راسم المرواني

"صياما.. إلى أن يفطر السيف بالدم".. صدر من الشعر لا أحبه.. ولكني لا أرميه كقطعة مندثرة في كوم من أكوام القمامة التي تعج بها شوارع وطني، ولست أومن بأن الصيام ينبغي أن ينتهي بإفطار السيف على الدم.

ولا يستفزني حب وطني (العراق) لأن أحرق أوطان الآخرين، ولن يتعرقني وجدي بديني (الإسلام) أن أغيب من يؤمن بدين آخر، وقوميتي (العربية) التي فطرني الله عليها أحبها، بيد أن محبتي لها لا تخولني صلاحية أن أستهين بلغات وانتماءات أبناء جلدتي من البشر.

"
قد يكون "السيف أصدق إنباء من الكتب"، ولكن ليس دائما، بل نادرا ما يكون السيف أصدق، فالسيف يقتل الإنسان ويعجز عن استئصال فكرة، ولكن الكتب تصنع الفكرة أو تقتلها
"
وحتى مذهبي (الشيعي) الذي يسري في عروقي هو الآخر لا يمنحني الحق في أن أصادر مذاهب الناس، ووجودي في الأرض يفرض علي أن أنتمي لمقولة قالها أمير المؤمنين (علي) عليه السلام، موصيا بها مالك الأشتر حين ولاه أرض مصر، قال له: ولا تكن عليهم سبعا ضاريا، فهم صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق.

قد يكون "السيف أصدق إنباء من الكتب"، ولكن ليس دائما، بل نادرا ما يكون السيف أصدق، فالسيف يقتل الإنسان ويعجز عن استئصال فكرة، ولكن الكتب تصنع الفكرة أو تقتلها.

وبذا فهي تقتل الإنسان والفكرة حين تخلق فتنة، وحين تصنع مأدبة للشر، وحين تستدعي قطاع الطرق ليأخذوا الطريق على قوافل الإنسانية، وحين تضع السيف محل الحوار، وحين تستفز المشاعر للقتل، وتشد الأصابع على مقابض السيوف لتشعل أوار حرب بين بني آدم.

قد يكون وميض السيف شعاعا لدرب الحرية، وقد تكون بارقته موعدا مع البداية، وقد تكون رناته ترانيم للثائرين في زمن الاستعباد، وقد يكون النقع بادرة لغد أفضل، كل هذا ممكن وكائن ويكون، ولكن يبقى للكلمة وقعها، وتبقى للكتاب مشيئته، وللثقافة حربها، وللفكر توهجه، وللحرف سره.

الحوار أولا.. أي حوار، فمن أول وأقل نتاج الحوار أن نعرف أن أصدق الحوار هو أن نبدأ بالحوار كأننا لا نملك غيره، ولا نجيد لغة بديلة له، بقلوب تتقمص ثياب الخشية من انهيار الحوار، وبأنفس تقتفي أثر الانتماء للحب، وتضع نصب عينيها أن الآخر يمتلك حق الوجود، ولكنه لا يمتلك حق الاستهانة بالوجود.

السيف يصبح الأصدق حين تحتوشنا السيوف، وبعد أن تنهكنا الحوارات، وبعد أن تصول خيول محبتنا في ميادين الرغبة في الانتماء للإنسانية بمعناها الأشمل، وبعد أن تلمع سيوفنا في غبار القضاء على الفتنة، وحين يصل بنا الحوار إلى اللهاث والتعب، وبعد أن نعرف بأننا قد بدأنا نسمع صوت الله مناديا في البرية، أن دعوهم فهم لا يفهمون لغتكم.

السيف أصدق إنباء، صحيح ذلك، ولكن، بعد أن نمنح الآخر حق أن يقول، وبعد أن نطرق بابه حتى تكل أيدينا، وبعد أن تمل أكتافنا من الطرق، وبعد أن نستنفر جنود عشقنا الشفاف لشركائنا في الوجود، وبعد أن نستهلك طاقاتنا كلها في معانقة واحتضان ذوي الرأي الآخر.

أما حين يكون الآخر منغلقا كأبوابه الموصدة، وحين يسبق السيف عنده العذل، وحين يتمرغ بدماء أطفالنا، وحين يلعق – محتفيا– نزيف الأبرياء، وحين يستهين بالوجود، وحين لا يرعى لأجسادنا إلا ولا ذمة، وحين يتحلب من دمائنا، وينبت لحمه من أشلائنا فالسيف السيف.

"
الصوم والسيف لا يقترنان ولا يتجاريان إلا حين يتعلق الأمر بإرساء مشيئة الله في العدل، ورغبته العلوية في تحقيق سعادة الإنسان، وحقه في الوجود الذي لا يضير مسيرة الكون في التكامل
"
الصوم.. وشهر الله، وحلم المغفرة، وأمنيات التقرب إلى الله، محجوبة عن الأيدي التي تطال خلق الله، وتستأصل شأفة خليفة الله في الأرض، وتستهدف الجياع والأبرياء، وتشعل فتنة في الأرض، لتصبح أشد من القتل.

الصوم وصلاة الليل وأدعية السحر والتراويح لا تغفر خطيئة قتل الإنسان، فقتل الإنسان وسلب الروح من جسد خلقه الله في أحسن تقويم، أشد عند الخالق من هدم الكعبة، وإن قطرة من دماء الأبرياء أعظم عند الله من سماواته وأرضه وأعز عند الله من عرشه.

الصوم والسيف لا يقترنان ولا يتجاريان، إلا حين يتعلق الأمر بإرساء مشيئة الله في العدل، ورغبته (العلوية) في تحقيق سعادة الإنسان، وحقه في الوجود الذي لا يضير مسيرة الكون في التكامل.

أما حين يخطب الصوم ود السيف، ويستنفره لإزاحة الأبرياء من بني البشر عن الطريق، وهتك حرماتهم تحت ذرائع الحقد، ونهش أوصالهم تحت راية الانتماء، وأكل أعضائهم بحجة البقاء، فسحقا لهذا الصوم، وتبا لهذا السيف.

في شهر الصوم.. تفتح الجنان أبوابها، وتغلق النيران أبوابها، ولكن إلى أجل مسمى، إلى أيام معدودة، ليعلم اللهُ الصابرين والمرابطين، وليعلم الناس أن التوبة للذين يعملون السوء بجهالة، ثم لا يصرون على ما فعلوا، وليوقنوا أن التوبة حرام على الذين أراقوا دماء الأبرياء، وأن من قتل نفسا بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعا، منذ آدم حتى آخر مخلوق بشري على وجه الأرض.

الذي يقتل بريئا فعليه ألا يشتم طغيان أميركا، لأنه مثلها، بل هو أسوأ منها، فالذي يقتل بريئا فكأنه ألقى بقنبلة ذرية على الأرض، وقتل الناس جميعا وأحال الأرض كلها إلى خراب، بيد أن أميركا ألقت بقنبلتها المشؤومة على هيروشيما وحدها، رغم أنها ما زالت تقتل الأبرياء، وتبوء بإثم قتل الناس جميعا.. كل يوم.

في شهر الصوم.. وعد الله بني الإنسان أن يلجم لهم الشياطين، ويكبلهم بسلاسل من حديد، ويقمع شرهم، وينزل ملائكته إلى الأرض، ويرسل طيور رحمته إلى الصدور، فلننظر أي نوع من أنواع الشياطين هؤلاء الذين يستهدفون الجياع، ويقتلون الأبرياء في شهر الصوم، وأي أجلاف هم الذين لا يرعوون عن سفك الدماء.

أشياطينهم تلقي إليهم زخرف القول بكرة وعشيا ليستأصلوا الأبرياء، أم أنهم هم الشياطين ولكن لا يعلمون؟ وكيف وأنى للشياطين أن تنفلت من تكبيل الله؟ وأنى لهم أن يدفعوا بأتباعهم نحو الجريمة؟ أنّى وأنّى؟ ولكن هم شياطين الإنس أشد مكرا من شياطين الجن، وهم أمرد من إبليس وأعوانه.

"
حين يخطب الصوم ود السيف ويستنفره لإزاحة الأبرياء من بني البشر عن الطريق، ولهتك حرماتهم تحت ذرائع الحقد، ونهش أوصالهم تحت راية الانتماء، وأكل أعضائهم بحجة البقاء، فسحقا لهذا الصوم وتبا لهذا السيف
"
مسجدك ضرار وكفر وتفريق بين المؤمنين وأرصاد لمن حارب الله ورسوله، ففيه تفخخ رسل الموت، وفيه تستجمع شياطينك غير المكبلة، ومنه تطلق سهام الموت لتطال الصائمين.

ومقر حزبك دهليز مظلم يحتضن المارقين، ومكتبك المعتم تتناثر فيه أوراق (الدولار) على الأفاقين القادمين من وراء الحدود، وبيتك مأوى للقتلة، وغرفتك تفوح منها رائحة أنين المخطوفين، وسلاحك يطارد العراقيين كأنهم طرائد مأذون صيدها وسلخ جلودها.

يداك مصبوغتان بلون يشبه شقائق النعمان من دماء أبناء وطنك، ومصلاك معفر بما تناثر من أشلاء الأبرياء، وأنت مشغول بمكان تزمجر به كالموت المسلط على المساكين.. ألا تتقي الله؟

لا تقل لي إنك تقاتل في سبيل الله، لن تخدعني، فسبيل الله أعرفه، ولكني لا أعرفك، فقد رأيتك تستهدف الأبرياء من السنّة، ورأيتك تستهدف المساكين من الشيعة، ورأيتك تستهدف الجياع من التركمان، ورأيتك تستهدف الشرفاء من الكرد، ورأيتك تستهدف الضعفاء من المسيحيين، ورأيتك تستهدف المظلومين من الصابئة.

رأيتك تستهدف الشيوخ والأطفال والنساء، تحسب -أو تدعي- أنك تطالهم بيدك الآثمة لأنهم عملاء للمحتل... سبحان الله.. هذا المحتل يقف آمناً على مقربة من المكان الذي وضعت فيه رسالة الموت للمستضعفين.. ألا تراه؟
______________________

المستشار الثقافي لمكتب الصدر

المصدر : الجزيرة