علي صبري*

- مطلب قديم
- التصور الكردي للفيدرالية

- عقبات ومخاطر

- الموقف الأميركي
- هل للأكراد خصوصية؟
- العلاقة الكردية - الكردية
- هل الفيدرالية مطلب مصيري؟

وضع سقوط نظام صدام حسين القضية الكردية وهموم وتطلعات الأكراد في مقدمة القضايا الساخنة والأكثر إثارة في سناريوهات بناء العراق الجديد، ووضع دستور جديد للبلاد يرسم خيوط النظام السياسي التي ستنظم فسيفساءه العرقية والطائفية المكونة للمجتمع العراقي، وما إذا كانت هذه الخيوط سيتم نسجها على قاعدة الإندماج في كيان سياسي واحد، أو يقبل بالفيدرالية ليخلص الأكراد من دور الضحية المثالية للجغرافيا والتاريخ معا بسبب انتشارهم الديمغرافي في منطقة شاء لها الإستعمار الإنجليزي أن توزع على أربع دول متجاورة.

مطلب قديم


هل يتمكن الأكراد من تأسيس كيان سياسي خاص بهم في شمال العراق، انطلاقا من حقهم في التمتع بخصوصيتهم الثقافية والحضارية واللغوية ضمن إطار سياسي يحفظ لهم هذه الحقوق

امتاز إقليم كردستان العراق الذي يقطنه حوالي أربعة ملايين كردي،من بين أقاليم ومناطق العراق الأخرى بسعيه المحموم ومشيه رحلة العذاب الطويلة التي بدأها الزعيم التاريخي ملا مصطفى البارزاني من أجل تأسيس كيان ذي خصوصية، باختلاف طبيعة وحدود هذه الخصوصية، بدء من الحكم الذاتي وانتهاء بالاستقلال وإقامة دولة كردستان الكبرى، الحلم الكردي التاريخي.

وذلك بخلاف حركات المعارضة العراقية الوسطى والجنوبية التي خاضت معركة سياسية ومسلحة ضد النظام في بغداد إما دفاعا عن النفس، أو لتأمين قدر من الحرية الدينية والسياسية.

يؤسس الأكراد فكرة كيان سياسي خاص بهم في شمال العراق، انطلاقا من حقهم في التمتع بخصوصيتهم الثقافية والحضارية واللغوية ضمن إطار سياسي يحفظ لهم هذه الحقوق من الانتقاص في أحسن الأحوال، أو الإلغاء في أسوئها، على يد أي سلطة مركزية يتبعون لها، كما يسجل تاريخهم مع نظام بغداد بشكل أساسي، وكما تفيد تجارب إخوانهم الأكراد في دول الجوار مثل تركيا وسوريا وإيران، وإن كان أكراد العراق يجمعون على حقيقة أنهم الأكثر تمتعا بالحقوق الثقافية والاجتماعية من بين الكتلة الكردية الكبرى.

إلا أنهم كانوا الأكثر عرضة للابادة والاضطهاد على يد النظام السياسي العراقي، الذي رفع راية القومية العربية، فارتبطت ممارسات النظام بالقومية العربية، وهو ما أثار كرد فعل، وبتطرف أحيانا، النزعة القومية الكردية التي لا ترى غير الاستقلال ضامنا لحقوق الأكراد، هذا على الصعيد الأيديولوجي والنفسي، كما عبر عبدالله اوجلان في كتابه " دفاعي منعطف الحل الديمقراطي" عن ذلك بقوله" إن خيار الدولة المستقلة لا يتجاوز مستوى المقولة الأيديولوجية بالنسبة للأكراد"، إلا أن الذاكرة التاريخية في النضال من جل الإستقلال بكل ما فيها من فصول دامية.

والواقع الذي تحياه القوى الكردية جر القادة الأكراد إلى ساحة الواقعية النسبية، وخفضت المطالب من الإستقلال إلى أحدث الصيغ الإنفصالية وهي الفيدرالية. التي توفر الإستقلال الداخلي ضمن إطار وطني موحد.

التصور الكردي للفيدرالية


أصبحت الفيدرالية اليوم مطلبا لجميع الفصائل الكردية، ونقطة اتفاق بين الحزبين الكبيرين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني

أصبحت الفيدرالية اليوم مطلبا لجميع الفصائل الكردية، ونقطة اتفاق بين الحزبين الكبيرين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، فقد ذكر هوشيار زيباري مسئول العلاقات الخارجية في الحزب الديمقراطي مؤخرا أن "الفيدرالية هي الحل للأكراد في العراق الجديد"، ومن جانبه أكد جلال الطالباني أن حزبه لا يسعى إلى إقامة دولة كردية، وحلمنا هو الحياة في إطار عراقي ديمقراطي".

وكان البرلمان الكردي الذي يضم أعضاء الحزبين ( الاتحاد والحزب) قد أقر في 8-11-2002 مشروعي قانوني الفيدرالية لـ "الإقليم الكردي" ودستور العراق الفيدرالي اللذان قدماهما الحزبان، ويقسم مشروع القانون العراق إلى منطقتين كردية وأخرى عربية، وتلمح مواده إلى أن الطرح الفيدرالي يقوم على أساس الاستقلال شبه التام للمنطقة الكردية شمال العراق، مع تعيين مدينة كركوك عاصمة للإقليم.

وتوحي مواد القانونين بأن المطروح هو أقرب إلى الكونفيدرالية منها إلى الفيدرالية، إذ تنص المواد على أن لإقليم كردستان علما خاصا به، وهو علم جمهورية مهاباد - وهي الدولة الكردية المستقلة الوحيدة في تاريخ الأكراد ولم تدم طويلا- وشعارا ونشيدا خاصين، بل يستطرد المشروع إن لهذا الإقليم قوات مسلحة دفاعية خاصة به، وهو ما لا ينطبق على الدول الإتحادية الفيدرالية.

عقبات ومخاطر

التطلع الكردي لتأسيس الكيان الخاص من خلال الطرح الفيدرالي يصطدم بعقبات كثيرة، إقليمية في الأساس، وعراقية داخلية بالدرجة الثانية، فعلى المستوى الإقليمي، يعني تمتع الأكراد بفيدرالية وكيان شبه مستقل تجاوزا لخطوط حمراء كثيرة رسمتها دول الجوار ذات العلاقة بالمسألة الكردية وهي تركيا بالدرجة الأولى ثم إيران وسوريا.

وكانت ولا تزال تركيا تلمّع هذه الخطوط الحمراء، لتكون واضحة لكل ذي بصيرة، بأن الكيان الكردي الخاص في العراق يعني تدخلا عسكريا من طرفها، فالمعادلة في نظرها بسيطة ولا تحتاج إلى كثير جدل، لأن الفيدرالية الكردية في العراق ستثير شهية أكراد تركيا بتحقيق كيان مماثل، وهي حالة أكثر تعقيدا وحساسية بالنسبة للحكومة التركية منها للنظام في بغداد. والتخوف ذاته يتردد صداه في طهران ودمشق تجاه الأقليات الكردية المغيبة والمحاصرة ثقافيا وسياسيا.

الموقف الأميركي


موقف الولايات المتحدة تجاه التطلعات الكردية قبل وأثناء الحرب على العراق، تغيرت لغته وغدا أكثر ضبابية بعد سقوط نظام صدام حسين

كما أن الموقف الامريكي تجاه المسألة الفيدرالية، الذي بدا متجاوبا مع التطلعات الكردية قبل وأثناء الحرب على العراق، تغيرت لغته وغدا أكثر ضبابية بعد سقوط نظام صدام حسين، فقد تحاشى الحاكم الأميركي المؤقت السابق للعراق جي غارنر الإجابة بصيغة واضحة على أسئلة كثيرة طرحت عليه في مؤتمرات صحفية حول الفيدرالية، وكانت إجاباته تدور حول فكرة واحدة " النظام العراقي الجديد سيكون له رئيس واحد وجيش واحد وحكومة واحدة تمثل كل الشعب العراقي".

وقد فسرت التصريحات أنها تراجعا عن الوعد بإقامة نظام فيدرالي إكراما للأكراد الذين أبدوا كل تعاون مع القوات الامريكية في حربها ضد نظام بغداد. فالجانب الأميركي لا يريد أن يفتح على نفسه أبواب استقلال الشعوب ذات القوميات الخاصة، إذ سيواجه أزمة المصداقية تجاه قضايا عديدة مماثلة في روسيا والصين والهند وتركيا.

كما أن العلاقة الإستراتيجية الأميركية مع تركيا تبقىهي الراجحة على العلاقة مع الأكراد في حسابات المصالح الآنية والمستقبلية، وهو ما عبر عنه أكثر من مسئول كردي في أحاديث غير مسجلة، من أن الولايات المتحدة لن تضحي بعلاقتها بأنقرة من أجل عيون الأكراد، ويستحضر القادة الأكراد سجل الخذلان الأميركي للنضال الكردي على مدى أكثر من نصف قرن، ولا يستبعدون تكراره في المرحلة الراهنة.

فقد كانت البشمركة الكردية ضحية اتفاق الجزائر 1975 بين إيران والعراق بتأييد أميركي، رفعت بموجبه إيران الشاه يدها عن الأكراد، دخل نضالهم بعدها نفقا مظلما خسروا فيه الكثير، وبقيت الولايات المتحدة الراعي الاساسي للنظام العراقي وزودته بالسلاح الكيماوي الذي ضربت به حلبجة وراح ضحيته 5000 كردي.

وفي 1991 قمعت انتفاضة كردستان بموافقة ومعاونة الأميركيين مما تسبب في الهجرة المليونية إلى سفوح الجبال في ظروف جوية صعبة، وكذلك في حملة الأنفال 1988 التي أزيلت فيها 4500 قرية من الوجود، ولا يزال مصير 182 ألف كردي مجهولا حتى الساعة. ولا تبدو في الأفق إشارات جادة على تغيير الإدارة الأميركية سياستها الاستغلالية للعنفوان الكردي وقت الأزمات والتضحية بهم على مذبح السياسة عند انقضاء الحاجة منهم.

هل للأكراد خصوصية؟

مناطق الكثافة الكردية والشيعية في العراق
أما على المستوى العراقي الداخلي، فإن العراق لا ينقسم إلى قوميتين كردية وعربية حتى تحل المسألة بخط سياسي يرسم بين مناطق الأكراد شماله والعرب في الجنوب منه، فهناك أقليات عرقية متعددة مثل التركمان والآثوريين والكلدان والسريان والأرمن وغيرهم. وبمنطق تأمين الخصوصيات الثقافية والقومية فإن من حق هذه الأقليات التمتع بميزات النظام الفيدرالي أيضا.

وإذا كانت القومية الكردية أكبر من غيرها من الأقليات الثانوية، فإنه بمنطق العدد لا تقارن القومية الكردية بالعربية، فالأكراد لا يشكلون اكثر من 15% من سكان العراق.

وتشغل مدينة كركوك جزءا كبيرا من تطلعات وآمال الأكراد المستقبلية، ويضفون عليها قدرا كبيرا من القداسة، ويعتبرونها رمزا للكيان الكردي، اغتصبه النظام العراقي وهجر جزء من أهله الأكراد ليوطن مكانهم عشائر عربية مهاجرة من الجنوب. فقد شدد البرزاني في حوار مع صحيفة "الحياة ( 10-11-2002) على أن الأكراد لن يساوموا على الهوية "الكردستانية" لكركوك، وأنهم سيستردون المدينة في أي لحظة يستطيعون استردادها، واشتهر تسمية جلال الطالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني لكركوك بقدس كردستان.

فهذا الإصرار على اعتبار كركوك عاصمة الكيان الكردي المستقبلي، فيه قدر كبير من الاستفزاز للأتراك أولا، ولعرب العراق ثانيا، فتركيا تتذرع بالدفاع عن حقوق الأقلية التركمانية، التي تتدعي أنها تشكل أغلبية سكان المدينة، للعب دور ما في السيطرة على مقدرات هذه المدينة الغنية بالنفط. فحقل كركوك النفطي هو أول حقل عراقي اكتشف في العشرينيات من قبل شركة نفط العراق.

كما أنه أكبر حقل حتى الآن، باحتياطي يبلغ 11 مليار برميل، أي أكثر من مجموع الاحتياطيات النفطية في مصر وسوريا وقطر. وتثير هذه الاهمية الاقتصادية الاستراتيجية لكركوك مخاوف العرب من السيطرة الكردية على المدينة وهو ما سيزيد من نفور عرب العراق من مشروع الفيدرالية بصيغته الكردية المطروحة.

العلاقة الكردية - الكردية

الزعيمان الكرديان جلال طالباني
(يمين) ومسعود البرزاني

يعتقد بعض المراقبين للشأن الكردي ان التحدي الحقيقي الذي يواجهه تأسيس كيان سياسي كردي له خصوصيته، لا ينبغ من الشمال الكردي او الجنوب العربي العراقي، بقدر ما تفرضه العلاقة الكردية - الكردية، التي اتسمت بالصراع الدموي بين الفصيلين الكبيرين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، وقدرة الزعيمين وقيادات الحزبين على تجاوز ارث الصراع الطويل بينهما لتشكيل ادارة موحدة منسجمة لاقليم كردستان بمجموعه، ام سيتم الابقاء على التقسيم الطولي للاقليم بين ادارتين ( او حكومتين) منفصلتين لمدينتي السليمانية منذ عام 1991، واربيل وما اذا سيُحتفظ ببرلمان واحد للمنطقتين، ام ستكتمل الفرقة والانفصال الداخلي بتأسيس برلمان لكل منطقة.

فقد اقتتل الحزبان الكبيران في سنة 1994، ثم تجدد في 1995 ثم 1996 وفي1991،فأصبحت كردستان بعد ذلك ساحة ملائمة لصراع مشاريع الدول الإقليمية في المنطقة، سواء مشاريع ظاهرة باسم السلام بين الطرفين، أو مشاريع في الخفاء لديمومة الصراع الكردي الكردي.

ويعد أهم هذه المشاريع كان المشروع الأمريكي، ثم التركي، فالإيراني، فكانت اتفاقيات عدة بين الطرفين منها اتفاق دروكيدا، واتفاق طهران، واتفاق أنقرة، وأخيرا كانت اتفاقات واشنطن في أيلول 1998، الذي بموجبه تم وقف الحرب بينهما، واستأنف البرلمان الموحد ،الذي كان تأسس عام 1992 وتعطل عام 1996، عمله في اكتوبر 2001، وهو البقعة السياسية المشتركة الوحيدة التي تجمع الطرفين الكرديين، والتحدي الذي يواجه ( كاكا مسعود ) و ( مام جلال ) هو في توسيع هذه البقعة إلى حدودها القصوى، أو تلاشيها بفعل الرغبة في الانتصار لإرث الصراع التاريخي، ولا يمكن حسم المعركة مع الأطراف الخارجية ما دامت العلاقة الداخلية مبهمة ومفتوحة على احتمالات غير مطمئنة.

هل الفيدرالية مطلب مصيري؟


ربما تكون الحالة التي عاشها إقليم كردستان العراق منذ عام 1991، وحتى الساعة هي الحالة المثالية التي يمكن اقتناصها في زحمة الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة وفي العراق تحديدا

ربما تكون الحالة التي عاشها اقليم كردستان العراق منذ عام 1991، وحتى الساعة هي الحالة المثالية التي يمكن اقتناصها في زحمة الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة وفي العراق تحديدا، فقد تمتع الإقليم بما يشبه الاستقلال غير الرسمي، ويسعى القادة الأكراد إلىتقنين هذه الحالة وتثبيتها كأمر واقع من خلال الطرح الفيدرالي.

وان كانت الظروف التي رعت فيها الولايات المتحدة هذه الحالة، وقبل بها النظام العراقي، قد تغيرت، وبقاء الوضع على ما هو عليه ليس تحصيل حاصل بعد تغير أطراف اللعبة، وزوال النظام العراقي، والإعداد لتنصيب نظام جديد، وهو ما انعكس على تصريحات المسئولين الأميركيين تجاه مسألة الفيدرالية.

وفي ظل نظام عراقي جديد، يثور سؤال، ما الذي يمنع من صون الحقوق القومية والدينية والثقافية في عراق موحد وبعيدا عن الفيدرالية؟، وتجاوز التجربة التاريخية السابقة أمر ممكن، في ظل إدراكنا لحقيقة أن تجربة القمع الحكم الشمولي سواء كان في صيغة اضطهاد قومي أو طائفي أو عشائري، قد طال كل مكونات المجتمع العراقي ولم يكن موجها ضد قومية بعينها، وإن اختلف حظ كل قومية أو طائفة من هذا الاضطهاد، وكان الهدف منه دوما تثبيت حكم الحزب.

ويبقى من الطبيعي، وفي إطار العراق الموحد، أن تلعب الهوية الكردية والبعد القومي والثقافي دورا رئيسا في المشروع السياسي الكردي، دون أن يتصادم ذلك مع دوائر شعورية أخرى لغوية أو عشائرية أو وطنية أو إسلامية.

فزوال النظام العراقي السابق الذي كان مبررا للسعي لتأسيس كيان خاص، يستدعي إعادة التفكير في المساعي القديمة، ودراسة جدوى الحفاظ على الخصوصيات في ظل عراق موحد، هذا فضلا عن العقبات الموضوعية التي تحول دون تحقق الحلم التاريخي للأكراد.
ـــــــــــــــ
* كاتب صحفي أردني

المصدر : غير معروف