السابقان (إمارة المؤمنين والمذهب المالكي) من مكونات هذه المغربة.

وعلى هذا الأساس ترفض الدولة كل توجه إسلامي ذي طبيعة أممية، ولعل هذا من أسباب عدم انخراط الحركات الإسلامية الكبرى بالمغرب في أي تنظيم عالمي مثل الإخوان المسلمين وغيرهم، ولعله كذلك يفسر انحسار بعض التوجهات التي خالفت هذا التوجه العام (التوجه الثوري الإيراني وتنظيم الطلائع الماركسية الثورية..).

ومما رسخ مبدأ المغربة أن المغرب منذ دخوله الإسلام كون دولته المحلية، ولم يخضع لا للعباسيين قديما ولا للعثمانيين حديثا.

4- تحديد وظائف العلماء وتنظيم الفتوى: حاصرت الدولة المبادرات المستقلة للعلماء، ونظمتهم في نطاق مجالس علمية محدودة الاختصاصات والأدوار، فهي لا تفتي إلا في مجال ضيق وفي القضايا الفردية، كما تذيل فتواها بما يفيد بأنها غير ملزمة إلا في أضيق الحدود تلافيا لأي تنازع مع سلطات القضاء والإدارة.

كما أن رابطة علماء المغرب عرفت انحسارا متواليا لدورها حتى تحولت مؤخرا إلى مؤسسة تابعة مباشرة للملك، بعد ما كانت جمعية مستقلة لها هياكلها ومواقفها المتميزة والمنتقدة للدولة أحيانا ولو في احتشام.

ويعتبر توجس الدولة من دور العلماء وسعيها لتحجيمه نقطة ضعف كبرى في منهج تدبير الحقل الديني، لأنه يفسح المجال لأدعياء العلم والمشيخة والمتطفلين لاكتساح مجال الإفتاء والانتشار الشعبي في غيبة العلماء الراسخين والمعتدلين، مما قد يسمح بانتشار تطرف الشباب في وقت تكبح فيه الدولة العلماء ومؤسساتهم الرسمية وغير الرسمية بأنواع من الضوابط والقيود.

"
توجس الدولة من دور العلماء وسعيها لتحجيمه أصبح نقطة ضعف كبرى في منهج تدبير الحقل الديني، لأنه يفسح المجال لأدعياء العلم والمتطفلين لاكتساح مجال الإفتاء في غيبة العلماء الراسخين والمعتدلين، مما قد يسمح بانتشار تطرف الشباب
"
5- إشراف الدولة على الشعائر الدينية: تشرف الدولة على تنظيم الشعائر الدينية: مثل شؤون المساجد والخطباء والوعاظ والصوم والحج والإفتاء، وذلك بواسطة وزارة الأوقاف، والمجالس العلمية، والرابطة المحمدية للعلماء.

وقد أعيدت هيكلة هذه المؤسسات جميعها مركزيا وجهويا وإقليميا، وتمت تقويتها بشريا وماديا لمواكبة كل التغيرات والتطورات، وذلك بما يضمن حيادية العبادات والمساجد وعدم تحزبها أو توظيفها لفائدة جهة من الجهات.

كما تم توسيع مشاركة العنصر النسائي في مجال الوعظ والإرشاد الديني، خصوصا بعد ظهور حالات من التطرف والإرهاب في صفوف النساء.

وقد ساعدت الحركات الكبرى في حيادية المساجد، وخصوصا حركة التوحيد والإصلاح التي حظرت على الخطباء والوعاظ المتعاطفين معها من الترشح للمؤسسات المنتخبة، أو استعمال المساجد كمنابر للدعاية للمرشحين والمنتخبين المقربين منها.

6- تنظيم التعليم الديني: بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 والحملة الإعلامية الأميركية على المدارس القرآنية في العالم، سارع عدد من البلدان ومن بينها المغرب إلى إعادة تنظيم ومراقبة المدارس العتيقة والكتاتيب القرآنية، فصدر قانون التعليم العتيق في المغرب سنة  2002 لتنظيم الترخيص لهذا النوع من التعليم ومناهجه ومواده وضبط عمليات التفتيش والشهادات والتوظيف.. وغيرها، وهي أمور إيجابية في مجملها رغم بعض النقائص التي يمكن تداركها وتعديلها مستقبلا.

7- منع تأسيس أحزاب سياسية على أسس دينية: منع قانون الأحزاب السياسية لعام 2005 تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو لغوية أو عرقية أو جهوية.

و رغم الجدل السياسي الكبير لم يمنع القانون استناد الأحزاب إلى المرجعية الإسلامية باعتبارها مرجعية دستورية للدولة نفسها وأحد مقوماتها الأساسية.
__________________
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة