عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي

 

مخاض صعب لكنه واعد
غموض ومخاوف من المحتوى

صدر مؤخرا على موقع المجلس الوطني التأسيسي مسودة الدستور التونسي الجديد الذي سيعرض للمناقشة والتصويت في الجلسات العامة. وبالرغم من أن النص هو مجرد مشروع إلا أنه يمكننا من إلقاء نظرة أولية عليه لاستقصاء نقاط قوته وفهم خلفياته ومكامن نقائصه.

وبما أن المجال القانوني عموما وخاصة منه الدستوري لا يدخل نطاق تخصصي، فإنني سأكتفي ببعض الملاحظات التي تبدوا لي أكثر وضوحا، تاركا التفاصيل التقنية لأهل الاختصاص. سأستأنس فقط بعمل بحثي قمت به حول النقاش الدستوري الذي تم خلال تجربة المجلس القومي التأسيسي بين 1956 و1959، والذي أفضى إلى الدستور الأول لجمهورية الاستقلال.

مخاض صعب لكنه واعد
قبل الدخول في بعض تفاصيل المشروع لا بد من الإشارة إلى وجود جو عام تمت فيه صياغة الدستور يعد من بين أولى النقاط الإيجابية للحالة التونسية. وربما تتمثل أولى النقاط الإيجابية في المسار العام الذي تم فيه الإعداد لصياغة الدستور الجديد. مسار انتخابي ناجح تولد عنه مجلس تأسيسي متنوع إلى حد ما.

وفي هذا السياق تختلف ضمنيا التجربة التونسية عن مثيلتها المصرية من حيث أن المسار المصري حكمه، حسب رأيي، نوع من التسرع في قبول بعض الإعلانات الدستورية المؤقتة ثم في الإعداد للدستور الحالي. ويعود هذا أساسا إلى وزن المؤسسة العسكرية وكذلك إلى شدة اختلال الخارطة السياسية لصالح الإسلاميين.

التنوع الذي تشهده تونس يعكس حركية مجتمعية تدرج مختلف القوى في عملية البناء القانوني والمؤسساتي والثقافي لما بعد الثورة بعيدا عن إسقاطات السلطة

هذا الاختلال يبقى نسبيا في الحالة التونسية، فحركة النهضة الإسلامية هي الحزب الأول المنبثق عن المسار الانتخابي الجديد، لكنها مقتنعة في نفس الوقت بمحدودية مجال حركتها دون سند قوى حزبية أخرى.

هذا ما جعل بعض ما جاء في الدستور يأتي نتيجة لتوافق مختلف الاتجاهات. وربما يكون مثال عدم إدراج الشريعة في الدستور والاكتفاء بالفصل الأول من النص القديم (تونس دولة حرة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها) النموذج الأبرز لهذا التوافق. لكن في نفس الوقت علينا الإقرار بأن الاتفاق جاء بعد فترة انقسام كبير بين الفاعلين السياسيين، وبعد نقاش وطني واسع ساهم فيه العديد من المختصين واقتنعت على إثره حركة النهضة بعدم إدراج الشريعة في الدستور.

من بين النقاط الإيجابية الأخرى هو النقاش العام الذي صاحب عمل المجلس التأسيسي. ففي كل مرة أثيرت فيها قضية دستورية للنقاش داخله؛ تبعها نقاش على الإذاعة والتلفزيون وعلى صفحات الجرائد وحتى في الأماكن العامة على مستوى المجتمع. وبالرغم من النقائص والسلبيات والتجاذبات، فإن النقاش العام يعد ظاهرة صحية تعكس انخراطا مجتمعيا في الفعل في الواقع وفي رسم ملامح المستقبل.

هي لحظة تاريخية فارقة في التاريخ التونسي والعربي الحديث، حيث يتمكن المجتمع من التعبير عن ذاته المتنوعة ويفتح باب المنافسة بين مختلف تناقضاته بما فيها القوى التي لا تؤمن أصلا بالتنوع وبالديمقراطية. كان هناك نقاش حول الشريعة، ونقاش حول قانون حماية المقدسات ونقاش حول حياد المساجد عن العمل السياسي ونقاش حول المساواة بين المرأة والرجل وحرية التعبير واستقلال الصحافة والقضاء.

هذا التنوع يعكس حركية مجتمعية تدرج مختلف القوى في عملية البناء القانوني والمؤسساتي والثقافي لما بعد الثورة بعيدا عن إسقاطات السلطة. وهو من جهة أخرى تجسيد للمرور من مرحلة الحداثة السلطوية إلى مرحلة الحداثة كحاجة مجتمعية مفكر فيها من الأسفل إلى الأعلى.

أما من حيث سلبيات ظروف الإعداد، فقد أجمعت النخب والملاحظون وعامة التونسيين، حول انتقاد طول المدة التي استغرقها العمل على الصياغة وبطء عمل المجلس الوطني التأسيسي بصفة عامة. كان من المفروض أن يتم المجلس عمله في ظرف سنة. لذا بدأت الطبقة السياسية وبعد حلول الموعد المتفق عليه تتخوف من النوايا الخفية من وراء هذا التمطيط، كما بدأ نوع من اليأس يدب في صفوف المواطنين العاديين حول إمكانية تحسين ظروفهم المعيشية.

ترى الطبقة السياسية غير المشاركة في الحكم، أن هذا التمطيط يهدف إلى إعطاء الوقت الكافي لحركة النهضة الإسلامية للتغلغل في دواليب الدولة. وهذا ما أكدته التعيينات في الوظائف العليا للدولة وعلى رأس كبرى المؤسسات العمومية وعلى رأس الإدارات الجهوية والمحلية بشكل أثار حتى حفيظة حلفائها في الحكم.

لقد أصبح هناك نوع من الشك حول مصداقية الظروف الذي ستتم فيها الانتخابات المقبلة بسبب هذه التعيينات التي تزامنت مع توسع ممارسة العنف ضد الخصوم السياسيين من الأحزاب، مثلما حصل مع نداء تونس، أو مع قوى المجتمع المدني كالاتحاد العام التونسي للشغل.

أما بالنسبة للمواطن العادي فإن عمل المجلس اتخذ منحى مغايرا للأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة. فقد اعتبر عديد الشباب -وخاصة في تونس الداخلية- أنهم قاموا بالثورة من أجل الشغل والعيش الكريم، ليجدوا المجلس يناقش إدراج الشريعة من عدمه في الدستور. هذا هو السبب الحقيقي للاحتقان الاجتماعي في الجهات الداخلية.

أمام هذا التمطيط وكل هذا الوقت الذي اعتبر ضائعا، أصبح البعض يرى أنه كان بالإمكان الاعتماد على نص دستور سنة 1959 وتحيينه وتثويره وتطعيمه كي يرتقي إلى مستوى طموحات الشعب بعد الثورة. وهذا رأي شديد الصواب، خاصة وأن مسودة الدستور الحالي أعادت في الحقيقة روح النص القديم في جوانب كثيرة ولو بلغة مختلفة. كما كان يمكن للمجلس أن يعتمد على مشروعي الخبراء والمجتمع المدني لربح الوقت كذلك، خاصة وأن نواب المجلس لم يعبروا عن اعتراضات جوهرية تجاهها.

لو قارنا الدستور التونسي مع الدستور المصري سنلاحظ فروقا عديدة، ليس فقط بين النصين ولكن كذلك بين مجتمعين من حيث طبيعة الوعي المجتمعي العام

غموض ومخاوف من المحتوى
على مستوى المحتوى، هناك إجمالا إشارات جيدة وإيجابية لكن مع وجود نقاط الغموض اعتبرها البعض فخاخا أو قنابل قد تنفجر لاحقا لحظة بلورة مشاريع القوانين.

لكي نفهم هذه الجوانب لا بد من وضعها في إطار خصوصية الوضع التونسي من جهة، ثم من جهة ثانية في إطار طبيعة الرهانات الحقيقية اليوم في عالم ينشد فيه العرب اللحاق بركب الأمم المجاورة لها. على مستوى الخصوصية التونسية لا بد من التأكيد على قدم التجربة الدستورية التي تعود إلى سنة 1861 عند الإعلان عن أول دستور في البلاد العربية.

كما لا بد من التذكير بدور شعار الدستور في المخيال الجمعي التونسي إبان الحركة الوطنية، ثم بعده من خلال دور دستور 1959 في ترسيخ بعض مظاهر الحداثة ولو بشكل جزئي وانتقائي زمن بورقيبة.

أما على صعيد طبيعة المرحلة، فإن الرهان العالمي اليوم يتمثل القدرة على تحقيق الحريات وطموحات الشرائح الشعبية في العيش الكريم. لهذه الأسباب فإن مستوى انتظارات التونسيين، وخاصة منهم النخب، يظل مرتفعا. فإن حقق دستور الاستقلال قيام الدولة فعلى دستور الثورة أن يحق المواطنة في كل أبعادها. هنا نفهم حجم التحدي كما نتلمس نوعية المعايير التي تمكننا من الحكم على فصوله.  

يتمثل الجانب الإيجابي في تطعيم التقليد الدستوري التونسي بمبادئ وحقوق جديدة، مثل حق النفاذ للمعلومة والتأكيد على الحقوق الاجتماعية. كما أن التوطئة جاءت أكثر وضوحا بالرغم من ضبابية بعض الألفاظ، مثل لفظ "التدافع السياسي" التي يقصد بها المنافسة السياسية. وهو مفهوم ربما استقي من كتابات راشد الغنوشي عن "التدافع الاجتماعي". هذه مفاهيم للتحليل وليست مصطلحات قانونية.

ولو قمنا بمقارنة مع الدستور المصري مثلا فسنلاحظ فروقا عديدة، ليس فقط بين النصين ولكن كذلك بين مجتمعين من حيث طبيعة الوعي المجتمعي العام. فالملاحظ أن نزعة المحافظة هي السمة الغالبة على المجتمع المصري، وهو ما تعكسه الخريطة السياسية وكذلك نص الدستور المقترح.

المجتمع التونسي أقل محافظة، وهو من بين التحديات التي وجدتها حركة النهضة بعد خروجها إلى العلن وخاصة بعد وصولها إلى الحكم. ولهذا السبب لم يدرج مطلب الشريعة في الدستور، كما تم استبعاد فصل حول ما سمي بتجريم التعدي على المقدسات. كما جاءت أغلب فصول باب المبادئ العامة وباب الحقوق والحريات مستفيضة ومقبولة، ولو أنه يمكن التحسين فيها.

وبهذا الشكل يمكن القول إنه وقع توافق على الإشكاليات الكبرى ولم يبق سوى التوافق حول طبيعة النظام السياسي إما رئاسي، وهو مطلب كل الأحزاب، أو برلماني كما تريد حركة النهضة وهي معزولة في هذا المطلب.

مقابل ذلك تبقى عديد نقاط الاستفهام قائمة. فالمشروع يؤكد على حقوق الإنسان في عديد الجوانب لكنه لا يحدد أي مرجعية لتحديد طبيعة هذه الحقوق. والواقع أن حركة النهضة رفضت التنصيص على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كمرجعية لتصورها أنه يتعارض في بعض بنوده مع فهمهم للإسلام. لكن الإشكال هنا هو أن الحديث عن حقوق الإنسان في المطلق ودون تحديد لا يعد ضمانة دستورية فعلية لهذه الحقوق، لأن كل فاعل سياسي قد يعطيه مضمونا دون آخر.

الفصل الرابع بدوره يطرح بعض الإشكالات وقد ورد فيه "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد دور العبادة عن الدعاية الحزبية". يتمثل الإشكال الأول في تعريف المقدسات، هل هي المقدسات الإسلامية فقط أم الدينية عموما بما فيها اليهودية مثلا؟ وداخل الحقل الإسلامي نفسه، هل إن مقدسات التصوف الشعبي والاعتقاد في الأولياء -وهي تهم قسما كبيرا من التونسيين- تدخل في باب المقدسات؟ ثم يطرح السؤال كذلك من الناحية العملية والتطبيقية في كيفية تدخل الدولة لهذه الحماية.

الواقع أن حركة النهضة عوضت مقترح تجريم التعدي على المقدسات بهذا الفصل. لكنه سيطرح إشكالات جمة في المستقبل لأنه مفتوح على كل التأويلات، ومن بينها حتى ما يدخل في تناقض مع باب الحريات مثل حرية التعبير. أما الإشكال الثاني فيتمثل في تخصيص منع تسييس المساجد للدعاية الحزبية فقط. وهذا يعني أنه بالإمكان الدعاية السياسية في المساجد ولكن في إطار جمعيات مثلا لا في إطار الأحزاب.

وهذا ما هو حاصل بالفعل اليوم في مساجد بدأ يهجرها المصلون العاديون نتيجة إغراق خطب الجمعة خاصة بالدعاية السياسية التي وصلت حد الدعوة إلى العنف، كما تدعم ذلك عديد القضايا التي رفعت ضد بعض خطباء الجمعة. الحل هو في تعويض "الدعاية الحزبية" بـ"الدعاية السياسية"، وهذا لا يمنع الأئمة من الحديث في الشأن العام لكن دون الدعاية السياسية.

مشروع الدستور لا يعلن صراحة عن المساواة بين المرأة والرجل بدعوى الاقتصار على الفصل الخامس الذي يؤكد على المساواة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون

الباب السابع المتعلق بحفظ حقوق المرأة ورد عاما وبدون تقديم معنى لهذه الحقوق. والأهم من ذلك أنه لا يعلن صراحة عن المساواة بين المرأة والرجل بدعوى الاقتصار على الفصل الخامس الذي يؤكد على المساواة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون.

أرى أن مسألة المساواة في المجتمعات العربية تتطلب تنصيصا دستوريا واضحا. في نفس هذا السياق نشير إلى ما ورد من ربط متناقض بين الحريات من جهة ثم تقييدها بمقولة "بما يضبطه القانون"، وهي معضلة المعضلات في الدساتير العربية عموما.

أما على مستوى السلطات، فوردت بعض الأخطاء البدائية التي وجب تداركها حسب رأي المتخصصين. ومن بينها عدم تتبع رئيس الدولة قضائيا عن الأعمال التي حصلت أثناء أدائه لمهامه. وهذه صياغة لا ترتقي إلى أهداف الثورة. من بينها كذلك التضارب على مستوى صلاحيات الرئيس ورئيس الحكومة بشكل يفتح المجال لحالات تنازع السلطات، كما حصل إثر تسليم رئيس الوزراء الليبي السابق، البغدادي المحمودي.

كما ورد في الفصل 148 من الدستور، والمتعلق بالبنود التي لا يمكن تنقيحها، ذكر "الإسلام باعتباره دين الدولة"، والحال أنه وقع الاتفاق على أن الفصل الأول من الدستور يعني أن الإسلام هو دين تونس باعتبارها مجتمعا وثقافة وتراثا لا باعتبارها جهاز دولة. ربما سيكون هذا الفصل محل جدل كبير مستقبلا.

في الختام يمكن القول إن النص الحالي قابل للتحسين. أما إذا تحدثنا في المطلق فالعبرة ليست بالنص الدستوري ذاته بل بترجمته على أرض الواقع. فالدساتير لا تضمن التخلص من الظلم ومن الاستبداد بل ثقافة الدستور وتقليد الدستور وخاصة الوعي المجتمعي بها هي الضامن الحقيقي لذلك. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك