أهداف المؤتمر
نتائج المؤتمر

الفرص والمخاطر

دعا رئيس الوزراء البريطاني السيد غوردون براون في مطلع شهر يناير/كانون الأول الماضي إلى مؤتمر دولي بشأن اليمن يعقد في العاصمة البريطانية لندن مع نهاية الشهر بالتزامن مع مؤتمر آخر بشأن أفغانستان، وجاءت الدعوة البريطانية بعد حوالي أسبوع فقط من محاولة النيجيري عمر فاروق عبد المطلب تفجير طائرة أميركية متجهة من أمستردام إلى ديترويت في 25 ديسمبر/كانون الأول 2009.

وقد عقد المؤتمر رفيع المستوى في 27 يناير/كانون الثاني المنصرم بحضور ممثلين عن 24 دولة من بينها دول مجلس التعاون الخليجي الست ودول مجموعة الثماني، التي تضم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وروسيا، واليابان، وكندا. كما شارك فيه أيضا عدد من ممثلي المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.

ويسعى هذا المقال، وفي ظل الجدل السابق والمصاحب واللاحق لانعقاد المؤتمر، إلى التعرف على:
1- الأهداف التي سعى المؤتمر لتحقيقها.
2- النتائج التي أسفر عنها.
3- الفرص والمخاطر المرتبطة بالآليات التي أنشأها لمواجهة التحديات القائمة في اليمن.

أهداف المؤتمر
تحدد الهدف العام لمؤتمر لندن بحسب الدعوة التي وجهها رئيس وزراء بريطانيا في "مناقشة كيفية مواجهة التطرف في اليمن" بما يتضمنه ذلك من أهداف فرعية تتمثل في تنسيق جهود المانحين في مجال دعم التنمية في اليمن، والتعرف على احتياجات الحكومة اليمنية في مجال مكافحة الإرهاب.

وفي البداية، قابلت الحكومة اليمنية الدعوة البريطانية التي وجهت إلى المجتمع الدولي دون التشاور المسبق معها بالترحيب، ثم سرعان ما سرت الشائعات وتزايدت الشكوك المحيطة بالهدف الأساسي للمؤتمر حيث ذهب البعض إلى القول بأن الهدف هو توفير غطاء دولي لتدخل عسكري أميركي بريطاني في اليمن، وهناك من أكد أن بريطانيا قد دعت إلى المؤتمر ممثلين عن الحراك في الجنوب، والمتمردين الحوثيين في الشمال، والمعارضة اليمنية في الداخل.

"
الهدف المعلن للمؤتمر هو مناقشة كيفية مواجهة التطرف في اليمن بما يتضمنه ذلك من أهداف أخرى فرعية, فيما يبدو أن  الهدف غير المعلن للمؤتمر قد تمثل في إيصال مجموعة من الرسائل القوية إلى الحكومة اليمنية
"
وتأرجحت مواقف الحكومة اليمنية بين مقاطعة المؤتمر والمشاركة بتمثيل منخفض، ثم قررت في نهاية الأمر المشاركة في المؤتمر بتمثيل رفيع المستوى برئاسة الدكتور علي محمد مجور رئيس مجلس الوزراء.

ويبدو أن الهدف غير المعلن للمؤتمر قد تمثل في إيصال مجموعة من الرسائل القوية إلى الحكومة اليمنية، وأهمها:

1- أن المجتمع الدولي يتابع باهتمام بالغ تطورات الوضع في اليمن وأنه ينظر إلى أزمات اليمن القائمة كتهديد للسلم الإقليمي والدولي، وأنه سيتصرف في أي لحظة بالشكل الذي يراه مناسبا لحماية أمنه ومصالحه سواء وافقت الحكومة اليمنية أو لم توافق.

2- أن المجتمع الدولي يدعم بقوة جهود الحكومة اليمنية في حربها ضد القاعدة لكنه يدرك أيضا أن الحرب على الإرهاب تتطلب معالجة المشاكل والتحديات التي تمثل مغذيا لعدم الاستقرار وبالتالي للإرهاب والتي تشمل الصراعات السياسية العنيفة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية.

3- أن المجتمع الدولي لن يقدم المزيد من الدعم المالي إلا على ضوء قيام الحكومة اليمنية بتقديم تحديد واضح للأولويات، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الكفيلة بتعزيز قدرتها على الاستفادة من أموال المانحين في معالجة الأوضاع المغذية لعدم الاستقرار.

4.- مطالبة الرئيس علي عبد الله صالح وحكومته -كما جاء في كلمة وزير الخارجية البريطاني الذي افتتح المؤتمر بالنيابة عن رئيس الوزراء- "بتوجيهات وقيادة واضحة ومتسقة".

نتائج المؤتمر
بالرغم من اللغة الدبلوماسية الرفيعة التي تم استخدامها في البيان الختامي الصادر عن لقاء لندن والتي تعكس توجها دوليا نحو الشراكة مع الحكومة اليمنية في إطار احترام السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية ودعم الوحدة اليمنية، إلا أن البعض يذهب إلى أن المجتمع الدولي ومن خلال مؤتمر لندن قد وضع اليمن تحت الوصاية الدولية الكاملة معللا ذلك بأن أي قدر من الشراكة الحقيقية يتطلب قدرا من التكافؤ بين الشركاء وهو ما لا يتوفر في الحالة القائمة.

وبغض النظر عن اختلاف التوصيفات المختلفة لمؤتمر لندن، وبعيدا عن نظريات التآمر، فإن الشيء الأكيد هو أن الوضع الداخلي في اليمن قد وصل إلى مرحلة تتطلب دورا إقليميا ودوليا قويا يركز على المصالح المشتركة ويمنع تحول اليمن إلى دولة فاشلة تمثل مصدر تهديد لجيرانها وللمصالح الاقتصادية الدولية.

وهكذا جاء مؤتمر لندن، الذي ينبغي النظر إليه على أنه الخطوة الأولى وليس الأخيرة أو الوحيدة، ليمثل ردا طبيعيا من قبل المجتمع الدولي على التنامي المضطرد للتحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية وعلى التهديد الذي يمكن أن تمثله تلك التحديات للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وقد أنشأ المؤتمر خمس آليات للتعامل مع أزمات اليمن هي كالتالي:

1- مجموعة "أصدقاء اليمن" التي نص البيان الختامي للمؤتمر على إطلاقها والتي تتناول "مجموعة واسعة من التحديات التي يواجهها اليمن" واكتفى البيان الختامي بذكر أن المجموعة ستكون مدعومة من قبل فريقي عمل الأول "حول الاقتصاد والحوكمة" والثاني "حول العدالة وتنفيذ القانون" وأنها ستجتمع لأول مرة في أواخر مارس/آذار القادم لمناقشة "سبل تطبيق الخطة الإصلاحية الوطنية لليمن". لكن البيان لم يشر صراحة إلى أعضاء مجموعة "أصدقاء اليمن" وما إذا كانت جميع الدول التي حضرت المؤتمر ستمثل أو إلى الطريقة التي ستتشكل بها الفرق المساندة والأطراف التي ستمثل فيها.

"
بغض النظر عن اختلاف التوصيفات المختلفة لمؤتمر لندن، فإن الشيء الأكيد هو أن الوضع الداخلي في اليمن قد وصل إلى مرحلة تتطلب دورا إقليميا ودوليا قويا يركز على المصالح المشتركة ويمنع تحول اليمن إلى دولة فاشلة 
"
2- آلية مجلس التعاون الخليجي، حيث سيقوم الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بدعوة دول الخليج والمانحين الآخرين إلى مؤتمر يعقد في الرياض من 27 وحتى 28 يناير/كانون الثاني 2010 وسيتولى المشاركون خلال يومين "تحليل العوائق التي تحول دون تقديم دعم فعال لليمن" بما يؤدي إلى حوار مشترك مع الحكومة اليمنية يشمل أولويات الإصلاح.

3- آلية صندوق النقد الدولي حيث التزمت الحكومة اليمنية في المؤتمر بأنها ستواصل أجندة الإصلاحات وستبدأ في مناقشة مشروع صندوق النقد الدولي، وهذا النص يبعث على القلق لدى الكثيرين وذلك لأن إصلاحات صندوق النقد الدولي غالبا ما ارتبطت برفع الدعم عن المشتقات النفطية والسلع الأساسية وهو ما يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر في حين أنها فشلت في إحداث التغييرات الأخرى التي يمكن أن تقود إلى تحسين بيئة الاستثمار وخلق فرص العمل.

4- آلية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1276 لسنة 1999 والخاصة بفرض عقوبات على الأشخاص والهيئات المرتبطين بالقاعدة حيث التزم المشاركون في المؤتمر كما جاء في نص البيان الختامي بالعمل على تطبيق الأحكام الصادرة عن لجنة العقوبات التي أنشأها القرار. ويقول مصدر حكومي يمني أن القرار يضع أكثر من ألف شخصية يمنية في مرمى العقوبات لكن مصادر دبلوماسية تقلل من أثر ذلك القرار وتؤكد أن آثاره على اليمن سترتبط بإجراءات قانونية دولية مستقبلية يمكن أن تطال بعض الشخصيات اليمنية.

5- آلية دعم الحكومة اليمنية في محاربة القاعدة وكافة أشكال الإرهاب، ويبدو أن مؤتمر لندن لم يخضع الدعم الأمني للحكومة اليمنية لأي اشتراطات معلنة لكنه من المؤكد أن هناك تفاهمات وترتيبات غير معلنة تجعل الخارج شريكا أساسيا للحكومة اليمنية في مواجهة القاعدة.

الفرص والمخاطر
يعقد الكثير من المهتمين الأمل على مؤتمر لندن والآليات التي خرج بها في انتشال اليمن من أوضاعه المزرية ومنع البلد ذي الموقع الإستراتيجي الهام من اللحاق بالصومال وأفغانستان والعراق.

ويبني المتفائلون آمالهم على:
1- وجود اهتمام دولي قوي بالشأن اليمني عكسه سعي الولايات المتحدة وبريطانيا كلا على حدة العام الماضي إلى تطوير إستراتيجيات بشأن التعاطي مع الشأن اليمني.

2- وجود قناعات دولية قوية بأن عدم الاستقرار في اليمن يشكل تهديدا خطيرا للأمن الإقليمي وللمصالح الاقتصادية المتمثلة في تدفق النفط والتجارة الدولية.

3- قدرة المجتمعين الإقليمي والدولي، مستفيدين من تجارب التدخل في العراق وأفغانستان، على القيام بخطوات واتخاذ إجراءات استباقية كفيلة بوقف عجلة التدهور وتغيير اتجاه المسار.

لكن هناك في المقابل الكثير من المخاوف بأن الآليات التي وضعها مؤتمر لندن قد لا تنجح في وقف التدهور الحاصل وذلك لعدة أسباب.

أولا: فرق المؤتمر بين الدعم الدولي لمحاربة الإرهاب من جهة وبين دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية من جهة ثانية، وفي حين لم يخضع الدعم الدولي للشق الأول لأي اشتراطات فإنه جعل الدعم الدولي القوي للثاني خاضعا لاشتراطات عديدة قد يأخذ التفاوض حولها وقتا طويلا وقد يظهر الكثير من الخلافات حولها، وقد لا يكون مصير مؤتمر لندن الأخير فيما يتصل بالجوانب السياسية والاقتصادية أفضل من سابقه في نهاية عام 2006 والذي التزم فيه المانحون بمليارات الدولارات للحكومة اليمنية، لكن الحكومة اليمنية لم تستخدم بعد مرور ثلاث سنوات سوى 7% فقط من الأموال التي التزم بها المانحون.

ويخشى في حال تركيز الدعم الدولي للحكومة اليمنية على الحرب ضد القاعدة وإهمال الجوانب السياسية والاقتصادية أن يؤدي ذلك إلى المزيد من التدهور.

ثانيا: سيحتاج اليمن في المرحلة القادمة إلى توسيع قاعدة النظام السياسي عن طريق الشراكة مع الفاعلين الداخليين، لكن تدويل قرارات اليمن السياسية والاقتصادية كما يفهم من الآليات التي وضعها مؤتمر لندن قد يؤدي إلى المزيد من تركيز السلطة والثروة، والتهميش للقوى السياسية والاجتماعية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى المزيد من التآكل في شرعية الدولة والنظام السياسي، وستصبح الخطوات التي يتم الاتفاق عليها بين الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي غير قابلة للتطبيق على صعيد الواقع.

"
مؤتمر لندن هو الخطوة الأولى في طريق طويلة قد تفضي إلى إنقاذ اليمن أو قد تزيد من تعقيدات الأزمات القائمة وسيظل تحقق أي من الأمرين مرهونا بالكيفية التي سيعمل من خلالها "أصدقاء اليمن" من جهة والحكومة اليمنية من جهة أخرى
"
وسيتطلب تجنب حدوث أمر مثل هذا أن تعمل الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي على إشراك مختلف القوى اليمنية في السلطة والمعارضة في إقرار التوجهات وصناعة السياسات التي يتم تبنيها. كما لا بد أن يكون هناك شفافية في تعريف المشكلات ووضع الحلول لها لأن السرية -وإن كانت تسهل عملية تبني تلك السياسات والتوجهات- فإنها في المقابل تجعلها غير قابلة للتطبيق لافتقارها إلى الدعم الكافي.

ثالثا: سيتطلب تغيير الأوضاع على الصعيد الاقتصادي تنفيذ إصلاحات جذرية على الصعيد السياسي تطال ليس فقط طرق العمل ولكن الأشخاص أيضا، وهذا في حد ذاته يثير التساؤل حول قدرة النظام اليمني واستعداده لفعل ذلك، وقد يشكل هذا الجانب بالتحديد عامل افتراق بين الحكومة اليمنية من جهة وشركائها الدوليين من جهة ثانية.

رابعا: بالرغم من الانسجام الذي أظهره الفاعلون الدوليون فيما يتعلق بالشأن اليمني في مؤتمر لندن، إلا أنه من غير المتوقع أن يستمر هذا الانسجام لفترة طويلة، ومن المتوقع أن تبدأ الخلافات بالظهور وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمضمون الإصلاحات وبالكيفية التي ينبغي من خلالها التعامل مع التحديات المختلفة كالتمرد الحوثي مثلا.

ومع أن إيجاد أطر مشتركة للتعاطي مع موضوع اليمن تقلل من فرص الاختلاف وتساعد في بناء الثقة بين الأطراف المختلفة إلا أن تلك الأطر لا تلغي تماما إمكانية ظهور الخلاف مع ما قد يترتب عليه من نتائج غير مرغوب فيها على المشكلات اليمنية.

ويمكن إجمالا النظر إلى مؤتمر لندن على أنه الخطوة الأولى في طريق طويلة قد تفضي إلى إنقاذ اليمن أو قد تزيد من تعقيدات الأزمات القائمة، وسيظل تحقق أي من الأمرين مرهونا بالكيفية التي سيعمل من خلالها "أصدقاء اليمن" من جهة والحكومة اليمنية من جهة أخرى. وإذا كان دخول الخارج بهذه القوة يشكل دفعة كبيرة للإصلاحات بأوجهها المختلفة، فإنه من جهة أخرى قد يعمل على تفاقم الأزمات. وأيا كان المسار الذي ستتخذه الأحداث، فإن المسؤولية عما سيحدث ستقع بالدرجة الأولى على كاهل الحكومة اليمنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك