زيمبابويتان تحملان حصتيهما من الأغذية التي يوزعها برنامج الغذاء العالمي

بقلم/ إبراهيم غرايبة*

خريطة الفقر في العالم
التفاوت وعدم المساواة
العالم يتحدى الفقر
أسباب الفقر وإطار للعمل

الفقر كما تعرفه المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي هو "الحرمان الشديد من الحياة الرضية، والحرمان المادي من دخل وصحة وتعليم، والمعاناة من التعرض للمخاطر كالمرض وقلة الدخل والعنف والجريمة والكوارث والانتزاع من المدرسة، وعدم قدرة الشخص على إسماع صوته وانعدام حيلته، وانعدام أو نقص الحريات المدنية والسياسية، قال تعالى في القرآن الكريم "وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ".


يعيش حوالي نصف سكان العالم البالغ عددهم ستة مليارات نسمة على أقل من دولارين يوميا للفرد الواحد، وهذا معيار الفقر المطلق العائد إلى نقص الدخل ويعيش حوالي خمس السكان على أقل من دولار واحد يوميا للفرد، وهذا حد الفقر المدقع
ويعيش حوالي نصف سكان العالم البالغ عددهم ستة مليارات نسمة على أقل من دولارين يوميا للفرد الواحد، وهذا معيار الفقر المطلق العائد إلى نقص الدخل. ويعيش حوالي خمس سكان العالم على أقل من دولار واحد يوميا للفرد، وهذا حد الفقر المدقع.

والواقع أن الفقر المرتبط بانخفاض الدخل هو أحد أوضاع الفقر وليس كلها، فالفقراء تعوزهم الفرصة المناسبة، ويفتقدون إلى الصوت المسموع، وهم معرضون للعنف والمرض ولكوارث الطبيعية وتؤثر فيهم أكثر من غيرهم.

ويعيش ما يزيد على 430 مليون شخص في بلدان تعاني ضائقة مالية، ويحتمل أن يزيد هذا العدد إلى خمسة أمثاله بحلول العام 2050، ويبلغ عدد المصابين بمرض الإيدز 36 مليونا، وقد مات ما يزيد على 21 مليونا بسبب هذا المرض منذ الثمانينيات، وتبلغ نسبة الأطفال الذين لا يذهبون إلى المدارس 11.5%.

خريطة الفقر في العالم

يقدم المشهد التالي عرضا سريعا لحالة العالم وأهم مؤشرات الفقر فيه، وهو مستمد من تقارير البنك الدولي والأمم المتحدة:

أفريقيا

مجموع السكان: 700 مليون

معدل الزيادة السكانية: 2.4%

عدد المصابين بالإيدز: 25 مليونا

العمر المتوقع عند الولادة: 47 سنة

وفيات الرضع: 92/1000 مولودا

نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي: 480$ عام 2000

أرجنتينيون يتشاجرون للحصول على قطعة لحم أبقار انقلبت بها الشاحنة
أهم المشكلات والتحديات
: انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، ومرض الإيدز، وتراجع المساعدات الإنمائية من 32 دولارا إلى 19 دولارا للفرد، ويموت مليون شخص سنويا بسبب الملاريا.

شرق آسيا

مجموع السكان: 1.9 مليار نسمة

معدل الزيادة في السكان: 1.9%

العمر المتوقع عند الولادة: 69 سنة

وفيات الرضع: 35/1000 مولودا

نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي: 1060 $ عام 2000

أهم المشكلات والتحديات: يعاني 13% من السكان من فقر مدقع (دولار واحد يوميا للفرد) وكانت هذه النسبة 30% في أوائل التسعينيات.

عدد المصابين بالإيدز: 600 ألف

جنوب آسيا

مجموع السكان: 1.4 بليون

معدل الزيادة السكانية: 1.9%

العمر المتوقع عند الولادة: 63 سنة

وفيات الرضع: 74/1000 مولودا

نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي: 460 $

عدد المصابين بالإيدز: 5.8 مليون

معدل النمو: 6% في الهند، 5.25 في بنغلاديش، 3.85% في باكستان

أهم المشكلات والتحديات: سوء نظام الإدارة العامة، والصراعات الأهلية، ويعيش 500 مليون شخص على أقل من دولار واحد يوميا للفرد، وتعتبر نسبة الأمية في هذه المنطقة أعلى نسبة في العالم.

أوروبا وآسيا الوسطى

مجموع السكان: 500 مليون

معدل الزيادة: 0.1%

العمر المتوقع عند الولادة: 69 سنة

وفيات الرضع: 21/1000 مولودا

نصيب الفرد من الدخل القومي: 2010 $

عدد المصابين بالإيدز: 700 ألف

أهم المشكلات والتحديات: البطالة، والفجوات بين الفقراء والأغنياء، والفساد.

أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي

عدد السكان: 500 مليون

العمر المتوقع عند الولادة: 70 سنة

وفيات الرضع: 30/1000 طفلا

أهم المشكلات والتحديات: بطالة مرتفعة، وانهيار اقتصادي في الأرجنتين، وأزمات سياسية في فنزويلا وكولومبيا.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

عدد السكان: 300 مليون

معدل الزيادة: 1.9%

العمر المتوقع عند الولادة: 69 سنة

وفيات الرضع: 44/1000 طفلا

نصيب الفرد من الدخل القومي: 2040$

عدد المصابين بالإيدز: 400 ألف

أهم المشكلات والتحديات: الصراعات والأزمات السياسية، وبطالة مرتفعة (15%)، وضعف أنظمة المساءلة، وفروق هائلة بين الأغنياء والفقراء.

التفاوت وعدم المساواة


تبلغ نسبة عدد الأطفال الذين يموتون قبل الخامسة في العالم الثالث أو الدول الفقيرة إلى عددهم في الدول الغنية 1:20، وتبلغ نسبة متوسط الدخل في الدول الغنية إلى الدول الفقيرة 37:1
تعد الفجوات بين الأغنياء والفقراء سواء بين الدول الغنية والفقيرة أو داخل الدولة الواحدة من أهم ظواهر التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي جرت في العقود الأخيرة، فتبلغ نسبة الأطفال الذين يموتون قبل الخامسة في العالم الثالث أو الدول الفقيرة إلى عددهم في الدول الغنية 1:20، وتبلغ نسبة متوسط الدخل في الدول الغنية إلى الدول الفقيرة 37 : 1.

وهناك تفاوت في معظم بلدان العالم بين الأغنياء والفقراء وتفاوت كبير بين حصة الأغنياء والفقراء من الإنفاق العام، ويقترح البنك الدولي إعادة توزيع الإنفاق العام لتوجيه الخدمات والاستثمارات نحو الفقراء والمحتاجين، ويعرض التقرير نسبة حصة أغنى 20% إلى أفقر 20% من السكان في دول العالم من الإنفاق العام، ففي مجال التعليم كانت هذه النسبة في باكستان 29:14، وفي كزاخستان 8:26، وفي المغرب 12:24، وفي نيكاراغوا: 40:9.

وفي مجال الصحة كانت نسبة حصة الأغنياء من الإنفاق العام إلى حصة الفقراء 29:12، وفي تشيلي 22:11، وفي ماليزيا 29:11، وهما دولتان تميزتا بين معظم دول العالم في تخصيص الفقراء بنسبة أكبر من الإنفاق العام.

وتكون المشكلة أحيانا في عدم إنفاق الموارد العامة المحدودة على أنشطة مثل التعليم والصحة والارتقاء بالأحياء الفقيرة والتنمية الريفية التي تساعد الفقراء على مراكمة الأصول، ومن أسباب ذلك استهلاك الإنفاق العام في خدمة الديون (20% وأحيانا الثلث في بعض الدول النامية والأفريقية) والدعم المقدم لغير الفقراء.

في قيرغيزيا باع 45% من المرضى أصولا مثل المنتجات والثروة الحيوانية لدفع نفقات الرعاية في المستشفيات، وتؤثر أعمال الحصول على المياه على انتظام تعليم البنات في مدغشقر وتضاعف عدد الأولاد الملتحقين بالمدارس في أوغندا عام 1997/1998 عندما ألغيت المصاريف المفروضة على تعليم الأولاد في المدارس، وفي موريتانيا تنفق معظم الأسر الفقيرة 14-20% من ميزانياتها للحصول على المياه بسبب ضآلة البنية الأساسية للمياه.

ومن الممكن حتى عندما يتعذر تحديد الفقراء فرادى بواسطة الوسائل الإدارية تصميم الدعم ليصل إلى الفقراء، بالاستهداف القطاعي والاستهداف الجغرافي للريف والمناطق النائية والفقيرة، والاستهداف السلعي كالأغذية والتعليم والدواء.

العالم يتحدى الفقر

تسعى الدول والمنظمات الدولية كالبنك الدولي للإنشاء والتعمير في مكافحة الفقر، وقد حددت الأمم المتحدة الأهداف التالية للمجتمع الدولي حتى العام 2015 في مجال مكافحة الفقر:

1- تخفيض أعداد الفقراء إلى النصف

2- ضمان التعليم الابتدائي الشامل

3- إزالة التفاوت بين الجنسين

4- العمل على تخفيض معدلات الوفيات بين الأطفال الرضع بنسبة الثلثين

5- العمل على تخفيض معدلات وفيات الأمهات.

6- ضمان الحصول على خدمات الرعاية الصحية الإنجابية.

7- تنفيذ إستراتيجيات وطنية لتحقيق التنمية القابلة للاستمرار.

وكان اتجاه التنمية في الخمسينيات والستينيات إلى الاستثمارات التجارية ومرافق البنية الأساسية، وفي السبعينيات اتجهت التنمية إلى التعليم والرعاية الصحية، وفي الثمانينيات إلى تحسين إدارة الاقتصاد والسماح لقوى أن تلعب دورا أكبر، واقترح تقرير العام 1990 تشجيع الاستخدام المكثف للأيدي العاملة، والانفتاح الاقتصادي والاستثمار في مرافق البنية الأساسية، وتقديم الخدمات الأساسية للفقراء في مجالي الرعاية الصحية والتعليم، وبدأ خلال التسعينيات مفهوم حسن نظام الإدارة للمؤسسات.

وفي أوائل القرن الجديد اقترح البنك الدولي إستراتيجية تعتمد على ثلاثة مبادئ:

1- تعزيز إتاحة الفرص بتوفير الوظائف والائتمان والطرق والكهرباء والأسواق والمدارس والمياه والصرف الصحي والخدمات الصحية.

وتتضمن مشروعات تعزيز الفرص أيضا المساواة وتشجيع الاستثمار ومكافحة الفساد والعدل وسيادة القانون الشفافية وتكوين بيئة أعمال واضحة والتصدي للبيئة القائمة على الرشى والاحتكار وتقديم الدعم المالي لكبار المستثمرين وعقد الصفقات الخاصة وتشجيع وحماية المؤسسات الصغيرة.

2- التمكين: بالتفاعل بين العمليات السياسية والاجتماعية والعمليات المؤسسية الأخرى لتقوية مشاركة الفقراء في العمليات السياسية واتخاذ القرارات على المستوى المحلي وإزالة الحواجز لاجتماعية القائمة على الجنس أو العرق.

3- الأمن الاقتصادي والأمن من الكوارث والمرض والعنف وإدارة مخاطر الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد والفقراء.

وتتلخص إجراءات تحقيق الأمن في مساعدة الفقراء على مواجهة المخاطر الطبيعية كالفيضانات والانهيارات والزلازل والأعاصير والجفاف والبراكين.

والمخاطر الصحية: مرض، وباء، وعجز، وشيخوخة، والموت.

والمخاطر الاجتماعية: جريمة، وعنف، وإرهاب، والعصابات، والحروب والنزاعات.

والمخاطر الاقتصادية: البطالة، وقصور المحاصيل، وارتفاع الأسعار وتغيرها، وانهيار النمو، والتضخم، والتحولات التكنولوجية، والتداعيات المرافقة للتحولات الاقتصادية.

والمخاطر السياسية: أعمال شغب، وتقصير سياسي، وانقلابات عسكرية.

والمخاطر البيئية: تلوث، وتصحر، وإزالة الغابات، وكوارث نووية.

آليات درء المخاطر:
تقلل المخاطر بالصحة الوقائية، والبنى التحتية الأساسية، وتنويع المحاصيل، ومصادر الدخل، والتأمين والجمعيات والإرشاد والتضامن والضمان الاجتماعي، والاتحادات.

أسباب الفقر وإطار للعمل

مواطنون بنيكاراغوا يحاولون الحصول على نصيبهم من المساعدات الغذائية
تعيد الدراسات والمسوح الفقر إلى الأسباب التالية:

1- الافتقار إلى الدخل والأصول اللازمة للحصول على الضرورات الأساسية، الغذاء والمأوى والملبس والصحة والتعليم.

2- الشعور بأنه لا يسمع لهم صوت وأنهم لا حول لهم ولا قوة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

الإدارة المجتمعية
تعد مشاركة المجتمعات المحلية من الوسائل الفعالة في تخفيض النفقات على التنمية، وتزيد من فاعلية الناس، وقد كانت قبل قيام الدولة الحديثة من أهم وسائل الناس في تدبير احتياجاتهم، ثم ألغت الدولة هذا الدور وتولت هي كل شيء، ثم عجزت عن أداء مهماتها واتجهت إلى خصخصة الخدمات، وهو ما يجعلها غير متاحة للفقراء.

وقد طبقت دول عدة أسلوب الإدارة المجتمعية أي إشراك المجتمعات المحلية في إدارة البرامج وأنظمة الخدمات كالتعليم والصحة والموارد، ومن التجارب التي درست في هذا المجال تجربة دولة نيكاراغوا في المشاركة المحلية في نظام التعليم، وتقوم مبادئ هذه المشاركة في السياسات التالية:

تبقى المسؤولية القانونية عن التعليم العام للوزارة وإعداد المدرسين وتحديد مستويات التوظيف وتمويل رواتب المدرسين ومعايير ومؤهلات الأداء.

وتقوم مجالس التعليم المحلية والبلدية بتصريف الوظائف الإدارية ودفع رواتب المدرسين من اعتمادات مركزية والتعيين والتحويلات والإجازات والفصل والحوافز.

ويتعاون المدرسون والآباء ومجلس التعليم البلدي بمراقبة التعليم وعقد اجتماعات أسبوعية.

ولوحظ تحسن في مستوى التعليم وتخفيض للنفقات، وتشير التجارب إلى الحاجة إلى إطار تنظيمي قوي وإلى تدريب الآباء، ويمكن معالجة الكثير من الشواغل الأخرى المتعلقة بقيام درجة أكبر من مشاركة الأسر في التعليم من خلال التمويل العام، ويمكن أن تؤدي مشاركة المجتمع المحلي إلى زيادة الشعور بالملكية والقدرة على الاستمرار إذا قامت المجتمعات باختيارات مدروسة.

متسولة هندية تطلب العون تحت المطر بسبب الفقر المدقع الذي تعيشه في نيودلهي
وتساعد المشاركة في صنع القرار على اختيار الأولويات وخاصة في المجالات التي يصعب معالجتها من خلال التحليل الاقتصادي مثل القيمة النسبية للاستثمار الاجتماعي والإنتاجي والتكامل بين الاستثمارات وتحديد الأهداف داخل المجتمعات المحلية.

وطبقت في الهند تجربة الإدارة المشتركة للغابات في ولاية أندرا براديش، وبدأت التجربة عام 1992 وفي العام 1999 كانت خمسة آلاف منظمة قروية تشارك في إدارة 1.2 مليون هكتار من الغابات، وأمكن صيانة الغابات وتنميتها ووقف الرعي الجائر وتهريب الخشب، ومنعت التعديات على الغابات، وتحسن مستوى التربة والمياه الجوفية، وزاد الإنتاج الزراعي وازدهرت النباتات والحيوانات التي تعيش في الغابات وتناقصت الهجرة من المنطقة، وحصلت المنظمات على إيرادات متأتية من الغابات كالمنتجات غير الخشبية وحصاد الخيزران.

التكامل في العمل العام
تبنى أصول الفقراء بثلاثة مستويات، إعادة التوزيع والإدارة الفعالة واستخدام الأسواق بكفاءة والمشاركة.


الفقر ليس محصلة عمليات اقتصادية فقط وإنما محصلة تفاعل قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية
التمكين: حتى تكون مؤسسات الدولة أكثر استجابة للفقراء، فالفقر ليس محصلة عمليات اقتصادية فقط، وإنما هو محصلة تفاعل قوى اجتماعية وسياسية واقتصادية، ويمكن للدولة أن تقوم بما يلي:

1- تنفيذ سياسات للمساءلة والاستجابة للمنتفعين والمراقبة ومكافحة الفساد.

2- إصدار تشريعات منصفة للفقراء.

3- تحقيق مشاركة واسعة في توفير الخدمات العامة والحد من هيمنة النخب المحلية.

4- الدعم السياسي للعمل العام الموجه نحو مكافحة الفقر، وتيسير إنشاء جمعيات الفقراء، وتعزيز القدرة السياسية للفقراء.

5- احترام القانون وحريات التعبير وتشجيع مشاركة الفقراء في العمليات السياسية.

_____________
*كاتب وباحث أردني

المصدر : غير معروف