بقلم: عبدالوهاب الأفندي*

-حسم أهم الخلافات
-صعوبات المضي في تطبيق الاتفاق

لقيت اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في العاصمة الكينية نيروبي في العشرين من الشهر الجاري ترحيبا واسعا محليا ودوليا مقابل تحفظات من بعض الجهات، أبرزها مصر وبعض فصائل المعارضة الشمالية.

وقد بنيت ردود الفعل المتباينة هذه على افتراض مشترك، وهو أن هذه الاتفاقية قد حسمت الخلافات الرئيسية بين أطرافها وأنها قابلة للتطبيق على الأرض. ولكن هذا الافتراض ليس له ما يسنده على أرض الواقع.

حسم أهم الخلافات


يبدو أن اتفاقية الإطار المعروفة ببروتوكول ميشاكوس قد حسمت أهم الخلافات التي فرقت بين الطرفين زمنا، وهما قضية الدين والدولة وقضية حق تقرير المصير للجنوب
من الناحية النظرية يبدو فعلا أن اتفاقية الإطار المعروفة بمسمى "بروتوكول ميشاكوس" (نسبة إلى ضاحية العاصمة الكينية التي عقدت فيها الاجتماعات) قد حسم أهم الخلافات التي فرقت بين الطرفين زمنا، وهما قضية الدين والدولة وقضية حق تقرير المصير للجنوب.

فقد كانت حركة التمرد الجنوبية ترفض بإصرار منذ إعلانها الحرب في عام 1983 أي تعايش مع قوانين الشريعة الإسلامية باعتبار إصدار تشريعات ذات طابع ديني يحول في عرفها غير المسلمين إلى مواطنين من الدرجة الثانية. ومنذ عام 1992 جعلت الحركة مطلب حق تقرير المصير للجنوب أحد مطالبها الرئيسية. من جانبها فإن الحكومة رفضت المطلبين على أسس مبدئية، حيث إنها أعلنت أنها لن تفرط في وحدة السودان ولا في سيادة الشريعة.

وقد أدى هذا الإصرار إلى انهيار المفاوضات التي ترعاها دول منظمة التنمية ومكافحة الجفاف (الإيغاد) عام 1994. وكان السبب المباشر في انهيار المفاوضات شعور الحكومة بأن الوسطاء قد انحازوا لمطالب التمرد حين قاموا بصياغة "إعلان مبادئ" طلب من الطرفين الموافقة عليه. وقد خير الإعلان الطرفين بين التراضي على إقامة دولة علمانية ديمقراطية أو السماح للجنوب بالانفصال، وقد رفضت الحكومة في وقتها الوثيقة مما أدى إلى انهيار المفاوضات.

وأسهم توتر العلاقات بين السودان ودول الوساطة إلى ركود في جهود الوساطة استمر قرابة ثلاث سنوات. وبلغ الأمر بدول الوساطة، وخاصة إريتريا وأوغندا، أنها قررت وبصورة شبه علنية المشاركة مباشرة في جهود المعارضة المسلحة لإسقاط النظام، وهي الجهود التي بلغت ذروتها في مطلع عام 1997.

ولكن فشل جهود إسقاط النظام وتوقيع اتفاقية الخرطوم في أبريل/ نيسان 1997 بين الحكومة وفصائل من حركة التمرد على قاعدة الاعتراف بتقرير المصير وتقديم تنازلات مهمة في مسألة الدين والدولة (مثل الاعتراف بالمساواة في المواطنة للجميع والنص على عدم إجازة أي قوانين تنعكس سلبا على الأقليات الدينية) أحدثا تغييرا في المعادلات ودفعا إلى استئناف المفاوضات في يوليو/ تموز 1997 على أساس قبول الحكومة بإعلان المبادئ.

وكان هذا في حد ذاته يمكن أن يعتبر اختراقا كبيرا، فإعلان المبادئ لا يختلف كثيرا عما نص عليه بروتوكول ميشاكوس، حيث إنه يلزم الحكومة بتحديد إطار علماني للدولة حتى في الفترة الانتقالية، كما يلزمها بمنح الجنوب حق تقرير المصير.

ولكن الجديد في بروتوكو ميشاكوس هو قبول الحكومة بصورة للفترة الانتقالية تسمح بوضع شبه مستقل للجنوب، وبإطار علماني للدولة الفدرالية. وفي المقابل، يقبل الجنوبيون بتطبيق الشريعة في الشمال وبتمديد الفترة الانتقالية التي تسبق الاستفتاء على انفصال الجنوب لست سنوات بدلا من أربع كما كان المقترح الأصلي.

الشريعة والانفصال
نظريا كما ذكرنا فإن هذه الاتفاقية تبدو كما لو أنها حسمت أكثر الخلافات تعقيدا وحساسية، وهما الشريعة الإسلامية وحق انفصال الجنوب. ومن هنا فإن الحكومة المصرية تكون محقة في تحفظاتها عليها، لأن هذه الاتفاقيات تجسد أسوأ مخاوف النظام المصري: انفصال الجنوب وقيام نظام إسلامي يحكم بالشريعة على حدود مصر الجنوبية.

ويسعى المسؤولون السودانيون إلى طمأنة مصر بالقول إن انفصال الجنوب ليس حتميا، هذا مع العلم بأنه لم يحدث في التاريخ أن استفتي شعب على الاستقلال واختار غيره، ويكفي إجماع القوى السياسية السودانية على الاستقلال عن مصر في عام 1956 رغم أن الحزب الحاكم وقتها كان كسب الانتخابات تحت شعارات وحدة وادي النيل.

صعوبات المضي في تطبيق الاتفاق

ولكن هذه ليست الإشكالية الكبري في بروتوكول ميشاكوس، فالعلة ليست في نتائجه المحتملة بل في صعوبة المضي في تطبيقه واقعا. صحيح أن الاتفاق على المبادئ يمهد الطريق إلى الاتفاق على الخطوات العملية. ولكن هذا يتطلب أن يتحول الطرفان الموقعان إلى حليفين يتعاونان سياسيا لتطبيق برنامج سياسي مشترك، وهو أمر تعوقه أمور كثيرة، أبرزها التناقض الكامل بين البرنامج السياسي لكل منهما. وقد ظهرت بعض هذه العقبات بعد ساعات فقط من توقيع الاتفاق، حيث قدم الطرفان تفسيرات متباينة لمقتضى الاتفاق، فنفت الحكومة وأكدت الحركة أن الاتفاق يلزم الطرفين بإطار علماني للدولة الاتحادية.


ظهرت بعض عقبات تطبيق الاتفاق بعد ساعات فقط من توقيعه، حيث قدم الطرفان تفسيرات متباينة لمقتضى الاتفاق، فنفت الحكومة وأكدت الحركة أن الاتفاق يلزم الطرفين بإطار علماني للدولة الاتحادية

بخلاف ذلك ماتزال هناك خلافات عالقة حول أمور أساسية، مثل توقيت وقف إطلاق النار (الحكومة تريده فوريا والمتمردون يرفضون) وترتيبات الحكم الانتقالية (المتمردون يريدون سيطرة كاملة على الجنوب وانسحاب الجيش الحكومي منه، إضافة إلى قيام حكومة قومية تضم كل الأطراف في المركز، والحكومة لا توافق) وحتى تعريف الجنوب نفسه (المتمردون يصرون على أن يشمل تقرير المصير مناطق جبال النوبة وجنوبي النيل الأزرق، وهي تتبع للشمال جغرافيا). من الممكن بالطبع التوصل إلى حلول وسط لمعظم هذه الخلافات، وهناك جهود حثيثة في هذا المضمار.

قومية الجيش
ولكن هناك مسائل يبدو من الصعب جدا الوصول إلى حل وسط فيها. هناك مثلا قضية "قومية الجيش". حركة التمرد ترفض اعتبار الجيش الحكومي جيشا قوميا وتراه "مليشيا" للإسلاميين.
والحل عندها أن يدمج الجيشان، وهو أمر أشبه بخلط الزيت والماء، فوق أنه يسيس الجيش ويحوله إلى ساحة صراع سياسية، فاتحا الباب إلى مطالب من قبل الأحزاب والمجموعات العرقية الأخرى بحصة في الجيش! هناك أيضا موقع القوى السياسية الأخرى على الخريطة السياسية.

الجيش الشعبي يريد الانفراد بحكم الجنوب دون السلطة المركزية وأيضا دون المليشيات والقوى السياسية الجنوبية المنافسة، كما أنه يريد لحلفائه الشماليين موقعا سياسيا يرضيهم. وهذه تمثل معضلة مزدوجة للحكومة، حيث إنها تفرض عليها التخلي عن حلفائها الجنوبيين الذين وقفوا معها بصلابة ضد التمرد، كما تفرض عليها (إذا قبلت) السماح لخصوم ألداء بمشاركتها في السلطة بعد أن ظلت تجتهد خلال 13 عاما لإقصائهم بكل وسيلة ممكنة.

حلف الدكتاتوريات
وهذه النقطة الأخيرة هي بيت القصيد. فلو أن الحكومة قررت بالفعل القبول بمشاركة الآخرين لها في السلطة، ولم تعارض في مطلب المعارضة الرئيسي بفتح الباب للتنافس المتكافئ عليها، فإن كل القضايا الأخرى لن تعدم حلا. ولكن لب المسألة عند الطرفين المتحاربين هو إصرار الزعامات في كليهما على الانفراد بالأمر دون المنافسين، وعدم القبول بالمنافسة الحرة.


زعيم التمرد جون قرنق أعدم وسجن وشرد المئات من خصومه السياسيين وكسب لنفسه عداوات فئات سياسية وجماعات قبلية وعرقية بحيث إنه لن يكون واثقا من كسب انتخابات حرة في الجنوب. الحكومة بالمثل تجتهد في إقصاء كل خصم سياسي والكيد له، حتى وإن كان حليفا سياسيا
زعيم التمرد جون قرنق أعدم وسجن وشرد المئات من خصومه السياسيين وكسب لنفسه عداوات فئات سياسية وجماعات قبلية وعرقية بحيث إنه لن يكون واثقا من كسب انتخابات حرة في الجنوب. الحكومة بالمثل تجتهد في إقصاء كل خصم سياسي والكيد له، حتى وإن كان حليفا سياسيا، شأنها مع الفصائل الجنوبية والشمالية التي وقعت معها اتفاقيات خلال الأعوام القليلة الماضية ولم تسلم من تآمر الحكومة لتدبير الانشقاقات في صفوفها. وحرب الحكومة على أنصارها السابقين من الإسلاميين ممن انشقوا عليها ليست سرا.

هذا الوضع دفع ببعض المعارضين للتعبير عن مخاوفهم بقيام "حلف الدكتاتوريات" بين قرنق والبشير، حيث يستبد الأول بالجنوب والثاني بالشمال، ويقتسمان ما بينهما، تاركين بقية الفصائل لمصيرها. وهذا احتمال غير مستبعد، سوى أنه يتطلب أن يتعاون طرفان لا يجمع بينهما جامع من أجندة مشتركة، كما أنه يستدعي تواطؤ المجتمع الدولي. وأهم من هذا كله أنه لن يؤدي إلى سلام أو استقرار، لأن الصراع سينتقل من ساحة إلى ساحة.

ولكن المرجح أن هذا الحلف الاستبدادي لن يقوم، بسبب ضعف الثقة بين الطرفين. فإذا لم يكن من الممكن عقد مثل هذا التحالف، ولم يبدر ما قد يوحي بأن الحكومة على استعداد لمشاركة حقيقية في السلطة وللتخلي عنها مستقبلا، فإن أي آمال (أو مخاوف) تعقد على تحول اتفاق الإطار إلى صفقة متكاملة تعيد السلام للبلاد تكون سابقة لأوانها.

الضغوط الأجنبية
الضغوط الأجنبية من أجل التوصل إلى حسم سريع للحرب، وخاصة من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ودول الجوار سوف تكثف دون شك في الأيام القادمة، وخاصة مع جولة المفاوضات القادمة المنتظر أن تبدأ في الثاني عشر من أغسطس/ آب القادم. العالم مل من حرب الجنوب التي تطاولت قرابة عقدين من الزمان وحركت قوى سياسية كثيرة وفاعلة لم تعد تتحمل استمرارها.

ولكن أكثر ما تخافه الحكومة من الضغوط الخارجية هو تهديد قبضتها على الحكم، أما إذا كانت هذه الضغوط تفرض على الخرطوم إجراءات تهدد سلطتها فإن النظام سيكون بالخيار: إما الاستسلام للضغوط والدخول في خطوات تكون خاتمتها تسليم السلطة، أو المواجهة. وحتى هذه اللحظة ليس هناك في الخرطوم ما يبشر بأن الحكومة على وشك فتح الباب للمشاركة الفاعلة من قبل المعارضة في السلطة، ناهيك عن أن تكون فكرت في التخلي عنها لـ "حكومة انتقالية" كما تطالب المعارضة والمتمردون. وهذا يعني أن الطريق إلى السلام لا يزال طويلا.

_______________
*كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن

المصدر : غير معروف