بقلم/ خليل العناني

-أكراد كركوك وجدلية الانفصال
-الوضع القانوني للأكراد في كركوك
-الموقف العراقي من مطلب الانفصال
-ردود فعل دول الجوار
-الولايات المتحدة والقضية الكردية
-مستقبل كركوك

ربما لا يعتبر جديدا أن يطالب أكراد العراق بالانفصال، ولكن الجديد هذه المرة أن المطالبة بالانفصال تأتي في سياقات محلية وإقليمية ودولية مختلفة عما كانت عن ذي قبل، ليس أقلها سقوط النظام العراقي البائد واعتقال قيادته ممثلة في الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، ما يعطي مطلب الانفصال مزيدا من الزخم والسخونة، ويثير العديد من التساؤلات حول مغزى هذا المطلب وتوقيته فضلا عن تداعياته المتوقعة.


أخذت قضية الأكراد طابعا رسميا حين تقدم ممثلو الأكراد الخمسة في مجلس الحكم العراقي بمشروع ينص على إنشاء اتحاد فدرالي في العراق تضم فيه كركوك إلى المنطقة الكردية دون انتظار صياغة الدستور العراقي الجديد
أكراد كركوك وجدلية الانفصال
تتلخص مطالب الأقلية الكردية القاطنة في إقليم كركوك الشمالي في الانفصال عن الدولة العراقية وضم كركوك -الغنية بالنفط- إلى إقليم كردستان الواقع شمال العراق.

وقد بدأت القضية عندما أعلن الأكراد في كركوك عن رغبتهم في وضع نظام فدرالي في العراق يضمن استقلال كركوك عن العراق وضمه لاحقا إلى إقليم كردستان، بحيث ينص الدستور العراقي الجديد المزمع وضعه على هذا المطلب باعتباره يتناغم مع مطالب الأكراد وحقوقهم المشروعة في الإقليم.

وقد أخذت القضية طابعاً رسمياً حامياً حين تقدم ممثلو الأكراد الخمسة في مجلس الحكم العراقي بمشروع قانون ينص على إنشاء اتحاد فدرالي في العراق بحيث تُضم فيه كركوك إلى المنطقة الكردية، وذلك دون انتظار حتى صياغة الدستور العراقي الجديد.

وجدير بالذكر أن هذا المشروع كان قد تبناه البرلمان الكردي في السابق ويقضي بأن تتألف محافظة كردستان من المناطق ذات الغالبية الكردية حسب إحصاء أجري عام 1957 أي قبل تطبيق سياسة "التعريب" من قبل نظام صدام حسين في منطقة كركوك.

ويوضح النص أن المناطق الكردية تشمل محافظات دهوك وأربيل والسليمانية التي يسيطر عليها الأكراد منذ العام 1991 إضافة إلى كركوك وأنحاء كردية في محافظة ديالى (66 كلم شمالي بغداد) والموصل (400 كلم شمالي بغداد). كما يطرح المشروع "إقامة عراق فدرالي برلماني" ويوضح "طبيعة العلاقات بين العاصمة ومناطق كردستان".

والأكثر من ذلك هو اتفاق كل من جلال طالباني ومسعود برزاني -زعيمي الأكراد وممثليهم في مجلس الحكم- على ضرورة ممارسة ضغوط على المجلس وعلى الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر من أجل الحصول على مكاسب سياسية أكبر تتعلق بالمسألة الكردية، سواء من خلال النص على ذلك في الدستور الجديد أو محاولة الضغط لفرضه على أرض الواقع، فضلا عن قيادة كلا الحزبين الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني لتظاهرات عديدة -صاحبتها أحداث شغب وقتل- للمطالبة بفصل كركوك عن العراق، وكان آخر الأحداث هو إعلان كركوك منطقة معزولة السلاح بعد تكرار حوادث الشغب تلك.


استطاع العراق أن يصهر جميع مفرداته العرقية والإثنية والدينية في بوتقة واحدة، ومطالبة البعض بانفصال كركوك أمر يكتسي بطابع سياسي أكثر من ارتباطه بحقوق جيوسياسية تاريخية في هذا الإقليم
الوضع القانوني للأكراد في كركوك
عراقيا تعتبر كركوك مدينة عراقية رافدية بكل مقاييس العرف والتاريخ وعلم الآثار، ووجود أكراد أو تركمان في هذه المدينة، بغض النظر عن حجمهم أو عددهم، لا يلغي عراقيتها وتاريخها.

كما أن العودة إلى مطالب الأكراد في العراق خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها توضح لنا مقدار العبث الذي أجرته هذه الفصائل بالقضية الكردية حيث كانت جميع مطالبهم تدور حول الحصول على حكم ذاتي في منطقة السليمانية فقط، بل إن الشيخ محمود الذي نودي به رئيسا لكردستان عام 1922 اعتبر السليمانية عاصمته الأولى.

وكرديا يحاول أكراد كردستان تأكيد الحق التاريخي لهم في كركوك لدرجة جعلتهم يعتبرونها العاصمة الأولى للإقليم ويرفضون التنازل عنها تحت أي ظرف. وعليه فقد كانت كركوك –ولازالت- هي الحلم الأكبر لأكراد كردستان.

ومع أن نصف كركوك تقريبا يقع اليوم خارج منطقة السيطرة الكردية فإنها في التصور المستقبلي لكردستان العراق تقع وسط الإقليم الذي تبلغ مساحته ضعفي ما يسيطرون عليه حاليا.

ودون الخوض في جدلية مدى أحقية الأكراد في تكوين دولة لهم من عدمه، تبقى الحقيقة الظاهرة أن العراق قد استطاع على مدار قرون عديدة أن يشكل بوتقة صهر لجميع مفرداته العرقية والإثنية والدينية، ما يعني أن مطالبة البعض بانفصال كركوك أمر مبالغ فيه ويكتسي بطابع سياسي أكثر من كونه مرتبطا بحقوق جيوسياسية تاريخية في هذا الإقليم.

وتشير الدلائل إلى دوافع عديدة تقف خلف مطالب الانفصال الكردية تتعدى مجرد المطالبة بالحق التاريخي في كركوك، فأولا هناك الثروة النفطية الهائلة التي تغري كل طامع للحصول على دور في مستقبل الخريطة النفطية العالمية وليس في العراق فحسب وذلك من خلال الحصول عليها، ودائما ما رغب الأكراد في الحصول على حصة عادلة من عائدات النفط تتناسب وعددهم من مجمل عدد العراقيين. بل ويأمل الأكراد في أن ترتفع حصتهم من عائدات النفط من 13% يحصلون عليها الآن إلى 25% أو أكثر.

وثانيا تشكل كركوك موقعا إستراتيجيا هاما يغري كل طامع في لعب دور إقليمي مؤثر في سياسات القوى الإقليمية الكبرى مثل سوريا وتركيا وإيران.

وثالثا تلعب مسألة كركوك دورا هاما بالنسبة للأعضاء الأكراد في مجلس الحكم حيث تعد ورقة لعب هامة في أيديهم للضغط على بقية الأعضاء وإدارة الاحتلال لتحقيق مكاسب سياسية-شخصية تتعدى حلم الوحدة الكردية الوطنية كما يدعي البعض.

أخيرا فإن الاحتفاظ بكركوك يعني للأكراد الاحتفاظ بدور حيوي في الشأن العراقي خاصة في المستقبل القريب وبعد عودة الأمور لمجاريها بافتراض حدوث ذلك.


الانفصال يعني فتح الباب أمام كومة النار العرقية والطائفية والإثنية والدينية التي قد تحرق الشعب العراقي بأكمله، خاصة في ظل عدم وجود حكومة مركزية قوية حتى الآن
الموقف العراقي من مطلب الانفصال
يرفض العراقيون أي نوع من الانفصال الجغرافي والسياسي في كركوك، وكثيرا ما قوبل مطلب الانفصال بالرفض الشعبي والرسمي، ليس لكونه يشكل خلخلة لتراب الوطن العراقي وتركيبته الشعبية فحسب، ولكن لأنه أيضا يشكل استغلالا لواقع سياسي جديد نشأ بعد سقوط العراق في براثن الاحتلال الأجنبي. وليس أدل على ذلك من رفض عرب وتركمان كركوك أنفسهم لأي محاولة للانسلاخ عن التراب العراقي، واندلاع المظاهرات مؤخرا للتعبير عن هذا الرفض المطلق للانضمام إلى إقليم كردستان.

ولا جدال في خطورة الدعوة إلى مثل هذا الانفصال على العراق خصوصا في الفترة الحالية، فالانفصال يعني أولا فتح الباب أمام كومة النار العرقية والطائفية والإثنية والدينية التي قد تحرق الشعب العراقي بأكمله، خاصة في ظل عدم وجود حكومة مركزية قوية حتى الآن.

وثانيا يدفع الانفصال نحو تقسيم الوطن العراقي بشكل عنيف وتقطيع أوصاله بغية الحصول على مكاسب ذاتية بغض النظر عن الكيان الذي يجمع أوصال اللُحمة العراقية.

وثالثا يقلل من قدرة العراقيين على حماية أنفسهم ويدفع نحو المزيد من التدخل الأجنبي بين الفينة والأخرى.

ووسط هذه المخاطر ارتفعت الأصوات العراقية سواء داخل مجلس الحكم الانتقالي أو خارجه لرفض مثل هذه المطالب الرامية لخلخلة الأوضاع في العراق أكثر مما هي عليه الآن.

ولذا فقد حذر العرب والتركمان في كركوك من مخاطر الانفصال، وكان آخرها التحذيرات التي أطلقتها منظمة "جماهير التركمان في العراق" من مغبة الاستجابة لمطالب الأكراد التي تهدف إلى تمزيق التراب العراقي على حد وصف هذه المنظمة.

كما رفض أعضاء مجلس الحكم أيضا مثل هذه المطالب الانفصالية باعتبار أن لها تأثيرات مدمرة على بناء الدولة العراقية خلال المرحلة المقبلة، وغير مستبعد أن يؤدي إلى حرب وفتنة داخلية عراقية.

بيد أن هذا لم يمنع القوى السياسية العراقية من التعبير عن احترامها لفدرالية إقليم كردستان العراق كسبيل لتدعيم أواصر الوحدة الوطنية العراقية.


رفضت تركيا انضمام كركوك لإقليم كردستان حتى لا تفقد أول منفذ يتم من خلاله تصدير النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي، فضلا عن احتمالات مطالبة أكراد تركيا بوضع مماثل
ردود فعل دول الجوار
حين يذكر الأكراد فلا بد من ذكر تركيا باعتبار أن القضية الكردية تشكل قاسما مشتركا بين العراق وتركيا، وكثيرا ما مثلت حجر عثرة أمام أي محاولة لتطوير العلاقات بين البلدين.

ودون الخوض في تفاصيل الخلفيات التركية تجاه الأكراد، فإنه يمكن القول إن مطلب الانفصال دائما ما يقابل برفض تركي جملة وتفصيلا.

وقد جاء أول رد فعلي تركي علي المطالب الكردية الأخيرة الداعية إلى انفصال كركوك على لسان وزير الخارجية التركي عبد الله غول الذي حذر من مغبة تغيير الوضع السكاني والجغرافي لإقليم كركوك.

وكثيرا ما رفضت تركيا انضمام كركوك لإقليم كردستان حتى لا تفقد أهميته الإستراتيجية كأول منفذ يتم من خلاله تصدير النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي، فضلا عن كون الانفصال يصب في زيادة المساحة الممنوحة لأكراد كردستان، واحتمالات مطالبة أكراد تركيا بوضع مماثل.

كما وجهت تركيا تحذيرات جدية إلى الفصائل الكردية من أي محاولة لتوسيع حكمهم الذاتي في شمال البلاد، واحتمالات اللجوء للخيار العسكري لقمع أي محاولة من هذا القبيل.

أما بالنسبة لسوريا، فبالرغم من ضعف الأقلية الكردية فيها، سواء من حيث العدد أو التأثير السياسي، فإن إنشاء وطن خاص بالأكراد في المنطقة الواقعة علي الحدود العراقية السورية التركية كثيرا ما شكل هاجسا قويا لدى الحكومات السورية المتعاقبة وأثر على انسياب العلاقات بين الدول الثلاث (العراق وسوريا وتركيا).

لذا لم يكن غريبا أن يعلن الرئيس السوري بشار الأسد إبان زيارته التاريخية لأنقرة قبل أيام معدودة عن رفضه المطلق لانفصال كركوك وضمه لإقليم كردستان الشمالي.

بل يرى البعض أن الزيارة قد تمحورت بالأساس حول الملف العراقي بشكل عام وموضوع انفصال كركوك على وجه التحديد.

وينبع القلق السوري من تكوين دولة كردية من أن يؤدي هذا الإجراء إلى قلق كردي داخلي في سوريا، هي في غنى عنه الآن في ظل البيئة الإقليمية والدولية غير المواتية لسوريا عموما.


لن تبت الولايات المتحدة في مسألة كردستان حتى يتم تسوية الخلاف بشأنها في إطار حكومة عراقية تتسلم السيادة والسلطة من إدارة الاحتلال
الولايات المتحدة والقضية الكردية
تدرك الولايات المتحدة خطورة الوضع في العراق في الوقت الحالي ما ينفي أي احتمالات لفصل كركوك عن بقية الجسد العراقي، لأن ذلك من شأنه فتح باب التوترات والانقسامات في الداخل العراقي.

ولعوامل عديدة ترفض واشنطن مثل هذا التقسيم وإن كان الأمر يتعلق بعاملين رئيسيين، أولهما رفض التضحية بكركوك وما تحويه رماله من مخزون نفطي هائل شكل -في جزء من التحليل- أحد مبررات الحرب علي العراق، لذا فمن غير المتصور أن تسمح واشنطن بذهاب هذا الإقليم للأكراد وتضيع علي نفسها فرصة الفوز بخيراته.

أما العامل الثاني فهو أن انفصال الإقليم ليس في مصلحة التوازن الإستراتيجي في المنطقة ككل، فهو من ناحية قد يثير خصومات مع تركيا الحليف التقليدي للولايات المتحدة وذلك علي الرغم من برود العلاقات بين الطرفين الأميركي والتركي.

كما أنه من ناحية أخرى قد يثير مخاوف لدى العراقيين أنفسهم من النوايا الأميركية الحقيقية تجاه مستقبل العراق ككل.

ومن ناحية ثالثة قد يمثل الإقليم مسمار جحا الذي تلجأ إليه واشنطن لمناورة أطراف اللعبة الإقليمية ممثلة في تركيا وسوريا والعراق ذاته مستقبلا.

وكي تنأى بنفسها عن الانشغال بهذه القضية أعلنت إدارة الاحتلال الأميركي في العراق أن الولايات المتحدة لن تبت في مسألة كردستان حتى يتم تسوية الخلاف بشأنها في إطار حكومة عراقية تتسلم السيادة والسلطة من إدارة الاحتلال، أي بعد حلول منتصف العام الحالي.

مستقبل كركوك
لا شك أن هذه القضية تمثل مفصلا هاما في تحديد مستقبل العراق "الواحد"، باعتبارها تشكل أول حقيقة فعلية ناجمة عن سقوط النظام العراقي السابق وكونها أول اختبار حقيقي على اجتياز العراق لمرحلة عدم التوازن السياسي.

وأزعم أن الحل الأمثل لهذه القضية يتمثل في رفض أي مطلب للانفصال، باعتبار أن الاستجابة له قد تفتح الباب أمام سيل من الاستحقاقات العرقية والطائفية ليس لها وقت الآن في العراق، دون أن يعني هذا رفض الفدرالية كأساس للحكم. ولكن بشرط أن يتم وضع هذا الإقليم تحت إدارة أي حكومة عراقية ستحل في بغداد، فضلا عن هذا يمكن إعادة بعض العائلات التي تم تهجيرها من قبل إلى كركوك كي تعود إلى مواطنها الأصلية حتى لا تحدث مشاحنات مستقبلية بين العرب والتركمان والأكراد هناك.

وعموما فلن يبت في الأمر قبل أن تستقيم الأمور في بغداد وتحل هناك حكومة عراقية تتولى إدارة الأمور بنفسها وتقرر وقتها مصلحة الشعب العراقي وهل تكون في الانفصال أم لا.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف