أحمد ولد نافع

- اقتصاد الذهب الأسود
- مأزق التنمية
- أي حل لمشكلات بنيوية؟

أجمع مبكرا أغلب المهتمين باقتصاد الدولة الموريتانية الحديثة على أن هذا البلد ذا الموقع الإستراتيجي، المتميز برا وبحرا، والذي يحتوي أصنافا من الموارد المعدنية المختلفة، لا يمكن أن يخلو من الذهب الأسود.

إلا أن ذلك الاعتقاد ظل أقرب إلى التخمين منه إلى اليقين حتى نهاية التسعينيات، حيث استحال الشك إلى علم أكيد، وأصبح انضمام موريتانيا إلى نادي المصدرين لهذه السلعة الإستراتيجية أمرا مفروغا منه، بعد ظهور نتائج التنقيب والاستكشاف في الأراضي الموريتانية.

"
النفط سيعيد تشكيل معالم الاقتصاد الموريتاني حيث تتراجع أهمية القطاعات التقليدية كالرعي والفلاحة مما ستكون له انعكاسات على مستقبل التنمية في موريتانيا ورهاناتها المستقبلية

"
اقتصاد الذهب الأسود
يبدو أن الوصول إلى هذا النفط كان يحتاج إلى استثمارات معتبرة ناهزت مليار دولار، تسعى للربح كلما غامرت بالمزيد من المخاطرة، وهو ما تسنى لائتلاف من الشركات العالمية بزعامة الشركة الأسترالية "وود سايد" Wood side التي ستؤول إليها عائدات 47.5% من أول بئر نفطي أطلق عليه اسم "شنقيط" تيمنا بالرمزية التاريخية التي تمثلها تلك المدينة.

وهذه البئر التي اكتشفت سنة 2001 باحتياطيات تصل إلى مائة وعشرين مليون برميل، من المنتظر أن تكون طاقتها الإنتاجية اليومية في حدود 75 ألف برميل يوميا.

وبالإضافة إلى ذلك الحقل، توجد آبار نفطية وغازية أخرى، منها حقل "تشوف Thiof" الذي تم اكتشافه عام 2003، وهو أكثر أهمية اقتصادية من حقل شنقيط باحتياطيات تصل إلى 350 مليون برميل، وحقل الغاز "بندا Benda"، و"تيفيت Tevet".

تم ذلك بعد أن أصدرت السلطات الموريتانية أزيد من ثلاثين رخصة للبحث عن النفط وغيره من المعادن القاعدية النفيسة في موريتانيا.

وباعتبار حقل شنقيط باكورة الإنتاج النفطي الموريتاني، فإن العائدات المتوقعة منه سيتم توزيعها بحيث تساهم في تغطية نفقات الاستكشاف والتنقيب وتطوير الاستغلال، إضافة إلى توفير جزء من الموارد المالية للاقتصاد الموريتاني لمغالبة تحديات التنمية المستعصية.

ومن المتوقع بحسب الخبراء أن العمر الافتراضي لهذا الحقل سيمتد حتى 2015 على أن تتوزع عائداته بنسبة 47.5% لشركة وود سايد، و16% لـ هاردمان رسورس، و12% لشركة شنقيط، و11% لبريتش غاز، و 8.5% لشركة برميير، و3% لروك أويل.

وفي المحصلة فإن إجمالي الصادرات النفطية الموريتانية سيصل في سنة 2006 حسب وزير النفط الثاني محمد عالي ولد سيد محمد إلى حوالي 18.4 مليون برميل من الخام، يتم تخصيص 60% منها لتغطية تكاليف التنقيب والاستغلال والتطوير، في حين توزع 40% كأرباح منها 35% للدولة الموريتانية و5% بين أعضاء التكتل النفطي المشرف على حقل شنقيط.

ولا شك أن النفط سيعيد تشكيل معالم وسمات الاقتصاد الموريتاني حيث ستتراجع أهمية القطاعات التقليدية، وبالدرجة الأولى، الرعي والفلاحة لصالح قطاع النفط الوليد، وهو ما ستكون له انعكاسات متعددة الجوانب على مستقبل التنمية في موريتانيا ورهاناتها المستقبلية.

ذلك ما تلقيه دروس الدول التي ركبت قطار المنتجين منذ القرن العشرين، إذ تزايد فيها الإنفاق العام والخاص والفائض التجاري (خصوصا في دول العجز المطلق)، وتزايد الاختلال في توزيع الثروة وطأة، حيث استأثرت مجموعات من أشباه الأميين بغنائم النفط (ظاهرة أثرياء النفط)، ليس لمساهمتهم الكبرى في الإنتاج، بل لقدرتهم على اغتنام الفرص النادرة التي يوفرها مناخ اقتصاد النفط، في الوقت الذي تتورط فيه النخبة العالِمةُ في نسقٍ وظيفيٍ لا ينتشلهم من قاع المجتمع الأدنى مهما حصل.

"
انسياب عائدات النفط الموريتاني سيسهم في رفع مقادير حجم الدخل القومي للتوسع في الإنفاق وتمويل مشاريع التنمية بوتيرة متنامية، خصوصا في مجال القاعدة الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية كالطرق والمطارات والمرافق والإسكان
"
مأزق التنمية
إن مصادر الدخل في موريتانيا، كما هو معلوم لدى المتخصصين، هي عائدات قطاعات الثروة الحيوانية والحديد والصيد البحري والضرائب المباشرة وغير المباشرة.

وأكّدت التجربة أنه منذ نهاية الستينيات وحتى اليوم، فإن مصادر التمويل الخارجية لا تزال تغطي أزيد من 50% من إيرادات الدولة، وكان آخرها ميزانية العام الجاري 2006 التي غطّى العالم الخارجي منها قرابة 55%.

وهذه دلالة موحية في لغة الاقتصاد الكلي بحجم فجوتي الموارد المحلية والخارجية التي تبدو متفاقمة حتى إشعار آخر.

غير أن انسياب عائدات النفط الموريتاني لاشك أنه سيسهم في رفع مقادير حجم الدخل القومي، وهو ما سيعمل على زيادة نشاط الشركات المستغلة من جهة، وزيادة الدخول الخاضعة للضريبة في الدولة من جهة أخرى، إضافة إلى انعكاس ذلك إجمالا على زيادة الواردات نتيجة لزيادة المشاريع المصاحبة بالضرورة لظهور اقتصاد نفطي هو نتيجة لزيادة الميل للاستيراد الكلي عموما.

كما قد تتعزز زيادة الرسوم المجبية جمركيا مما يزيد من بند عائدات الضرائب الوطنية، بحيث تنجم عن ذلك زيادة المصاريف الحكومية الإنمائية والإدارية في ظل سياسة عامة للتوسع في الإنفاق وتمويل مشروعات التنمية بوتيرة متنامية، خصوصا في مجال القاعدة الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية كالطرق والمطارات والمرافق والإسكان.

وبنظرة أولية لتصور مهمات التنمية في موريتانيا في المديين القريب والمتوسط، تكفي نظرة إلى واقع أكبر مدينتين هما نواكشوط التي تحوي ثلث السكان، ونواذيبو التي تضم قرابة مائتي ألف نسمة، وتغيب فيهما المعالم المادية للعمران البشري من تخطيط وصرف صحي مع انتشار "فطري" لأحياء الصفيح العشوائية التي تعيد صورة مدن القرون الوسطي أو ربما ما قبلها.

ناهيك عن وجود الفقر بالجملة في المدن والأرياف (60% من عدد السكان)، والبطالة الشاملة وبطالة الخريجين على قلتهم ( 6000 حامل شهادة تقديرات 2003) الذين تسبب منهج "السوق الطارد" في هجرة عينات نوعية منهم إلى المهجر، وتحديات تأمين العيش الكريم في ظل الغلاء الشامل في الأسعار لسيطرة المنطق الشائه لليبرالية المتوحشة بسبب تغوّل مافيات الرأسماليين والبرجوازية الكومبرادورية ضمن مناخ الدولة، الشيء الذي مكّن 5% من احتكار ثروة بلد بأكمله.

تضاف إلى كل ذلك أمية "أبجدية ومدنية" مستفحلة في أكثر من 70% من السكان في بلد لم يتوفر بعد أربعة عقود من استقلاله السياسي والقانوني على جامعة واحدة متناغمة مع المعايير المتفق عليها عالميا.

وهناك كذلك انتشار مريع لأمراض منقرضة مثل الكوليرا التي اختفت منذ عقود من أنحاء عديدة من العالم، مع قطاع صحّي يحتاج إلى عمل المعجزات من أجل رفع معاناة العذاب اليومي الذي ينصب على رؤوس مواطنيه.

"
من الصعب التأكد من أن مصير النفط لن يكون مثل مصير الحديد الذي تأتي موريتانيا في صدارة منتجيه العشرة الكبار عالميا، ولم يستطع حل مأزق التنمية، أو مثل مصير السمك الذي ضل طريقه إلى الخزينة الوطنية
"
أي حل لمشاكل بنيوية؟
تلك عينة من مآزق التنمية ومشكلاتها، التي يسهم تأخير حلها في تفاقمها وزيادة نفقات حلها مستقبلا، وهي المآزق التي تنخر بنية الاقتصاد الموريتاني في الصميم، مما يوسع دائرة آماله وينقل مشاكله إلى هذا المورد الجديد النفط لكي يكون بمثابة خاتم سليمان لها جميعا.

غير أن إصلاح الاقتصاد يتطلب إصلاح السياسة والاجتماع كما هو معروف، وقد يكون التغيير الذي عرفته موريتانيا منذ 3-8-2005 وما تلاه من وضع اللبنات الأساسية للعدالة والديمقراطية والحكم الرشيد ولجنة وطنية مستقلة للانتخابات وخلق مؤسسة وطنية للنفط لتشرف على كل ما يتعلق بهذه السلعة تنقيبا وإنتاجا وتسويقا، كلها معالم على طريق حل معضلة التنمية المستعصية في موريتانيا.

ويدعم ذلك إنشاء صندوق وطني لعائدات المحروقات صادق عليه مجلس الوزراء، وما يتضمنه من إشراف وتسيير لموارد تقاسم الإنتاج النفطي والإتاوات والضرائب والرسوم التي من المقرر وضعها في حساب الصندوق باسم الدولة الموريتانية.

يضاف إلى ذلك ما تم من المصادقة على الانضمام إلى مبادرة الشفافية الدولية في مجال تسيير عائدات المناجم والنفط، غير أن أربعة عقود من التجربة والخطأ استحالت فيها موارد أخرى، علقت عليها آمال عراض إلى أثر بعد عين، تجعل نجاعة ما يتم القيام به في حاجة إلى وقت ليتم إثباته.

ومن الصعب التأكد من أن مصير النفط لن يكون مثل مصير الحديد الذي تأتي موريتانيا في صدارة منتجيه العشرة الكبار عالميا، ولم يستطع حل مأزق التنمية، بل كانت النتيجة هي تحوّل مناجمه في الشمال إلى قبور ضخمة من الأتربة والغبار، أو مثل مصير السمك الذي لم يكن أحسن حظا.

وبالرغم من أن أصنافا نادرة وفائقة الجودة من الأسماك تتوالد في المياه الأطلسية الموريتانية في بيئة بحرية من التيارات الدافئة والباردة لا نظير لها في العالم، وتصل طاقة الصيد السنوية من هذا المورد إلى ربع مليون طن تقريبا، فإن هذا القطاع تم ارتهانه بثمن بخس للاتحاد الأوروبي وغيره بفتات (750 مليون يورو) ضل طريقه إلى الخزينة الوطنية منذ عقدين من الزمن، إلى جيوب الفساد وديناصوراته التي كانت بالمرصاد لتلك الثروة وغيرها كما تؤكد تقارير الشفافية الدولية المتتالية.

وعندما نتساءل هل سيكون النفط أكثر أمانا من هذه المخاوف والتحديات كلها، لاشك أن الإجابة سيكون جزء منها في بشائر الفساد المبكر، الذي خيم مناخه مؤخرا، بين الحكومة الموريتانية والشركة الأسترالية "وود سايد" في ظل ما بات ينعت محليا بقضية ملحقات الاتفاق التي تروج اتهامات حول تورط أول وزير نفط فيها مقابل عمولات ورشى وخسائر للاقتصاد الموريتاني تقدر بـ 200 مليون دولار.

"
النفط قد يسهم في التخفيف من حدة مشكلات التنمية في موريتانيا، ولكنه لن يكون نعمة كما يروج المتفائلون، ولا نقمة كما يخشى المتشائمون، بل إنه مورد اقتصادي فحسب

"
ويذكر أنه إلى جانب هذه الخسائر المعتبرة سيكون هناك عدم التزام بسيولة كافية لدى المصارف التجارية الموريتانية كما هو شائع في مثل هذه الحالات، وأضرار على البيئة البحرية قد تتسبب في الإجهاز على الثروة السمكية مما أحيا المخاوف من المشكلات التي تواجه "النفط – المنقذ".

وتدعم هذه المخاوف قراءة التجربة في تسيير الموارد الوطنية السابقة التي قيل حينئذ عنها، وفي مراحل مختلفة، إنها ستكون السبيل أمام بناء الدولة الموريتانية وإشباع حاجات المواطنين وتسهيل سبل الحياة والرفاهية أمامهم على غرار الشعوب الأخرى في الدول النامية على أقل تقدير.

وبكلمة واحدة فإن النفط قد يسهم في التخفيف من حدة مشكلات التنمية في موريتانيا، ولكنه لن يكون "نعمة" كما يروج المتفائلون، ولا "نقمة" كما يخشى المتشائمون، بل إنه مورد اقتصادي فحسب.

إذا أحسن استغلاله بعقلانية وترشيد سيغير وجه الحياة إلى الأفضل، أما إذا أسيء استغلاله فقد يكون مصدرا لجلب الشرور كما أثبتت التجربة في كثير من البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء، فأين ستكون التجربة الموريتانية من ذلك؟
__________________
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة