عبد الستار قاسم

التهجير وسيلة أمنية
أمن الأنظمة العربية
التخلص من الفلسطينيين
المعيار الأمني

كانت إسرائيل تأمل ومن أيدها من أهل الغرب والعرب بتوطين الفلسطينيين في الدول العربية، وتحويلهم إلى جنسيات عربية تنسيهم الماضي وتعينهم على نسيان حقوقهم الوطنية وتخطي المطالبة بها.

وربما يفسر هذا الأمل تحديد فترة عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بثلاثين عاما، ظنا من الدول الغربية بأن الفلسطينيين سيكونون قد ذابوا خلال هذه الفترة.

ولم تغب عن بال الولايات المتحدة فكرة أرض للتوطين، فخطر ببالها منطقة الجزيرة في شمال شرق سوريا الصغرى ومنطقة الأنبار غرب العراق كمنطقتين مرشحتين. لم تأت الأمور وفق رغبات إسرائيل والدول المساندة.

اهتمت إسرائيل بتهجير الفلسطينيين على مستويين: مستوى الداخل الفلسطيني بحيث تفرغ كل فلسطين الانتدابية من الفلسطينيين، والمستوى الإقليمي بحيث يذوب الفلسطينيون في المجتمعات العربية ويكتفون بالسعي لتوفير لقمة الخبز.

لم تستطع فعل شيء حيال الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين عام 1948 بسبب الظروف الموضوعية المحيطة، وكان عليها أن تتحمل زيادتهم السكانية الطبيعية المتصاعدة.

أما بخصوص الأرض المحتلة عام 67 فعمدت إلى التهجير غير المباشر من خلال التضييق المعيشي على السكان. صنعت إسرائيل ظروفا أمنية واقتصادية وعلمية صعبة في الضفة والقطاع، مما دفع العديد من المواطنين إلى الخروج بحثا عن عمل أو أمان في الدول العربية والأجنبية.

لا تتوفر إحصائيات عن أعداد الذين هجروا الضفة والقطاع منذ عام 1967، لكن إذا افترضنا (وهو افتراض قريب من الحقيقة) أن معدل هجران الضفة والقطاع السنوي يبلغ عشرين ألف نسمة، فإن قرابة ثمانمئة ألف قد غادروا، وإذا أضفنا إلى هذا الرقم نسبة التوالد على مدى أربعين عاما يصبح الرقم كبيرا بحيث كان من الممكن أن يكون الآن عدد الفلسطينيين داخل فلسطين أكبر بكثير من عدد اليهود.

التهجير وسيلة أمنية

"
إذا بقيت معايير الزيادة السكانية القائمة الآن مستمرة فإن نسبة عدد السكان الفلسطينيين من مجمل سكان فلسطين ستتصاعد, ولهذا ترى إسرائيل ضرورة العمل على تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني
"
هناك من يقول إن الفلسطينيين يقاتلون بسبب سوء أحوالهم المعيشية، وهم سيهدؤون إلى حد كبير فيما إذا توفرت لهم فرص معيشية أفضل، وسيتوقفون عن الانضمام للمنظمات الفلسطينية ودعمها.

ليس بالضرورة أن الرأي صواب، لكن إسرائيل وأميركا ترددان باستمرار أهمية تحسين الأوضاع المعيشية كوسيلة لتسهيل التوصل إلى حلول سلمية.

ردد رؤساء ومسؤولون أميركيون سابقون ولاحقون هذه العبارة، وتعهدوا بتقديم مساعدات مالية واقتصادية من أجل المساعدة في التوصل إلى حلول.

إذا كان تحسين الظروف المعيشية يؤدي إلى اقتناع فلسطينيين بالحلول السلمية المطروحة فلماذا لا يكون التحسين خارج فلسطين وليس داخلها؟ إذا كان الغرب يقدم أموالا للفلسطينيين، فلماذا لا يسهل لهم باب الهجرة إلى دول تتوفر فيها فرص عمل فيعملون ويوفرون لأنفسهم لقمة الخبز بدون إحسان؟ هذا منطقي، وهو خيار غير مكلف، ويفيد الاقتصاد الذي يعملون فيه من حيث أنهم يتحولون إلى قوى عاملة.

من ناحية أخرى، إسرائيل لم تستطع تحقيق الأمن والأمان من خلال الانتصارات العسكرية، وكان عليها التفكير بنشاطات أخرى غير النشاط العسكري من ضمنها تقليص أعداد الفلسطينيين في المنطقة.

تنظر إسرائيل الآن إلى تزايد أعداد الفلسطينيين داخل فلسطين بخطورة متصاعدة لما ينطوي عليه الأمر من ارتفاع احتمالات انخراط الشباب في أعمال المقاومة.

كلما زاد عدد السكان، وشحت الموارد الاقتصادية والمالية تظهر المشاكل الأمنية، ليس في وجه عدو فحسب وإنما أيضا ضد نظام الحكم القائم.

يزيد عدد السكان الفلسطينيين الآن في فلسطين (المحتلة عامي 48 و67) عن خمسة ملايين، وإذا بقيت معايير الزيادة السكانية القائمة الآن مستمرة فإن نسبة عدد السكان الفلسطينيين من مجمل سكان فلسطين ستتصاعد. ولهذا -من الناحية الإستراتيجية- ترى إسرائيل ضرورة العمل على تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني.

كتبت مقالا عام 1983 بعنوان "مشروع الإنجاب الوطني" ونشرته جريدة الفجر المقدسية، وشرحت فيه خطة لزيادة عدد الفلسطينيين في فلسطين بحيث تصبح لهم الأغلبية السكانية خلال اثني عشر عاما.

استدعاني حاكم عسكري لواء طولكرم في حينه وحذرني من العودة إلى الكتابة في هذا الموضوع ثانية. أما منظمة التحرير التي طلبت منها الانتباه إلى الموضوع فلم تكلف نفسها عناء مناقشته.

أمن الأنظمة العربية

"
كثير من الفلسطينيين انشغلوا في مختلف الدول العربية في الأعمال الحزبية والتنظيمية، ومنهم من قام بأنشطة أمنية ضد إسرائيل، أو ساعد نحو هذا الهدف مما صنع بعض المشاكل للأنظمة العربية
"
انصب التفكير الإسرائيلي والغربي بعد تشريد الفلسطينيين على التوطين في البلدان العربية بخاصة في الدول المجاورة التي تعتبر البيئة الثقافية والاجتماعية المشابهة لتلك الفلسطينية.

لكن لبنان وسوريا رفضتا الفكرة تماما، ورفضتا منح الفلسطينيين الجنسية وما يرافقها من جوازات سفر. أعلنت الأردن مرارا أنها ضد التوطين، لكنها منحت الفلسطينيين الجنسية الأردنية تبعا لقرار الوحدة بين الضفتين الشرقية والغربية، وأصبح الفلسطينيون جزءا من المؤسسات السياسية الأردنية، وحاولت الأردن عبر السنوات أن تكون هي المتحدث باسم الشعب الفلسطيني.

ظهرت مشاكل في الأردن على إثر تمركز المقاومة الفلسطينية فيها بعد حرب 1967، ونشبت حرب داخلية، وظهرت مشاكل في لبنان وكانت المقاومة الفلسطينية طرفا رئيسا في الحرب الأهلية.

انشغل كثير من الفلسطينيين في مختلف الدول العربية في الأعمال الحزبية والتنظيمية، ومنهم من قام بأنشطة أمنية ضد إسرائيل، أو ساعد نحو هذا الهدف مما صنع بعض المشاكل للأنظمة العربية.

وصل الأمر في مصر مثلا أن قامت قوات الأمن في عهد الرئيس عبد الناصر إلى ترحيل العديد من الطلاب الفلسطينيين بملابس النوم إلى العراق وسوريا عقب قبول عبد الناصر مبادرة روجرز للسلام.

صحيح أن شعارات العرب المؤيدة للفلسطينيين والمتمسكة بالحقوق الفلسطينية كثيرة وساخنة، لكن الواقع يقول إن الأنظمة العربية لا تطمئن للفلسطينيين، وهي بالتأكيد غير سعيدة بوجود تجمعات فلسطينية على أراضيها.

ربما شكل تصرف بعض الفلسطينيين في الكويت إثباتا جديدا أمام العديد من الأنظمة بأن الفلسطينيين عبارة عن عامل عدم استقرار أو عدم اطمئنان بسبب وقوفهم مع الرئيس صدام حسين.

المسألة هنا لا تعني أن كل الفلسطينيين على موقف واحد، أو أن جميعهم ينشطون، وإنما يكفي أن ينشط بعضهم ليبرر للحكومات العربية وأجهزتها الأمنية البحث عن سبيل للتخلص من الفلسطينيين.

دفع الفلسطينيون ثمنا باهظا في العراق بعد الاحتلال الأميركي من الناحية الشعبية. حمل العديد من العراقيين ضد الفلسطينيين وهاجموهم وقتلوا العديد منهم ودمروا ممتلكاتهم وذلك بسبب اعتقادهم بأن بعض الفلسطينيين قد وقفوا مع صدام وساندوه. من كره صدام كره الفلسطينيين، وهو أمر نرى مشاهد مشابهة له في بلدان عربية أخرى.

"
شعارات العرب المؤيدة للفلسطينيين والمتمسكة بالحقوق الفلسطينية كثيرة وساخنة، لكن الواقع يقول إن الأنظمة العربية لا تطمئن للفلسطينيين، وهي بالتأكيد غير سعيدة بوجود تجمعات فلسطينية على أراضيها
"
لبنان تشكل المثل القوي على رفض بقاء الفلسطينيين وذلك بسبب التوازن السكاني الهش. تضيق الحكومة اللبنانية كثيرا على الفلسطينيين وتحرمهم من الكثير من الأشغال والأعمال التي تساعدهم على تحصيل لقمة الخبز، ويعيش الفلسطينيون في لبنان كمن يقف على حد السيف، ويحرصون جدا على ألا يخطئ أحدهم فيسبب المتاعب للجميع.

درجة التسامح في لبنان تجاه الفلسطينيين -عدا أوساط حزب الله وحركة أمل- ضعيفة جدا، وهي درجة تبعث على ألم وحزن وذل. يطالب عدد من زعماء لبنان بضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، لكن آخرين يمارسون ضدهم العداء.

بسبب الضغط القائم على اللبنانيين والفلسطينيين قيل إن إسرائيل ستسمح بعودة فلسطينيين إلى الضفة الغربية ضمن إطار حل سلمي، وهم يعنون بذلك الفلسطينيين المقيمين في لبنان.

التخلص من الفلسطينيين
إذا كان الفلسطينيون عبئا على إسرائيل وعلى الأنظمة العربية، وإذا كانت الأنظمة العربية لا تريد الإعداد لملاقاة إسرائيل وانتزاع الحقوق الفلسطينية، ولا تريد دعم المقاومة الفلسطينية، ويريد أغلبها التطبيع مع إسرائيل وتوقيع معاهدات معها فإن الحل الأمثل لمختلف الأطراف هو التخلص من الفلسطينيين.

لم يعد القتل الجماعي ممكنا في ظل الظروف الدولية، ولم يعد الترحيل إلى أماكن بعيدة بصورة قسرية ممكنا أيضا. فما العمل؟

يقوم العمل على نقطتين:
أولا: الضغط على الفلسطينيين بمختلف الأشكال والألوان اقتصاديا وأخلاقيا ونفسيا وسياسيا وأمنيا لكي يلعن الفلسطيني بخاصة الشباب حياته ويكفر بالوطن والمواطنين والمقدسات والعروبة والإسلام.

إنهم يضغطون على الفلسطيني في كافة أماكن وجوده من أجل تثبيت ظلامية الحياة وسوداويتها، ويغلقون الأبواب في وجهه من أجل أن يفقد الثقة بالمستقبل وبإمكانية التحرير والعودة وبناء أسرة.

"
المطلوب أن يصل الفلسطيني إلى قرار بأن بلاد العرب ليست بلاد عيش وطمأنينة، ولا يوجد فيها سوى الهم والغم وأجهزة المخابرات والملاحقات، والخيار الوحيد هو الرحيل إلى حيث يوجد باب مفتوح
"
من المطلوب أن يصل الفلسطيني إلى قرار بأن بلاد العرب ليست بلاد عيش وطمأنينة، ولا يوجد فيها سوى الهم والغم وأجهزة المخابرات والملاحقات، والخيار الوحيد هو الرحيل إلى حيث يوجد باب مفتوح.

النتيجة المتوقع التوصل إليها يلمسها الناس في كافة أماكن الوجود الفلسطيني، وبالتحديد في لبنان وفلسطين.

شباب كثر يصرخون بأنهم يريدون الهجرة، ويتمنون لو أن الأبواب أمامهم تنفتح فيحملون أمتعتهم هاربين دون النظر إلى الوراء. الرغبة في الهجرة عبارة عن ظاهرة واضحة وملموسة في الشارع الفلسطيني.

على الرغم من أننا لا نملك وثائق عن التشجيع على فتح باب الهجرة إلى دول بعيدة، لكن من الملاحظ أن رغبة عدد من الدول مثل كندا وأستراليا وأميركا لاستقبال فلسطينيين تزداد، وأن أعدادا من الفلسطينيين تهاجر بخاصة من لبنان والضفة الغربية وغزة.

هناك تسهيلات كبيرة في إجراءات وشروط الهجرة إلى درجة أن مطلب اجتياز امتحان اللغة يتم التنازل عنه أحيانا، وكذلك الأمر بالنسبة للكفالة المالية والعمر. كان من الصعب على الشباب صغار السن أن يحصلوا على تأشيرات دخول في السابق، لكن الأمور تبدو أكثر سهولة الآن.

كان معيار المؤهلات العلمية يلعب دورا هاما في قبول طلبات الهجرة سابقا، لكن قيمته تتدهور الآن، ولم يعد شرطا قاسيا تدقق فيه القنصليات الأجنبية.

إنهم يوافقون للعديد من الأشخاص الذين لا يملكون مؤهلات علمية أو تقنية أو فنية يمكن أن تستفيد منها الدولة المضيفة. وواضح أن بعض الدول تعمل على توفير أعمال يدوية بسيطة للمهاجرين الجدد غير المحترفين وغير المهنيين من أجل أن يشقوا طريقهم بالقليل من المعاناة، ومن أجل تشجيع آخرين ينتظرون نتائج تجربة أصدقائهم.

المعيار الأمني
من حسن حظ فلسطين أن الدول المضيفة تبقى متخوفة من استقبال الفلسطينيين لأسباب أمنية. لم تتنازل الدول المضيفة عن المعيار الأمني، وهي تقوم بالفحص الأمني لكل شخص يتقدم بطلب للهجرة لتطمئن بأنه لم يدخل سلك المقاومة يوما، وأن سجله الأمني لدى إسرائيل وعدد من الأنظمة العربية نظيف، أو على الأقل مقبول، ولا يوجد فيه ما يشير إلى أنه سيستأنف أنشطته بشكل أو بآخر في البلد المضيف.

"
لم تتنازل الدول المضيفة للفلسطينيين عن المعيار الأمني، وهي تقوم بالفحص الأمني لكل فلسطيني يتقدم بطلب للهجرة لتطمئن بأنه لم يدخل سلك المقاومة يوما، وأنه لا يوجد ما يشير إلى أنه سيستأنف أنشطته بشكل أو بآخر في البلد المضيف
"
إنما على شاكلة الدول العربية، تخشى الدول المضيفة التجمعات السكانية الفلسطينية الكبيرة بسبب التغذية الداخلية الذاتية التي يمكن أن تطرأ. تفرز التجمعات السكانية الكبيرة الكثير من الأنشطة المستحبة وغير المستحبة، المطلوبة وغير المطلوبة، وهذا ما تريد الدول المضيفة أن تهرب منه.

إنها بالتأكيد تفكر بما يسمى الأعمال الإرهابية، وبتغلغل التنظيمات الفلسطينية بخاصة الإسلامية منها. يبقى هذا عائقا كبيرا أمام فتح الباب على مصراعيه.

في نفس الوقت سلوك وأداء القيادات الفلسطينية سواء قيادة السلطة أو المنظمة أو الفصائل يشكلان عاملا طاردا ومشجعا للشباب على الهجرة. القيادات الفلسطينية ليست على قدر المسؤولية، وتساهم الكثير من أعمالها في بعث الإحباط واليأس في نفوس الشباب.

من المطلوب أن تستقيم القيادات وأن تنتبه إلى أن صراعاتها الداخلية والجري وراء المصالح الشخصية يلحق أضرارا كبيرة بالقضية الفلسطينية.

وفيما إذا استقامت فإن أمامها الكثير من العمل والتوجيه والتثقيف والبناء من أجل وقف الاستنزاف السكاني الفلسطيني.
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك