بقلم/ كمال حبيب

يمثل سيد قطب علامة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي عامة وتاريخ الأفكار داخل الحركات الإسلامية خاصة، فهو انتقل بالفكر الإسلامي كله نقلة نوعية كبيرة جعلته يمثل ملمحا فاتحا ومفارقا في التطور الفكري العام داخل العالم الإسلامي وداخل الحركات الإسلامية الحديثة والمعاصرة.


سيد قطب يعتبر أن المجتمع المسلم لا يمكنه أن يتحقق إلا بقيام عصبة مؤمنة تفاصل المجتمعات الجاهلية التي تسود العالم اليوم ثم تتحرك لإزالة هذه المجتمعات بالقوة
فعلى المستوى الفكري العام أرسى سيد قطب النواة الأولى لمدرسة أسلمة العلوم الإسلامية والتأسيس لمنهج التعامل مع الجانب الثقافي والفكري والعقدي والحضاري العام في الظاهرة الإسلامية.

وكما كانت مدرسة قطب ثورية في الحركة كانت كذلك في منهج التعامل مع الحضارة الإسلامية، حيث اعتبر مناهج المستشرقين في تناول الجانب غير المادي بالحضارة الإسلامية مناهج منحازة وبالتالي يجب استبعادها، كما قدم الفكر الإسلامي بشكل فيه طابع التميز والاستعلاء الإيماني حيث مصادر خصوصيته تنبع من كونه يستلهم قوته من الوحي وهو مصدر أعلى منه وفوقه.

وهو يطرح الفكر الإسلامي بسعته ومرونته التي تجعله يرفض التلفيق والترقيع، فهو قد يتشابه مع غيره في بعض الجزئيات لكنه لا يلتقي مع غيره بحيث نقول "اشتراكية الإسلام" أو ليبرالية الإسلام".

وهو فوق ذلك طرح العدالة الاجتماعية في الإسلام وتكلم عن الإسلام ومشكلات الحضارة، ولكن الإضافة الكبرى التي جعلت من فكر قطب قامة تناطح الأيام هو استلهام الحركات الإسلامية التي جاءت بعد استشهاده لأفكاره بحيث مثلت هذه الأفكار منبعا ثوريا متجددا يدعو للتغيير والحركة التي لا تتوقف ضد الطواغيت الذين ينازعون الله حقه في التشريع والحكم، لذا أقلقت أفكاره مضاجع النظم التسلطية والاستبدادية، كما أقلقت بعض الحركات الإسلامية التي تهادن الواقع وتسعى للتكيف معه والتعايش في ظله.

وفي الواقع فإن الخطر الذي مثلته أفكار سيد قطب تمثل في كونه طرح فلسفة متكاملة أعاد فيها على حد قوله تعريف المفاهيم التي كانت موضعا للتسليم وأخذها مأخذ الاستصحاب المتوارث الذي لا يمكن مراجعته أو التدقيق في معناه، فهو أعاد تعريف المجتمعات المسلمة وأعاد تعريف الإسلام والمسلم والمجتمعات الإسلامية، واعتبر أن المسلم هو الذي يقر لله بالوحدانية في العقيدة والعبادة والشريعة وأن المجتمعات الإسلامية هي التي تقر بحق الله في التشريع والحكم ولا تنازعه ما اعتبره أخص خصائص ألوهيته وهو حقه في الأمر والنهي والتشريع.

بيد أن قطب لم يكتف بذلك بل اعتبر أن المجتمع المسلم لا يمكنه أن يتحقق إلا بقيام عصبة مؤمنة تفاصل المجتمعات الجاهلية التي تسود العالم اليوم ثم تتحرك لإزالة هذه المجتمعات بالقوة، باعتبار أن مسألة الصراع بين المجتمعات الجاهلية والإسلام هي معركة لا تتوقف.

وهنا يؤسس قطب لمواجهة النظم الداخلية التي يرى أنها جاهلية، بيد أنه يقف مع العالم كله وقفة مفاصلة ومواجهة أيضا حيث يعتبر أن الوطن الإسلامي أو دار الإسلام هي الدار الوحيدة التي يمنحها المسلم ولاءه، والعالم كله هو دار حرب يقف المسلم معه موقف حرب أو مهادنة يدفع فيها الجزية.

إن هذا يبرر في الواقع الفزع من أفكار قطب لأنها لا تزال تمثل مصدرا للثورة على النظم السياسية في الداخل وعلى النظام العالمي الذي يرى سيد أنه نظام ضد الإنسان.

لكن الجديد والمهم هنا والذي أريد إضافته هو أن سيد في كل ما طرحه في الظلال والمعالم ومقومات التصور الإسلامي وخصائصه كان يؤسس لمستوى العقيدة والمبدأ وهي تمثل في النسق الإسلامي موضعا للإجماع، ومن ثم فكل جهاد وأطروحات سيد قطب كانت تدور في مستوى العقيدة والمبدأ ولم يتجاوزه قط لما نسميه مناطق الاجتهاد.


الضغط الذي مثله النظام الناصري على جماعة الإخوان وعلى المجتمع المصري كله وعلى الجوقة العلمائية التي دهمها انتفاشه وعلوه مثّل السياق الاجتماعي الذي كتب فيه قطب أفكاره
هو يتحدث عن قضايا عقيدية مثل الحاكمية والتشريع والإيمان والإسلام والوحي ومصادر المرجعية، وهذه جميعها يطلق عليه الأصوليون "الثابت الذي لا يتغير" فهي مسائل يتلقاها المسلم بالتسليم والطاعة، أما المسائل "المتغيرة" وهي التي تكون موضعا للاجتهاد وإعمال العقل وهي من مظاهر التنوع والتعدد في الشريعة الإسلامية فلم يتعرض لها قطب قط في أطروحته التي يمكن وصفها بأنها أطروحة للأصول في الإيمان والإسلام والجاهلية والحاكمية والتشريع.

وللحق فإن الضغط الذي مثله نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر على جماعة الإخوان وعلى المجتمع المصري كله وعلى الجوقة العلمائية التي دهمها انتفاشه وعلوه مثل السياق الاجتماعي الذي كتب فيه قطب أفكاره.

ومن الواضح أن قطب في مرحلة تطوره الفكري الأخيرة ثار ثورة عارمة على كل معارفه التي حصلها من قبل واعتبر نفسه نموذجا حيا كمجال لتطبيق مفاهيمه على نفسه، كما أن تعرضه للسجن والتعذيب في السجون الناصرية جعلته يراجع كل مواقفه تجاه هذا النظام الذي كان مقصودا بشكل واضح من أفكار قطب.

وكان اطلاع قطب على الحضارة الغربية وتأثير اليهود فيها وعمق الروح الصليبية داخلها جعله يحمل على هذه الحضارة بقوة، ويحمل على نظام عبد الناصر الذي لاحظ أنه يستلهم القيم الغربية الحديثة ذات الروح الغربية الصليبية واليهودية، كما أن صعود المد الناصري بشكل مريع جعله ينظر للمجتمعات الإسلامية خاصة في مرحلة تطوره الفكري الأخير كما لو كانت مجتمعات جاهلية أي غير مسلمة.

ومن ثم لا بد من فهم الأبعاد النفسية التي جعلت قطب يستخدم لغة حادة في وصف المجتمعات في العالم الإسلامي ووصف العلماء والمثقفين والمفكرين في العالم الإسلامي، فهو لم يسلم لهم بأنهم مسلمون، لكنه وللحق لم يتجه للحكم بالتكفير على شخص معين، ولكنه حكم على الأوضاع والسياق العام للإنسانية بشكل عام، وعندنا في الحضارة الإسلامية ثارت هذه المسألة حين ظهر الخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرها من الفرق الإسلامية التي ناقشت مسائل الإيمان والكفر وحدودهما ومن المسلم ومن الكافر ومن المنافق.. إلخ.

وانتهى أهل السنة إلى أن هناك فرقا بين القول العام بالكفر والقول الخاص المعين، فليس القول العام معناه تكفير الأعيان أو الحكم على الأشخاص ولكنه تعبير عن حالة من سيادة وضع عام، وهذا ما يجب أن نفهم في سياقه فكر سيد قطب، لأن التراث الفكري لسيد قطب تراث مهم وكبير ولا يمكن القفز عليه أو تجاوزه ولكنه بحاجة إلى وضع أسس للتعامل معه وضبطه بدلا من شن هجوم على شخصه وأفكاره. وحين غالى المسلمون في الإمام مالك وظنوا أنه لا يصيبه الخطأ ووضعوا شخصه وفقهه فوق قدره ألف الشافعي كتابه الرائع "خلاف مالك" ليثبت أنه بشر يصيب ويخطئ.

والواقع أن السياق التاريخي الذي وضعت فيه أفكار سيد قطب كان استثنائيا عكس الهزيمة الساحقة التي عاشتها المجتمعات الإسلامية مع مجيء النظم العسكرية وهيمنة الأفكار العلمانية، ومع التراجع الحضاري العام للعالم الإسلامي أمام الحضارة الغربية قويت عند سيد قطب فكرة المؤامرة على العالم الإسلامي التي يقف وراءها اليهود والصليبيون، وبالطبع فإنه مع الحرب الفكرية التي يجري شنها على الحركات الإسلامية بعد أحداث سبتمبر/ أيلول تمثل أفكار قطب الثورية مقصدا للهجوم والتهميش باعتبارها خطرا على المقاصد الغربية ذات الطابع الاستعماري تجاه عالم الإسلام، لكن هجمة التيارات التي تصف نفسها بالوسطية على أفكار قطب سوف تفسر على أنها تعبير عن المخطط الغربي لجعل الصراع والصدام الفكري داخل العالم الإسلامي وليس بين العالم الإسلامي والغرب.

ومن المهم الاعتراف بالتعددية الفكرية داخل الحركة الإسلامية، وتمثل أفكار قطب تيارا فكريا ثوريا لكنه مهم لضبط ما قد يتوهم أنه تكيف وتواءم مع التيار السائد وضغوطه، خاصة أن أفكار قطب قائمة وموجودة، وحكم الشيء بعد وجوده عند الأصوليين مختلف عنه قبل إنشائه ووجوده، لذا الاجتهاد في وضع منهج للتعامل مع قطب وأفكاره أهدى سبيلا وأقوم قيلا من شن هجوم عليه أشبه ما يكون بحملات الإعلام والدعاية التي ترد في وجه صانعيها.

ولم يكن من مقاصد ولا أهداف سيد قطب أن تأتي جماعات من بعده تستلهم أفكاره، لكنه كان يحاول بشكل رئيسي الانتقال بجماعة الإخوان إلى وضع جديد تنتقل فيه من حالة التشرذم الفكري والتنظيمي التي واجهته بعد أحداث عام 1954 وأحداث عام 1964، بيد أن الجماعة رأت أن الطرح الجديد لقطب يسير في اتجاه معاكس لما كان قادة الجماعة انتهوا إليه من تصفية التنظيم الخاص والتأسيس للأفكار التي أرساها كتاب دعاة لا قضاة والتي تدعو للتكيف مع الواقع وليس مجابهته أو مواجهته.

ومن مفارقات القدر أن يستلهم أفكار قطب تيار الشباب الجديد داخل الصحوة الإسلامية في مصر، كما تأثر بأفكاره تيار الصحوة الإسلامية في السعودية وتأثر بأفكاره عامة الحركات الإسلامية في العالم التي ظهرت في السبعينيات.


السياق التاريخي الذي وضعت فيه أفكار قطب كان سياقا استثنائيا عكس الهزيمة الساحقة التي عاشتها المجتمعات الإسلامية مع مجيء النظم العسكرية وهيمنة الأفكار العلمانية
ويمثل الإنتاج الفكري لسيد قطب قمة كبيرة ومتميزة في أوساط الحركة الإسلامية بالعالم الإسلامي كله، وسيظل لهذا الإنتاج دوره الكبير في المستقبل لكنه بحاجة إلى فهم السياق الذي ظهر فيه من ناحية، وإلى فهم أن ما طرحه كان في المستوى الثابت في النسق التشريعي الإسلامي، وهذا المستوى له منهج في التعامل معه حيث إنه موضع للإجماع، وإنه يتلقى كمبادئ هي جزء من نظام القيم الإسلامية، وهو في ذلك يختلف عن المستوى المتغير الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان. ومن يقرأ أبو الأعلى المودودي الذي تأثر به سيد قطب ومثل أحد المصادر الأساسية لتحوله الفكري، سوف يجد أنه في القضايا التي تناول فيها مسائل في المستوي الثابت من النسق التشريعي الإسلامي استخدم لغة أشد قطعية من قطب، لكنه في القضايا المتصلة بتفصيلات النظام السياسي مثل تدوين الدستور الإسلامي استخدم لغة مختلفة فيها التسامح والسعة. لقد كان قطب يرى أن تفصيلات النظم في الواقع الإسلامي لا يجوز التعرض لها إلا حين يقوم المجتمع الإسلامي نفسه.

إن الذي كتب الحياة لأفكار سيد قطب هو إخلاصه لها واقتناعه بها وضربه المثل والنموذج للمثقف المكافح الثائر، ومن المهم الحفاظ عليه كنموذج لإعادة الاعتبار لتقاليد الحضارة الإسلامية التي عرفت نموذج المثقف المكافح الذي يفضل الموت على الخضوع للحاكم والسير في زفته كأحد غلمانه.

لقد حاول عبد الناصر شراء سيد قطب بالتراجع عن أفكاره لكنه قال "إن السبابة التي تشهد بالوحدانية لله في الصلاة ترفض أن تكتب إقرار إذعان للطاغوت" وهو الذي قال "إن كلماتنا عرائس من الشموع فإذا متنا من أجلها دبت فيها الحياة".

وبالطبع فإن التعامل اليوم مع أفكار سيد قطب من جانب الحركة الإسلامية تختلف عنها في حداثة هذه الحركة وعنفوانها، فقد كانت العواطف الجياشة تستجيب لرهافة كلمات قطب وطاقات الإبداع داخلها، لكن الحركة اليوم بلغت تمام رشدها وقتلتها التجارب والمحن، ومن ثم فالتعامل مع سيد قطب وأفكاره إنما يكون في سياق النهوض الإسلامي الكبير والتجارب التي خبرتها الحركة، ومن ثم فما يظن أنه قابل للتأويل في أفكار الرجل ليس مطروحا اليوم.
ــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة