أكرم البني

أكرم البني

أكرم وجيه البني

 


هو أمر شاق رصد أحوال الثورة السورية ومسارات تطورها في ظل ما تكابده من عذابات وآلام ومن أعداد ما فتئت تتزايد من الضحايا والجرحى والمعتقلين واللاجئين، لكنه واجب أخلاقي ومعرفي في آن، ربما كنوع من المساهمة في فهم حقيقة ما يجري وعرض أهم النتائج والاجتهادات الكفيلة بتعزيز حوافز استمرار هذه الثورة الفريدة وتمكينها في الأرض. 

عام مضى، وشعار"معا حتى الموت" الذي يرفعه المتظاهرون لنصرة المناطق المنكوبة لا يزال باقياً، ولا يزال المشهد يتكرر ويكتظ بصور مظاهرات تمتد وتتسع وتظهر عزيمة لا تلين

عام مضى، وشعار " معا حتى الموت" الذي يرفعه المتظاهرون لنصرة المناطق المنكوبة لا يزال باقياً، ولا يزال المشهد يتكرر ويكتظ بصور مظاهرات تمتد وتتسع وتظهر عزيمة لا تلين أمام قوات أمنية وعسكرية تنتشر في كل مكان ولا توفر وسيلة من وسائل القهر والتنكيل لمحاصرة حراك الناس وقمعه، هذا إن لم نقل أن العنف المفرط كان أحد حوافز توسع الاحتجاجات وتمددها.

فحادثة أطفال درعا لم تكن جديدة في تاريخ القمع السوري لكن توقيتها مع انطلاق رياح التغيير العربي، وشدة الجور والإذلال الذي تعرض له هؤلاء الأبرياء الصغار أعطاها معنى خاصا وفتح الباب واسعاً لانتقال مظاهر التعاطف والاحتجاج إلى أماكن أخرى.

كان أبرزها المظاهرة التي انطلقت من الجامع الأموي في دمشق يوم  15 / 3 /2011 تلاها تجمع أسر المعتقلين السياسيين يوم  16 / 3 / أمام وزارة الداخلية للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم، واكتمل مشهد الانطلاقة في  18 / 3 / بالمظاهرات الحاشدة التي عمت مدينة درعا وقوبلت بالرصاص الحي وأوقعت العشرات من القتلى والجرحى.

لم تعرف الأشهر الأولى من عمر الثورة انتشاراً سريعاً للاحتجاجات بل كانت متدرجة وبطيئة. ربطاً بالطابع العفوي والتلقائي وغياب قيادة سياسية قادرة على توجيه الناس وتعميم حراكهم، وأيضاً بتفاوت درجات القهر والاحتقان بين المدن والمناطق وتالياً القدرة على كسر جدار الخوف، ما يفسر المشاركة المبكرة للبلدات الأكثر تضرراً والتي عانت الأمرين من جور السلطة، كالمعضمية وداريا ودوما في ريف دمشق، ثم ريف وأحياء مدينة حمص وبعض أحياء اللاذقية وبانياس وجبلة وجسر الشغور، ثم مناطق تواجد الأكراد الخاضعين لاضطهاد مزدوج.

وما إن حسمت مدينة حماة أمرها حتى بدت مشاركتها كاملة وفاضت ساحة العاصي بمئات الألوف من المتظاهرين، وكرت السبحة لتصل إلى إدلب ودير الزور والبوكمال فضلاً عن ريف حلب ومعظم ريف دمشق وبعض أحياء المدينة، وليصح القول إن غالبية المدن والمناطق السورية صارت بالفعل جزءاً من الحراك الثوري واكتمل المشهد في الأسابيع الأخيرة بمشاركة أحياء مدينة حلب وجامعتها وأماكن جديدة من مدينة دمشق وريفها، لتبدو الصورة أشبه بثورة شاملة ضد النظام الحاكم ونموذجاً لوحدة وطنية حقيقية بين أبناء المجتمع الواحد في تطلعهم نحو الحرية والكرامة.

عام مضى قبل أن تكتشف الثورة السورية فرادتها وخصوصيتها، فمع انطلاقتها كانت عوامل التأثر بالثورات العربية الأخرى واضحة وجلية، وهو أمر ليس بغريب، فالسوريون معروفون بحساسيتهم لما يجري حولهم وتأثرهم بمحيطهم العربي، وما زاد الأمر وضوحاً، أوجه التشابه بين هذه الشعوب الثائرة فيما تعانيه وتكابده، وبخاصة لجهة آليات القمع والسيطرة ومظاهر الظلم والفساد.

ومثلما تأثر السوريون بالحراك الثوري العربي، تأثروا أيضاً بأشكال إطاحة الأنظمة هناك، فكان التعويل على سرعة الحسم والانتصار، وشهدنا حماسة منقطعة النظير لدى المتظاهرين للاعتصام في ساحة رئيسة وتحويلها إلى مركز دائم للاحتجاج الأمر الذي واجهته السلطة بأشنع وسائل العنف، فأجهضت بصورة دموية اعتصام حمص عند ساعة المدينة، وأفشلت اعتصام أهالي حماة في ساحة العاصي، كما منعت بالقمع الشديد وصول المحتجين إلى ساحة العباسيين في دمشق.

ثم وتيمناً بما حصل في تونس ومصر كبر الرهان لدى المحتجين على دور ما للجيش في إنجاز التغيير، وصدحت الشعارات التي تحيي القوات العسكرية وتحاول استمالتها، وأهمها "الشعب والجيش يد واحدة"، لكن النظام الذي استفاد مما جرى في تونس ومصر، عمد منذ الأيام الأولى إلى زج الجيش في المواجهة وتوريط بعض كتائبه في قمع المحتجين، فانتقلت الهتافات لتدين الجيش ودوره القمعي، وبأنه جيش السلطة وليس جيش الشعب، ما مهد الطريق لنشوء الجيش السوري الحر كإطار جديد يضم الضباط والجنود المنشقين أو الفارين الذين وقفوا مع الحراك الشعبي ورفضوا إطلاق الرصاص على أهلهم.

ثم ومع ارتفاع منسوب العنف تحول الرهان نحو تمثل التجربة الليبية وقد بدأت بشائر هزيمة القذافي تلوح في الأفق، فتوالت الدعوات لفرض حظر جوي أو لتوفير ممرات آمنة أو مناطق عازلة تشكل ملاذاً للهرب من بطش السلطة، وبلا شك مر وقت طويل قبل أن يدرك الناس فرادة ثورتهم وأنها لن تتبع أي نموذج آخر وأن خصوصيتها أن تواجه مصيرها وحيدة وتصنع مستقبلها بسواعد أبنائها.

وأيضاً كي يفسروا أسباب التلكؤ العربي والأممي، وأن أي تدخل جدي داعم لثورتهم ليس عملية سهلة بل مشروطة بالأمن الإسرائيلي وبمصالح إيران وروسيا وبتخوف من حدوث هزة في الاستقرار السياسي ربطاً بموقع سوريا المتشابك مع الكثير من الملفات الشائكة والحساسة في المنطقة.

الثورة السورية لا تزال كاتجاه عام ثورة وطنية وسلمية، تعبر عن مطالب مختلف فئات الشعب السوري، كما أنها لا تزال تحتفظ بأسلوب المظاهرات والاحتجاجات السلمية

عام مضى، والثورة تصارع وتناهض شتى محاولات جرها إلى الأتون الطائفي، وإلى عالم السلاح ومنطق القوة والغلبة، وإذ حصلت بعض الاندفاعات الثأرية لأفراد وجماعات صغيرة لبست لباس الطائفية البغيض كرد فعل على ممارسات سلطوية وفئوية مغالية في القهر والتنكيل، لكن يصح القول إن الثورة السورية لا تزال كاتجاه عام ثورة وطنية وسلمية، ولا تزال تعبر عن مطالب مختلف فئات الشعب السوري في التغيير والحرية والكرامة، كما أنها لا تزال تحتفظ بأسلوب المظاهرات والاحتجاجات السلمية كأسلوب رئيس، ولا يغير من هذه الحقيقة استمرار حالة السلبية والتردد عند بعض الأقليات أو تنامي دور الجيش الحر في حماية المظاهرات ورد الأذى عن بعض المناطق الساخنة.

في التعددية السورية هناك حوافز بنيوية لغلبة مسار الانصهار الوطني في مواجهة نوازع التفرقة والتمييز، فقد لعب السوريون، من مختلف المكونات القومية والدينية، دوراً متكاملاً في بناء دولتهم وتاريخها الحديث، وشكلت عندهم قيم المواطنة والمساواة قاسماً مشتركاً، ولا يجوز وسم التحركات الشعبية بسمة معينة حين تنتمي الكتلة الرئيسة منها إلى الإسلام بصفته دين الأغلبية، فهي تنطوي على تنوع وتعددية لافتين، فإلى جانب العرب والأكراد، هناك مشاركة متفاوتة تبعاً لكل منطقة من مختلف الطوائف والمذاهب، والأهم تركيز هتافات المحتجين على الشعارات المناهضة للطائفية والتي تعلي قيم المواطنة وأسس العيش المشترك.

وبرغم ما سبق لم يرق موقف بعض الأقليات إلى مستوى المشاركة العضوية ولا تزال قطاعات مهمة منها سلبية ومترددة، زاد ترددها خوفها من البديل بعد النتائج التي أسفرت عنها انتخابات تونس ومصر وفوز تيارات من الإسلام السياسي بحصة كبيرة من المقاعد البرلمانية، لكن تصاعد معاناتها الاقتصادية والمعيشية واشمئزازها من أساليب عنف وتنكيل لا يحتملها عقل ولا ضمير، خلق بعض التبدل في مزاجها نحو تعاطف أوضح مع الحراك الشعبي وأحياناً مساندته وبصور شتى.

ويبقى للحالة الكردية خصوصيتها، فالأكراد شاركوا منذ البداية في الاحتجاجات، ولم تخدعهم محاولات الاسترضاء بمنح الجنسية للمحرومين منها، لكن بقيت مشاركتهم تحت سقف محدود زاد الأمر تعقيداً تشكيل المجلس الوطني الكردي وانسحاب أحزابه من كافة التشكيلات الائتلافية المعارضة، ما يعني أن ثمة جهدا ملحا لا بد أن يبذل لتجاوز ما يعترض وحدة المعارضة العربية والكردية من عقبات.

عام مضى ولا تزال المعارضة السورية في رحلة البحث عن ذاتها ودورها، فكما تفاجأت السلطة بالحراك الثوري وقدرته على التوسع والاستمرار تفاجأت المعارضة به أيضاً، فسارعت للبحث عن قنوات للتواصل والتلاقي، تجلت بداية باحتلال بعض المعارضين المشهد الإعلامي ومساندتهم لمطالب الناس وحقهم في التظاهر والاحتجاج وتفنيد أكاذيب الإعلام الرسمي وادعاءاته عن مؤامرة خارجية وعصابات مسلحة وغيرها، ثم تعمق الدور نحو دعوات لتنظيم الصفوف وتوحيدها، فشهدنا تواترا في عقد المؤتمرات والاجتماعات إن داخل البلاد أو خارجها غرضها توحيد الصف والكلمة، لكنها لم ترق إلى حجم التحديات والتضحيات التي يقدمها الشارع، ولا يغير من هذه الحقيقة تشكيل المجلس الوطني بصفته النقلة الأهم على هذه الطريق.

وهنا لا يصح القول إن التوقيت غير مناسب لتناول أحوال المعارضة نقدياً وفي مقدمها المجلس الوطني، بل العكس هو الصحيح، إذ من واجب الجميع، الآن وليس غداً، تقديم النقد لها بما يمكنها، قبل فوات الأوان، من تجاوز ما تعانيه من مثالب وعثرات، خاصة لجهة التنافس المرضي والمؤذي بين أهم أطرافها، فليس أكثر من الوقوف عند النقائص وتحديد أسبابها، ما يدفع قوى المعارضة الجادة والصادقة إلى الأمام ويحفزها على تطوير دورها وفاعليتها.

عام مضى، ولم يغب ليوم واحد اسم التنسيقيات عن المشهد، هذه التكوينات القيادية الميدانية التي أفرزها الحراك الشعبي وانتشرت في كل موقع ومكان، وبدت كشكل تنظيمي مرن نجح نسبياً في تنظيم التظاهرات وتحويلها إلى ما يشبه الفعل اليومي، وفي تسخير الهواتف النقالة ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لخلق لغة مشتركة للتفاعل وتوحيد إيقاع النشاطات.

ويبدو للعيان أن هذه التنسيقيات، وبرغم الضربات القاسية التي تعرضت لها وأفقدتها العشرات من الضحايا والمعتقلين، تمكنت من تعويض خسائرها بشباب جدد، واغتنت مع الوقت واكتسبت خبرة في التعامل مع الحدث وقدرة لافتة على التنظيم وحمل مسؤوليات متعددة كالرصد والإعلام والتوثيق، ما أهلها لتشكيل ما سمي الإعلام البديل، في مواجهة إعلام رسمي دأب على توظيف الأكاذيب للطعن بمشروعية الاحتجاجات الشعبية وبوطنيتها وسلميتها.

تؤكد كل ساعة مرت من العام الماضي أن منطق العنف والقوة لن ينجح في هزم الثورة السورية أو تحجيمها، وهي ستعبر طريقها إلى أهدافها وإن كان صعباً

عام مضى وتؤكد كل ساعة مرت أن منطق العنف والقوة لن ينجح في هزم الثورة السورية أو تحجيمها، وهي ستعبر طريقها إلى أهدافها وإن كان صعباً وشاقاً، فالوقت بات يعمل لصالحها وليس لصالح النظام وقد اشتدت عزلته السياسية والاقتصادية وأنهكت قواه، لكن ما يخفف من أعباء هذه الطريق وآلامها، تكثيف الجهود لضمان الحاجات الحيوية قبل المعنوية للناس في عمليات إغاثة مستمرة للمناطق المنكوبة بما يعزز الصمود ويخفف الخسائر، وهو أمر لا ينفصل عن الارتقاء بدور المعارضة واستعدادها لتحمل كامل المسؤولية في توجيه الجهد الرئيس لتمكين الثورة ومدها بأسباب الدعم وبإجابات واضحة حول نهج استمرارها، وفي بلورة خطاب واضح حول الأفق الديمقراطي للتغيير يساهم في طمأنة جميع مكونات المجتمع ويعزز انتشار الثورة لتشمل فئات الشعب كافة، ويمكنها من مواجهة فخ العسكرة وخطر الانزلاق إلى حرب أهلية ووأده.

والحال ثمة اطمئنان على الثورة السورية وليس من قلق بأن تجهض أو تكسر شوكتها، فالاحتجاجات الشعبية التي تمتد على مساحة الوطن وتنهض كالعنقاء بعد كل جولة قمع وتنكيل، قد تجاوزت مرحلة الانتكاس ووصلت نقطة لا عودة منها، لكن لا بد أن نعترف بأن زمن التحول الثوري سيكون ثقيلاً جداً أمام آلة عسكرية وأمنية مدججة بأفتك الأسلحة وبإصرار على العنف والغلبة. نعم، هو زمن بطيء ومكلف ومكتظ بالضحايا والآلام وبمعاناة ومكابدة لم يشهد شعب ثائر لها مثيلاً، لكن ما قد يخفف من وطأته وثقله، أن يعي الحراك الشعبي ومختلف قوى المعارضة خصوصية ثورتهم والصعوبات المحيطة بها، ويحذروا من وضع تصور لانتصار سريع ومن الرهان على تدخل خارجي حاسم، فليس غير الثقة بجدوى المظاهرات والاحتجاجات السلمية، وحمايتها، ونقلها إلى أطوار جديدة ما قد يصل بالناس إلى تحقيق أهدافهم وما يتطلعون إليه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك