*بقلم/ عاطف معتمد عبد الحميد

-الأساس القانوني لاقتسام الثروة
-النزاعات العرقية على طول مسارات نقل النفط والغاز
-قزوين ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)

ودع القرن العشرون العالم تاركا منطقتي آسيا الوسطى وقزوين فى منعطف سياسي واقتصادي زلق بعد الزلزال السوفياتي فى العام 1991. وراودت كثيرا من شعوب هاتين المنطقتين أحلام تحول حياتها بين يوم وليلة إلى النموذج الخليجي بأعمدته المرتكزة على اقتصاد النفط القادر على تحقيق دولة الرفاه. غير أن مشكلتين رئيسيتين وقفتا عقبة كأداء على طريق استغلال ثروات بحر قزوين والنفط في مقدمتها. وهاتان المشكلتان هما الأساس القانوني لاقتسام الثروة، والنزاعات العرقية على طول مسارات نقل النفط والغاز.

الأساس القانوني لاقتسام الثروة
منذ انفراط العقد السوفياتي ودول الإقليم الخمس غير قادرة على الوصول إلى اتفاق حول الإطار القانوني الضابط لاستغلال وتنمية مخزون قزوين من النفط والغاز.

وتكمن المشكلة القانونية فى اختلاف تحديد كل دولة من دول الإقليم لهوية بحر قزوين، فهناك عدم اتفاق حول مدى تطبيق قانون البحار الدولي عليه، ذلك القانون الذي يشمل بين بنوده البحيرات الداخلية.

فإذا ما طبق قانون البحار الدولي على قزوين سيصبح لزاما أن تعين الحدود البحرية للدول الخمس المطلة عليه -بناء على مسافات متساوية من البحر وموارد قاعه- إلى قطاعات تعرف باسم القطاعات القومية.

ويتمثل البديل القانوني فى الاستغلال الجماعي للبحر وموارده في ما يعرف باسم منهج السيادة المشتركة. وفي هذا الشأن تشكلت عدة مجموعات عمل مؤلفة من الدول الخمس للخروج بإعلان مشترك حول الوضع القانوني الجديد للبحر، وإن فشلت حتى الآن في الوصول إلى الاتفاق المأمول.

ومع غياب مثل هذا الاتفاق اتجهت كثير من هذه الدول إلى تخطي الاتفاق الجمعي المتعرقل والتوجه نحو الاتفاقات الثنائية رغبة في الإسراع باستغلال الثروة المعطلة تحت مياه البحر.

وبعيدا عن التشابك فى تحديد الهوية الجغرافية لقزوين، اتجهت أذربيجان وكزاخستان إلى الاتفاق فى العام 1997 على تقسيم بحر قزوين فى القطاع الفاصل بينهما على أساس الخط الأوسط المرسوم على مسافات متساوية من ساحل الدولتين باتجاه البحر.

وبينما كانت إيران تستهجن ذلك المسلك وقعت كزاخستان في نفس العام اتفاقا مع تركمانستان بهدف تقسيم القطاعات البحرية من قزوين الواقعة بينهما على أساس خط الوسط استنادا إلى الحدود بين الجمهوريتين فى العهد السوفياتي. بل وأبرمت كزاخستان فى يونيو/ حزيران 1998 اتفاقا ثنائيا مع روسيا حول تقسيم القطاع الشمالي من قاع قزوين على أساس الخط المنصف للبحر، والعمل المشترك في الحقول التى يمر بها خط المنتصف مع الاحتفاظ بالمسطح المائي السطحي في كل القطاع الشمالي من قزوين دون تقسيم، وإبقائه للاستخدام المشترك فى الملاحة والصيد وأغراض حماية البيئة.

وتأكد هذا الاتفاق بتوقيع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأذربيجاني حيدر علييف فى يناير/ كانون الثاني 2001 عليه، وقد حمل عنوان "مياه مشتركة وقاع مقسم". واتجهت أذربيجان إلى ذات المسلك حينما وقعت فى نوفمبر/ تشرين الثاني 2001 اتفاقية رسمية مع كزاخستان لتعيين حدودهما البحرية فى قزوين وفعلت الشيء نفسه مع روسيا.

وبرفض راديكالي تنظر إيران بقلق إلى هذا النهج فى التعامل مع المشكلة وتصر على ضرورة تقسيم موارد بحر قزوين بالتساوي، ومبدؤها أن لكل دولة الحق فى الحصول على 20% من ثروة هذا البحر استنادا إلى الاتفاقات التى أبرمت بين الجانب السوفياتي ونظيره الإيراني حول تقسيم بحر قزوين وخاصة فى العامين 1921 و1940.

وتسعى إيران من ذلك إلى التحرر من نسبة 12%-13% التى تخصها إذا ما وافقت على منهج بقية الدول المشاطئة. ويصل الإصرار الإيراني إلى درجة دفعت بالعلاقات الإيرانية الأذربيجانية إلى حافة الحرب (كما حدث فى يوليو/ تموز 2001).

وحتى مايو/ أيار 2003 (الاجتماع التاسع لدول الإقليم الذى انعقد فى المآتى بكزاخستان) لم تصل اجتماعات وزراء خارجية الدول الخمس إلى اتفاق نهائي يضع صياغة قانونية جديدة لبحر قزوين، وهو ما يدعم اتجاهات الاتفاقات الثنائية ويعطل إمكانات بروز بحر قزوين كمنطقة منافسة.

النزاعات العرقية على طول مسارات نقل النفط والغاز
من خلال مراجعة الخريطة التفصيلية لمسارات أنابيب النفط، سنلحظ تنافس 11 خطا على نقل نفط وغاز قزوين إلى السوق العالمية وأهم هذه الخطوط:

1. خط باكو-نوفارايسيسك ويمر من باكو فى أذربيجان عبر الأراضي الشيشانية-الداغستانية إلى نوفارايسيسك على البحر الأسود. وتضخ عبر هذا الخط كميات أقل من طاقته الاستيعابية بسبب النزاع الروسي الشيشاني منذ العام 1991.

2. خط باكو-جيهان، وهو خط تحت الإنشاء يفوق طوله 1700 كم وسيمر الخط بالأجزاء الشرقية من تركيا حيث الحركة الانفصالية الكردية.

3. مشروع خط الأنابيب روسيا-بلغاريا-اليونان. والهدف الأساس من هذا المشروع هو تطويق البوسفور والدردنيل، ومن ثم التخلص من القيود التى تفرضها تركيا على مرور الناقلات الروسية.

4. خط باكو–تبريز، وتمثل إيران أحد الخيارات الهامة لنقل بترول بحر قزوين إلى السوق العالمية، خاصة إلى السوق الآسيوية التي يتوقع أن تكون أسعارها أفضل. ويبدو الخيار الإيراني الأقصر طولا والأقل تكلفة، غير أن العلاقة السيئة بين إيران والولايات المتحدة تحول دون تطوير القدرات الإيرانية في هذا الشأن.

ومن خلال استعراض الخطوط السابقة نجد أن هناك أخطارا محدقة بمسارات الأنابيب ومنها يتبين وقوع مسارات النقل فى منطقة مكتظة بالنزاعات والقلاقل، ما قد يؤخر تطوير نقل النفط عبر المنطقة من ناحية ويدعم فرص مناطق أخرى فى النقل وعلى رأسها الخيار الأفغاني-الباكستاني من ناحية أخرى، حيث وقع قادة دول كل من تركمانستان وأفغانستان وباكستان فى ديسمبر/ كانون الأول 2002 اتفاقا لمد أنبوب يسمح بتصدير الغاز التركماني عن طريق المحيط الهندي عبر الأراضي الأفغانية والباكستانية، وذلك بعيد القضاء على الحكومة الأصولية في أفغانستان.

قزوين ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)
إضافة إلى ضبابية مستقبل التعاون فى اقتسام الثروة بما يؤدى إلى تنافس غير تكاملي بين دول الإقليم والمشكلات العرقية التى تتهدد مسارات النقل، حسب ما أظهرنا آنفا، لا ينتظر أن يزاحم نفط قزوين قدرات أوبك التصديرية اعتمادا على أساسين:

1-أكذوبة الصفقة الموعودة
تشير الإحصاءات إلى أن استهلاك الطاقة سيزداد بمعدل 60% فى العقدين التاليين (بمعدل سنوي مقداره 2%) وستكون دول آسيا الجنوبية والشرقية هي المسبب الرئيس لهذه الزيادة، وهو ما يعني قدرة السوق على استيعاب مصادر جديدة للطاقة على رأسها قزوين.

ومن زاوية أخرى تعاني مشروعات استخراج النفط في حقول قزوين من ارتفاع تكلفة الإنتاج بنحو مرتين إلى ثلاثة أمثال نظيرتها فى عديد من دول أوبك خاصة في دول الخليج، حيث تقع 80% من حقول قزوين فى المياه المفتوحة وعلى أعماق بعيدة فى حين يأتي جل بترول الشرق الأوسط من حقول برية أو بحرية ضحلة، وهناك دول كالعراق تحتل المرتبة الأولى فى العالم في سهولة استخراج النفط من أراضيها التى ما زالت قدرتها الإنتاجية دون المستوى منذ حرب تحرير الكويت.

وقد اكتشفت عديد من الشركات العاملة فى حقول القطاع الجنوبي الغربي من قزوين أن التنقيب عن النفط لم يؤتِ سوى 25% مما كان منتظرا، بل إن بعض الشركات عزفت عن إكمال عمليات التنقيب.

وكما أعلنت وزارة النفط الأذرية عام 2000 فإن 21 عقدا مع 33 شركة أجنبية تمثل 15 دولة لم تحقق النجاح المطلوب والشروط المتفق عليها في العقود النفطية، فانسحبت بعض الشركات وباع البعض حصته لشركات أخرى.

وقد تناغم هذا مع توجهات عامة لشركات الاستثمارات الغربية التي اكتشفت أن الاستثمار القزويني ليس "صفقة موعودة" في ظل صعوبات الاستخراج في مياه البحر العميقة، فخفضت في العام 1999 ثلاث شركات كبرى عاملة في تركمانستان استثماراتها إلى الحد الأدنى.

2-نهج التجربة والخطأ
مضت 12 سنة منذ استقلال دول بحر قزوين وما زال إنتاجها لا يتفق مع الشهرة الاقتصادية التى نالتها. وكانت هذه السنوات كافية لأن تترجم قدرات المنطقة وتنفذ فيها "الخطط" الغربية للاستغناء عن بترول الشرق الأوسط (كما روج عدد من الاقتصاديين في منتصف عقد التسعينيات).

وعين المتابع لا يمكن أن تخطئ أن الغرب انتبه مبكرا للإمكانات القزوينية، وكان يعنيه بالضرورة إغراق السوق لخفض الأسعار. وحصلت الشركات الأميركية على مدى عقد التسعينيات وحتى العام 1998 على 38% من قيمة العقود التى أبرمتها دولة مثل أذربيجان لاستغلال ثروتها النفطية. كما حصلت الشركات البريطانية على 17% من قيمة العقود وكذا حصلت الشركة النرويجية "ستات أويل" على 8%. بينما لم تتح الفرصة لكبرى الشركات الروسية "لوك أويل" لتحصل إلا على 10%. ولا يزيد الأمر عن كون الغرب قد انتهج فكر التجربة والخطأ ووقف على أن نفط قزوين لم يحن الوقت بعد "للاضطرار" إلى استخراجه بتكلفته الحالية.

وعلى الجانب الآخر ليس من المنتظر أن تحدث طفرة ضخمة فى سلوكيات دول قزوين تجاه الإنتاج، خاصة أن كبرى هذه الدول وهى روسيا -أكبر مصدر للنفط خارج أوبك– تقف فى قفص اتهام إغراق السوق. وفى ذلك لا ننسى الأزمة الشهيرة في مطلع 2002 حينما قامت روسيا برفع إنتاجها من النفط بنصف مليون برميل يوميا، وهو ما اضطر السعودية وبعض من دول الأوبك لخفض إنتاجها بمقدار 3.5 ملايين برميل يوميا لمواجهة تدني الأسعار.

وبينما ترى عديد من دول أوبك أن 28 دولارا للبرميل سعرا مقبولا، يرى بعض المحللين الاقتصاديين الروس أن سعر 22 دولارا للبرميل ليس سيئا.

وبالتالي فإن مخاطر إنتاج دول قزوين ستتركز فى حرب الأسعار، حيث يمكن أن تتكبد دول أوبك خسائر مرحلية بزيادة إنتاج النفط القزويني، وذلك حتى يتم تنسيق المواقف بين كتلة أوبك وكتلة قزوين أو الوصول إلى تسوية بانضمام هذه الدول تحت مظلة المنظمة. وفى المقابل تتجه منظمة أوبك إلى تسوية أوضاعها مع سوق الاستهلاك الدولي.

ويلفت الانتباه هنا انتهاء لعبة التخويف الإعلامي من دول الخليج بإمكانية استغلالها للنفط لحساب تسويات سياسية تحقق مطالب عربية في الشأن الفلسطيني والعراقي. فقبل أن يبدأ غزو العراق بأكثر من عام أعلنت عدة دول خليجية أنه من غير المقبول استخدام النفط سلاحا، لأن النفط ليس أكثر من سلعة.

وفى مجمل القول فإن العقدين القادمين لن يشهدا تغيرا واضحا فى موازين القوى بين قزوين ومناطق إنتاج النفط التقليدية. وكل ما هو منتظر أن يحتل قزوين مكانة المكمل وليس المنافس.

ويمكن أن يحدث التكامل لإقرار أسعار النفط بطريقة إدارة الأزمات. ففى أعقاب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول سارعت أوبك –قبل المستهلكين– إلى دعوة الدول المنتجة للنفط خارج المنظمة (أنغولا، المكسيك، النرويج، عمان، روسيا) لضخ كميات "مكملة" إلى السوق حتى لا ترتفع الأسعار. كما أن عدة دلائل تؤشر إلى توقع انخفاض ملحوظ فى إنتاج بترول بحر الشمال بدرجة قد تفوق ما سيعوضه ضخ البترول القزويني.

وبنظرة موضوعية يمكن أن نرى أن مزيدا من الاكتشافات فى قزوين قد تجلب الأمان والاستقرار لأوبك. فمع شعور المستهلكين بأن النفط غير قابل للفناء في المستقبل "القريب" ربما يفتر الحماس تجاه البحث عن مصادر بديلة للطاقة التقليدية، ومن ثم يستمر النفط مصدر إنعاش لاقتصاديات الدول الأعضاء فى هذه المنطقة وعلى رأسها دول الشرق الاوسط.
ــــــــــــــــــ
* كاتب مصري

المصدر : غير معروف