عدنان أبو عامر الخبير في شئون الحركات الإسلامية بقطاع غزة

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني من قطاع غزة، حاصل على الماجستير في التاريخ من الجامعة الإسلامية في غزة عام 2004، ويحضر لنيل شهادة الدكتوراه حول "التطور التاريخي للمقاومة الفلسطينية" في دمشق.

 

باتت الأوساط العسكرية الإسرائيلية تطرح فرضية الحرب على غزة بصوت أعلى ووتيرة أسرع، بحيث توقف الفلسطينيون والإسرائيليون عن طرح السؤال التقليدي: هل هناك حرب أم لا، بل متى وأين وكيف؟

وتتزايد التقديرات باقتراب العد التنازلي للحرب على غزة مع إحياء الجانبين قبل أيام للذكرى السنوية العاشرة لعملية "السور الواقي"، التي اجتاح الجيش الإسرائيلي خلالها مدن ومخيمات الضفة الغربية، وأعاد احتلالها بالكامل، واستطاع وضع حد شبه كامل للعمليات الفدائية. وهو ما دفع برئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" لأن يعلن رغبته باستكمال عملية "الرصاص المصبوب" التي اندلعت قبل أربعة أعوام، لأن مهمتها في غزة لم تستكمل بعد!

الذرائع المسوقة
ربما تبدو الذريعة الأكثر تسويقا من وجهة النظر الإسرائيلية لإمكانية اندلاع حرب ضروس ضد غزة ما تتناقله من اتهامات تتلخص في البنود التالية:

1- مواصلة استهدافها لعناصر فلسطينية تخطط لتنفيذ عمليات من قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، وأن الجيش قرر بعد انتهاء الأعياد اليهودية استهداف هذه المجموعات المسلحة باعتبارها تشكل تهديدا لأمن الدولة.

من الذرائع التي تسوقها إسرائيل لإمكانية اندلاع حرب ضروس ضد غزة امتلاك حركة حماس وشريكاتها في غزة لصواريخ متطورة قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي

2- امتلاك حركة حماس وشريكاتها في غزة لصواريخ متطورة قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، بما في ذلك تل أبيب و"غوش دان"، واختبارها لصاروخ جديد يصل مداه 60 كلم، رصده الرادار وسجل مساره، فضلا عن تطوير مدى صواريخها بتخفيض وزن الرأس الحربية، لاستخدامها وسيلة ردع في المستقبل.

3- اتساع دائرة تهريب الأسلحة من سيناء إلى قطاع غزة دون حسيب أو رقيب، وشملت الوسائل القتالية التي هربت مئات الصواريخ، وآلاف قذائف الهاون، وعشرات الصواريخ المضادة للدبابات، وأطنانا من المواد المتفجرة، ومواد الخام المستعملة في تصنيعها، ولذلك تسعى الحرب القادمة لوقف تدفق تلك الأسلحة.

4- الأطماع الإسرائيلية المتزايدة في شبه جزيرة سيناء، واطراد الحديث عن ذلك بعد الثورة المصرية، ومحاولة فرض معادلات جديدة فيها، وزيادة الطوق والحراسة الأمنية خشية تنفيذ عمليات معادية، لذلك ستحاول الحرب المزمعة توسيع نطاق الحماية العسكرية الإسرائيلية.

5- القدرة العسكرية المتنامية للفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة، واستخلاصها للعبر من الحرب السابقة، وتحسين جاهزيتها تمهيدا للمواجهة التالية، وتشييدها لمنظومات دفاعية قوية، تشمل تحصينات ومقرات قيادية تحت الأرض، وتحسين قدرة إطلاق قذائف صاروخية طويلة المدى مموّهة على شاكلة وسائل رصد واستخبارات.

الحرب.. ميدانيا وعملياتيا
التحضيرات السائدة عملياتيا، والتقديرات المسربة أمنيا، والحراك الميداني عسكريا، للجيش الإسرائيلي، تنبئ بما لا يقبل الشك والتأويل أن إسرائيل عازمة هذه المرة على شن حرب جديدة في طرازها، قاسية في حيثياتها، ومكلفة في أثمانها البشرية، لتعويض ما عد إخفاقا حصل في الحرب الأخيرة.

ولذلك من الممكن إلقاء نظرة فاحصة على جملة من هذه التحركات التي تؤكد مثل هذه الفرضية "الدموية"، خاصة أن الحديث الإسرائيلي هذه الأيام عن إمكانية تكرار عملية "السور الواقي"، يبدو غير بريء عن إمكانية تكرارها في قطاع غزة:

1- تقوم القوات البرية باستعمال مركبة آلية جديدة غير مأهولة على الحدود مع غزة، تم تركيب كاميرات فيها لتحريكها، وجمع المعلومات، والقيام بمهمات إمداد وتحديد مواقع العبوات الناسفة.

2- إعداد وحدة "يهلام" الهندسية للمهام الخاصة المختصة بالقتال تحت الأرض، للدخول إلى عمل بري واسع لتقصير أمد الحرب في المواجهة القادمة، باعتبار ذلك أمرا حتميا، وبالتالي فإن ما أسمته "بنك الأهداف" لدى الجيش سينتهي في غضون أيام معدودة، وضرورة أن تسفر هذه المواجهة عن "زرع أعلام"، واحتلال مناطق، لرسم "صورة الانتصار".

3- استنفار غير مسبوق في لواء "ناحال"، العامل ضمن فرقة غزة في قيادة المنطقة الجنوبية، ليبدو على مسافة قصيرة من إجراء حربي يتمثل بعملية برية في قطاع غزة، ولذلك يركز عمله في الآونة الأخيرة على أساليب الهجوم، والتأسيس للأحداث الكبرى، واستعد جنوده ليكونوا الأوائل في دخول القطاع.

4- عمليات ميدانية مستحدثة تقوم بها وحدات النخبة في لواء "غولاني" بتنفيذ مهام تحت تهديد الصواريخ المضادة للدروع من نوع متقدم، الموجهة للمواقع العسكرية وأنفاق الهجوم.

التوجه الجديد لدى الجيش الإسرائيلي يقضي بالتخطيط لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة على حدود غزة، وداخلها إذا اقتضت الضرورة، دون الإثقال على الأجهزة الأمنية

ومع ذلك، فإن التوجه الجديد لدى الجيش الإسرائيلي يقضي بالتخطيط لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة على حدود غزة، وداخلها إذا اقتضت الضرورة، دون الإثقال على الأجهزة الأمنية، ليصبح التنسيق العسكري الميداني أعلى صور التعاون التي تميز العلاقات المتبادلة بين الجانبين، وإلا ستصبح المدن الجنوبية لإسرائيل عرضة لمخاطر وتهديدات لم تشهدها من قبل، في ضوء أن الفصائل الفلسطينية في غزة، خاصة حماس، تعمل على بناء خطط تنفيذية.

وإذا ما استمر هذا الوضع، فينبغي التفكير كيف ستظهر المنطقة بعد نحو سنة، لأن نشطاء الحركة يقيمون أنفاقا في غزة، ويبنون تحصينات، ويعملون على خطط قتالية مستوردة، كما أن البنية التحتية للتربة في غزة تسمح لهم بالقنص، وإطلاق النار، وزرع عبوات ناسفة، وبعد سنة سيكون التهديد كبيرا أكثر مما هو عليه اليوم، إذ إن حماس تستغل زمن التهدئة لتعاظم قوتها، وبات لديها هواء للتنفس، وهي تتعاظم حاليا.

وبالتالي فإن التغيرات التي يشهدها ميدان قطاع غزة من الناحية العملياتية تحتم على الجيش الإسرائيلي إحداث تغير مقابل لطبيعة العمليات العسكرية التي ينوي القيام بها في قادم الأيام، خاصة أن الآونة الأخيرة شهدت ارتفاعا في معدل عمليات استهداف جنوده في محيط القطاع، كما أن تهديد الصواريخ المطورة المضادة للدروع التي تملكها الفصائل الفلسطينية أجبره على تغيير الطريقة التي تنفذ بها عمليات خارجية على تلك الجبهة، بحيث سيحظر على الجنود القيام بأي نشاط قرب السياج الفاصل مع غزة أثناء النهار, خشية تعرضهم لإطلاق النار أو الصواريخ، لأن المنطقة تغيرت تماما.

بل إن الضباط العاملين في فرقة غزة ضمن قيادة المنطقة الجنوبية أكدوا غير مرة أن هناك العديد من الحوادث الأكثر تكتيكا تتبعها الفصائل الفلسطينية, بدءا من إطلاق النيران المضادة للدروع، إلى قذائف الهاون التي تطلق بشكل متقطع، وهذه التعليمات الصادرة تحض الجنود على الحذر المستمر، وعدم الوقوع في الأخطاء, مما سيعرضهم لأن يكونوا أهدافا سهلة لهجوم مضاد.

ولذلك أعطى رئيس أركان الجيش "بينى غانتس" الأوامر لبدء تدريبات عسكرية للقيام بعمليات فى قطاع غزة، من المقرر أن ينضم إليها سلاح المشاة قريبا، وقرر إبقاء جميع الوحدات العسكرية في وضع الاستعداد الكامل، انسجاما مع ما طالبت به محافل عسكرية لاتخاذ قرارات مصيرية لحسم مصير المواجهات المسلحة الدائرة مع الفلسطينيين بين حين وآخر، لأن هناك شكوكا تتعلق بالحديث عن أي نوع من الانتصار حين يتعلق الأمر بحرب على المنظمات المسلحة، رغم أن القرارات قد تنجح بتخفيض مستوى العنف إلى الأحد الأدنى، وتحديد مسار القتال في غزة، ليقف عند قناة إطلاق الصواريخ المعقدة والإشكالية.

ولذلك يبدو أن من القرارات الحاسمة التي سيضطر المستوى السياسي الإسرائيلي لاتخاذها إرسال جنود الجيش إلى قلب مدن قطاع غزة والأزقة الضيقة لمخيمات اللاجئين، لتعاد الحياة إلى مسارها الطبيعي على جانبي الخط الأخضر، رغم وجود تحفظات وتردد من توسيع العمليات داخل القطاع، وتحذيرات ضباط الاستخبارات من مئات القتلى بين صفوف الجيش في حال احتل مخيمات اللاجئين.

لكن الأخطر في مثل هذا القرار أنه أثناء الخروج لتنفيذ مثل هذه العملية، مطلوب من تل أبيب حشد حلفاء غير متوقعين: قادة الميدان بالجيش على مستوى قادة الألوية والكتائب، لأن هؤلاء فقط الذين يتابعون مقاومة الفلسطينيين لعمليات المداهمة الخاطفة على مخيمات اللاجئين، ويجب أن يقتنعوا بأن إسرائيل لا تمتلك خيارا آخر، لأنه حين يقتل الإسرائيليون ويصابون يوميا في بلدات "سديروت وعسقلان وأسدود"، من واجب الجيش أن يصل إلى المسلحين ومصانع الصواريخ، حتى ولو كان الثمن فقدان أرواح الجنود.

البعد الإقليمي للحرب
يتزامن الحديث الإسرائيلي حول حرب قادمة ضد غزة، في ضوء حراك سياسي وأمني وعسكري تعيشه مصر، لا سيما سيناء، وإطلاق صاروخ مؤخرا على مدينة إيلات جنوبي إسرائيل. وهو ما دفع بالسلطات المصرية لتنفيذ خطة انتشار أمني كبيرة في جميع أرجاء شمال سيناء، لحماية خط الغاز الطبيعي المصدر لإسرائيل، والانتشار بمدينتي رفح والشيخ زويد، ودعم كمائن الجيش المتمركزة، وإرسالها تعزيزات أمنية من القوات الخاصة، وأكفأ المجموعات القتالية، حاصلين على تدريبات في المطاردات والاشتباكات، وتعزيز شمال سيناء بعشرات المدرعات المصممة ضد جميع أنواع الرصاص.

إذا ما اندلعت حرب إسرائيلية على غزة، فإن إمكانية امتداد سياقاتها الميدانية إلى سيناء وإيلات أمر قائم بالضرورة، وفي ظل الوضع الحالي ستكون مصر عاجزة عن الوفاء بالسيطرة والانتشار الأمني

المثير في الموقف المصري من أي حرب إسرائيلية قادمة على غزة، ما أصدرته تل أبيب من موافقة للقاهرة على إدخال 7 كتائب عسكرية إلى سيناء بقوام يتراوح بين 2500 و3000 جندي، لدعم الأمن والتصدي للمسلحين، خاصة أن المساحة الجغرافية لشبه الجزيرة تصل 61 ألف كم2، وتتطلب انتشارا أمنيا كبيرا، خاصة في المنطقة "ج" المحظور التواجد العسكري فيها، أو تحليق طيارات حربية فيها.

وبالتالي، فإذا ما اندلعت حرب إسرائيلية على غزة، فإن إمكانية امتداد سياقاتها الميدانية إلى سيناء وإيلات أمر قائم بالضرورة، والمعطيات الواردة أعلاه تجعل مصر عاجزة عن الوفاء بالسيطرة والانتشار الأمني، ويحتم على الجانبين المصري والإسرائيلي الجلوس على طاولة المفاوضات لتعديل بعض بنود اتفاقية "كامب ديفيد" لإدخال قوات عسكرية مصرية إليها، لإحكام السيطرة على سيناء واقعيا على الأرض.

أكثر من ذلك، فإن طبيعة الوضع الأمني السائد في سيناء اليوم، وتشابكاته المعقدة مع غزة، من شأنه أن يجعل أي حرب إسرائيلية على الفلسطينيين تهديدا كبيرا على مصر... مما يطرح التساؤل عليها.. ماذا سيكون رد فعلها المأمول والمتوقع!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك