بقلم: د. كمال الهلباوي*

يتعرض العالم كله لأزمة كبيرة في مجالات عديدة، ويمر بمرحلة صراع طاحن يتميز بالاستمرارية والمطاطية وروح التدمير والتطور. ولكن لا يخفى على عاقل اليوم ما تتعرض له أمة الإسلام من أزمات وأخطار أسوؤها يتمثل في سوء قراءة تلك الأزمات وضعف الاستنتاج والتنفيذ المبنيين على ذلك إن حدثا أصلا. ولعل أهم خطوات الخروج من الأزمة -أي أزمة- يتمثل في حسن قراءتها والنظر إليها من مختلف جوانبها لفهمها على الوجه الصحيح، ثم بناء الحل المناسب في ضوء هذا الفهم وفي ضوء النظر الصحيح إلى هذه الأزمة أو تلك.

وقد كان فهم الأميركان لطبيعة الحرب الباردة واستخدام كل القدرات والإمكانات التي تملكها أميركا أو يملكها الآخرون وتسخرها أميركا لمصالحها، كان ذلك الفهم سبباً مهماً في كسب الحرب الباردة والجلوس على مقعد القيادة العالمية رغم أن غيرها من الأمم دفع ثمناً باهظاً وقعد به خلف كل الأمم. إن من أبرز جوانب الأزمة القائمة حاليا في الأمة المسلمة -والعالم الثالث بشكل عام- نقص الوقت المخصص للتفكير.


التفكر في خلق السماوات والأرض أحد أسباب التفوق الغربي عموماً والتميز الأميركي خصوصا، ومن قبله التميز السوفياتي أو الروسي عندما أرسلوا الكلبة لايكا إلى الفضاء في الخمسينات من القرن العشرين، وكثير منا ومن أهل العلم منكرون، إذ وقف الخيال والعلم لدى البشر في العالم الثالث عن استيعاب ذلك
قد يقول قائل وهو يقرأ هذا العنوان: كنت أتوقع أن يقول الكاتب إن أبرز جوانب الأزمة في الأمة هي قضية فلسطين أو كشمير لأنها قضايا مزمنة، أو أفغانستان التي لم تهدأ منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً ما قبل طالبان وما بعدها، أو البوسنة ما قبل اتفاقية دايتون - أوهايو وما بعدها، أو الشيشان أو حتى الهيمنة الأميركية.. إلخ.

أقول إن كل هذه قضايا شائكة وهي في مجموعها تمثل قضايا قد تظل بدون حل عادل ومناسب لمدة طويلة، كما تشكل في مجموعها جانباً آخر من أهم جوانب الأزمة المعاصرة في الأمة، إذ إن الأمة لم تعد قادرة على حملها، وإضافة أحمال أخرى على العاجز ضرب من الجنون والحمق. ولكن كل واحدة من هذه القضايا على حدة لا تمثل الأزمة، وإن اختلفت درجات تعقيد تلك القضايا في الأزمات. وفي ظني أن كل من يظن أنه يستطيع أن يرفع علم الجهاد بمعنى القتال في قضية جديدة والأمة على هذه الحال، سيكون مخطئاً مهما كان إخلاصه وصفاء نيته.

قضايا الأمة القديمة والجديدة قضايا معقدة وتنتظر الحل الأميركي للأسف الشديد. لقد كانت أفغانستان أيام الملك ظاهر شاه من 1933 - 1973، أحسن وضعاً وأهدأ بالاً من أيام حكم المجاهدين 1992 -­ 1996 ومن حكم طالبان 1996 -­ 2001 كما يرى بعضهم اليوم. وبالتأكيد كانت أهدأ بالاً وأسعد حظاً من حكم ما بعد طالبان المتميز بالدعم والتحكم والتوجيه الأميركي بعد التخريب الشديد والتدمير الواضح نزوعاً نحو التغريب الكامل لجزء من أمة الإسلام.


الوقت المخصص للتفكير في حياة الأفراد أو الأمة هو الأقل في حياتنا لأسباب أبرزها نقص أدوات ومؤسسات التفكير سواء الخاصة أو العامة مثل معاهد الدراسات الإستراتيجية ومراكز التخطيط الإستراتيجي
لا يعني هذا ألا يجاهد المسلمون للخروج من أزماتهم، ولكن الجهاد هو إفراغ الجهد والوسع لإقامة العدل والنظام المحلي أو العالمي العادل الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل يعمل على قدر الوسع والطاقة إذ "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها". والجهاد مشروع بكل الوسائل المتاحة المنضبطة بالشرع بما في ذلك القتال لمواجهة الاحتلال والظلم المبني عليه. ويظل الفهم والتقدير للموقف من أهم الوسائل والأدوات المطلوبة في ذلك.

خذ على سبيل المثال الوقت المخصص للتفكير في حياة الأفراد أو الأمة، فستجد أنه الوقت الأقل في حياتنا لأسباب عديدة ليس هذا مجال تعدادها، ولكن أبرزها هو أصلاً نقص أدوات ومؤسسات التفكير سواء الخاصة أو العامة مثل معاهد الدراسات الإستراتيجية ومراكز التخطيط الإستراتيجي.

كلنا يعرف رؤساء وسياسيين وبرلمانيين ومدراء مؤسسات ومعاهد وجامعات وكتابا ورؤساء حركات إصلاحية أو أحزاب معارضة قبل المجيء إلى الحكم ممن ليس لديهم الوقت الكافي للتفكير في مستقبل الأمة لانشغالهم بما ليس من شأن المفكرين ولا من شأن الباحثين عن الحلول المناسبة للخروج من الأزمات، أو لافتقارهم إلى أدوات هذا النمط من الجهاد. ولذلك نخسر كثيراً من المعارك على مستويات عديدة ونعزو خطأ ­ كثير منها إلى العدو.

عجباً لهذه الأمة في ابتعادها عن أداء فريضة التفكير وعن اتخاذ ما يلزم ذلك من وسائل وأدوات مناسبة للقرن الحادي والعشرين الذي نقترب به يوماً بعد يوم من يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون. يقول الله تبارك وتعالى "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار".

كلما أقرأ هاتين الآيتين من سورة آل عمران أو مثيلاتهما أتساءل كثيراً لماذا لم تنشئ الأمة مركزاً واحداً ­-والأجدر بها أن تنشئ عدة مراكز- لدراسة هذا الأمر أمر التفكر في خلق السماوات والأرض بشكل علمي دقيق يرضي الله تعالى ويليق بالأمة.

إن العالم المتقدم تقنياً يفعل ذلك اليوم وهو ليس بمسلم،­ ونحن للأسف الشديد لا نفعله، وإن فعلناه كان اسماً وشكلاً، أو أن من يعمل فيه ليس أهلاً له، وطبعاً لا يكون أهلاً للتفكر في خلق السماوات والأرض مهما حمل على كتفيه من ألقاب أو علّق على صدره من نياشين وأوسمة. وقس على ذلك كثيراً من أوجه العلاج التي تتخذ للخروج من المأزق الذي يشعر به الحاكم والمحكوم في الأمة، ولكن الصراع الصريح والمستتر بينهما يصرف كل الجهد أو معظمه للحفاظ على المواقع دون تغيير حتى يأتي ملك الموت.

لقد كان هذا التفكر في خلق السماوات والأرض أحد أسباب التفوق الغربي عموماً والتميز الأميركي على وجه الخصوص، ومن قبله التميز السوفياتي أو الروسي عندما أرسلوا ­ الكلبة "لايكا" إلى الفضاء في الخمسينات من القرن العشرين، وكثير منا ومن أهل العلم منكرون، إذ وقف الخيال والعلم لدى البشر في العالم الثالث عن استيعاب ذلك رغم القراءة المتكررة للآية الكريمة "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب"، فمن يعرف اليوم عدد السنين والحساب حسب ما جاء في القرآن الكريم؟

أنظر إلى هذا وإلى قضايا الأمة وأزماتها فأرى قضايا كثيرة متشابكة معقدة أخطرها قضية فلسطين التي هانت في أعين الحكام والشعوب فلا تقدم لمجاهديها ولا للقضية ما تستحق حتى من الدعاء، ويقف فيها أهل فلسطين رجالاً ونساءً وأطفالاً موقف الجهاد الحقيقي دفاعاً عن أرضهم وبلادهم وكرامتهم.


الأزمة الكبيرة في الأمة تتمثل في نقص التفكير الصحيح وأدواته ومؤسساته مما يتسبب في كثير من أوجه العجز القائم لدى الأمة ويبرز في معالجة قضاياها

ولكن الأزمة الكبيرة في الأمة تتمثل في نقص التفكير الصحيح وأدواته ومؤسساته مما يتسبب في كثير من أوجه العجز القائم لدى الأمة ويبرز في معالجة قضاياها، فتقوم الأزمات وتكثر القضايا وتحدق بالأمة الأخطار، في حين يكون التحرك الفكري -رغم كثرة الوفود والندوات والمؤتمرات واللقاءات- ضعيفاً وروتينياً.

قامت مشكلة طالبان في منتصف التسعينات من القرن العشرين واستمرت حتى أسفرت عن عاصفة شديدة هاجت في بدايتها الأمة ثم سكنت ­كما فعلت من قبل في فلسطين والبوسنة وغيرهما، وتجرعت الأمة هزيمة مريرة لا تنسب إلى طالبان وحدها ولا إلى القاعدة وحدها ولا تقتصر على أفغانستان فحسب، بل تمتد إلى كل بيت في الأمة وإلى كل حضارة غير حضارة الغرب والأميركان على وجه الخصوص.

كنت أنظر على مدى سنوات عديدة إلى قضية أفغانستان، لعلها تكون منطلقاً جديداً للأمة ومرتكزاً لها في بناء مستقبل أفضل، وكانت كل الظروف مهيأة لذلك، ولكن سوء فهم القضية وعلاجها حدا بالآخرين -وخصوصاً الأميركان- للاستفادة من دماء الأفغان والمجاهدين عموماً، إذ خرج الأميركان من هذه الحرب وقد أعدوا العدة لقيادة العالم. لقد شارك المسلمون مشاركة ملموسة في هدم النظام العالمي القديم، ولكنهم كانوا أعجز عن بناء أي نظام محلي أو إقليمي فضلاً عن النظام العالمي، وهم مكلفون بإقامته على العدل والإحسان لتكريم كل بني آدم ورفع الظلم عنهم.


كان تفكير كثير من المجاهدين والمحسنين في أفغانستان أن الدبابة قبل المدرسة وأن المدفع قبل المستشفى وأن الصاروخ قبل مركز الأبحاث والدراسات، فأحسنوا القتل والتضحية وتخلفوا في جني الثمار حتى سبقهم إليها غيرهم من أهل الرصد والفهم
كان تفكير كثير من المجاهدين والمحسنين في أفغانستان أن الدبابة قبل المدرسة وأن المدفع قبل المستشفى وأن الصاروخ قبل مركز الأبحاث والدراسات أو المعلومات، فأحسنوا القتل والتضحية وتخلفوا في جني الثمار حتى سبقهم إليها غيرهم من أهل الرصد والفهم.

وهناك من لايزال يفكر بالمنطق نفسه نحو قضايا الأمة والأزمة الحالية التي تعيشها، إذ يفسر الحرب القائمة ضد ما يسمى بالإرهاب بالحرب ضد الإسلام والمسلمين، وكأني بأولئك النفر يستعجلون بتلك النظرة حرباً لا ضرورة لها بين الإسلام والغرب ولا موقع لها من ذلك، وقد يطلق عليها حرب المصلحة والسيادة الأميركية رغم أنها ضد بلاد المسلمين.

لقد حاربت أميركا اليابان ودمرتها في الحرب العالمية الثانية واستخدمت ضدها أسلحة لم تستخدم حتى اليوم في غير اليابان. واليابان ليست دولة مسلمة ولم يكن فيها طالبان ولم يكن فيها معسكرات للقاعدة ولا للجماعات الإسلامية ولا لجماعات الجهاد ولا لغيرها من الجماعات والحركات الإسلامية.

وحاربت أميركا ألمانيا النازية وشاركت في تقسيمها بل واحتلالها وإذلال الألمان لمدة نصف قرن من الزمان تقريباً لصالح الهيمنة الأميركية والمصالح الأميركية الواسعة التي تمتد بامتداد العالم ولصالح الرفاهية الأميركية التي يتوقعها كل مواطن أميركي ويقف من وراء قيادته لتحقيق تلك الرفاهية. غير أن أميركا قبل أن تفعل ذلك فكرت جيداً للوصول إلى هذه المكانة وأنشأت المؤسسات والنظم اللازمة لذلك، ونجحت ولكنها أخطأت الوسائل وداست على القيم والمبادئ.. فهل يمكن تصحيح هذا الوضع؟

إن بناء المستقبل ليس حكراً على أحد، والفهم أهم وسائل ذلك والعمل يتممه، وسبحان الله القائل "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". وهذا هو الفرق بين الحضارتين الإسلامية وغير الإسلامية، والعمل بوسائله بين المنهجين الإسلامي وغير الإسلامي.. وللحديث صلة.

_______________
* رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا

المصدر : غير معروف