* بقلم/ إبراهيم غرايبة

- مسار التنمية الحديثة
- تنمية ضالة
- البحث عن مدخلات أخرى للتنمية

يمثل استهداف واستحضار دور الدين والثقافة والعدالة الاجتماعية في تحقيق العدالة والتنمية الاقتصادية والسياسية ظاهرة جديدة في تقارير المؤسسات الدولية الكبرى مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي، وهي بالطبع كانت أساسا لمشروعات نهضوية وتنموية كبرى في التاريخ والجغرافيا، ولكن التنمية الحديثة أهملتها وتجاهلتها، ثم عادت من جديد إليها بعد نصف قرن على الأقل من الفشل الاقتصادي والتنموي والتجارب المرهقة التي استنزفت الموارد والوقت والهوية وأضرت بالأمن والتماسك فضلا عن عدم تحقيق الاحتياجات والأولويات الأساسية.


أرجع البنك الدولي أسباب الفقر والفشل الاقتصادي إلى شعور الناس بأنه لا يسمع لهم صوت وأنهم لا حول لهم ولا قوة في مؤسسات الدولة والمجتمع
مسار التنمية الحديثة
كان اتجاه التنمية ومكافحة الفقر في الخمسينيات والستينيات إلى الاستثمارات التجارية ومرافق البنية الأساسية، وفي السبعينيات إلى التعليم والرعاية الصحية، وفي الثمانينيات إلى تحسين إدارة الاقتصاد والسماح لقوى اجتماعية واقتصادية أن تلعب دورا أكبر. واقترح تقرير العام 1990 للتنمية البشرية تشجيع الاستخدام المكثف للأيدي العاملة، والانفتاح الاقتصادي والاستثمار في مرافق البنية الأساسية، وتقديم الخدمات الأساسية للفقراء في مجالي الرعاية الصحية والتعليم، وبدأ خلال التسعينيات مفهوم حسن نظام الإدارة للمؤسسات.

وفي أوائل القرن الجديد اقترح البنك الدولي إستراتيجية تعتمد على تكافؤ الفرص والمساواة ومكافحة الفساد، والتفاعل بين العمليات السياسية والاجتماعية والعمليات المؤسسية الأخرى لتقوية مشاركة الفقراء في العمليات السياسية واتخاذ القرارات على المستوى المحلي وإزالة الحواجز الاجتماعية القائمة على الجنس أو العرق، والأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والبيئي.

وأرجع البنك الدولي أسباب الفقر والفشل الاقتصادي إلى شعور الناس بأنه لا يسمع لهم صوت وأنهم لا حول لهم ولا قوة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

تنمية ضالة
من يستفيد من الإنفاق العام؟ وإلي أي مدى نجحت خطط الدول في تحقيق التنمية والرفاه وتلبية الاحتياجات الرئيسية لمجتمعاتها؟ وهل تتفق الإنجازات المتحققة في هذا المجال مع حجم الضرائب التي تجنيها الحكومات من المواطنين؟

مصطلح "التنمية الضالة" استخدمته مؤسسات دولية متخصصة للتأكيد على أن المشروعات الحكومية والدولية التي اتبعت وأنفق عليها الكثير من المال والوقت أدت إلى مزيد من الفقر والفشل والظلم.


مصطلح التنمية الضالة استخدمته مؤسسات دولية متخصصة للتأكيد على أن المشروعات الحكومية والدولية التي اتبعت وأنفق عليها الكثير من المال والوقت أدت إلى مزيد من الفقر والفشل والظلم
لقد استخدمت الحكومات الموارد التي جمعتها من الضرائب والقروض الخارجية أو من الموارد الإستراتيجية لتحسين معيشة الفئة الغنية في المجتمع فقط، فقد كانت الطرق وشبكات المياه والصرف والرعاية الصحية والمدارس والجامعات التي بنتها الحكومات وأنفقت عليها موجهة لأقل من 20% من السكان، وأظهرت الدراسات أن الأغنياء غالبا ما ينجحون في التهرب من الضريبة وأن أكثر من يساهم في الضرائب هم الطبقة الوسطى من المجتمع.

وتواجه جميع دول العالم ومجتمعاتها اليوم ظاهرة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء على نحو يعيد صور الإقطاع والاستغلال البشع الذي عرفته البشرية قبل قرون من الزمن.

فعلى مستوى العالم فإن أغنى خمس السكان ينالون أكثر بمقدار ستين مرة من أفقر خمس السكان، وفي الأرجنتين والبرازيل وكوستاريكا وفنزويلا على سبيل المثال ازداد 5% من أغنى الناس غنى في الوقت الذي يتراجع فيه مستوى المعيشة بشكل متناقض باستمرار لأكثر من 75% من السكان.

وارتفع الفرق في بريطانيا بين أغنى خمس وأفقر خمس من أربعة أضعاف عام 1977 إلى سبعة أضعاف عام 1991، وارتفع الفرق في الولايات المتحدة من أربعة أضعاف عام 1970 إلى 13 ضعفا عام 1993، وأما في جنوب أفريقيا فإن أغنى خمس من السكان ينالون 45 ضعف ما يناله أفقر خمس، وفي الجزائر سبعة أضعاف. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر الدول عدالة في الفرق بين الأغنياء والفقراء هي اليابان والهند وألمانيا.

وقد تبدو أرقام الفرق بين الأغنياء والفقراء صماء غير معبرة رغم الظلم والإجحاف الذي يمكن استنتاجه، ولكن إذا فكر المرء بتداعيات هذا الفرق ومقتضياته من ساعات عمل طويلة وشاقة، وسوء تغذية، وعدم الحصول على مسكن ومياه شرب نقية، ورعاية صحية، وخدمة اجتماعية، فإن الصورة كارثية، وإذا استمر المرء في التداعيات وفكر في تأثير هذه الفروق اجتماعيا وسياسيا فيكاد يعتقد أن العالم مقدم على فوضى وجرائم وصراعات طاحنة تذهب بالفقراء والأغنياء معا.

وانخفضت أجور العمال بسبب البطالة والمكننة بنسبة أكبر، ففي المكسيك انخفضت الأجور في الفترة 1982–1988 بنسبة 40%. وارتفعت حصة السلع الأساسية للأسرة متوسطة الحال من 46% من الحد الأدنى للأجور عام 1983 إلى 161% عام 1992، ولا بد أن هذه الفروق الهائلة كانت أهم أسباب انتفاضة الفلاحين في ولاية تشياباس في المكسيك عام 1994.

وهذا الخمس الغني لا يسيطر فقط على 84% من موارد العالم ولكن يتسرب إليه موارد الجزء الباقي من الناس، أي أن حصته في الموارد والإنتاج تتزايد باستمرار مهددة بتحويل الأغلبية الساحقة من الناس إلى عالة على المعونات الخيرية والحكومية إن بقيت حكومات تملك مالا.

وهكذا فإن الخمس الغني لا يكتفي بغنيمته الهائلة ولكنه ينافس الفقراء حتى على فرصهم الضئيلة والمحدودة دون أن يترك لهم هامشا للبقاء والمناورة، دون ملاحظة أنه على المدى البعيد ستكون الخسارة والكارثة شاملة للأغنياء والفقراء.


المقياس الحقيقي للتنمية هو القدرة على الحصول على التعليم والأمن والصحة، وإذا لم توصل الإجراءات الاقتصادية والسياسية إلى تحقيق هذه الاحتياجات فلا قيمة حقيقية لها
البحث عن مدخلات أخرى للتنمية
يقدم علماء غربيون مثل آلان بيرفت مؤلف كتاب "المعجزة في الاقتصاد" ومؤسسات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أفكارا قائمة على أن الاكتفاء الذاتي والتنمية ترتبط بثقافات الشعوب والمجتمعات وسياسات الدولة العامة أكثر مما ترتبط برأس المال والموارد المادية وحدها.

فيطرح بيرفت سؤالا في كتابه "المحنة الفرنسية" هل ينبغي استبعاد واقع أن أكثر السمات غير المادية في المجتمع كالدين والثقافة، ودوافع العمل والموقف تجاه السلطة وردود الفعل التاريخية وأخلاق الفرد والجماعة والتربية والقيم تعدل من سلوك كل شعب، وتحور مسار كل حضارة حتى في أكثر المجالات مادية كالاستثمارات والإنتاج والتبادل ومعدلات النمو؟ لم يختزل الاقتصاد في مواد أولية ورؤوس أموال ويد عاملة؟ ولم لا يكون قبل أي شيء آخر ثقافة مواتية للاقتصاد؟

ماذا لو كانت الديمقراطية لا تنحصر في المؤسسات بل تتطلب حسا عاملا قادرا على تفعيلها؟ ماذا لو كان هذا التأثير للعامل الثقافي هو السبب الحاسم –وليس الوحيد بالطبع– للتخلف والتقدم الاقتصادي وللأزمات كما للتوازنات السياسية؟

لماذا تستطيع الهند الجنوبية إطعام 385 شخصا في الكيلومتر المربع الواحد في حين أن أفريقيا الاستوائية التي حباها الله سبحانه وتعالى بالمطر والشبيهة بالهند من حيث مناخها وطبيعة أرضها وتضاريسها تكاد لا تستطيع أن تطعم أربعة أشخاص من سكانها في الكيلومتر المربع الواحد؟ من المؤكد أن الفرق يكمن في البشر لا في الأرض.

والدراسات التاريخية عن الأردن تبين بوضوح وبساطة كيف استطاع الإنسان في هذا البلد تحقيق نظام موارد يلبي احتياجات الناس دون حاجة لمعونة وتقنيات خارجية مستوردة.

ففي دراسة للدكتور محمد عدنان البخيت عن (المرافق العامة في منطقة شرق الأردن) نشرت في مجلة مؤتة عدد مارس/ آذار 1993، نجد دراسات مسحية للينابيع والآبار والبرك والطواحين والمعاصر (معاصر الزيت والعنب والسكر) في العهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية توثقها سجلات المحاكم وقيود الأراضي وكتب الرحالة الغربيين.

وفي المقابل فإننا نلاحظ أن أنظمة الري وشبكات مياه الشرب الحديثة وأنظمة تصميم البيوت تؤدي إلى هدر الموارد المائية واستنزافها. فسلطة المياه تستولي على المياه من أصحابها الحقيقيين، وتنفق عشرات الملايين على ضخ هذه المياه إلى المدن، ثم تهدر 52% وفي دراسة سابقة 61% في أنابيب المياه المهترئة.

وهي أمثلة تصلح بالتأكيد للاستنتاج أن ثقافة الناس واتجاهاتهم الاجتماعية والاقتصادية أسعفتهم في توفير إمكانية التعامل مع مشكلات شح الموارد المائية، وتوظيف البيئة والطبيعة المتاحة في إقامة مشروعات تنظيم استخدام الموارد المائية وتخزينها وتوفيرها للشرب والخدمات، وإمكانية تحقيق إنتاج اقتصادي وفير تدل عليه كثافة معاصر الزيت والعنب والسكر، وهي مشكلات وتحديات عجز الجيل الحاضر حتى باستخدام التقنية والموارد الإضافية المتأتية من القروض والمنح الأجنبية عن التعامل الإيجابي معها.

ويجد كثيرون من المحللين الاقتصاديين سر النهضة الاقتصادية عند مهزومي الحرب العالمية الثانية (اليابان وألمانيا وإيطاليا) في أسباب معنوية تتمثل في الرغبة بالخروج من البؤس والهزيمة، والمبادرة، والتصميم على صنع حياة جديدة بأي ثمن.
ويجدون أيضا في المقابل أمثلة كثيرة تؤكد أن الشروط المادية كرأس المال والعمل لا تؤدي بالضرورة أو تلقائيا إلى التنمية.

وتشكل المرجعيات الثقافية والدينية أنظمة عمل تؤثر بوضوح في السوق والاقتصاد مثل دفع الضرائب أو التهرب منها، فالتزام الناس بأداء الحقوق باعتبارها دينا واجب السداد لتكليف ديني أو ثقافة اجتماعية يقلل كثيرا من أعباء النزاعات والإدارة ويقلل من الهدر، ويجعل التهرب من أداء الضريبة أو الدين عيبا وانحرافا اجتماعيا يؤثر على سمعة الإنسان وموقفه الاجتماعي، ويمكن تطوير ذلك على نحو مؤسسي عندما تتعاون المؤسسات في تبادل المعلومات حول من يتهرب من دفع التزاماته. ويحدث العكس أيضا عندما تنشأ ثقافة تشجع على الفساد والمحسوبية والتهرب من الواجبات الضريبية والعامة.

وتكون الثقافة أحيانا بديلا فعالا للمؤسسات الرسمية وبخاصة في الدول الفقيرة أو المجتمعات البعيدة والمعزولة، ولكنها فعالة أيضا ومستخدمة في أبراج الشركات التجارية الكبرى في المدن العامرة.

ويمكن أن تفرض الثقافة الدينية والاجتماعية سياسات عامة لمكافحة الفساد أكثر فعالية من القوانين والأنظمة المؤسسية المالية والإدارية والقضائية، وهناك دلائل قوية على أن المستويات الأعلى للفساد تقترن بمستويات أدنى من التنمية ومن دخل الفرد.

وقد وجدت حركات بيئية كثيرة الحل لمواجهة التلوث والعمل الإيجابي لبيئة نظيفة في تنظيمات اجتماعية تجعل الناس قادرين على حماية البيئة ومنع المشروعات التي تضر بهم.

ويلاحظ أن معظم إن لم يكن جميع المشروعات التي تعتدي على البيئة وحياة الناس مردها الرئيسي إلى ضعف السكان المقيمين في محيط منطقة المشروع، واستقواء الشركات عليهم، وضعف أو انعدام الجمعيات والمؤسسات التي تنسق جهود الناس وتسعى لتحقيق احتياجاتهم. وفي المقابل فقد أمكن إقامة مشروعات ناجحة في التنمية أو في مواجهة اعتداءات الشركات والحكومات.

ويؤكد تقرير التنمية البشرية لعام 1999 على أن مفاهيم الكفاءة الاقتصادية والأسواق التنافسية على أهميتها ليست كافية لتحقيق التنمية وأصبحت السياسات الاجتماعية أهم اليوم مما كان من قبل من أجل توظيف العولمة لخدمة التنمية البشرية وحماية الناس من تهديداتها الجديدة.

ويعرض التقرير تجارب متشابهة لأقطار مختلفة بعضها نجحت وبعضها فشلت برغم التماثل في الإجراءات والسياسات، والسبب هو اختلاف التقاليد والثقافات وإجراءات الحماية والتعزيز التي اتخذتها الدول لمواجهة الآثار والتداعيات المختلفة أو ما يمكن تسميته بـ "المحاسبة الاجتماعية".

باختصار ووضوح فإن المقياس الحقيقي للتنمية هو القدرة على الحصول على الغذاء والتعليم والأمن والمشاركة العامة والصحة. وإذا لم يوصل النمو الاقتصادي والإجراءات والسياسات الاقتصادية والسياسية إلى تحقيق هذه الاحتياجات فلا قيمة حقيقية لها مهما كان النمو في الناتج المحلي وإقامة المشروعات وإتاحة التقنيات.
ــــــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصدر : الجزيرة