فاتح كريكار

في أجواء الأمية الفكرية تحيط الهالة القدسية المُثل الأيديولوجية والشعارات الثورية، بغض النظر عن ماهية الإيديولوجية، فيسهل للحزبي المختبئ وراء الشعارات توظيف الطاقات الهائجة المثارة لأهدافه مجانا، لأن المنتفعين الذين حوله يبرزونه نموذج الاقتداء!

ولأن كل أمر حزبي يظل سرا فلا مجال أمام ظان السوء، بل الظانون سيدخلون لا محالة خانة الأعداء لأنهم يمثلون الطابور الخامس الذي يضعف الثورة ويعادي حزب الشعب الطليعي!

وفي أجواء كهذه أيضا ترفع خصومة الأعداء -بمعاناة الوسط- الخط البياني الحزبي، فيختل التوازن وتزاغ الإبصار فيرى الوسط لسذاجة تفكره وغبش رؤيته أن الحزب هو ممثله الأوحد في لعبة استرداد الحقوق وإعادة التوازن, لأن كل ظلم وقع على الوسط ولد لصالح الحزبي مزيدا من الانفجار فاستغله, وأصبحت الأيديولوجية الحزبية ورفع الحيف عن الوسط عند الوسط شيئا واحدا! وحيلة الحزبي هنا!

هذه قاعدة تنطبق على الثورات الماركسية والحركات الشيوعية، كما تنطبق على الجهاد والحركات الإسلامية، وعلى الثورات القومية وأحزابها.

"
عندما يشعر الحزبي الفاشل حركيا يعود إلى الإيديولوجيا وهالتها القدسية في عقل جمهوره الباطن والمخاطر التي تواجهها إذا لم يتبن الوسط مواقف الحزب من جديد!!
"
عندما يشعر الحزبي الفاشل حركيا يعود إلى الإيديولوجية وهالتها القدسية في عقل جمهوره الباطن والمخاطر التي تواجهها إذا لم يتبن الوسط مواقف الحزب من جديد!!

فالشيوعي الحائر فكريا (مثل مجيد موسى في العراق) عندما يتبنى خطة الامبريالية الأميركية ويدخل مشروعها الرأسمالي النفعي، ثم يخسر قواعده، يعود إلى الوسط اليساري من جديد فيثيرهم أيديولوجيا لكي يوظف الطاقات الجديدة لترسيخ موقفه! ليجمع بالفكر ويصرفه على الحزب!!

والإسلامي الخائر حركيا (مثل طارق الهاشمي في العراق) عندما يتبنى خطة الكافر المحارب ويدخل في مشروعه الكفري، ثم يخسر قاعدته العقائدية، يعود إلى الوسط الإسلامي فيثير فيهم الهمة والغيرة والحمية للدفاع عن الإسلام!! وهو يقصد هنا مشروعه المشترك مع الاحتلال.. هذا أيضا يجمع بالإسلام ويصرفه لحزبه!!

وهكذا حال القومي العربي (البعثي والناصري) وبالتأكيد القومي الكردي (الطالباني والبارزاني) أيضا.. ونحن هنا نتكلم عن موقف صار دليلا على فشل الحزبين الكرديين العراقيين "رغم أنفهما" ونخص الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني بالذكر لأن موضوعنا يتعلق بحركته البهلوانية الأخيرة في قراره إنزال العلم العراقي في كردستان، رغم أن قراره لا يتخطى مجال حكم حزبه.

في الملف الكردي اختلطت ثلاث أوراق: الحب الغريزي وتراكمات المظالم والقومية العلمانية الغربية الوافدة، لكن الذي وفر الطاقات لم تكن العلمانية الغربية!

فهي غريبة عن الشعب الكردي وإلى الآن، بل الحب الغريزي لدى الإنسان الكردي كأي إنسان آخر يحب قومه ويريد الانتصار لبني جلدته إن ظلموا، غريزة، إضافة إلى إحساسه (وهذا إحساس كل كردي خلال السنين المائة الأخيرة) بألوان الظلم الواقع عليه بسبب انتمائه القومي.

فلو ظهر كردي في زمن صدام حسين مثلا للقوات الخاصة ليلا في أربيل أو السليمانية أو دهوك كان يقتل أو يسجن أو يهان دون أن يسأله العسكري العربي البعثي أين كان؟ أخرج من اجتماع حزبي أم من المسجد؟ أكان في حانة خمر أم في تكية صوفية؟! هذا ما كنت أراه منذ تفتحت عيناي وشعرت بما يجري حولي وأنا تجاوزت الآن من العمر 50 سنة!

"
بسبب ما كان يشعر به الأكراد من ظلم متراكم وما يعانونه من الخصم العنيد صارت الثورة الكردية وحزبها الأوحد (الحزب الديمقراطي الكردستاني حتى العام 1975) الملجأ والأمل لحماية الذات وتحقيق الآمال
"
بسبب ما كان يشعر به الأكراد من ظلم متراكم وما يعانونه من الخصم العنيد صارت الثورة الكردية وحزبها الأوحد (الحزب الديمقراطي الكردستاني حتى العام 1975) الملجأ والأمل لحماية الذات وتحقيق الآمال، حتى عندما تشتت الجهد بظهور أحزاب أخرى ظل الملجأ والأمل هو الثورة والحزب.

فكانت اتفاقية 1971 بين الثورة الكردية وحزبها الأوحد بزعامة ملا مصطفى البارزاني نصرا، وكانت انتفاضة 1991 نصرا.. ثم خطة أميركا وبريطانيا الأمنية لكردستان كمنطقة آمنة فرصة! فظنها القومي الكردي الساذج خطوة أمل نحو حلمه التاريخي في بناء دولته!

ولم يكن يعرف -لسبب أميته الفكرية، والهالة القدسية التي كانت حول مثله الأيديولوجية وشعاراته الثورية دون قراءة لحقيقة الأحداث- أن هذا حمل كاذب!

ظل الكردي خلال أعوام 1991-2003 لسذاجته وغبش رؤيته يعتقد أنها فرصة لـ(تحقيق الذات) فكان ينتظر من الحزبين اللعوبين (الاتحاد الوطني/ الطالباني والحزب الديمقراطي/ البارزاني) تحقيق الآمال التاريخية للشعب الكردي كله وليس لأكراد العراق فقط!!

ولم يكن يعرف أن الحزبي الماكر (قيادة الحزبين) يتحرك من خلال خطة غيره وفق أجندة أخرى وتحريكه لعواطف الشعب وراءه أهداف أخرى!

اليوم وقد مضى 15 عاما على (فرصة تحقيق الذات)! يشعر الأكراد بالإحباط لأنهم ناضلوا من أجل لحيتهم! فضيعوا الشوارب أيضا! كما يقول المثل الكردي..

فلم تظهر الدولة الكردية، وقد ظهرت خلال نفس الفترة عدا الدول التي انفصلت من الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية القديمة، ظهرت دول أخرى مثل أريتريا التي قامت مثل كردستان بثورتها عام 1961 وبقيادة الزعيم الوطني حامد عواتي، الذي كان يشبه الزعيم الوطني الكبير مصطفى البارزاني، وصارت في أريتريا مثل كردستان انتفاضة وحرية منذ 1991 لكن أريتريا أصبحت عام 1994 رغم فقرها دولة وأكراد الحزبين تقاتلا بينهما نيابة عن تركيا وإيران خلال تلك الفترة!والغريب أنهما اعترفا قبل شهرين بأن عدد قتلى المعارك والمواجهات التي حصلت بينهما بلغ 36 ألف قتيل كردي!!

ثم أصاب الحزبان الأكراد جميعا بالإحباط عندما أصدر برلمانهما عام 1992 قرار شن الكردي العراقي الحرب على الكردي التركي! فتعاون الحزبان مع الجيش التركي لاستئصال شأفة الحزب!! بدل أن تصبح كردستان العراق مثل مصر المحررة منطلقا للأجزاء الأخرى نحو الاستقلال القومي الموهوم!!

أما الفدرالية فلم تكن مطروحة أصلا قبل مؤتمر فيينا عام 1990, وقد قدم وفد الاتحاد الوطني يومها هناك موضوع الفدرالية لإحراج مسعود البارزاني وحزبه الذي ارتضى بالحكم الذاتي.

وما يطرحونه اليوم لا يمت إلى عالم الإدارة السياسية بصلة! لان الزعيم الكردي العراقي يقول للعراقي (حصتي لي وآكل مع حصتك، كردستاني لي تمكث فيها أياما بالإقامة وعراقك الجغرافي كله لي وطن، وأنا لست مع عراقك الحضاري وأنت الممنون)!!!

لم يدر الأكراد القوميون السذج أن حريتهم خلال الـ15 سنة المنصرمة كانت خطة أميركية بريطانية مع قادة الأكراد، كان من ثمنها التخلي عن كركوك وبتروله!

"
لم يدر الأكراد القوميون السذج أن حريتهم خلال الـ15 سنة المنصرمة كانت خطة أميركية بريطانية مع قادة الأكراد، كان من ثمنها التخلي عن كركوك وبتروله! "
ولذلك يتم تعويضهم اليوم بغيره (شركة نرويجية تشرف على استخراج البترول في منطقة زاخو الواقعة تحت سيطرة الحزب الديمقراطي، وشركات تركية وكندية تستخرج البترول من مناطق كرميان الخاضعة لسيطرة الاتحاد الوطني). 

شعر الكرد بخيبة أمل بعد مضي السنين الـ15 عليهم ولم يحقق الحزبان الحاكمان إدارة واحدة ولو على مستوى قضاء أو ناحية! والغريب أن قادة الحزبين اجتمعا 98 مرة خلال 1994-2001 ولم يستطيعا تبادل الأسرى والمهجرين فيما بينهما! (هجر الحزب الديمقراطي من مناطقه 625 أسرة من أتباع الطالباني وهجرت جماعة الطالباني 824 أسرة تابعة لجماعة البارزاني) حتى بعد الاحتلال كان الحزب الديمقراطي يعين قائمقاما في قضاء ما ويعين الاتحاد الوطني آخر معه، وحكومة الاحتلال تعين ثالثا!! وما زال الحال على منوالها في أطراف كركوك!!

فشلت القومية الكردية في بناء الدولة، وفشلت في بناء الفدرالية، وفشلت في ضم كركوك وغيرها من المناطق المعربة إلى رقعة إمبراطوريتيها! وفشلت في توحيد الإدارتين الكرديتين، حتى أصبح الكردي يذكرهما بعبارة إدارة (المملكة البارزانية الكردية الديمقراطية الفدرالية) وإدارة (اتحاد الجماهيرية الكرستانية الاشتراكية العظمى)!!

وفشلت القومية الكردية على أيدي زعماء الحزبين الكرديين العراقيين في بناء الشخصية الكردية المتزنة! لأنها أصابتها ازدواجية المعايير، فكانت توجه الشخصية الكردية من أجيالها الثلاثة على معاداة العرب والعربية وتربيها على حب الانفصال، لكن عندما سنحت الفرصة للانفصال (بنظر الكردي القومي العاطفي الساذج) تبنت مواقف حزبية وسياسية متذبذبة!

فرأى الكردي قادته القوميين منافقين سياسيين، رآهم يلتفتون إليه يدغدون مشاعره القومية ويتبرؤون من عراقية الانتماء، ثم يلتفتون إلى العراق فيأكلون على مائدته!! وعندما يعترض أحدهم تجرجر روحه بين سجن ومعتقل كرديين!! وعند كل من الحزبين وزارة خاصة بحقوق الإنسان!! ويوجد باعتراف الإدارتين 11 ألف سجين! منهم أبو خبيب وليد زاخولي الذي أكمل سنته السادسة في سجون الحزب الديمقراطي الكردستاني دون محاكمة أو توجيه تهمة! وقد قل وزنه إلى أقل من 50 كلغم!!

أما الذين اعتقلوا في المظاهرات الأخيرة في السليمانية فيرون الأعاجيب منهم أكرم جاوشين الذي يحمل الجنسية الكندية ويذكر كيف كانوا وهم 132 معتقلا في غرفة لم تكن مساحتها أكثر من 30 مترا مربعا!! ويذكر أنه التقى بمن هم في السجن منذ أكثر من خمس سنوات.. وفيهم من لم يغتسل لأشهر!!

"
احتاج البارزاني إلى دغدغة المشاعر والعودة بالقوم إلى الإحساس بالمظلومية ليلتفتوا ثانية إلى حزبه الأم كى لا يسقط أمام ظاهرة (حماس) كردية!!, لذلك لجأ إلى إنزال العلم العراقي للتغطية على فشل قيام دولة كردية كانت أم فدرالية أم حكما ذاتيا
"
وهؤلاء المعتقلون أكراد وفي سجون كردية! فشعر الجيل الحالي بأن القومية الكردية لم تكن إلا سلما لمجموعة من النفعيين الذين كانت لهم صلات سرية مع نظام صدام حسين، ولا يزالون مسؤولين في أعلى وظائف الإدارتين..

وفشلت القومية الكردية في تحقيق أدنى حد من الصلاح الإداري، فالمنطقة تفوح منها رائحة الفساد الإداري من المحسوبية الحزبية والقبلية والرشوة وتجارة المخدرات والعمالة السرية والعلنية لهذه الجهة أو لتلك!

والمنطقة مفتوحة لكل من هب و دب من إسرائيلي إلى أميركي محتل وغير محتل، إلى مخابرات دول الإقليم إلى تجار الجنس والمخدرات.. وفوق ذلك تأتي بين تصريحات لا مسؤولة عن فتح قنصلية لإسرائيل في أربيل! واليوم نسمع إنزال العلم العراقي في كردستان! ليزيد من مشاعر العداء للأكراد ويزيد من عزلتهم عراقيا وعربيا وإسلاميا!

فإنزال العلم العراقي من قبل مسعود البارزاني وعدم اعترافه به يأتي من هذا الجو الكئيب بالفشل القومي في بناء الكيان الكردي دولة كان أم فدرالية أو حكما ذاتيا يتماشى مع ثوابت المنطقة وتاريخها ومصيرها المشترك.. فاحتاج الزعيم إلى دغدغة المشاعر والعودة بالقوم إلى الإحساس بالمظلومية ليلتفتوا ثانية إلى حزبه الأم كى لا يسقط أمام ظاهرة (حماس) كردية!!




ــــــــــــ
كاتب كردي عراقي

المصدر : الجزيرة